← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لكل صَلَاةٍ؛ محدثًا أو غير محدثٍ، فلمَّا شقَّ عليه ذلك، وُضِعَ عنه الوضوء، أعني: خُفِّف عنه الوضوء إلا من حَدَثٍ. وكَذَلك يستدلُّون بحديث بُرَيدة الذي أخرجه مسلمٌ في: "صحيحه"، وهو حديثٌ معروفٌ مشهورٌ: أن الرسول ﷺ كان يتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فلمَّا كان يوم الفتح (يعني: يَوْم فتح مكة)، توضأ وضوءًا واحدًا، فاستغرب عمر ﵁، فقال: يا رسول الله، إنك فعلتَ شيئًا لم تكن تفعله، فقال رسول الله ﷺ : "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (١)؛ أَيْ: لبَيَان الجَوَاز (٢). فقالوا: إنَّ الأمر كان واجبًا (يعني: كان الوضوء واجبًا) عند القيام إلى الصلاة، ثم نُسِخَ ذلك الحكم. نَقُولُ: الآيةُ تَدلُّ على أنه يتوضَّأ المسلم عندما يريد القيام إلى الصَّلاة، وقَدْ دلَّت أدلةٌ أُخرى على أنَّ هذا الوجوبَ إنما ينصرف على المحدث، "أما غير المحدث، فلا يَلْزمه. إذًا، هَذَا هو الدليل الأول، وهو الدليل من الكتاب. • قوله: (وَإمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" (٣)). وبعضهم يرويه: "بِغَيْرِ طُهُورٍ"، بِضَمِّ الطاء. هَذَا الحديثُ بيَّن أنه لا بدَّ من الوضوء للصلاة، بل التطهُّر لها

стр. 72

عمومًا؛ سَوَاء كان ذَلكَ في الطهارة الصُّغرى الَّتي هي الوضوء، أو الطهارة الكُبْرى التي هي الغسل، وإن فقد ذلك، فالتيمُّم بدل منهما. "وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ": الغالُّ هو الخائن الذي يسرق من الغنيمة قبل قسمتها، وقد تَوعَّده اللهُ ، وتوعَّده رسول الله ﷺ . قَوْله: (وَقَوْلُهُ ﵊: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (١)). "لَا" نافية للجنس، و"يقبل" فعل مضارع؛ فجملة "لا يَقْبل الله": تَنْفي الصِّحَّة والإجزاء؛ أَيْ: نَفَتْ صحَّة صلَاة المحدث حتَّى يَتَوضَّأ، "إذا أحْدَثَ"، أيْ: إذا وُجِدَ منه الحدث "حتَّى يتوضأ"؛ حتى يقع منه الوضوء. فَدلَّ ذَلكُمُ الحَديث المتفق عليه على أنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلا بالطهارة. • قوله: (وَهَذَانِ الحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ لَنُقِلَ، إِذِ العَادَاتُ تَقْتَضِي ذَلِكَ). أَجْمَع العُلَماءُ علَى وُجُوب الطهارة، ولم يُنْقَل عن أَحَدٍ منهم خلافٌ في ذلك، لكن شَذَّ بعض العُلَماء فيما يتعلق بصلاة الجنازة، وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله - في موضعِهِ. نقول: الدَّليل على وجوب الوضوء من الكتاب والسُّنة والإجماع، وبعضُ العلماء يسلك مسلكًا آخر، فيقول: الدليل على وجوب الوضوء هو النقلُ والعقلُ. فيعتبرون النقل: ما جاء في الكتاب والسُّنة، ويُلْحقون بِهِما الإجماع، ثمَّ بعد ذلك يلحقون بهما العقليَّات والأقيسة، ولكنَّ المسألة لا تحتاج إلى

стр. 73

قياسٍ؛ لأن المسألةَ وَرَدتْ نصًّا في كتاب الله ؛ أَعْني: الآية المذكورة، ثمَّ الأحاديث. مسألة: الوضوء على الوضوء: تَجْديدُ الوُضُوء مُسْتحبٌّ ليس واجبًا، فلا يجب على المسلم أن يتوضأ لكل صلاة، لكن إذا أراد أن يتوضأ، فهذا من باب الطاعات، والله تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. • قَوْله: (وَأَمَّا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، فَهُوَ البَالِغُ العَاقِلُ، وَذَلِكَ أَيْضًا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵊: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ … فَذَكرَ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَالمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ" (١)، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ). البالغِ العاقل؛ لأنَّ الرَّسول ﵊ قال: "رُفِعَ القَلمُ عن ثلَاثةٍ: عن النائم حتَّى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحْتلم، وعن المَجْنون حتى يعقلَ"، فالرَّسُولُ ﵊ أخبر برَفْع القلم عن هؤلاء الثلاثة؛ ولو أنها أُوجبَت عليهم لكان في ذلك وَضْع القلم عليهم، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ . • قوله: (وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا الإِسْلَامُ أَمْ لَا؟). قَدْ يَرِدُ هنا سؤالٌ، فيُقَال: كيف يُشْترط في الطهارة الإسلام، والله تعالى يقول عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. فلَا خلَافَ بَيْن العلَماء بأنها تَجبُ على المسلم البالغ العاقل، وَقَضيَّة الإسلام سيُنبِّه المُؤلِّف على أَمْرٍ مهمّ فيها، وسنُفَصِّل القولَ إنْ شَاءَ الله.

стр. 74

إذن؛ تجب على كل مسلمٍ؛ لأن الكافرَ لا تصحُّ منه. • قوله: (وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَلِيلَة الغَنَاءِ فِي الفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ). معنى "قَلِيلَة الغَنَاءِ": قليلة الفائدة في الفقه، وهو لا يريد أن هذه القضية التي تكلم عنها العلماء، وَفصَّلوا القولَ فيها، لا فائدة منها، لكنه يريد أن يقول: إنَّ فائدتها في الفقه غير ظاهرةٍ؛ لأنَّ العلماء يذكرون قاعدةً مهمةً: "هَل الكُفَّار مُخَاطبون بفُرُوع الشَّريعة؟ ". فالكُفَّار - لا شكَّ - مخاطبون بالإيمان؛ لأنَّ كل مخلوق مخاطب بهذا الإيمان، فالإنسانُ إنما خُلِقَ في هذا الكون ليؤمنَ بالله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه … فَالكَافرُ مُطَالبٌ بأُصُول هذِهِ الشَّريعة، لَكن الله تَعالَى يَقُولُ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فَهَلْ يُطَالَب بفُرُوع هذه الشَّريعة؛ كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والحجِّ، والصيام، وغَيْر ذلك من الأمور الأُخرى، أو أنه لا يُطَالب بذلك؟ هَذِهِ المسألةُ يَذْكرها الأُصُوليُّون في كُتُبهم، والفقهاء في علم القواعد الفقهية؛ فإذا نظرنا إليها من ناحية الحكم قلنا: هي قاعدةٌ أصوليةٌ، ولَوْ نَظَرنا من حيث أفعال المُكلَّفين لقلنا: هي قاعدةٌ فقهيةٌ. ومن أدقِّ الأمور أن يفرق الإنسان بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية. إذًا، متى تكون قاعدةً فقهيةً؟ تكون قَاعدةً فقهيَّةً عند طَائِفَةٍ من العلماء الذين يَقُولون بأن الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة، فإذا قلنا بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة، معنى هذا أننا نطالبهم بالفروع، وليس معنى قول الفقهاء: إنَّ الكفار مخاطبون

