كيفية المضمضة والاستنشاق:
وَصْفُ المضمضة: هُوَ إدخَال الماء إلى الفم وإدارته، والمبالغة: أن تقدم ذلك إلى جهة الحلق دون أن يصلَ إليه.
والاستنشاق: جَذْبُ الماء بالهواء عن طريق النَّفَس، فإن بالغت، فتوصل ذلك إلى الخياشيم، وقد ورد في الحديث: " وبَالِغْ في الاستنشاق إلَّا أن تكون صائمًا ".
يبقى هنا فيما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق مسألتان:
المسألة الأولى: ما يتعلق بكيفية المضمضة والاستنشاق.
وعندما نعود إلى أَحَاديث الرسول ﷺ في وَصْفِ وضوئِهِ، نجد أنه تمضمضَ واستنشقَ، ففي بعضها أنه غرف غرفةً واحدةً، وبَعْضها أنها أكثر من ذلك، فهل يقتصر على غرفةٍ واحدةٍ، فَيُكْتَفى بها أيضًا في المضمضة والاستنشاق؟
ثمَّ هَلْ يُؤْخذ للمَضْمضة جزءٌ، ثمَّ بعد ذلك يمجُّهُ ويطرحه، ثم بعد ذلك يستنشق، وهكذا، .. فيتمها بغرفةٍ واحدةٍ مشتركةٍ بينهما؟
مع أن العلماءَ متفقون من حيث الجملة على أن المضمضة تقدم، أو أنه يأخُذ لهما ثلاث غرفاتٍ، يُشركُ بينهما في كل غرفةٍ، أو أنه يفصل بينهما، فيتمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، فيكون ذَلكَ ست غرفاتٍ، فِي هذا تفصيل للعُلَماء، ولا خلافَ بَيْنهم في أنَّ أيَّ طريقةٍ سَلَكها المسلم فهي صحيحةٌ.
المسألة الثانية: قضيةٌ مهمةٌ تتعلَّق بالقواعد الفقهية، ويجب دائمًا أن نربط الفقه بها.
стр. 142
مرَّ في أثناء كلامنا حديث: " وَبَالغ في الاستنشاق إلَّا أَنْ تكونَ صائمًا "، والحديث فيه الحضُّ على المُبَالغة في الاستنشاق، وفي حديثٍ آخر الحضُّ على المَضْمَضة والمبالغة فيها، ولا خلاف بين العلماء في أنه يُسْتحبُّ المُبَالغةُ في المضمضة والاستنشاق إلا للصَّائم، فلماذا مُنِعَ الصائم من ذلك؟ مُنِعَ خشيةَ أن يتسرب الماء إلى جوفه فيفطر؛ فهذه هي العلة.
وأَخَذ العلماءُ قاعدةً معروفةً من مثل هذا الحديث - وليس من هذا الحديث وحده - بل من عدة نُصُوصٍ، فَقَالوا: " دَرْءُ المَفَاسد مقدمٌ علَى جَلْب المَصَالح ".
فالمَضمَضَةُ والاستنشاقُ أُمِرْنَا بأن نبالغَ فيهما إلَّا أن يكونَ أحدُنَا صائمًا، فلا يفعل ذلك، والسَّبب: درءًا للمفسدة الَّتي هي أكبر من المصلحة، فالمبالغةُ مصلحةٌ، لكن المفسدة المُتَرتبة على ذلك أكبر، فيَنْبغي تَرْكها.
* قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ تَحْدِيدِ المَحَالِّ).
ومسألة تحديد المحالِّ مهمةٌ جدًّا، وقَدْ يكون خفاؤها على بعض الناس أكثر من المَضْمَضة والاستنشاق.
* قوله: (اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الوَجْهِ بِالجُمْلَةِ مِنْ فَرَائِضِ الوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وَاخْتَلَفُوا مِنْهُ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ).
وكَأنَّ المؤلِّف يميل إلى أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين، ولذلك فصلهما عن الوجه، وبعض العلماء يُدْخلهما ضمن الحديث عن الوجه، فيَجْعلهما مقدمةً للحديث عنه، فهنا تكلم عن المضمضة والاستنشاق، ثم بعد ذلك انتقل إلى الوجه.
إذًا، لا خلَافَ بين العُلَماء - رَحمَهم الله تَعالَى - على أن غسلَ الوجه فرضٌ، بَلْ إنَّهمْ أَجْمَعوا على ذَلكَ، ودليل ذَلكَ أمورٌ ثلاثةٌ:
أولًا: قوله الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾.
стр. 143
ثانيًا: مَا وَرَدَ من الأحَاديث عن الرَّسُول ﵊ التي وصفت لنا فعلَه.
ثالثًا: إجمَاعُ العُلَماء علَى ذَلكَ، فالمَسْألةُ مُجْمعٌ علَيها، وليست محل نقاشٍ، ولا جدالٍ، ولا محل تفصيلٍ (١).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْهُ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي غَسْلِ البَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ العِذَارِ (٢) وَالأُذنِ).
و" العِذَارُ ": هُوَ الشعر الَّذي علَى العظم النائي الذي هو سمت (٣) صماخ (٤) الأذن، فهذا البياض وَاجبٌ غسله عند أكثر العُلَماء؛ كالحنفية (٥)، والشَّافعيَّة (٦)، والحنابلة (٧)، وذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ مذهبَ
стр. 144
المالكيَّة فيه روايتان (١)، والذي أعرفه أنَّ الصحيحَ من مذهبهم إنَّما هو روايتهم مع جمهور العلماء (٢).
* قوله: (وَفِي غَسْلِ مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَفِي تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ).
والمراد بـ " مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ ": اللحية الطويلة؛ لأن اللحية على نوعين، والمؤلف هنا لم يفصلها:
١ - لحيةٌ خفيفةٌ.
٢ - ولحيةٌ كثيفةٌ.
ولكل واحدةٍ منهما حكمٌ، وقد يظن الإنسان أن الحديث عن اللحية لا يختلف، لا، فاللحية الخفيفة سنبين حدَّها، وكيف وَصَفها العُلَماء، فقَدْ ذكروا لها أمورًا ثلاثةً سَنعُودُ إلى شَرْحها.
* قوله: (فَالمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ البَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ العِذَارِ وَالأُذُنِ مِنَ الوَجْهِ).
ممَّا ينبغي أن يلتفتَ إليه: أنه لا يلزم من كلمة " المشهور " في أي مذهبٍ من المذاهب أن يكون هذا المذهب المشهور هو الصحيح، بَلْ قد تجدَ رواية ضعيفة في مذهبٍ من المذاهب وتكون هي الصحيحة، وهي التي تلتقي مع الأدلة، فلا يلزم أن تكون رواية اشتهرت في مَذْهبٍ،
стр. 145
وعُرِفَتْ، وأخَذ بها كَثيرٌ من الأصحاب أن تكون هي الصحيحة، لا، ففَرْقٌ بين " الصحيح " وبين " المشهور ".
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ فِي المَذْهَبِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الأَمْرَدِ وَالمُلْتَحِي (١)، فَيَكُونُ فِي المَذْهَبِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ).
" قِيلَ في المذهب "، تعني أنه قولٌ ضعيفٌ، وهذا المذهب الذي يقول عنه: " قِيلَ "، هو الصحيح في نظري، وهو الذي أخذ به جماهير العلماء.
وأنا لم أقف على أحدٍ فيما أعرف من أهل الفقه - خلال دراستي واطلاعي على كثيرٍ من كتب الفقه - فرَّق بينهما إلا هذه الرواية عن مالكٍ ﵀، وهُوَ قولٌ لأَبي يُوسُف صاحب أبي حنيفة الإمام القاضي المعروف (٢).
وَسَببُ تَفْريقهما بين الأمرد والملتحي: هو المواجهة؛ فإن الأمردَ لا يوجد عنده فاصلٌ؛ فتحصل المواجهة، وغير الأمرد لا تحصل له مواجهةٌ؛ لوجودِ فاصلٍ … وهذا التعليل في نظري فاسدٌ وضعيفٌ، والصَّحيحُ هو مذهب جماهير العلماء في هذه المسألة.
* قوله: (فَيَكُونُ فِي المَذْهَبِ فِي ذَلِكَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ).
الجمهور (الحنفية، والشافعية، والحنابلة): البياض الذي بين العِذار وبين الأذن يجب غسله.