стр. 75

بفروع الشريعة أنه إذا أسلم الكافر نقول له: تعالَ فتطهر، وصلِّ ما فاتك، لا، فإنَّ الله قد بيَّن أنه قد تجاوز عن هذا الأمر، والرسول ﵊ بيَّن أن الإسلامَ يَجبُّ ما قبله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا مما يرغب في الإسلام بخلاف ما لو طلب من الكافر أنه إذا أسلم يُطَالب بمثل هذه الأمور، هذا قد يكون حاجزًا وسدًّا في سبيل وُصُوله إلى الإسلام، لَكن هَذَا لَا يُطْلب منه. وجُمْهور العلماء يقولون بأن الكفارَ مُخَاطبون بفُرُوع الشريعة، والحنفية يقولون: غير مخاطبين. ومن العلماء مَنْ يقول بأنهم مخاطبون بالنواهي، ومنهم مَنْ يقول: مخاطبون بالأوامر، ومنهم مَنْ يقول: مخاطبون بالأوامر إلا الجهاد، ومنهم مَنْ يتوقف في هذه المسألة، لَكِنِ القولان المشهوران هما: الأوَّل: قول الجمهور بأنَّهم مخاطبون، والآخر: أنهم غير مُخَاطبين. • قوله: (لأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ). قَصْد الفقهاء ﵏ الذين يقولون بأنَّ الكافرين مُخَاطبون بفُرُوع الشَّريعة؛ أي: من الناحية الأُخروَّية، ولذلك قال المؤلف ﵀: "لأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ". والمراد بـ"الأَمْر الأُخْرَوي": أن الكافرَ يُضَاف إليه إلى جانب تعذيبه عن تَرْك الإيمان أنه يُعذَّب كذلك على ترك ما أوجبه الله عليه من صلواتٍ وزكواتٍ وغيرها، وَيسْتَندون إلى قول الله : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]، فَجَعل من أسباب تعذيبهم أنهم تَرَكوا بعض الواجبَات. إذَنْ، قَالُوا: نحن نَقُولُ بأنهم مُكلَّفون، ولا نُطَالبهم بعد الإسلام بأن يأتوا بمثل هذه الأعمال، أو بما يَتَرتب عليها، ولكنَّنا نريد أن نقول بأنه

стр. 76

يُضَاف إلى عَذَابهم الأصلي الذي هو عَنْ تركهم الإيمان عذابٌ آخر. • قوله: (وَأَمَّا مَتَى تَجِبُ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ، أَوْ أَرَادَ الإِنْسَانُ الفِعْلَ الَّذِي الوُضُوءُ شَرْطٌ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِوَقْتٍ). و"الفِعْل": مسُّ المُصحف والطَّواف. • قوله: (أَمَّا وُجُوبُهُ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى المُحْدِثِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦]، فَأَوْجَبَ الوُضُوءَ عِنْدَ القِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ دُخُولُ الوَقْتِ، وَأَمَّا دَلِيلُ وُجُوبِهِ عِنْدَ إِرَادَةِ الأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِيهَا، فَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكرِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يُفْعَلُ الوُضُوءُ مِنْ أَجْلِهَا، وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ). هَذَا سَيَأتي الكلام عنه. [الباب الثاني: في معرفة أفعال الوضوء من الكتاب والسُّنة] قَالَ المُصنِّف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّانِي، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ فِعْلِ الوُضُوءِ، فَالأَصْلُ فِيهِ مَا وَرَدَ مِنْ صِفَتِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وَمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الآثَارِ الثَّابِتَةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَشْهُورَةٌ تَجْرِي مَجْرَى الأمَّهَاتِ،

стр. 77

وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ وَالأَرْكَانِ، وَصِفَةِ الأَفْعَالِ، وَأَعْدَادِهَا، وَتَعْيِينِهَا، وَتَحْدِيدِ مَحَالِّ أَنْوَاعِ أَحْكَامِ جَمِيعِ ذَلِكَ. غَالبُ الفُقَهاء عند الحديث عن الأمور المتعلقة بالطهارة إنَّما يبدؤون بالوضوء، وبعضهم يبدأ بالمياه، وبعضهم يُقدِّم الآنية، وهذا الترتيب غير مؤثِّرٍ، ولا ينبني عليه شيءٌ، وإنما هو اصطلاح لا مساحَّة (١) فيه بينهم. أمَّا الطهارة، فَإنَّها واجبةٌ ومتعينةٌ في حق كل مُصَلِّ بإجماع العلماء (٢). أَمَّا دَليلُ وُجُوبها، فَهُوَ من الكتَاب - كَمَا ذَكَرْنَا - قَوْله تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. ومن السُّنَّة أحاديثُ كثيرةٌ، منها قوله ﷺ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ" (٣). وقَوْله ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ" (٤)، وسَبَق أن ذَكَرْنَا كَذَلك علَى مَنْ تَجِبُ الطَّهَارةُ. • قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى مِنَ الشُّرُوطِ: اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأَمْصَارِ، هَلِ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الوُضُوءِ أَمْ لَا؟). وهُنَا لا بدَّ من الإشَارَة إلَى أنَّ أيَّ خِلَافٍ من حَيْث الإجْمَال هو أَحَدُ نَوْعَيْنِ: ١ - خلافٌ يُقْصَد منه الوُصُولُ إلى الحقِّ، كالَّذي نرَاه بين الأئمَّة

стр. 78

الأربعة رضوان الله عليهم، ومَن تَبِعَهم مِنَ العُلَماء، ومَنْ سَبَقَهم مِنَ الصحابةِ والتابِعِين. ٢ - وخلافٌ لا يُقْصَد منه الوصولُ إلى الحقِّ، وإنما يَكُون لِغَرَضٍ من الأغْرَاض، كأن يكونَ في نفس صَاحِبهِ مِن الهوى أو الجَهْل أو الحَسَد ما يَدفَعُه إلى الميل إلى أَمْرٍ من الأُمُور، وهَذِهِ مِنَ المَصائب التي قَدْ يَقَعُ فيها مَنْ يَنْتَسِبُون إلى العِلْمِ. فأَئمَّتنا ﵏ يُريدُون من هذا الخلاف أن يَصِلُوا إلَى الحق، ولذا فإنَّنا لا نجدهم يختلفون - على سبيل المثال - في مبحث السلام على رسول الله ﷺ ، فَجَميعُهُم يَتَّفقون في كيفيَّة السلام (١)، وكذلك يتفقون جميعًا على أن الجهة الصحيحة التي ينبغي أن يتجه إليها المسلم حين الدعاء إنما هي جهة القِبْلَةِ (٢)، ويتَّفقون أنه ينبغي أن يتوجَّه في دعائِهِ إلى الله ؛ لأنه هو الذي يجيب المضطرَّ إذا دَعَاه، ويَكْشف السُّوء. معنى "النيَّة" لُغَةً وَاصْطِلَاحًا: أَصْلُ اشتقاقها في اللُّغة: وأصلها "نَوَى يَنْوِي نِيَّةً" (٣)، وأَصْلُها في الميزان الصرفي: "نِوْيَة"، فَنَجد أن الواو والياء اجتمَعَتا في كلمةٍ واحدةٍ، حيث سُكَنَت الوَاوُ، وَتَلَتْهَا الياءُ … والواوُ والياءُ مِنَ الحُرُوف الصَّرفيَّة، والقاعدة الصَّرفية أن الواو والياء إذا اجتمَعَتَا في كلمةٍ واحدةٍ، وسبقت

стр. 79

إحداهما بالسكون، فإنها تُقلَب ياءً (١)، ولذلك قُلِبَتِ الوَاوُ ياءً، فَصَارت "نيْيَة"، ثم أُدْخِلَتْ إحدى الياءَين في الأُخرى، فَصَارت (نيَّة)، وهناك عِلَّةٌ صرفيةٌ أُخرى (٢)، وَهِيَ أنَّ الوَاوَ قَدْ وَقَعَتْ سَاكنةً بعد كَسْرٍ، فَقُلِبَتْ ياءً، ومثالها كَذَلك: "مِيقَات، وميزان"، أَصلُهَا: "مِوْقَات، ومِوْزَان"، قُلِبَت الواوُ ياءً، لوُقُوعها سَاكنةً بعد كَسْرٍ، فَصَارت: "مِيقَات، ومِيزَان". مَعْناها اللُّغوي: والنِّيَّة في اللغة تعني: القصد (٣)، تقول: "نَوَيْتُ السَّفَرَ"، أي: قَصَدْتُ، ومنه المثلُ المشهورُ: "نَوَاكَ اللهُ بِخَيْرٍ". وهناك مِنَ العلماء مَنْ يذهب إلى أنها تَعْني: العزم (٤)، وهناك مَنْ يذهب إلى أنها تَعْني: التَّوجُّه (٥)، وغَيْر ذَلكَ من المرادفات. مَعْناها الاصطلاحي الشرعي: النيَّة في الاصطلاح الشَّرعي لها معنيان: ١ - معنًى خاصٌّ بالعبادات: أنها هي قَصْدُ الطاعَة والتَّقرُّب إلى الله بإيجاد الفعل أو التَّرْك (٦) … على خِلَافٍ في كلمة "الترك"

стр. 80

فيما إذَا كان تَرْكُ المنهيِّ عنه تُشتَرَط فيه النيَّة أم لا، وسيأتي الكلام فيه لاحقًا إن شاء الله. ٢ - معنى عامٌّ عند الأصوليِّين: أنها هي انبعاثُ القَلْب نَحو مَا يرَاه مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِن جَلْبِ نَفْعٍ، أو دَفْعِ ضُرٍّ، حالًا أو مآلًا (١). مَحَلُّهَا: وهَذِهِ قَضيَّةٌ جوهريَّة، فالعلماء - جملةً - مُتَّفقون على أن النيةَ مَحَلُّهَا القلبُ (٢)، لَكنَّهم يَنْقَسمون في التَّلفُّظ بها على ثَلَاثةِ أقوالٍ:

стр. 81

الفريق الأول: أنَّ التَّلفُّظَ بها مُتَعيِّنٌ (١). الفريق الثاني: أن التلفُّظَ بها أفْضَل من الاقتصار عليها قلبًا، بمعنى أنَّ الأفضلَ للإنسان أن يَنْوِيَهَا بقلبه، ويَتلَفظ بها (٢). الفريق الثالث: أن التلفُّظ بها بدعةٌ (٣) إلا في الحجِّ؛ لأن الرسول ﵊ لبَّى في الحج مُعلِنًا بقوله: "لبَّيك حجةً، لبَّيك عمرةً" (٤). ونَخْلُصُ من هذِهِ الأقوال إلى أن التَّلفُّظَ بالنيَّة في الحَجِّ أو عند نية النُّسُك لا خلافَ فيه بين العُلَماء؛ لأنَّ الرَّسُولَ ﵊ صَرَّح به نَصًّا، وَلَكن يَبْقى الخلاف في باقي العبَادَات، هل يتلفَّظ المتعبِّد بالنيَّة أَمْ يَقْتصر على انبعاثها من قلبِهِ. وَالصَّحيحُ: أن التلفُّظ بها بدعةٌ؛ لأنَّ التَّلفُّظ لم يُنقَل عن الرسول ﵊، ولَا عن أحدٍ من أصحابه، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].

стр. 82

ولقَوْلِهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" (١). ولَا شكَّ أنَّ المؤمنَ يَنْبغى عليه أن يَقْتَصِرَ فى أمر عبادتِهِ على ما وَرَدَ النَّصُّ به. • قوله: (بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي العِبَادَاتِ). والعِبَادَاتُ هَاهنا لا يُقْصَد بها أمر التَّوحيد الَّذي هو رُكْنُ الدِّين وأصلُهُ، وإنَّما يُقْصَد بها العبادات العمليَّة التي يُؤدِّيها المسلم كالصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحج. فَالصَّلاةُ عبادةٌ، والوُضُوءُ إنَّما هو مقدِّمةٌ من مُقدِّماتها، ولذَا فَالعُلَماءُ يُجْمِعُون على أنَّه عبادةٌ؟ لكَوْنه من مقدِّمات إحْدَى العبَادَات علَى خِلَافٍ فيما إذَا كان الوُضُوِءُ عبادةً محضةً أَمْ غير مَحْضةٍ (٢)، وعَلَى خِلَافٍ كَذَلكَ في النيَّة فيما إذا كَانت شرطًا من شُرُوط صحَّة الوُضُوء أم لا (٣). أمَّا ما ذَكَره المؤلِّف من الاتفاق على اشْتِرَاطِ النية في العبادات، فَهَذا الكلام ليس على إطلاقه، وإنَّما فيه تفصيلٌ.

стр. 83

وهاهنا تجدُرُ الإشارة إلى أن مسألة النية مسألة خطيرةٌ، ولا جدالَ في أهميتها وعِظَمِها، ومن دلائل خطورتها أنها تنبني عليها مسائلُ مهمةٌ عِدَّةٌ، منها على سبيل المثال: * لَوْ أن إنسانًا توضأ الوضوءَ المعروفَ دون أن يَنْوِيَ به أيَّ شيءٍ، لا الطهارة الشرعيَّة، ولا التبَرُّد، ولا غيرهما، فالعلماء (١) على أنَ هذَا الوضوءَ المطلَقَ لا يرفع حَدَثه؛ لأنه افتَقَرَ إلى نية رَفْعِ الحدث. * ولَوْ أنَّ إنسانًا نوَى تجديدَ الوُضُوء، فتوضَّأ الوضوءَ المعروفَ، ثمَّ تَبيَّن بعد ذلك أنه مُحدِثٌ، فبَعْضُ العلماء (٢) قال بعَدَم كفاية هذا الوضوء،

стр. 84

وإنما لا بد من أن يَنْوي بقلبه رَفْعَ الحَدَث، وبعضهمِ قَالَ بارتفاع حدثِهِ؛ لِتَحَقُّقِ الطهارةِ الشَّرعيةِ بصورَتها، وتَحَقُّقِ نية الطَّهارة كَذَلك. * ولَوْ أنَّ إنسانًا تَطَهَّرَ من أجل القيام بِعَمَلٍ مشروعٍ، لكنه من الأعمَال الَّتي لا تُشتَرَط فيها الطهارة - كالوضوء قبل النوَم مثلًا، أو الوضوء لقراءة القرآن، أو لِذِكْرِ الله ، أو من أَجْل المُكْث في المسجد - فَهَذا قَد اختلف العلماء (١) في حقِّه فيما إذا كَانَ ما فَعَلَهُ يُعْتبر رافعًا للحدث بحيث يُمْكنه أن يُصَلِّيَ به أم لا. * وَلَوْ أنَّ إنسانًا نوَى أن يَتَوَضَّأَ الوُضُوءَ المشروعَ لِيَرفَعَ الحدثَ، وَلِيَتبَرَّدَ في الوقت ذاتِهِ، فَالعُلَماءُ على أنَّ نِيَّةَ التَّبَرُّد لن تَضُرَّهُ في

стр. 85

شَيْءٍ (١)؛ لأنَّ الغَرضَ قد تَحَقَّقَ هنا عندما نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ. * وكَذَلكَ لَوْ أنَّ إنسانًا عاجزًا عن الوُضُوء جَاء إنسان آخَرُ لِيُوَضِّئَهُ، فالعُلَماءُ علَى أن النيَّة هاهنا تُطلَب من المُوَضَّإ لا من المُوَضِّئِ (٢)، لأنه هو المُخاطَب في قَوْل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ولأنَّ المُوَضَّأَ هو الَّذي سيُؤدَي عبادة الصَّلاة بهذا الوُضُوء. * ولَوْ أنَّ إنسانًا نوَى الطهارَة، ثمَّ نَوَى قَطْعَهَا، فَهَذا تبطل طهارتُهُ عند أَهْل العِلْمِ (٣).

стр. 86

* ولَوْ أنَّ إنسانًا بدَأ في الطهارة، ثمَّ قَطَعَهَا بعد أن غَسَلَ بعضَ أعضائِهِ، فَهذَا لا يؤثر في طهارتِهِ، بحيث يَبْقَى له ما فَعَلَهُ قَبْلَ قَطْعِ الطَّهارة، ثمَّ عليه أن يستأنفَ النِّيَّةَ مرةً أُخْرَى (١). وَلَوْ أنَّ إنسانًا شَكَّ في النيَّة بَعْد أن أتَمَّ طهارَتَهُ، فَهذَا يَبْقى على حُكْم طَهَارتِهِ (٢)؛ لأنَّ القاعدةَ الفقهيةَ تَقُول: "اليقينُ لا يَزُول بالشَّكِّ" (٣)، وهذا لا خلافَ فيه، فَمَنْ تَيَقَّنَ الطهارةَ - مثلًا - ثمَّ شَكَّ هل أَحْدَثَ أم لا، فهَذَا الأصلُ فيه أنَّ طهارتَهُ ثابتة بيَقِينٍ، وأنَّ حَدَثَهُ ثابت بالشَّكِّ، فيَبْقى على الأَصْل الَّذي معه (الطَّهارَة)، وَيرفَعُ الشَّكَّ، وأمَّا لَوْ كَانَ مُتَيَقِّنًا أنه مُحدِث، ثمَّ شَكَّ هل تَطَهَّرَ أم لَا، فحِينَئذٍ يَكُونُ على غير طَهَارةٍ (٤).