رواية للمالكية: خالفوا فيها، وفي نظري ضعيفة، لا أعني: ضعيفة في المذهب، وإنما أعني من الناحية الفقهية.
стр. 146
رواية عن مالك ورأي أبي يوسف: التفريق بين الملتحي والأمرد.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ مِنَ الوَجْهِ).
وأحمد أيضًا، فَتنبَّهْ (١)؛ لأنه لا يذكر مذهب أحمد إلا قليلًا.
• قوله: (وَأَمَّا مَا انْسَدَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى وُجُوبِ إِمْرَارِ المَاءِ عَلَيْهِ (٢)، وَلَمْ يُوجِبْهُ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَلَا الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ) (٤).
" في أحَد قَوْليه": يُفْهم منه أنَّ هناك قولًا آخر للشافعي، وَهُوَ الَّذي صحَّحه أكابر علماء المذهب (٥)، وهو أيضًا مذهب الإمام أحمد (٦).
فعَاد الشافعيَّة والحنابلة، واتَّفقوا مع المالكيَّة فيما يتعلَّق بإمرار الماء على ما انسدلَ من اللِّحية.
فكيفَ نُفرِّق بينهما؟
إذا عرفنا ضابط اللحية الخفيفة، تبيَّن لنا ضابط اللحية الكثيفة، وهُنَاك أقوالٌ للعُلَماء في وَصْف اللحية الخفيفة، ولكنَّها كلها تلتقي حول أمرٍ واحدٍ …
فبَعْضُهُم يقول: اللِّحيةُ الخفيفةُ هي ما اصطلح الناس على أنها خفيفةٌ، بناءً على قاعدةٍ معروفةٍ: "العادة مُحَكَّمَة" (١) التي بُنِيَتْ على أثر عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "مَا رَاَه المُسْلمونَ حسنًا فهو عندَ الله حَسن، وما رَأَوْه سيئًا فهو عند الله سيِّئٌ" (٢).
فما رآه الناس لحيةً خفيفةً، فهي خفيفةٌ، وما رَأوها غير خفيفةٍ، فهي اللحية الكثيفة.
وبعضهم يقول: اللحية الخفيفة هي التي يصل الماء إلى أعماقها دون مَشقَّةٍ (٣).
وبعضهم يقول: هي التي تصف البشرة، أَيْ: التي تستطيع أن ترى البشرة من خلالها، فهذه اللحية الخفيفة إنما يجب غَسْلها عند كافة العلماء (٤).
стр. 149
وفي نظري: أنَّ أصلحَ الأقوال وأبينها هو القول الثالث.
وعلى ذلك: إن كانت اللحية خفيفةً، فيجب غسلها؛ لأنها حلت محل البشرة فغطتها، ولم تغط البشرة تغطية تداريب البشرة، فالبشرة أصبحت بائنةً وظاهرةً، والوصول إليها سهلٌ.
أما اللحية الكثيفة التي لا تُرَى من خلالها البشرة، أَوْ لَا تُوصَف البشرة بسببها:
فالأئمة الأربعة متفقون على أن تخليلها مستحبٌّ، وليس بواجبٍ (١).
وهناك رواية تُنْقل عن إسحاق بن راهويه ﵀ أنه لو ترك الإنسان تخليلَ لحيته عامدًا، لا يصحُّ وضوؤه، لكن هذا قول ضعيف (٢).
وَقَدْ وَرَد في تخليل اللِّحية أحاديث، وإن كان المؤلف وغيره قالوا: إن كُلَّ الأحَاديث التي وَرَدتْ في تخليل اللحية ضَعِيفَةٌ (٣)، فَالوَاقعُ خلاف
стр. 150
ذلك (١)، بَلْ فِي "سنن الترمذي ": حسن صحيح (٢)، ورَوَاه الحاكم، وَصَحَّحه، وَوَافقه الذهبيُّ عليه (٣).
وهُنَاك حديثٌ حسَّنه الحافظ ابن حجر ﵀ (٤).
ونجد بعض طلاب العلم يَتسَاهلون في الأحاديث التي يَذْكرها الحاكم، فيَقُولون: وهو على شرط الشيخين، أَوْ على شرط مسلم، أو على شرط البخاري، بينما قَدْ يكون الحديث ضعيفًا.
وهناك قضية مهمةٌ جدًّا ينبغي أن ينتبه لها طالب العلم: وَهِيَ مُوَافقة الإمام الذَّهبيِّ للحاكم في تصحيحه، فَمُوَافقة الذهبيِّ للحاكم في تصحيحه إنَّما هي تسند وتعضد ذلك التصحيح، والإمام الذهبي أحد العلماء، وهو من أخصِّ أصدقاء شيخ الإسلام ابن تيمية، ويُعْتبر بمَثَابة تلاميذه، وهو من الأئمة الذي كَتَبوا في علوم الحديث فيما يتعلق بطبقات الرِّجال والجرح والتعديل، وله كتابه المعروف الشهير "تاريخ الإسلام" الذي طبع أكثره، وكَذَلك كتابه: "سير أعلام النبلاء".
стр. 151
وعليه: فالتخليلُ مندوبٌ.
وقَدْ يسأل سَائلٌ فيَقُولُ: قلتم هناك بوُجُوب المضضة والاستنشاق، فلماذا - ما دَام قَدْ صحَّت فيه أحاديثُ - لا تَقُولون بوُجُوب تخليل اللحية؟
الجواب: هذه المسألةُ تَخْتلف عن سَابِقَاتِهَا؛ لأنَّ تخليلَ اللحية في الأحاديث التي وردت في "الصَّحيحَين"، وَفِي أَحَدهما؛ لم يَرِدْ فيها أن الرسول ﵊ خلَّل لحيته، فلو كان التخليلُ واجبًا، لَمَا تركَه الرسول ﵊، والتخليلُ بيانٌ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذه قاعدة أصولية معروفة، فكون الرسول ﵊ ترك التخليل في كَثِيرٍ من الأحاديث، وَوَرَد في بعضها، صار دليلًا على أن التخليل غير واجبٍ، لكن ينبغي أن يَعْتني به الإنسان.
ما هي طريقة التخليل؟ أو كيف يخلل الإنسان لحيته؟
وَرَد في أحاديثَ أن الرَّسُولَ ﵊ أخذ مَاءً بكفِّه، ثمَّ بدأ بلِحْيتِهِ من جهة الحنك، فأَخَذ يُخلِّلها (١).
وقَدْ فصَّل الإمام أحمد ﵀ التخليلَ فيما نُقِلَ عنه في "مسائلِهِ" (٢)؛ (مسائل بعض العلماء الذين نقلوا عنه): أنه يبدأ - كما وَرَد في الحديث - من جهة الحنك، ثم يخلل ذلك بأصابعه، هذا هو معنى التخليل.
стр. 152
كيف نغسل الوجه؟
هل نأخذ الماء بالكفين معًا ثم نغسله، وإذا فعلنا ذلك فمن أين نبدأ؟
غَسْلُ الوَجْه يُبْدأ من أعلَاه، وقد ذكر العلماء لذلك أسبابًا ثلاثةً:
السبب الأول: أن الذين حَكَوا لنا وضوء رسول الله ﷺ بيَّنوا أنه بدأ بأعلى وجهه.
والسبب الثاني: هذا هو الطريق السليم، لأن الماءَ ينزل، ولا يصعد، فإذا بدأتَ من الأعلى، ساعدك الماء، وصار معك، فنزل إلى أسفل الوجه.
والسبب الثالث: إن أشرفَ ما في الوجه أعلاه، والذي في أعلى الوجه إنما هو الجبهة والأنف، وهُمَا موضع السجود، وقَدْ ورَد في الحَديث الصَّحيح: "أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ من ربِّه وهُوَ سَاجدٌ" (١)، ففِيهِ بَيانٌ على أهميَّة السُّجود، ولا شكَّ أن من أعظم المواقف التي يظهر فيها ذُلُّ العبد وخضوعه لله هو أن يَطَّرِحَ بين يديه، وأن يضع أشرفَ عضوٍ في بدنِهِ على الأرض، هذا لا شك أنه غايةٌ في الذل والخضوع والانقياد والطاعة لله ، وهذا الذي ينبغي دائمًا أن يكون عليه المؤمن ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وأَخْذ الماء إنَّما يكون في اليدين، لأنَّ هذا أضمن للتعميم.
وهُنَاك مَنْ يرى الاقتصارَ على يدٍ واحدةٍ: وهذا رأيٌ صحيحٌ عند
стр. 153
العلماء أن تأخذَ الماء بيدٍ واحدةٍ، ثمَّ بعد ذلك تغسل وجهك (١).
وبَعْضُهُم يرى: أن تأخذَه بنفس اليد، وَلَكن تضع ظاهر الكف اليمين في باطن الكف اليسار؛ لتعينها، ثم بعد ذلك تغسل الوجه (٢).
ولكن لا شك أن أولاها وأشملها وأحوطها والذي تطمئن إليه النفس هو أَخْذُ الماء بكفَّين، ولا شكَّ أن الواجب في غسل الوجه إنما هو مرة واحدة، وأن المرتين والثلاث أفضل؛ لأن الرسول ﵊: "توضأ، فَغَسل وَجْهه مرةً مرةً" (٣)، وغسله مرَّتين (٤)، وغسله ثلاثًا (٥)، ولا شك أن في الثانية أحوط من الأولى، فقد يبقى شيءٌ مثلًا من وجه الإنسان فتتمه الثانية، وتأتي الثالثة زيادةً في ذلك.
هل تُغْسل العينان؟
نُقِلَ عَنْ عبد الله بن عُمَرَ ﵄ الصَّحابي الجليل، وهُوَ من أشدِّ الصَّحابة عنايةً بآثار الرَّسول ﵊، وبتتبُّع حَرَكاتِهِ وسكناتِهِ يقف في الموقف الذي وقف فيه، ويستظل فيما استظل فيه، ويجلس فيما جلدس فيه، وهكذا .. نقل عنه أنه كان يغسل عينيه (٦)، فهل غَسْلُ العَيْنين من السُّنَّة أو لا؟ وهل يَنْبغي غَسْلهما أو لا؟
стр. 154
الصَّحيحُ أن غسلَهما ليس من السُّنَّة (١)، أقصد إدخال الماء فيهما، وليس غسل العينين وهي مغمضة، فَهَذا واجبٌ؛ لأنَّ غسل الوجه كله واجبٌ ومتعينٌ، لَكنَّ الكَلَام في إدخال الماء في العَيْنين، هل يُسَنُّ أو لا؟ الصَّحيح أنَّ ذلك غير مُسَنٍّ، والفقهاء أيضًا نَصُّوا على أنَّ العينَ تتضرَّر، وهَذَا ظاهرٌ بلا شكٍّ.
مسألة الدَّلك:
المالكيَّة ينفردون بالدَّلك؛ فيرونه مُتعَين في غسل الوجه (٢)، ولا شكَّ أن هذا أَوْلَى وأتمُّ، ولكن لو تركه لم يلزمه.
• قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلافُهُمْ فِي صِحَّةِ الآثَارِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الَأمْرُ بِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ، وَالأكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ).
هُنَاكَ كلامٌ نَسْمعه كثيرًا: أنَّ الأحاديثَ التي وردت في التخليل كلها غير صحيحةٍ، وهذا غير مُسَلَّمٍ، نعم أكثرها غير صحيحٍ، ولكن يُوجد فيها ما هو حسنٌ أو صحيحٌ كما ذكرنا، ونحن لا نقوله بَالوجوب؛ لأنَّ أكثرَ الأحاديث الصحيحة ترك فيها الرسول ﵊ تخليل لحيتِهِ؛ فلا يُقَال بالوجوب هنا، وإنما بالاستحباب.
• قوله: (مَعَ أَنَّ الآثَارَ الصِّحَاحَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا صِفَةُ وُضِوئِهِ ﵊ لَيْسَ فِي شَيءٍ مِنْهَا التَّخْلِيلُ).
стр. 155
هذا صحيحٌ؛ وأَكْثَرها ليس فيه التخليل، ولذلك لا يُقَال بالوجوب كما قدَّمنا.
• قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ مِنَ التَّحْدِيدِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ غَسْلَ اليَدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]).
بَدَأ المُؤلِّفُ فذَكَر أنَّ هذه المسألة متعلقةٌ بالمحال، وأنه لا خلاف بين العلماء في وجوب غسل اليدينِ، وأن ذلك أيضًا فرضٌ من فرائض الوضوء، ولذَلكَ ذكر غسل اليد، فَذكر الكفَّ والذِّراع، وسيأتي الخلاف في إدخَال المِرْفَقين، وإدنْ كالن الذين خالفوا في ذلك قلةً (أي: في إيجابهما) إلا أن الخلاف قائمٌ ومعروفٌ، ولكلٍّ أيضًا وجهةٌ ودليلٌ يتمسك به.
إذًا، لا خلاف بين العلماء في وُجُوب غسل اليدين، وإنما الخلاف في إدخَال المِرْفَقَين (١).
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْخَالِ المَرَافِقِ فِيهَا؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ وَمَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، إِلَى وُجُوبِ إِدْخَالِهَا).
стр. 156
الأئمَّة الأربعة ﵏ على وُجُوب إدخالها (١).
والسَّببُ في هذا الخلاف هو حرف الجر "إِلَى" في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، هل هي بمعنى "مع"؟
فَذَهب الجُمْهورُ إلى أنَّ "إِلَى" بمعنى "مع" (٢)؛ فَقَالوا بوُجُوب إدخَال المِرْفَقَين.
وَاستدلُّوا عَلَى أنَّ "إلَى" بمَعْنى "مَعَ " بوُرُودها في القُرْآن الكَريم في آيَاتٍ، منها قول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ يعني: مع أموَالكم، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ يعني: مع الله، ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]؛ يَعْني: مع قُوَّتكم.
إذًا، ورد لفظ "إلى" بمعنى "مع" في القرآن الكريم.
ثمَّ استدلُّوا بحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان رَسُولُ الله ﷺ إذا توضأ، أدار الماء على مِرْفَقَيه" (٣)، لكنَّ هذا الحديث ضعيفٌ (٤).
واستدلوا أيضًا بما في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة ﵁: أنه توضأ، ثمَّ غَسَل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى
стр. 157
حتى أشرع في العضد … ثمَّ قال: هكَذا رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ يتوضَّأ (١).
وَذَهَب بَعْضُهُم إلَى أنَّ "إِلَى" للغَاية (٢)، استدلُّوا بقَوْل الله تَعالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
قالوا: وهي أشهر لغةً، وهذه الآية دليلٌ على اشتهارها.
وقالوا: إنَّ الليلَ غير النهار، والصَّائمُ لا يصوم جزءًا من الليل، كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذا أقبلَ اللَّيل من هاهنا، وأدبرَ النَّهارُ من هاهنا، وَغَربت الشَّمْس، فقَدْ أفْطَرَ الصَّائم" (٣)؛ فبانتهاء النَّهار يُفْطِرُ الصَّائم.
ومعنى قولهم بأنَّ "إلى" للغاية؛ أي: أن المرفق غايةٌ للوقوف عنده، فقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾؛ يَعْني: المَرَافق لا تَدْخل ضمن الغَسْل، ف ﴿إِلَى﴾ يَرَون أنها قد أَخْرَجت المِرْفَقَين وأَبْعَدتهما من الوُجُوب، فهُمَا خارجان عن ذلك، فَلَا يجب غسلهما؛ أَيْ: الواجب إنَّما هو ما دون المِرْفَقَين، أما ما بعد ﴿إِلَى﴾، فَخَارجٌ عنها.
• قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٤)، وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ
стр. 158
مَالِكٍ (١)، وَالطَّبَرِيِّ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِدْخَالُهَا فِي الغَسْلِ).
قال: "وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ": الَّذي أعلمه هو واحد من أهل الظاهر (داود الظاهري)، فقد يكون قوله: "بعض" يريد به أكثر من واحدٍ (٣).
قال: "وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَاب مَالِكٍ": فعندما تُقلِّب صَفَحات كُتُب المذاهب، لَا تجد أن أحدًا أخَذ بهَذا القول، وإنما انفرَد به من أصحاب المذاهب الأربعة بعضُ متأخري المالكية، وأمَّا رأي الإمام وأصحابه المتقدمين، فَمَع جماهير العلماء في هذه المسألة.