стр. 87

وهَذِهِ المسألةُ لم يُخَالِفْ فيها إلا المالكيَّةُ (١) في روايةٍ لهم؛ لأنَّ الشَّكَّ في الشَّرطِ - عندَهُم - يَمنَع تَحَقُّقَ المشروطِ (٢)، والمُتَأمِّل في هذا الرأي يجده معارِضًا لقَوْل الرَّسُول ﷺ في الرجل الذي يُخيَّل إليه أنه يجد الشيءَ في الصلاة: "لَا يَنْصرف حتَّى يسمعَ صوتًا، أَوْ يَجد ريحًا" (٣). • قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٤)، الحَدِيث المَشْهُور، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ، وَذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ). أَمَّا اشترَاط النِّيَّة في الوُضُوء، فالعُلَمَاء فيه عَلَى قَوْلين: الفَريق الأوَّل: يرَى أن النِّيَّة شرطٌ في الوضوء، وهم جماهير العلماء؛ كَمَالكٍ (٥) والشافعي (٦)، وأحمد (٧)، والزُّهري، وأَبِي عُبَيدٍ، وأبي ثورٍ (٨)،

стр. 88

وابن المنذر (١)، ونُقِلَ ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁. والفريق الآخر: يرَى أنَّها ليست شرطًا في الوضوء، وهُمْ: أبو حنيفة (٢)، والثوري (٣). استدلَالَات الجُمْهور: القَائلُون بِاشْتِرَاطِ النيَّة في الوضوء - وهُمُ الفَريقُ الأوَّل - استدلُّوا على قَوْلهم هَذا بالكتَاب والسُّنَّة والقيَاس، أي أنَّهم استدلُّوا بالمَنْقول والمَعْقول. أمَّا الكتَاب، فقَوْله تَعالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فجُمْهورُ العلَماء على أنَّ الوضوءَ عبادةٌ تَفْتقر إلى نِيَّةٍ. وفي قَوْله تَعالَى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، جَاءَت الحَالُ شرطًا في العبَادة؛ لِتُفِيدَ الآيةُ أنَّ العِبَادةَ الصَّحيحةَ يُشْترط فيها أَنْ تَكُونَ خَالصةً لله ؛ لأنَّ الإخلاصَ هو عَملُ القَلْب، وَعَملُ القَلْب هو النيَّة، فالنيَّة - إذًا - شرطٌ في صحَّة الوضوء. وأمَّا السُّنَّة، فَحَديث: "إنَّما الأعْمَال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى"، وهَذَا حديثٌ مُتَّفَقٌ عليه (٤)، أَخرَجَه الأئمةُ السِّتَّةُ (٥)، وأثنَى علَيه

стр. 89

أَكَابر العُلَماء، وبَيَّنوا أهميَّته، كالشَّافعيِّ وأحمد وأبي داود والتِّرمذي وابن مهدي وعلي بن المديني والدارقطني وغيرهم، بَلْ إن الإمام البخاري ﵀ قد افتتح كتابه به. وبَلَغ الأمر من الاهتمام بهذا الحديث إلى أن قال بعض العلماء: "إنه ثُلُث الإسلَام" (١)، وقَالَ آخَرُون: "إنَّه رُبُع الإسلَام" (٢)، وقَالَ آخَرُون: "إنَّه أكثَر الأَحَاديث وأغنَاها فائدةً، وأَعظَمُها أثرًا". وَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: "إنَّ قَوَاعدَ الإسلام تَدُورُ على أحاديثَ ثَلَاثَةٍ (٣)، حديث: "إنَّما الأعمال بالنيات"، وحديث: "مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ" (٤)، وحديث: "إنَّ الحلالَ بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّن" (٥). ومنهم مَنْ قال: "إن هذا الحديثَ يدخل في ثلاثين بابًا من أبواب الفقه" (٦)، بل نُقِلَ عن الإمام الشافعي ﵀ أنَّه قال: "حديث النيَّة يَدْخل في سَبْعين بابًا من أبواب الفِقْهِ" (٧). وَقَد استغرب بَعْضُ العلماء هذا القولَ من الإمام الشافعي، وعَدَّهُ من قَبِيلِ المُبَالَغة إلا أنَّ الإمامَ السُّيوطيَّ دَقَّقَ هذه المسألةَ في كتاب "الأَشْبَاه

стр. 90

والنَّظائر" (١)، وَوَصَلَ بها إلى دخول النيَّة في أكثر من سَبْعين بابًا من أبواب الفقه. وبالرَّغم من وُجُود أحَاديث أُخرى أشَارت إلى النيَّة، كقَوْله ﵊: "لا هجرةَ بَعْد الفتح، وَلَكن جهاد ونيَّة" (٢). وقوله ﵊: "يُبْعث الناس على نيَّاتهم" (٣). وقوله: "إنَّك لن تُنْفق نفقةً تَبْتغي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عَلَيها حتَّى اللقمة تَضَعها في فِيِّ امرأتك" (٤)، إلا أن هذه الأحاديث كلها إنما وَرَدَت في النيَّة على إطلاقها، أمَّا حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، فهو حديثٌ خاصٌّ بالنية في الأعمال، ولذلك ركَّزَ العلماء عليه، وَجَعَلوه أصلًا، واستخرَجوا منه القاعدةَ الفقهيةَ العظيمةَ: "الأُمُورُ بمَقَاصدها" (٥)، وجَعَلوها أوَّلَ القَوَاعد الفقهيَّة الأساسيَّة الخمسة التي تُرَدُّ إليها الفروع الفقهية، ف: القاعدة الأولى: "الأمور بمقاصدها". القاعدة الثانية: "اليقين لا يزول بالشك" (٦)، وهذه القاعدة تنبني على أصولٍ كثيرةٍ، منها حديث: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أَوْ يجد ريحًا" (٧). القاعدة الثالثة: "الضرر يُزَال" (٨)، وأصلها قوله عليه الصلاة

стр. 91

والسلام: "لا ضرر، ولا ضرار" (١). القاعدة الرابعة: "المَشقَّة تجلب التيسير" (٢)، ودليلُها قَوْله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقَوله ﷺ : "يَسِّروا، ولا تُعَسروا" (٣). والقاعدة الخامسة: "العَادَةُ مُحَكَّمَةٌ" (٤)، وتَنْبني على ما وَرَدَ في الأثَر عَنْ عَبْد الله بن مسعودٍ في قولِهِ: "ما رَآه المُسْلمُون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، ومَا رَآه المسلمون سَيِّئًا، فَهو عند الله سيئٌ" (٥). والمَقْصود من تحكيم العادة أنها تكون مُحَكَّمَةً عندما تَطَّرِدُ وتَشْتهر بين الناس، ولا تَتعَارض مع نصٍّ من النُّصُوص، أما لو تَعَارضَتْ مَعَ آيَةٍ من كتاب الله، أو حَدِيثٍ من أحَاديث الرَّسُول ﵊ فيما صحَّ عنه، فحِينَئذٍ لا يُنْظر إليها" سواء كانت عادةً، أو عُرفًا، أو مصلحةً مرسَلةً، أو استحسانًا. قَوْله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات": "إنما": أداة حصرٍ، أفادت حَصْرَ الأعمال فيما كان مصحوبًا بالنيَّة، ثمَّ جاء تأكيد ذَلكَ في قَوْله: "وَإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى"، أي: لا بدَّ من تعين المنويِّ.