قال: "والطَّبَريِّ": ابْن جَرِيرٍ الطَّبري المفسر المعروف، وهُوَ الَّذي يقول عنه بعض العلماء: إنَّ الاجتهادَ وقف عنده؛ فهناك بَحْث أصوليٌّ مشهورٌ فيما يتعلق بالاجتهاد، هل الاجتهاد قائم أو أنه توقف عند فترة؟
فيَقُولون: إنَّ الاجتهاد انتهى عند ابن جرير الطبري المتوفَّى سنة عشر وثلاثمائة (٤).
стр. 159
والصحيح: أن بابَ الاجتهاد لم يُغْلق، وأنَّ الأئمة لا تزال بحاجةٍ إلى ذلك؛ لأن هذا الفقه الإسلامي بابه واسع، والحوادث تتجدَّد، والوقائعُ تحصل في كلِّ زَمَانٍ ومكانٍ، والفقه في الحقيقة يسير مع الإنسان في كلِّ فترةٍ من فَتَرات حياته يصحبه حضزا وسفزا، فهو دائمًا لا يَسْتغني عن هذا الفقه، وقد جدَّت مسائلُ في عصرنا الحاضر لَمْ تكن معروفةً فيما مَضَى.
فبَعْد ابن جريرٍ الطَّبري حصلت أمورٌ جديدةٌ؛ كمسألة الحشيشة المحرمة، فإن تفصيل العلماء فيها إنما جَاء في القرن الثامن أيامَ شيخ الإسلام ابن تيمية، وَكَانت له فَتَاوى معروفة ومتفرقة في كُتُبه، وكذلك لغيره، ثمَّ بعده ابن حجرٍ الهيثمي، وغير هؤلاء.
فَالوَاقعُ أنَّ الفقهَ الإسلاميَّ فقهٌ خصبٌ، وشاملٌ، يسير مع الحياة أينما كانت، وفي أي مكانٍ كان، والمسلم يحتاج إلى هذا الفقه، ولا يَنْبغي أن يُقَالَ بأنَّ بابَ الفقه أُغْلق.
وهناك أسبابٌ ذَكَرهَا العلماءُ دَعَتْ بعضَهم إلى أن يقول بأن بابَ الاجتهاد قد أُغْلق، وهي معروفةٌ في "تاريخ التشريع الإسلامي".
وَالحنابلةُ ممَّن لم يُوَافقوا أو لم يقولوا بغَلْق باب الاجتهاد، ومَنْ أراد أن يعرف هذا، فليقرأ في، "أصول الفقه".
• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ "إِلَى" وَفِي اسْمِ اليَدِ فِي كَلَامِ العَرَبِ).
حرف "إلى"، حرفٌ من حروف الجر، يدلُّ على الغاية، لكنَّ الاشتراك الذي فيه يَدُورُ بين أمرين:
- الغاية: وهي الكثيرة في لغة العرب، لكن لا يمنع أَنْ تكون في الآية بمعنى: "مع"؛ لأننا وَجَدنا ذلك في أسلوب القرآن، فاليد إذا أُطلقت إطلاقًا عامًّا، فإنها تنصرف إلى الكفِّ، ولذَلكَ يَقُولُ الله في سورة
стр. 160
المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (١).
والعُلَماء مُجْمعونَ على أن يد السارق تُقْطع من مفصل الكف، ولم يقل أحَدٌ بأكثر من ذلك (٢)، وكذلك في التيمُّم في قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، والمسح بالنسبة إلى التيمم يقتصر على الوجه والكفين؛ فدلَّ على أنَّ اليد في الأصل إذا أُطْلقت، تَنْصرف إلى الكَفِّ، لكنَّها قَدْ تُقَيَّد بأكثرَ من ذَلكَ.
• قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ حَرْفَ "إِلَى" مَرَّةً يَدُلُّ فِي كَلَامِ العَرَبِ عَلَى الغَايَةِ، وَمَرَّةً يَكُونُ بِمَعْنَى "مَعَ" (٣)).
كما ذكرنا الآية: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا من أدلة الفريق الذين خالفوا.
• قوله: (وَاليَدُ أَيْضًا فِي كَلَامِ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: عَلَى الكَفِّ فَقَطْ، وَعَلَى الكَفِّ وَالذِّرَاعِ، وَعَلَى الكَفِّ وَالذِّرَاعِ وَالعَضُدِ).
ويقولون أيضًا: إن اليد في لغة العرب تطلق على:
١ - الكف.
стр. 161
٢ - الكف والذراع.
٣ - الكف والذراع والعضد.
قالوا: وهذه كلها مطلقةٌ، فلما قال: (إلى المرفقين)، قَصَد من ذلك إخراج المرفقين فَمَا بعدهما … وهذا كلام صحيحٌ.
وقد رأينا شواهدَ وأمثلةً ذكرنا بعضًا منها في القرآن الكريم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ يعني: "مع"، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: "مَعَ الله"، وغير ذلك من الايات الكثيرة (١).
• قوله: (فَمَنْ جَعَلَ "إِلَى" بِمَعْنَى"مَعَ"، أَوْ فَهِمَ مِنَ اليَدِ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ الَأعْضَاءِ، أَوْجَبَ دُخُولَهَا فِي الغَسْلِ).
فمَنْ فَهِمَ من اليد في هذا الموقف أنها تَشْمل الأمورَ الثلاثةَ (الكَف والسَّاعد والعضد)، وهُمُ الجمهور قالوا بوُجُوب إدخال المرفقين، لَكنَّ المرفقين وُضِعَا حدًّا لإخراج العضد، وهذا هو الظاهر.
• قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ "إِلَى" الغَايَةَ، وَمِنَ اليَدِ مَا دُونَ المِرْفَقِ).
يَعْني: مَنْ فهم أن "إلى" تدلُّ على الغاية، يَعْني: ما بعدها خارجٌ عمَّا قبلها يَقُولُون: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فقد وقفت الآية بنا عند المرافق، فيَنْبغي أن نخرجَ المرفقين.
وجَماهيرُ العلماء فصلوا في أثناء ردِّهم على الفَريق الآخر وقالوا: فَرقٌ بين أَنْ تكونَ الغَايةُ من جنس ذي الغاية أَوْ لَا، فإذا كانت الغاية من جِنْسِ ذي الغاية، دَخَلت كَمَا في هذه الآية: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
стр. 162
• قوله: (وَلَمْ يَكُنِ الحَدُّ عِنْدَهُ دَاخِلًا فِي المَحْدُودِ لَمْ يُدْخِلْهَا فِي الغَسْلِ).
فَالآخرون لا يَرَون الحدَّ الذي هو المرفقان، والمرفقان هُمَا المنطقة الفاصلة بين الذراع والعضد، وسيأتي الكلام فيها إذا قطعت اليد من المرفق، هل يغسل الجانب الاخر أو لا.
• قوله: (وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّهُ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ اليُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ اليُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ").
فَعَلَ أَبو هُرَيرةَ ﵁ هذا الفعلَ، ثمَّ نسب ذَلكَ الفعل إلى رَسُول الله ﷺ فَقَال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فعل ذلك، وقد وَجَدنا من الصحابة مَزْ توضأ وضوءًا ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأ كما في حديث عثمان المتفق عليه، وفي حديث عبد الله بن زيد، وفي حديث علي بن أبي طالب الذي هو صحيح وَإِنْ لم يكن في "الصَّحيحَين"، أو في أحدهما.
• قوله: (وَهُوَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ إِدْخَالَهَا فِي الغَسْلِ).
إذًا، هَذَا دليلٌ يدعم ويقوي مذهب جُمْهور العلماء، وهم العلماء قاطبةً إلا مَنْ شذَّ، وهو نصٌّ في المدَّعَى أي: رفع كل إِشْكَالٍ وأزَالَه.
• قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، وَجَبَ أَلَّا يُصَارَ إِلَى أَحَدِ المَعْنييْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ).
يَقُولُ المؤلف ﵀: إذا قلنا: إنَّ "إلَى" مُتَرددةٌ بين مَعْنَيين: الغاية و"مع"، فلا ينبغي أن نرجِّح أحدهما على الآخر إلا بمرجحٍ خارجيٍّ،
стр. 163
والمرجح هنا هو هذا الفعل الذي فَعَله أبو هريرة ﵁، ثم نَسَبه إلى رسول الله ﷺ .
• قوله: (وَإِنْ كانَتْ "إِلَى" فِي كلَامِ العَرَبِ أَظَهَرَ فِي مَعْنَى الغَايَةِ مِنْهَا فِي مَعْنَى "مَعَ").
ولا يَمْنع قَوْله: "أَظَهَرَ فِي مَعْنَى الغَايَةِ" ألا يكون المرفقان داخلين؛ لأن كونها أكثر، لا يمنع أن يكون الأقل هو الصحيح.
• قوله: (وكذَلِكَ اسْمُ اليَدِ أَظَهَرُ فِيمَا دُونَ العَضُدِ مِنْهُ فِيمَا فَوْقَ العَضُدِ، فَقَوْلُ مَنْ لَمْ يُدْخِلْهَا مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَرَجَحُ).
وَهَذا الكَلامُ يُرَدُّ عليه بأن يُقَال: اليد بالنِّسبة للكفِّ أظهر في اليد عند إطلَاقها على الكفِّ والذِّراع.
• قوله: (وَقَوْلُ مَنْ أَدْخَلَهَا مِنْ جِهَةِ هَذَا الَأثَرِ أَبْيَنُ).
أي: وقول مَنْ أدخل المرفقين من جهة هذا الحديث أظهر وأبين، وقد نَبَّهت أن المؤلف له منهجٌ مستقلٌّ خالفَ فيه غيره، فهو يُطْلق على الأحاديث الآثارَ، فيقول: الأثر، وهو يقصد به الحديث، وهذا الحديث قد ورد في "صحيح مسلم"؛ لأنَّ أبا هريرة هانْ توضأ إلا أنه نسب ذلك الفعل إلى الرسول ﵊، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعل.
• قوله: (إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الَأثَرُ عَلَى النَّدْبِ، وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَة كَمَا تَرَى، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الغَايَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ ذِي الغَايَةِ، دَخَلَتْ فِيهِ).
كَمَا ذكَرنا الغاية هنا من جنس ذي الغاية، فَمَا قبل المرفقين هو من جنس ما بعدها، لأن هذه يدٌ، وهذه يدٌ.
стр. 164
• قوله: (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ، لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ).
كَمَا في قَوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وبذَلك تضعف حُجَّة الذين خَالفوا.
الخلَاصةُ: أنَّ كافَّة العلَماء - وفِيهِم الأئمَّة الأربعة - قَالُوا بدُخُول المِرْفَقَين في اليدين، ولم يقل بإخراج المرفقين إلا مَنْ نَدُر من العلماء، كبعض المتأخرين من أصحاب مالكٍ وابن داود الظاهري، ونسبة هذا الرأي أيضًا إلى ابن جرير الطبري ﵀ تحتاج إلى تحقيقٍ.
وهنا عدَّة أسئلة، لو أن إنسانًا قُطعَتْ يده من قِبَلِ المرفق، فلا خلافَ بين العلماء في وجوب غسل ما تبقَّى، وإذا قطعت يده من المرفق (أي: من المفصل)، وبَقِيَ العظم الآخر المقابل للعظم الذي قُطِعَ، فهذه مسألةٌ فيها خلافٌ، ولكن الصحيح فيها هو وُجُوب غسل المقابل.
بَلْ إنَّ بعضَ العُلَماء يَتَعدَّى ذلك ويقول: لو قطعت اليد من الإبط، فإنه ينبغي إمرار الماء على ذلك حتى لا يعدم ذلك العضو الطهارة.
والقطعُ راجعٌ لليد أو الرِّجل أيضًا، فهذا الذي قطعت بعض أطرافه إن استطاع أن يتطهَّر، فذلك أمرٌ مطلوبٌ منه، وإن لم يستطع، فيَنْبغي أن يبحث له عن أحدٍ ليطهِّره، سواء كان متبرعًا أو بأجرةٍ، وَإِنْ لم يجد مَنْ يُوضِّئه، أو وجد ولكنه استغلَّ الموقف، وزاد عليه في الأجرة، فإنه حِينَئذٍ يصلي بغير طهارةٍ، وإن لم يستطع أن يتيمم قالوا: يصلي؛ لحُرْمة الوقت، لكن عليه أن يعيد.
يبقى هنا أيضًا مسائلُ مهمةٌ جدًّا، فالذي تحدَّثنا عنه (الذي قُطعَتْ يده) لا يخلو من أمورٍ:
١ - إما أن يستطيع أن يتطهر بنفسه، وهذا مطلوبٌ.
٢ - وإمَّا ألَّا يستطيعَ، فلا بدَّ من طُرُقٍ عدَّة ليصلَ بها إلى الطهارة، فهو إن استطاع أن يتطهَّر، فَنِعِمَّا هي حتى ولو بيدٍ واحدةٍ؛ لأن الأفضل بالنسبة لغسل اليدين أن يأخذ الماء، فيبدأ بأطراف أصابعه فيغسلها، فيدير
стр. 165
يده الأُخرى على عضده، يعني: على ذراعه، إذن يغسل يده، فيَبْدأ من أطرَاف الأصابع، ثمَّ ينزل بعد ذلك إلى الذراع، أما العضد فلا يدخل … هذا بالنسبة للغسل.
والدَّلك ليس واجبًا هنا على الصحيح من مذاهب العلماء، لكن بعض العلماء يُفرِّق بين أن يغسل الإنسان بيده هو، فيحمل الماء بيده اليمنى، ثمَّ بعد ذلك يبدأ فيغسلها هكذا حتَّى يصل إلى المرفقين، فيَرَون أنه يبدأ من أطراف الأصابع.
وبعضهم يقول: إذا صبَّ عليه إنسان الماء، فإنه يبدأ من المرفقين، عكس الطريقة، وهذه كلها جائزةٌ عند العلماء، وليس فيها إشكال، ولم يقل أحذ منهم بأنَّ ذلك غير صحيحٍ.
قد يُشْكل على البعض فيقول: نحن أول ما نبدأ نغسل الكفين، وهذا مُجْمعٌ عليه استحبابًا بين العلماء، ولكنَّ الخلاف في وُجُوب غسل اليدين في حق القائم من النوم، والتفريق بين نوم الليل وبين غيره عند بَعْضهم.
والصحيح: أن غسلَ الكفَّين أمرٌ منفصل، ولا يتعلق بغسل اليد، فإذا غسلتَ يديك قبل أن تضعهما في الإناء، فلا بدَّ أن تعود فتغسل ذَلكَ من أطراف الأصابع، والغسلُ السابقُ خاصٌّ بالكَفَّين قبل إدْخَالهما الإناء، إما استحبابًا أو وجوبًا في حق القائم من نوم الليل.
وهُنَاك بعض المسائل يذكرها العلماء فيما يتعلق باليد، فيقولون: لو أن إنسانًا خَرجتْ له في أي جزءٍ من أجزاء الوجوب إصبع سادسة أو إصبعان، أو خرجت له يد، فَيَجب عليه غسلها مع أجزاء الوجوب، بل إنَّ العلماء ﵏ يقولون: لو انقطعت جلدةٌ، فدخلت في موضع الفرض، فأصبحت محاذيةً له، فإنه يجب غَسْلها.
وقالوا أيضًا: إذا قطعت جلدةٌ من أعلى موضع الفرض، ثم تدلت، فأصبحت ملاصقةً لمحل الفرض، يجب غسلها.
وقد توسَّع العلماء في مثل هذه المسائل، وعُنُوا بها عنايةً بالغةً،
стр. 166
ليجعلوا أحكام هذا الدين واضحةً جليَّةً لا لبس فيها، ولا غموض، وقد نبَّهنا من قبل إلى أن الفقه الإسلامي اشتمل على مميزات كثيرة، منها: الشمول، فهو يتَّسع لكل ما جَدَّ وَوَقع، وفيه الحل لكل مشكلة، والجواب عن كل معضلة مهما تعدَّدت المسائل وتنوعت الوقائع، فإذا لم يكن ثمة نصّ في كتاب الله ، ولا في سُنَّة رسوله ﷺ ، فهناك طرقٌ أُخرى من طُرُق الاستدلال؛ كالقياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، وسدِّ الذرائع، وغير ذلك من الأمور التي يذكرها العلماء في أصول الفقه.
• قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ مِنَ التَّحْدِيدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي القَدْرِ المُجْزِئِ مِنْهُ) (١).