стр. 92

وجمهور العلماء (١) على أن قوله: "إنما الأعمال بالنيَّات"، لَيْسَ المَقْصُودُ به نَفْيَ صورة الأعمال، وَإنَّما يُقْصَد بها نَفْيُ صحَّتها إذا لم تَصْحَبْها النيَّة، فالأَعْمَالُ مُعتبَرة بالنيَّات، ولَا تَصحُّ إلَّا بِهَا، أمَّا صُورَة الأعمَال، فَهي مَوْجُودةٌ؛ سواء صَحِبَتْهَا النِّيَّة، أَوْ لَمْ تَصْحَبْهَا. أمَّا الأَحْنَافُ، فَيُقَدِّرُونَهَا بكَمَال الأَعْمَال (٢)، وَعَلَى هَذَا التَّقدير يَسْتندُونَ في قَوْلهم باستحباب النيَّة في الوُضُوء لا اشتراطها. إذن: لماذا انفردَ الحَنفيَّة عَنْ غَيْرهم من الفُقَهاء في ذَهَابهم إلى عدَم اشتراط النيَّة؟ الجَوابُ: الحنفيَّة يَقُولون (٣): إنَّ صورةَ الفعل كَافيةٌ في الوُضُوء، فالمكلَّف إذا قَامَ فَتَوَضَّأَ، وأتَى بأَفْعَال الوُضُوء علَى وَجْهها، حِينَئذٍ يَكُون

стр. 93

قد أدَّى الوضوءَ الذي أمَره الله فيه، فالصُّورة عندهم كَافيةٌ في هذا الأدَاء دون الحاجة إلى النِّيَّة. أمَّا الجُمْهورُ فيَقُولونَ (١): الصورة بمُجرَّدها لا تكفى، ولَا يُسْتَغْنَى بها عن النيَّة؟ لوجود لَبْسٍ بين هذه العبادة وبين غَيْرها. وأمَّا القياس: فهناك جُمْلةٌ من الأَقْيِسَةِ، منها على سَبيل المثال: القياس الأول: قيَاس الوُضُوء على التيمُّم (٢)، حَيْثُ قَالَ الجُمْهورُ: الوُضُوءُ طَهارةٌ تُستَبَاح بها الصَّلاةُ، فاشتُرطَت فيها النِّيةُ قياسًا على التيمُّم؛ لأن الحنفيَّة يتَّفقون مع جُمْهور العلماء بأن التيمُّم تُشترَط فيه النية. وَيجيب الحنفيَّة عن هَذَا بأنَّهمْ يُعلِّلون مَذْهبَهم في التيمُّم بقَوْل الله تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وأن التيمُّم معناه: القَصْد (٣)، والقَصْد هو النيَّة، فكأنَّ النيَّة مَذْكورةٌ نَصًّا في التيمُّم، ثمَّ يَقُولون: إنَّ اِلِتيمُّمَ بدلٌ، والبدلُ أضعفُ من المُبدَل، فيحتاج إلى ما يُقَوِّيه، فلا بد من نِيَّةٍ. أمَّا الجُمْهورُ، فيردُّون عَلَيهم بأنَّ هذا غير مُسلَّمٍ، لأنَّ الوُضُوءَ

стр. 94

أنواعٌ، فقَدْ يَكُون الوُضُوءُ لصَلَاةٍ وَاجِبَةٍ، أو صلاةٍ غير واجبةٍ (١). القياس الثَّانِي: قياس الطَّهارة على الصَّلاة: حيث قال الجُمْهور: إذا كانت الصلاة تقوم على أركانٍ وشروطٍ، وتُشْتَرَط فيها النيَّة، فإنَّ الطَّهارةَ كَذَلك تقوم على أركانٍ وشروطٍ، ولذا فإنها تُشْتَرَط فيها النيَّة كالصَّلاة (٢). استدلالات الحنفيَّة: وَقَد استدل الحنفيَّة أيضًا على مذهبهم بالكتاب والسُّنَّة والقياس. أما الكتاب، فاستدلُّوا بأنَّ الله تَعالَى لم يَذكُر النيَّة بين فَرَائض الوُضُوء في قَوْله تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقالوا: لو كانت النية شرطًا في صحة الوضوء لَذَكَرَهَا الله تعالى في الآية التي جمعَت فرائض الوضوء. وقد ردَّ الجُمْهُورُ على استدلال الأحناف بهذه الآية، فَقَالوا: نَحْن لا نُسَلِّمُ لَكم هذا الاستدلالَ، لأنَّ الآيةَ بها ما يُشْعِرُ بِذِكْرِ النيَّة، فقَوْل اللهِ تَعالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يَعْني: للصَّلاة، ومعنى "للصَّلاة"، أن هذا هو معنى النيَّة (٣).

стр. 95

وأمَّا السُّنَّة: فَمَا وَرَدَ عن أُمِّ سَلَمة ﵂ أنَّها قالت: قُلْتُ: يا رَسُولُ الله، إنِّي امرأةٌ أشدُّ ضفرَ رأسي، فأنقضُهُ لغسل الجنابة، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا، إنما يَكْفِيكِ أن تحثي على رأسك ثَلَاث حثياتٍ، ثمَّ تفيضي عَلَيك المَاء فتطهري" (١). وَقَالُوا: إنَّ الرَّسُولَ ﵊ لم يَذكُر النيَّة هاهنا بالرَّغم من أنَّ أُمَّ سلمة كانت بحَاجَةٍ للبيان؛ حيث إنها كانت تجهل ما يتعلق بنقض الضَّفائر، فَذَكَرَ لها كيفية الغُسْل، ولم يَذكُر النيَّة، ولو كانت النيَّة شرطًا لبيَّنَها لها (٢). وقد ردَّ الجمهور على الاستدلال بهذا الحديث، فقالوا (٣): إنَّ أُمَّ سلمة لم تسأل الرسول ﷺ إلا عن نقض ضفائر رأسها، ولذلك أجابها

стр. 96

الرسولُ ﷺ بأنَّ الأمرَ لا يحتاج إلى ذَلكَ، وإنَّما يكفيها أن تحثي الماء على رأسها ثلاث مرات، ثمَّ تفيض الماء على سائر بدنها، وهناك أمورٌ أُخرى معروفةٌ في الغسل لم يَشْمَلها هذا الحديث، فَعَدَمُ ذِكْرِ النيَّة في إجابة النبي ﵊ لا يعني عَدَم اشتراطها. وأما القيَاس، فمن ذلك: القياس الأول: قياس الوضوء على إزالة النجاسة: حيث قالوا: إنَّ الوضوء طهارةٌ بمائعٍ كإزالة النجاسة، وإزالَةُ النجاسة لا تُشتَرَط فيها النيَّة، ولهذا لم تُشتَرَط النيَّة في الوضوء (١). القياس الثاني: قياس الذميَّة التي تحت مسلم (٢): أن الذمية إذا حاضت ثمَّ انقطع حيضها، كان عليها - على مذهب الجمهور - أَنْ تنوي الطهارة، وتَغْتسل من هذا الحيض، ثمَّ يَجُوز لزوجها المسلم حِينَئذٍ أن يطأَهَا، بالرُّغم من أن النيَّة في الأصل لا تَصحُّ من غير المُسْلم. ردُّ الجمهور على القياس الأول (٣): أن هناك فرقًا بين الأمرين،

стр. 97

فالوضوءُ فِعلٌ، وإزالةُ النَّجاسة تَرْكٌ، فنحن مأمورون بالوضوء كَمَا في قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، أمَّا إزالة النجاسة فمن المتفَق عليه بين الأحناف والجمهور أن النَّوَاهي لا تُشترَط فيها النيَّة، ولذلك ضَعَّفُوا الاستدلالَ بهذا القياس. رَدُّ الجمهور على القيَاس الثاني (١): أن إباحَةَ وطء المسلم لامرأتِهِ الذميَّة بعد مطالبتها بالنيَّة وبالاغتسال إنَّما هو من قَبِيلِ الضرورة؛ لأنَّ " الضرورات تبيح المحظورات " (٢)، فلو لم نُبِحْ له ذلك، لَتَعَذَّرَ عليه وَطؤُها، والله أبَاح للمسلم أن يطأَ الذميَّة، فهَذِهِ حَالَة ضَرُورةٍ بدليل أن هذه الذميَّة لو أسلَمَت بعد ذلك، فإنها لا يجوز لها أن تصلي بهذه الطهارة. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ الوُضُوءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَحْضَةً، أَعْنِي: غَيْرَ مَعْقُولَةِ المَعْنَى). وَالعبَادَة المَحْضة هي العبادة التَّوقيفيَّة غير المعلَّلة، فهي تَوْقيفيَّةٌ غير