قال المؤلف: "اتفق العلماء"، وهذا كلامٌ فيه ضعفٌ في نظري؛ لأنَّ العلماء أجمعوا على أن مسحَ الرأس فرضٌ من فُرُوض الوضوء، فهَذَا محلُّ إجماعِ في الواقع، وليس محل اتفاق؛ لأن الاتفاق درجته أضعف من الإجماَع، لكنَّ المسألة مجمعٌ عليها، والآية اشتملت على فرائض أربعة، قال الله ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فهَذِهِ الأمور الأربعة مجمعٌ عليها من حَيْث الجُمْلة، لكن الخلاف بين الفقهاء في بعض الجزئيات؛ كاختلافهم في البياض الَّذي بين العذار في الوجه، وفي تخليل اللحية، وفيما انسدل من اللحية، واختلافهم بالنسبة لليدين في إدخال المرافق وغيرها.
• قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ مَسْحُهُ كلُّهُ).
يَدُورُ الخلافُ حول البَاء الَّتي في الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
стр. 167
* فَمِنَ العلماء مَنْ قال: إنَّ الباء هنا للإلصاق، وقد جاءت بمزيدٍ من الحكم.
* وقال بعضهم: إن الباء إنَّما هي للتبعيض.
* وقال بَعْضهم: إن الباء زائدةٌ.
وسواءٌ قلنا: إن الباء للإلصاق، أو بأنها زائدةٌ، فَهَذا هو مذهب الذين قالوا بتعميم مسح الرأس.
فائدتان:
الفائدة الأولى: نجد بعض المُفسِّرين أو بعض الفقهاء أحيانًا يقولون: (زائد)، هل يجوز أن يقال: في كِتَاب الله بأن هذا حرف زائد، والله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]؟ فنقول: إن قصدَهم بالزيادة هنا زيادة إِفَادَةٍ، فإن الباءَ هنا جاءت لزيادة التأكيد، والذين درسوا البلاغة يعرفون أن المؤكِّدات كثيرة، منها الجملة الاسمية، إذا اقترنت بها اللام والقسم، ومعلوم أيضًا أن المخاطب على أنواعٍ، ولكلٍّ أسلوب في المُخَاطبة، فالمنكِر له صفةٌ يُخَاطب بها، والمتردِّد له طريقةٌ يُخَاطب بهًا، وغير المتردِّد له وسيلةٌ يخاطب بها، فهو لا يحتاج إلى تأكيدٍ، وأمَّا المتردد فلا بدَّ أن تُعْطيه من التَّوكيدات ما يحتاج إليه، وأمَّا المنكِر، فإنَّك تقرع ذهنَه وأجراسه بالمُؤكِّدات القويَّة حتى ترفعَ ما يدور في ذهنه من وهمٍ وخيالٍ.
الفائدة الثانية: مِنَ العلماء مَنْ أشار إلى نكتةٍ مهمةٍ، وهي أن الله قال في الأيدي: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، أي: فاغسلوا وُجُوهَكم، واغسلوا أيديكم، والغسلُ يكون بالماء كما هو معروفٌ، فلم يؤت بالباء، أما مسح الرأس فجيء بالباء التي تفيد الإلصاق على بعض الأقوال؛ لأن المقام يَسْتدعي ذلك.
ومن العلماء الذين تكلموا في ذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: "الفتاوى"، قال: إن الباء للإلصاق؛ لأنه لو جاءت الآية:
стр. 168
(فامسحوا رؤوسكم) دون الباء، ربما يفهم أن القصد هو مجرد المسح فقط، فجاءت الباء لتضيف حكمًا جديدًا يتطلّبه المقام، ألا وهو أن المسح لا بدَّ من إضافة الماء إليه، فتبلُّ اليد أو اليدان على المشهور والأفضل، فيُمْسح بِهِما مع الرأس، هذا على مذهب مَنْ قالوا: إن الباء هنا للإلصاق، وهذا أَوْلَى.
أمَّا الذين قالوا بأن الباء للتبعيض، فقالوا: إنها هنا تدلُّ على أن الواجب إنما هو مسح بعض الرأس، وهؤلاء تعددت أقوالهم حتى أوصلها بعض العلماء إلى ما يَزيد على ثلاثة عشر قولًا، ترجع كلُّها إلى قولين:
القول الأوَّل: وهو المشهور عن الإمامين مالكٍ وأحمد: أن الواجب هو مسح جميع الرأس.
وَالقَوْل الثَّانِي: أنَّ الواجبَ هو مَسْح بعض الرأس.
ثمَّ يَخْتلفون، فَتَجد في المذهب الحنفيِّ ثلاثةَ أَقْوَالٍ، وتجد في المذهب الشافعيِّ قولين، وحتَّى المذهب المالكي فيه خمسة أو ستة أقوال بالنسبة لغير المشهور من مذهب مالكٍ.
دليل مَنْ قالوا بوجوب تعميم مسح الرأس:
قالوا: إن الباء هنا إمَّا أنها زائدةٌ للتوكيد، أو أنها للإلصاق، وهذا أقرب، والقصد من ذلك هو إلصاق اليد على الرأس، ويستدلُّون بقول الله : ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا في الحديث عن التيمم.
يقولون: أنتم تَشْترطون في التيمم أن يستوعبَ مسحَ جميع الوجه، وكذلك اليدين، وقلتم: إنَّ مسح الوجه شاملٌ، وكذلك مسح الكفَّين، وهنا قلتم: إن الباء للتبعيض، فلماذا فرقتم بينهما بلا داعٍ؟!
أما الذين قالوا: إن الباء للتبعيض، فقد استدلوا بحديث المغيرة، وهو حديث صحيح، يبيِّن فيه أن الرسول ﵊ مسح
стр. 169
بناصيته وعلى العمامة - والناصية هو الشعر الذي يتدلى على الوجه، وما هو على الطرفين إنما هو النَّزْعتان والنَّزَعتان وهو الأشهر - قالوا: كونه مسح بناصيته، والناصية إنما هي جزءٌ من الرأس، فَدلَّ ذلك على أن المسحَ على قَدْرٍ من الرأس إنَّما هو كافٍ، ولا يتطلب المقام استيعابه، لَكن يردُّ عليهم أنه بعد ذلك مَسَح على العمامة، والَّذين يَقُولون بالمسح على العمامة إنما هم الحنابلة، فهم يَرَوْنَ أن المسحَ على العمامة إنما هو تَتْميم للمسح على الناصية، وأن المسحَ انتقل من الرأس إلى العمامة.
• قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ مَسْحُهُ كلُّهُ) (١)؛ لأن الواجب مسح الرأس كله، وهذا هو المشهور على الصحيح من مذهب مالكٍ، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد (٢).
• قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٌ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥) إِلَى أَنَّ مَسْحَ بَعْضِهِ هُوَ الفَرْضُ، وَمِنْ أَصْحَابِ مَالِك مَنْ حَدَّ
стр. 170
هَذَا البَعْضَ بِالثُّلُثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِالثُّلُثَيْنِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَحَدَّهُ بِالرُّبُعِ، وَحَدَّ مَعَ هَذَا القَدْرَ مِنَ اليَدِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ المَسْحُ، فَقَالَ: إِنْ مَسَحَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَاجَ، لَمْ يُجْزِهِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يَحُدَّ فِي المَاسِحِ وَلَا فِي المَمْسُوحِ حَدًّا) (١).
لكن مَنْ قالوا: إنَّ بعضَ الرَّأس هو الفرض، يَخْتلفون اختلافًا كثيرًا، فنجد أن أصحاب مالكٍ منهم مَنْ قال: يُقْتصر على الثُّلُثين. ومنهم مَنْ قال: الثُّلُث. ومنهم مَنْ قال غير ذلك، والحنفية منهم مَنْ قال: الرُّبُع. ومنهم مَنْ قال دون ذلك، والشافعية منهم مَنْ قال: ثلاث شعرات. ومنهم مَنْ قال: يكفي شعرة واحدة، ثمَّ يَخْتلفون في الماسح أيضًا، فالشافعيَّة يقولون: أقل ما يُجْزئ هو ثلاثة أصابع أو إصبع واحدة، ولكنَّها كل جزئياتٍ، اختلفوا فيها داخل المذهب، وكل العلماء الذين رأيتهم يخالفون في مسألة المقدار الواجب من مسح الرأس يرون أن الأفضلَ إنما هو مسح جميع الرأس خروجًا من الخلاف.
• قوله: (وَأَصْلُ هَذَا الاخْتِلَافِ فِي الاشْتِرَاكِ الَّذِي فِي البَاءِ فِي كلَامِ العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَرَّةً تَكُونُ زَائِدَةً، مِتْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ﴿تَنْبُتُ﴾ بِضَمِّ التَّاءِ وَكسْرِ البَاءِ مِنْ (أَنْبَتَ) (٢)، وَمَرَّةً تَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ مِثْلَ قَوْلِ القَائِلِ: أَخَذْتُ بِثَوْبِهِ وَبِعَضُدِهِ) (٣).
стр. 171
* فائدة:
والقرَاءة المَعْروفة المشهورة ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، بفَتْح التَّاء وضمِّ الباء من نَبَتَ يَنْبُتُ فعلٌ لازمٌ، وهنا لا استدلال فيها؛ لأن الفعل هنا قاصرٌ غير متعدٍّ، لكن (تُنْبِتُ) بضمِّ التاء، وكَسْر البَاء من "أنبَت" متعدِّية، دخلت عليها الهمزة.
• قوله: (وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ هَذَا فِي كلَامِ العَرَبِ، أَعْنِي كوْنَ البَاءِ مُبَعِّضَةً).
هذا ليس منكرًا، أي: كون الباء مبعَّضة، لكن كما قال في المسألة السابقة: إنَّنا نحتاج إلى مُرجِّحاتٍ، وهَذِهِ المُرَجِّحات إنَّما هي ظاهرةٌ، ومن المُرَجِّحات لماذا تفرق بين آية التيمم وبين هذه، مع أنَّ هذه فيها الباء، وهذه فيها الباء، ولماذا قلنا هناك بالاستيعاب، وهنا قلنا بالبعض؟
• قوله: (وَهُوَ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ مِنَ النَّحْوِّيَينَ) (١).
هناك مدرستان معروفتان في اللغة بالنسبة للنحو:
١ - مدرسة البصريين، وهي المشهورة.
٢ - ومدرسة الكوفيين، وهي أيضًا مشهورة، ولكنها دون ذلك.
لَكن لا يلزم كمَا هو الحال بالنسبة للقول المشهور في المذاهب الفقهية أن يكون الحقُّ دائمًا مع البصريين، قَدْ يكون مع غيرهم، لكن الكلَّ صحيحٌ، فاللغة تدل على أن الباءَ تكون للإلصاق وهي ظاهرةٌ هنا، وتكون للتبعيض أيضًا.
стр. 172
• قوله: (فَمَنْ رَآهَا زَائِدةً، أَوْجَبَ مَسْحَ الرَّأْسِ كُلِّهِ).
مَنْ رأى الباء زائدةً أو للإلصاق، أوجب مسح الرأس كله، وهذا هو الأظهر.
• قوله: (وَمَعْنَى الزَّائِدَةِ هَاهُنَا كَوْنُهَا مُؤَكِّدَةً، وَمَنْ رَآهَا مُبَعِّضةً، أَوْجَبَ مَسْحَ بَعْضِهِ).
العُلَماء لا يختلفون في وُجُوب مسح الرأس، لكنَّ الخلاف في القدر الواجب مَسْحه.
• قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ هَذَا المَفْهُومَ بِحَدِيثِ المُغِيرَةِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ)، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١).
" الناصية"، هو الشعر الذي يأتي في وسط الرأس مُتَدَلِّيًا إلى الوجه، وما يَأْتِي بَعْدها من فراغِ عند كثيرٍ من الناس يُعْرفان بالنَّزَعتين، والمَشْهور من مَذَاهب العلماء أنَّهَم لا يُمْسحان مع الرأس، وأمَّا الصدغان اللذان فوق الأذن، وفوق البياض الَّذي بين العذار، فَهُمَا محلُّ خلافٍ، هل هما مع الرأس أو الوجه؟
• قوله: (وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ البَاءَ زَائِدَةٌ، بَقِيَ هَاهُنَا أَيْضًا احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ هَلِ الوَاجِبُ الأَخْذُ بِأَوَائِلِ الأَسْمَاءِ أَوْ بِأَوَاخِرِهَا).
هناك مسائلُ تتعلَّق بالرأس تحتاج إلى مزيدِ بيانٍ:
١ - قد يتوضأ الإنسان، ثمَّ يحلق رأسه قبل أن يذهب إلى الصلاة؟
الجواب: الوضوءُ صحيحٌ، ويبقى متطهرًا.
٢ - لو أن إنسانًا قُطِعَتْ يده أو رجله بعد أن توضَّأ؟
стр. 173
الجواب: ما دام في هذا الوضوء، فإن وضوءه صحيحٌ وتامٌّ.
٣ - لو أن إنسانًا غسل رأسه بالماء، وخرج عما في الآية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فهل لا بد من المسح، وأنَّ الغسل لا يجزي، أو أنَّه قدر زائدٌ يشتمل على المسح، وعلى الزِّيادة عليه؟
لَا شكَّ أن الأَوْلَى هو الوُقُوف عند النَّصِّ، فالله -يَقُول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، هذا الذي ورد، لكنه أيضًا لو غسل رأسه، فإن ذلك يكفي ويجزئه، لكنه خلاف الأَوْلَى، وإنْ كان هناك مَنْ يخالف في هذه المسألة، لكن الصَّحيح أنَّ ذلك جائزٌ، ويرى بعض العلماء أن ذلك فيه زيادةٌ، وبعضهم أيضًا يقول: لو صبَّ عليه المطر ونوى الطهارة، فإنهم يقولون: إن هذا كافٍ، يعني: لو كان يمشي، فنزل المطر عليه، فعمَّم رأسه، أو أَخَذ قدرًا منه كرأي الشَّافعية والحنفيَّة، قالوا: يُعْتَبر ذلك مسحًا، لكن لا بدَّ من أمرٍ هامٍّ، ألَا وهي النيَّة: "إنَّما الأَعْمَالُ بالنيَّات".
كيفية مسح الرأس:
المعروف أن المسحَ إنما هو أن يَبُل الإنسان يديه (يضعهما في الماء)، ثمَّ يأتي بَعْد ذلك، فَيَضع الإبهامَ على الإبهام، ثمَّ يمسح، يبدأ من مقدم رأسه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى المكان الذي بدَأ منه، هَذَا هو الصَّحيح من أقوال العلماء، لَكن هُنَاك قولٌ للحسن بن حي أن يعكس ذلك، فيبدأ من مُؤخِّرة الرأس، ثمَّ بعد ذلك يأتي للمقدمة.
حُكْمُ مَسْح الرَّأس ثلاثًا:
جاءت الآية مجملةً، وهي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فلم تحدد عددًا، وعند إطلاقها تنصرف إلى أقل العدد، وهو واحد، وثبت أن الرَّسُولَ ﵊ تَوضَّأ مرةً مرةً، وتوضأ مرَّتين مرَّتين، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأن الاثنتين أفضل وأكمل من الواحدة؛ لأن فيها زيادة استيعابٍ، وأن
стр. 174
الثلاثة أيضًا أكمل، وهذا لا خلافَ فيه بين العلماء بالنسبة لليدين والوجه والرِّجْلين، لكن الخلاف هنا في المسح، فالرسول ﷺ تَوضَّأ مرةً مرةً، واثنتين اثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، أليسَ الرأس داخلًا في وضوئه ﵊؟ هل يشمل الرأس المسح؟
بل قد جاء في حديثٍ صحيحِ في "سنن أبي داود" عند البيهقي وغيرهما أن الرسول ﵊ مَسَح رأسه ثلاثًا، لكنَّنا عندما نَعُودُ إلى الأَحَاديث الَّتي في "الصَّحيحين"، بَلْ أكثر الأحاديث، وَهي أصحُّ من هَذِهِ، نجد أنَّ الرَّسُولَ ﵊ ترَك التَّكرار، وإنما مَسَح رأسه مرةً واحدةً كَمَا في حديث عثمان، وعبد الله بن زيدٍ.
اختلفَ العُلَماءُ في هذه المسألة، فَجَماهيرُ العُلَماء من الحنفيَّة والمالكية، وهي الرواية المشهوره عن الإمام أحمد قالوا بأنه لا تكرار في مسح الرأس، وأما الشافعية - وهي روايةٌ أُخرى عن الإمام أحمد، وليست كقوة الرواية الُأولى - يقولون بتكرار المسح.
قَالَ أصحابُ المَذْهب: لأنَّ ذلك ثبت من فِعْلِ الرسول ﵊، فإنه مسح رأسه ثلاثًا، ثمَّ إن عموم قول الذين نقلوا لنا وضوء رسول الله ﷺ وأنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا يدخل في ذلك الرأس، فلماذا نخرجه؟!