стр. 98

مَعْقولة المَعْنى؛ لأنها لا مَجالَ للرَّأي فيها، ولا للبَحْث عن تَعْليلاتها. والأعمال الَّتي وَرَدت بها الشريعة الإسلامية نوعان: * مباحةٌ (١). * وَمَطْلوبةٌ. أوَّلًا: الأعْمَالُ المُبَاحة: والأصلُ في هذا النَّوع من الأعمال أنه لا تُشْترَط فيه النية؛ لأن المباحات ليس فيها قُرْبة إلى الله إلا أن فاعلَها سيُثَاب إذا نوى بها التعبُّد، كأن يفعلَها قاصدًا بها وجه الله، أو التَّأسِّي فيها بالنَّبيِّ ﷺ ، كمَنْ قصد بنكاحه - مثلًا - غض بصره، وتحصين فرجِهِ؛ امتثالًا لقول النبي ﷺ : " يا معشرَ الشَّباب، مَن استطاعَ منكم الباءةَ، فليَتزوَّجْ، فإنَّه أغضُّ للبَصَر، وأحْصَن للفَرْج" (٢)، أو قصد به تكثير الأُمَّة؛ امتثالًا لقول النبي ﷺ : " تزوَّجوا الودودَ الولودَ، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة" (٣)، فهاهنا لا شكَّ أنه سيُثَاب؛ لأن نيَّته نقلت الفعلَ من دائرة المباح إلى دائرة التعبُّد بسبب تحقُّق النية في الفعل. ثانيًا: الأعمال المطلوبة: وهذه إما أن تكون نواهِيَ، وإما أن تكون أوامرَ. أمَّا النَّواهي: كالكَذِب والسَّرقَةِ والغَصب والزِّنا وشُرْب الخمر، إنما يكفي المكلَّف مجرَّد الابتعَاد عنها، ولا تُشتَرَط فيها النيَّة، والنَّفقَات على الأقَارب، وعلَى الزَّوجات، وأدَاء الأمانات إلى أهلها، وَرَد الأموال المغصوبة، كل هذه أمور لا تحتاج إلى نِيَّةٍ؛ لأن المقصودَ منها هو الخروج من عهدة هذا الأمر بأدائها إلى أصحابها، فالنَّوَاهي في جملتها لا يفتقر تَرْكها إلى نِيَّةٍ إلا أن يَتْركها الإنسان بنِيَّةِ طَاعَة الله، وابتغاء مرضاتِهِ،

стр. 99

فحِينَئذٍ تُخْرِجه نيَّته إلى دائرة التعبُّد لله بِتَرْكِ ما نَهَى عنه، ومثل هذا نجدُهُ في قصَّة الثلاثة الذين انطبَقَت عليهم الصَّخْرةُ (١)، فأغلَقَتْ مَدْخَلَ الغَارِ، فهؤلاء تَوسَّلُوا إلى الله بصَالح أعْمَالهم، وَكَانَ مِنْ بينهم مَنْ تَوسَّلَ إلى الله بأنه هَمَّ أن يرتكب معصيةً من المعاصي، وأوشك أن يقع فيها، فخُوِّفَ باللهِ فَخَافَ، وذُكِّرَ به فَتَذَكَّر، فلما كَفَّ عن معصيتِهِ قاصدًا بذلك وجه الله، مبتغيًا مرضاته، أثَابَه الله على ذلك العَمل كأَخَويه، وانفَتَحَتْ عنهم الصَّخرة. الأوَامر: وهذه على ضربين: * عبادات لا تَلْتبس بغيرها: وهي إما أقوالٌ، وإما أعمالٌ، وبعض العلماء لا يفرق بين الأقوال والأعمال، وبعضهم يفرق بينها. وهذه الأوامر منها ما يتعلق بالإيمان بالله ، ومنها ما يتعلق بالذِّكر والدعاء وقراءة القرآن. والعلماء يقولون (٢): هذه أمور لا تحتاج إلى نِيَّةٍ؛ لأن الأصلَ فيها

стр. 100

أنها خالصةٌ لله ، ولا تَلْتبس بغيرها من الأعمال، أمَّا مَنْ نَذَرَ - مثلًا - أن يقرأ القرآنَ، فإنَّه حِينَئذٍ لا بد أن ينوي؛ وذلك حتى يفرقَ بين القراءة الواجبة بالنَّذر والقراءة غير الواجبة، فهاهنا تتعيَّن النية. * عبادات قَدْ تَلْتبس بغيرها: فَتَأْتِي النيَّة لتُحدِّد الغرض الَّذي قَامَ الفعل لأجلِهِ، والعلماء على أنَّ هناك سببين لمشروعيَّة النية: السَّبب الأول: تَمْييز العبادات عن العَادات (١). فَمِنَ العبادَات ما يَلْتبس بغير العبادة صورةً وشكلًا، كالوُضُوء مثلًا، والأصلُ في الوضوء والطهارة أنه عبادةٌ، لَكن الإنسان قد يتوضَّأ بقَصْد التبرُّد أو النَّظافة، وكذلك الصَّوم، فقَدْ يصوم الإنسان تَعَبُّدًا، وقَدْ يصوم حميةً، وقَدْ يَدْفع الإنسانُ لإنسانٍ آخَرَ مبلغًا من المال بنِيَّةِ الصَّدقة الواجبَة الَّتي هي الزَّكاة، امتثالًا لقَوْل الله تَعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وقَدْ يَدْفعها إليه تَطَوُّعًا كَمَا في حديث رسول الله ﵊: " والصَّدقة برهان" (٢)، وقَدْ يدفعها هبةً أو قرضًا، وقد يقصد به غرضًا دُنْيَوِيًّا مذمومًا، وَفِي كلِّ هذه الحالات قَدْ تَلتبس العبادة بغيرها، فالنيَّة هاهنا هي الموكَّلة بتحديد الغرض من هذا العمل فيما إذا كان المكلَّف قام به على سبيل العادة أم العبادة.

стр. 101

السَّبب الثَّانِي: تَمْييز العبَادَات بعضها عن بَعْضٍ من حَيث رُتْبة كل عِبَادةٍ (١). فالعبَادَاتُ ليست على رتبةٍ واحدةٍ، فالصلاة - مثلًا - قد تكون واجبةً كالصَّلوات المفروضة؛ سواء أَدَّاهَا المكلَّف في وقتها، أو أَدَّاهَا قضاءً، وقَدْ تكون غير وَاجِبَةٍ، كالسُّنن بأنواعها مؤكَّدة وغير مؤكَّدة، فَهَذا الالتباس الَّذي قَدْ يَحدث بين هذه العبادات مختلفة الرُّتبة، إنما النية هي التي تَفصِلُ فيه، وتقوم بتمييزه، فَتَرفَع كلَّ إِشْكَالٍ، وتُحَقِّق الغرضَ والهدفَ من هذه العبادة. قوله: (وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا القُرْبَةُ فَقَطْ؛ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا). وَ" القُرْبَةُ ": هي الطَّاعة والتقرُّب إلى الله بإيجاد فِعْلٍ أو تَرْكٍ. قوله: (وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَعْقُولَةَ المَعْنَى كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ). فَغَسْلُ النَّجاسة عبادةٌ يُدْرِكُ المكلَّف عِلَّتَهَا، ويعلم أنَّه مطالبٌ بالتطهُّر منها إذَا أصَابَت بدنه أو ثوبه أو موضع صلاته، ويُفْهم هذا من أدلَّتها، كحديث عائشة ﵂: إنَّ إحدَانا يصيب ثوبَها دَمُ الحيض، كَيْف تَصنع؟ قال ﵊: " تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ " (٢)، وكذلك قصَّة الأعرابي الذي بَالَ في المَسْجد (٣)، وَغَيْر ذَلكَ.

стр. 102

قوله: (فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ العِبَادَةَ المَحْضَةَ مُفْتَقِرَة إِلَى النِّيَّةِ). نَعَمْ، هُمْ لا يَخْتلفون في افتقَار العبَادة المَحضة إلى نِيَّةٍ، وَلَكن الخلاف بَيْنهم إنَّما هو فيما لا يحتاج إلى نِيَّةٍ، وهو مَا لا يَلْتبس بغيره من العبَادات، أما كُلُّ عِبَادةٍ تلتبس بغيرها، فَالنيَّة مطلوبةٌ فيها. قوله: (وَالعِبَادَةَ المَفْهُومَةَ المَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إِلَى النِّيَّةِ، وَالوُضُوءُ فِيهِ شَبَهٌ مِنَ العِبَادَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الخِلَافُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجْمَعُ عِبَادَةً وَنَظَافَةً، وَالفِقْهُ أَنْ يُنْظَرَ بِأَيِّهِمَا هُوَ أَقْوَى شَبَهًا، فَيُلْحَقَ بِهِ). بمَعْنى؛ أنَّ الفقيهَ في هذا المقَام لا بدَّ أن ينظرَ في المسألة، فَإذَا ترجَّح عنده أنَّ الوضوءَ أكثر شَبَهًا بالعبادة المحضة غير مَعْقولة المعنى، فَحِينَئذٍ تَكُون النيَّة شرطًا فيه كَمَا هُوَ الحَال عند جُمْهور العلمَاء، وإذا كان أكثر شَبَهًا بالعبادة مَفْهومة المَعْنى، فَحينها لا تَكُونُ النيَّة شرطًا في صحتِهِ كمَا هُوَ عند الأحناف. وَالبَاحثُ عندما يَتأمَّل المسألةَ وأدلَّتها بنظرةٍ فاحصةٍ دقيقةٍ، فلا شَكَّ أنَّه سَيَجد مَذْهبَ جمهور العلماء أقوى دليلًا، وأصْرَح دلالةً في هذه المسألة، فالآيةُ صريحة في اشتراط النيَّة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وحديث: " إنَّما الأعمال بالنيَّات " (١)، إنَّما هو صريح الدلالة في هَذَا. المَنْوِيُّ وأقْسَامه: و" المَنْوِيُّ ": هُوَ العَمَل الَّذي يَنوِيهِ المكلَّفُ، وهُوَ يَنْقسم إلى قِسْمَيْن: القسم الأوَّل: أمرٌ مَقْصودٌ لنفسِهِ، كالصَّلاة مثلًا، وهَذَا النَّوعُ لَا خلافَ بين العُلَماء في أنَّ النيةَ شرطٌ من شروطِهِ.

стр. 103

القسم الثاني: أمرٌ مقصودٌ لغَيره، وهُوَ على نَوْعين: النوع الأول: ما يُقْصد لغيره فقط، بمعنى أنه يكون وسيلةً محضةً، ولا يُقْصَد لذاتِهِ أبدًا. النوع الثاني: ما يُقْصَد لغَيره، وهُوَ في نفس الوقت مَقْصودٌ بنفسِهِ، كالوُضُوء الَّذي هو وَسيلةٌ إلى الصَّلاة، وشرطٌ من شُرُوط صحَّتها بدَلِيل قَوْل الله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْل الرَّسُول ﷺ : " لا تُقْبَل صلَاةٌ بغير طهورٍ " (١). والوُضُوءُ لا شكَّ أنه مُقَدِّمةٌ لعبادة الصَّلاة، وَوَسيلةٌ إليها، هَذَا ممَّا لا خلافَ فيه، لَكن الخلَاف القَائم فيه بين الحنفيَّة والجُمْهور يتمثَّل فيما إذا كان الوُضُوءُ مجرَّد وسيلةٍ محضةٍ مقصودةٍ لغيرها (أي: للصلاة)، أم أنها عبادةٌ مقصودةٌ لذاتها كذلك. قول الأحناف: إن الوضوءَ مقصود لغيره لا لنفسه (٢)، فهو عبادةٌ غير محضةٍ، ووسيلةٌ إلى الصَّلاة لَا تُشْترَط فيها النِّيَّةُ، بخلاف الصَّلاة الَّتي لا بدَّ فيها من الإتيان بالنية؛ لأنها عبادةٌ مَقْصودةٌ بنفسها. قَوْل الجُمْهور: إنَّ الوضوءَ مقصود لغيره، وَوَسيلة إلى الصلاة - كما قال الأحناف - لكنه مَقْصودٌ بنفسِهِ، كذلك لأنَّه عبادةٌ (٣)؛ ولأن الرَّسُولَ -

стр. 104

علَيه الصَّلاة والسَّلام - قال: " الطهور شَطر الإيمان " (١)، وشَطر الإيمان، أَيْ: نصف الإيمان. وهُنَاك كَلَامٌ كثيرٌ للعُلَماء حَول هذا الحديث فيما إذا كَانَ مُرَاده الإيمان الَّذي يَتحَتَّم أن يَقَرَّ في قَلْب الإنسان، وأن يُعْلِنَهُ بلسانِهِ، ويُصَدِّقَه بِعَمَلِ جَوارِحِهِ، أم أنَّ المرادَ بالإيمانَ أمرٌ آخرُ. فقال بعضهم (٢): إنَّ الوضوءَ شطرُ الإيمان؛ لأنَّ الإيمانَ يَجُبُّ الكبائرَ، والوُضُوء يَرفَع الصَّغائرَ كَمَا جَاء في الأحَاديث. وبَعْضُ العُلَمَاءِ (٣) اعْتَرض علَى هَذَا القَوْل بأَنَّ الشَّطرَ لَا يلزم منه أن يكون نصفًا، بَل المُرَاد بالشَّطر هاهنا إنَّما هو الجزء. وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هذا الاعتراض بأنَّ هناكَ أحاديثَ أُخرى وَرَدَ فيها: " الوُضُوءُ نصفُ الإيمَان " (٤)، فَفي هَذَا زَوَالٌ للإشكال. وَاجْتَهَد بَعْضُهُمْ، فَقَالَ (٥): إنَّ المرادَ بالإيمَان هنا إنَّما هو الصَّلاة؛ لقَوْل الله تَعَالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أَيْ: تَوَجُّهكم إلى بيت المَقْدِسِ. فخُلَاصةُ القول: إنَّ هذا الحديث وإنْ كانت تدور حوله نقاشاتٌ إلا أنه يَبْقى في نهاية الأمر حديثًا صحيحًا ثابتًا.

стр. 105

اختلاف العلماء حول النِّيَّة فيما إذا كانت شرطًا من شروط العبادة، أو ركنًا من أركانها: وَالعُلَماءُ في هذا الأمر على قَوْلَين: الأوَّل: أنَّها رُكْنٌ (١)، وأصْحَاب هذَا الرَّأي يُعلِّلونه بأن الرُّكْنَ يُلازِمُ العبَادةَ، ويَكُون معَها، بينما الشَّرط يَكُون مُتَقدِّمًا على العبادة. الثَّانِي: أنَّ النيَّة ركنٌ في أوَّل العبادة، شرطٌ في أثنائها (٢)، بمعنى أنَّ استمرار أحكام النيَّة أثناء العبادة إنما هو شرطٌ في العبادة، فالمكلَّف يقدم النيَّة على العبادة، ثمَّ يَسْتصحب حُكمَها معه أثناء عبادته، وقد يَغْفل الإنسان أو يسهو في صلاتِهِ، كما حدث من الصحابي عمر ﵁ الذي قال: " وَافَقَني ربِّي في ثلاثٍ " (٣)، فقد كان يَذكُر أنه أحيانًا في صلاتِهِ يُجَهِّزُ الجيوشَ، فما بالنا بغَيْره! شروط النية: الشَّرْط الأوَّل: الإسلام (٤)، فبعض العلماء يَجْعل الإسلامَ شرطًا من شُرُوط النيَّة، وهذا يجرُّنا لقضيَّة اشتراط الإسلام في الفُرُوع، وَمَا إذَا كان