قَالَ جَماهيرُ العُلَماء: إنَّ الأحاديثَ الَّتي ورَد فيه أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، أحاديث مجملة، فَجَاءت الأحاديث الأُخرى ففصلتها، ولذلك نجد أن الرسول ﵊ يَقُول: "إذا سَمعتُمُ المُؤذِّن، فقُولُوا مثلما يَقُول".
ولَا نَقُول كما يَقُول المؤذن في كل شيءٍ، بدليل أن المؤذن إذا وصل إلى قوله: "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فالحديث الذي فيه: "إذا سمعتم المؤذن، فقُولُوا مثلما يقول"، جاء حديث عبد الله بن عمر ﵄ فبيَّن لنا ما نقول، وأننا نتابع المؤذن في كل شيءٍ إلا في الحيعلة، فإننا نقوله: لا قوة إلا بالله.
стр. 175
الخلاصة: أنه صحَّ عن الرسول ﵊ أنه مسح رأسه ثلاثًا، فيقال في هَذَا: إنَّما هو دليلٌ على الجواز، وإنما الذي وَاظَب عليه الرسول ﵊ هُوَ أنَّه مسح رأسَه في الأكثر، وفي الأحاديث الأصح أنه مسح رأسه ﵊ مرةً واحدةً.
• قَوْلهُ: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ مِنَ الَأعْدَادِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الوَاجِبَ مِنْ طَهَارَةِ الَأعْضَاءِ المَغْسُولَةِ مَرَّةً مَرَّةً إذَا أَسْبَغَ، وَأَنَّ الاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِمَا (١)؛ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ (تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) (٢)، وَلَأنَّ الأَمْرَ لَيْسَ يَقْتَضِي إِلَّا الفِعْلَ مَرَّةً مَرَّةً - أَعْنِي الَأمْرَ الوَارِدَ فِي الغَسْلِ فِي آيةِ الوُضُوءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَكَرُّرِ مَسْحِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ فَضِيلَةٌ أَمْ لَيْسَ فِي تَكْرِيرِهِ فَضِيلَةٌ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣) إِلَى أَنَّهُ مَنْ تَوَضَّاَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، يَمْسَحُ رَأْسَهُ أَيْضا ثَلَاثًا).
هَذَا مذهب الشافعي، وهي رواية ليست بقويةٍ في مذهب أحمد، أما
стр. 176
الرواية المشهورة المعروفة الصحيحة هي التي وافق فيها بقية العلماء (١).
• قَوْله: (وَأَكثَرُ الفُقَهَاءِ (٢) يَرَوْنَ أَنَّ المَسْحَ لَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرِيرِهِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ الوَارِدَةِ فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ إِذَا أَتَتْ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرَهَا الَأكثَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكثَرَ الأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا إِلَّا أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا) (٣).
وعثمان ﵁ إنما نُقِلَ عنه حديثان:
١ - الحديث المتفق عليه أنه توضأ مرةً مرةً، أي أن الرسول ﵊ مَسَح رأسَه في حديث عثمان المتفق عليه مرةً واحدةً.
٢ - وفي رواية ليست في "الصحيحين" أنه مسح رأسه ثلاث مرات.
стр. 177
• قوله: (وَعَضَّدَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ قَبُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِظَاهِرِ عُمُومِ مَا رُوِيَ "أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا" (١)).
قلنا: الذي عضَّد به الشافعي قولَه إنما هو مجمل وجاءت الأحاديث الُأخرى فكانت تفصيلًا له.
ثم ذكرنا ما يتعلق بقوله: "إذا سمعتم المؤذن" وقلنا: إن هذا مجمل، وجاء حديث عبد الله بن عمر - وهو حديث صحيح - ففصّل ذلك الحديث وبيّن أن الحيعلتين إنما تخرجان، وأنه لا يُقال كما يقول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، وإنما يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا ردّ جميل أذكر أن شيخ الإسلام ﵀ ردّ به.
• قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ كلانَ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ، هُوَ حَمْلُهُ عَلَى سَائِرِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ).
فهو (مِنْ لَفْظِ الصحَابِيِّ)، ولكنه ردّه إلى الرسول ﵊، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرّدّ إلى الله إنما هو إلى كتابه، والرد إلى الرسول فإليه ﵊ في وقت حياته، أما بعد موته فالرد إلى سنته ﵊.
• قوله: (إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، فَإِنْ صَحَّتْ يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا).
فهي صحيحة، لكن قوله: "يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا" نقول: لا يلزم المصير إليها؛ لأننا لو قلنا بذلك لأوجبنا التكرار، وطرحنا الأحاديث التي هي أصح، ففرق بين أن يقول: يجب، وبين أن يقول: إن ذلك جائز.
стр. 178
• قوله: (لِأَنَّ مَنْ سَكَتَ عَنْ شَيْءٍ لَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ).
لا يمكن أن يُظَنّ هذا في الصحابة ﵃ لا سيّما وأن من بين الذين وصفوا وضوء الرسول ﷺ هم: عثمان، وعليّ، وعبد الله بن زيد، ولو كان مسح الرأس ثلاثًا واجبًا لما تركوه، فهم عندما أحضروا الماء وأفرغوا وغسلوا الكفين ثم مضمضوا واستنشقوا لم يتركوا السنن، فكيف يتركون مثل هذا الأمر!
• قوله: (وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ أَوْجَبَ تَجْدِيدَ المَاءِ لِمَسْحِ الرَّأْسِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الأَعْضَاءِ) (١).
جماهير العلماء على أنه يجب تجديد الماء إلى الرأس؛ لأن الرأس إنما سُمِّيَتْ رأسًا لأنها أعلى مكان في البدن، ولذلك يقولون: رأس الجبل
стр. 179
يُسمَّى رأسًا لأنه أعلى شيءٍ فيه، ولأن الرأس عضو مستقل، فينبغي أن يأخذ له ماءٌ جديد يمسح به.
وهناك من قال بأنه لا مانع من مسح الرأس بما تبقى من غسل اليدين، ولكن الصحيح هو رأي الذين قالوا بتجديد الماء، وما نقل من أنه يمسح بما يتبقى من بلل اللحية فهذا أيضًا رأيٌ ضعيف؛ لأن الذي في الأحاديث المعروفة التي وصفت لنا وضوء الرسول ﵊ أنه أخذ بذلك ماءً جديدًا.
• قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المَاجِشُون أَنَّهُ قَالَ: إِذَا نَفَدَ المَاءُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَمَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ) (٢).
وابن الماجشون من علماء المالكية.
وهذا أيضًا قولٌ ضعيف إذا ما قورن بمذهب جمهور العلماء.
هناك مسألة يثيرها العلماء؛ إذا كان الإنسان في الصلاة فتذكر بعد ذلك أنه لم يمسح رأسه وكان في لحيته بلل، فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز له أن يمسح رأسه بالبلل الذي في لحيته؛ لأن هذا عضوٌ من أعضاء الوضوء فلا يجوز، وبعضهم يقول: يأخذ ما في لحيته من بلل ولغسله؛ لأن هذا أسقط الترتيب، وأسقط الموالاة، وأسقط حق هذا العضو أيضًا
стр. 180
• قوله: (وَيُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ المَسْحِ أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَيُمِرُّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى حَيْثُ بَدَأَ (١) عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ الثَّابِتِ) (٢).
أي: يضع السبابتين بعضهما على بعض، ثم يبدأ فيمسح حتى ينتهي، وهناك جزئياتٌ أُخرى ينبه لها العلماء خصوصًا الذين يقولون بمسح البعض. لو أن ذؤابة تدلَّت من الرأس، حتى تجاوزت محل الفرض فوصلت إلى العنق ومسحها، هل يكفي؟ الصحيح أن ذلك لا يكفي، لكن لو نزل الشعر ولا يزال في حد الفرض، فإنه جائزٌ عند هؤلاء العلماء.
• قوله: (وَبَعْضُ العُلَمَاءِ يَخْتَارُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ) (٣).
فقوله: (بعض العلماء) قد يفهم منه أنهم كثر، والذي أعرفه أن الحسن بن حَيٍّ فقط هو الذي انفرد بهذا القول.