стр. 106

الكُفَّارُ سيُؤَاخَذون على أُصُول الدِّين فقط أم أنهم سيؤاخَذون أيضًا على فُرُوعِهِ (١)، فالقائلون بمؤاخَذَتهم على الأصول وَحْدها يقولون بأنَّ الكفارَ سيُعَذَّبون على تَرْكهم لأُصُول الدِّين، ولا حسابَ على الفروع، أما الآخرون فيقولون بأنهم سيعذَّبون على تَرْكهم لفُرُوع الدِّين عذابًا زائدًا على تَرْكهم لأصوله (٢)، فثَمَرة هذَا الخلَاف إنَّما هي أمرٌ أُخرَوِيٌّ، بَلْ إنَّ العلَماء قَالوا بأن ذِكْرَ هذا الخلَاف في العقيدة وأُصُول الفِقْهِ يُغْني عن ذِكْرِهِ في الفقه. قَضيَّة التَّميُّز أيضًا، النيَّة يُطْلب فيها التميُّز، ومن أهم شروط النيَّة إنَّما هو تعيُّن المنويِّ. الشَّرط الثَّانِي: تمييز المنوي (٣)، فَيَجب تعيين المنوي؛ حتَّى لا يأتي المكلَّف بما ينافيه، فلو أن إنسانًا نوَى الصَّلاة، ودَخَل فيها، ثمَّ بعد ذلك ارتدَّ، فإن ردَّته هاهنا أبطلَت صلاتَه، وكَذَلك لو أن إنسانًا نوَى الوُضُوء، ثمَّ نوى قَطْعَه، فحِينَئذٍ يَكُون قد أفسَدَ هذه النيَّة.

стр. 107

ما يَتَعلَّق بوقت نيَّة الوضوء: والعلماء في هَذَا على أقوالٍ: * مَذْهب الأحناف (١): أنَّ الأَوْلَى والمستحبَّ في حقِّ المتوضِّئ أن يستصحبَ النيَّة من حين استنجائِهِ حتى تشمل النِّيةُ الوُضُوءَ، وما يتعلَّق به. * مَذْهب الحَنَابلة (٢): أنها تَبْدأ مع الوُضُوء مُبَاشَرةً، ولا مانعَ عندَهم كَذَلك من أن تتقدَّم النيَّة على الوضوء بزمنٍ يسيرٍ. * مذهب الشافعيَّة (٣): عند دُخُول المتوضِّئ في الطهارة. * مذهب المالكيَّة: ولهم قَوْلَان في هذا: القَوْل الأوَّل (٤): الإتيان بها في أوَّل الوُضُوء عند غسل الوجه. القَوْلُ الثَّانِي (٥): الإتيان بها في أوَّل الطهارة. ولعلَّ الأَحْوَط للمكلَّف من هذِهِ الأقوال هو أن يَسْتَصحبها معه في أوَّل الطهارة.

стр. 108

الفَرْقُ بَيْنَ الإخْلَاص والنيَّة: وَالمَقْصودُ بالنيَّة هاهنا إنَّما هي النيَّة في العبادَات، والَّتي يَنْبغي أن يَصحَبها الإخلاصُ، وَهِيَ الَّتي أشَارَ إليه الله بقَوْله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقَوْله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من قَوْله تَعالَي: ﴿لِيَعْبُدُوا﴾، والأحوال - كما يقول العلماء - إنما هي بمثابة الشروط، فالنيَّة في العبادات يتعيَّن فيها أن يصاحبها الإخلاص. التسمية في الوضوء: والمؤلف هاهنا لم يَذكُر التسمية في الوضوء مع أنها محلُّ خِلَافٍ بين العلماء، بَلْ إنَّ منهم مَنْ قال بوُجُوبها، وببطلان وضوء مَنْ ترَكَهَا عَامدًا، وقَدْ ذَكَرْنَا آنفًا أنَّ هذَا الكتابَ لا يتعرَّض للفُرُوع الكثيرة، وإنما يُعنَى بأُمَّهات المَسَائل التي تُؤْخذ مباشرةً من منطوق النَّصِّ أو مَفْهومه، ولذَا فإنَّنا سنَتنَاول هاهنا التَّسمية، وأقْوَال العُلَماء فيها؛ لِمَا لهَا من أهمِّيَّةٍ لا يَنْبغي إغْفَالُها، فهي مسألة متعلقة بالطَّهارة، والطَّهارة شرطٌ في صحَّة الصَّلاة الَّتي هي الرُّكن الثَّانِي من أركان الإسلام بعد الشَّهَادتين. والتَّسمية يَدُورُ كلَامُ العُلَماء فيها على ثلَاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: أن التَّسمية مُسْتحَبَّة في الوضوء، وهو مذهب جماهير العلماء من الحنفيَّة (١)، والمالكيَّة (٢)، والشافعيَّة (٣)، وأحمد في أظهر الروايتين عنه (٤).

стр. 109

القول الثَّانِي: أنَّها وَاجبةٌ في الوضوء، وهو قول داود الظاهري (١)، والرواية الأُخرى عن الإمام أحمد (٢)، وهو كذلك قول إسحاق بن راهويه، لكنَّه ذَهَب إلى التَّفريق في تركها بين العمد والنِّسيان، فكَما أنه يبطل وضوء مَنْ تَرَكها عامدًا، فَكَذلك يُعْفَى عَمَّن تَرَكَها ناسيًا أو جاهلًا بحُكْمها (٣)؛ لحديث: " عُفِيَ عن أُمَّتي الخَطَأ، والنِّسْيان، وَمَا استُكْرِهُوا عَلَيه " (٤). ومَنْ يَقْرأ " مسَائل الإمَام أَحمد " يجد التقاءً كثيرًا بينه وبين إسحَاق بن رَاهَويه، فقَدْ كَانَا قرينين وَصَاحبين في السَّفر، حيث سافَرا إلى مكَّة، وسمعا دروس الشافعي، وسافرا إلى اليمن، وغير ذلك، ولكلٍّ منهما مكانته في الإسلام والجهاد والحديث. سبب الخلاف في المسألة: والخلافُ بَيْن العُلَماء في مسألة التَّسمية إنما مَرَدُّهُ إلى الأحاديث الواردة فيها، وهذه الأحاديث قَدْ جَمَعها الإمام البيهقيُّ في كتابه " مَعْرفة الآثَار والسُّنن " (٥)، وانتهَى إلى أنَّها في جملتها لَا تَسْلَم من المقَال عدَا

стр. 110

قوله ﷺ : " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ " (١). وفي روايةٍ: " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ " (٢)، فإنه حَسَّنَ إسنادَه. وقَدْ نقَل التِّرمذيُّ أن الإمامَ أحمدَ ﵀ لَمَّا سُئِلَ عن الأحاديث الواردة في التَّسمية في الوضوء، أجاب بأنَّه لم يثبت في ذلك شَيءٌ (٣)، فَوَافق الجُمْهور في قَوْلهم بالاستحباب في أظهَر الرِّوَايتين عنه، ومع ذَلكَ نجده قَدْ قال في الرِّواية الأُخرى بوُجُوب التَّسْمية. وَهُنَاك حَديث آخَرُ لا يَذْكره الفقهاء كثيرًا، وهو ما رُوِيَ عن أنسٍ ﵁ أنَّه قال: نَظَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَضُوءًا، فَلَمْ يَجِدُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَاهُنَا مَاءٌ ". قَالَ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ المَاءُ، ثُمَّ قَالَ: " تَوَضَّؤُوا بِاسْمِ اللهِ "، فَرَأَيْتُ المَاءَ يَفُورُ من بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَالقَوْمُ يَتَوَضَّؤُونَ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا عَنْ آخِرِهِمْ (٤) … لكنه حديث عامٌّ. استدلال القائلين بالوُجُوب بالحديث الأول: أمَّا حَديثُ: " لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَم يُسَمِّ اللهَ "، فَقَد استدلَّ هَذَا الفريقُ بِهِ علَى وُجُوب التَّسمية، من حيث إنَّ قَوْله: " لا وُضُوءَ … "، إنَّما أُتِيَ فيه بـ " لَا " النَّافية، ثمَّ جاءت لفظة " وضوء " نكرة في سيَاق النَّفي، فأَفَادَت العُمُومَ (٥)؛
следующие страницы →