← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

العَمَلَ عِنْدَهُ بِالمَدِينَةِ لَمَّا وَجَدَهُ عَلَى الوَقْتَيْنِ فَقَطْ وَلَمْ يَجِدْهُ عَلَى الوَقْتِ الثَّالِثِ، أَعْنِي: الزَّوَالَ أَبَاحَ الصَّلَاةَ فِيهِ). منع الأئمةُ الصلاةَ في هذه الأوقات عدا مالك بالنسبة لوقت الزوال، واستثنى الشافعي وقت الجمعة. ومع ذلك ينقل عن الإمام مالك في يوم الجمعة أنه قال: "مَن لم يتأكد من وقت الزوال فلا مانع من ذلك، ومَن تأكد من ذلك فالنهي باقٍ ". قوله: (وَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ بِالعَمَلِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْعَمَلِ تَأْثِيرًا، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي المَنْعِ) (١). وهذا هو الصحيح؛ أن العمل لا ينسخ الأحاديث الصحيحة الثابتة. قوله: (وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي العَمَلِ وَقُوَّتِهِ فِي كِتَابِنَا فِي الكَلَامِ الفِقْهِيِّ وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى بِأُصُولِ الفِقْهِ). أشار المؤلف إلى كتاب له في الأصول، وله مقدمة في أول هذا الكتاب عرض فيها بعض مسائل الأصول. قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ القُرَظِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ خُرُوجَ عُمَرَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى مَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الطُّنْفُسَةِ الَّتِي كَانَتْ تُطْرَحُ إِلَى جِدَارِ المَسْجِدِ الغَرْبِيِّ، فَإِذَا غَشِيَ الطُّنْفُسَةَ كلَّهَا ظِلُّ الجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ مَعَ مَا رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "نَهَى عَنِ

стр. 1122

الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ" (١) اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النَّهْيِ يَوْمَ الجُمُعَةِ). يذكر المؤلف استدلال السادة الشافعية، وهو: "أن الناس كانوا يصلون قبل خروج عمر، وهذا من الأوقات التي جاء النهي عنها" فيستثنون بذلك يوم الجمعة، ويؤيدون ذلك بالحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، فإن جهنم تسجر إلا في يوم الجمعة" (٢)، وهذا الحديث ضعيف فيه انقطاع من جهه، ومن جهة أخرى يرويه أبو سليم، وهو ضعيف (٣). وحديث الطُّنْفُسَةِ قد ضعَّفه كثير من محققي كتب الشافعية، وخاصة الكتب التي تُعنى بالأحاديث كالنووي في كتابه المعروف: "المجموع" في مقدمته (٤). قوله: (وَقَوَّى هَذَا الأثَرَ عِنْدَهُ العَمَلُ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كلانَ الأَثَرُ عِنْدَهُ ضَعِيفًا، وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ الأَثَرَ الثَّابِتَ فِي ذَلِكَ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي النَّهْيِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ فَسَبَبُهُ

стр. 1123

تَعَارُضُ الآثَارِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ) (١). بل هناك جملة أحاديث في هذا الباب، وليس حديثين فقط، وقد عرضت أكثرها. كحديمث أبي هريرة، وحديمث عمر، وحديث عبد الله بن عمر، وحديث أبي سعيد، وغيرهم. قوله: (أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) (٢). ومثله أيضًا: حديث عمر المتفق عليه الذي قال فيه عبد الله بن عباس: "شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر بن الخطاب … " (٣). فالأحاديث التي وردت تلتقي في معناها، وإن اختلفت الألفاظ، وذلك مثل: "نهى النبي عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس" (٤)، وبعضهم قال: "حتى تطلع الشمس" (٥)، وبعضهم قال: "عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"، وبعض الأحاديث فيها: "حتى تغيب" (٦)، وكلها متفقة في المعنى، وإن اختلفت في بعض ألفاظها.

стр. 1124

قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَيْنِ فِي بَيْتِي قَطُّ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ" (١)، فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بِالمَنْعِ، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَوْ رَآهُ نَاسِخًا، لِأَنَّهُ العَمَلُ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ ﷺ قَالَ بِالجَوَازِ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٢) يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ). حديث أمِّ سلمة الذي أشرنا إليه، عندما أرسل ابن عباس ورفقته مولاه إلى عائشة، فردتهم إلى أمِّ سلمة، وكون عائشة تحيل إلى أم سلمة؛ فهذا يدلُّ أن أمَّ سلمة عندها مزيد علم في هذا الأمر، وقد بينت ذلك فيما سبق. قوله: (وَفيهِ: "أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ؛ فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهُمَا هَاتَانِ"). وفي بعض الروايات: أنها سألته، وفي بعضها: أنها سُئلت - للمجهول- والواقع: أنها هي السائلة؛ فبعض الروايات -كما ذكر المؤلف- أنها رأته فسألته، وفي بعضها: سُئل رسول اللَّه (٣). قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ؛ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٤) إِلَى أَنَّهَا

стр. 1125

لَا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ صَلَاةٌ بِإِطْلَاقٍ لَا فَرِيضَةٌ مَقْضِيَّةٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا نَافِلَةٌ إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ). تبين مما سبق أن هناك أحاديثُ تنهى عن الصلاة في هذه الأوقات، وأحاديثُ يفهم منها جواز ذلك، ومن ذلك اختلفت وجهة الفقهاء في الصلاة التي لا تجوز في هذه الأوقات: فالحنفية يستدلون بعموم هذه الأدلة، فلا يرون قضاء الفائتة في أوقات النهي، ولا المنذورة، ولا الكسوف، ولا غيرها وهي كل الصلوات ذات السبب ما عدا صلاة الجنازة؛ فهم مع إجماع العلماء. واستدلَّ الحنفية على عدم القضاء مطلقًا؛ بما ثبت في "الصحيحين": "أن الرسول ﷺ نام عن صلاة الصبح، فأخَّرها حتى ابيضت الشمس" (١)، وردَّ العلماء على ذلك بتأويلهم ذلك، وقالوا: إنه لم يؤخِّر الصلاة بعد طلوع الشمس، لكن احتاج مَن معه من الصحابة أن يتطهروا فأخَّرها رحمة بهم، وسيأتي خلاف العلماء في الفائتة في أبواب الأذان، أيؤذن لها أم لا؟ (٢).

стр. 1126

أما المالكية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعية (٣) فاستثنوا: "الصلوات الفائتة"، فقالوا: تقضى في أيِّ وقت من الأوقات، ومذهب الشافعية في ذلك هو أوسع المذاهب، لذلك نعرض له مؤخرًا. وكذلك: "تحية المسجد"، لأن الرسول ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٤)، وكذلك السنن الراتبة إذا فأتت الإنسان؛ فله أن يقضيها في أيِّ وقت. وكذلك: "صلاة الكسوف" لقول النبي ﷺ : "إذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة" (٥)، وهذا مطلق والرسول ﷺ لم يقيِّد ذلك بزمن. وكذلك: "السنن الرواتب "، وذلك أن الرسول ﷺ عندما فاته الركعتان الراتبتان بعد صلاة الظهر؛ قضاهما بعد صلاة العصر (٦)، ولما سُئِل عن ذلك بيَّن أنه جاءه من بني عبد القيس أناس يعلنون إسلامهم،

стр. 1127

ولا شكَّ أن الرسول ﷺ سينشغل بهم؛ لأن ذلك أمر هام للمسلمين عمومًا؛ لذلك انشغل معهم الرسول ﷺ فمضى الوقت؛ فلم يصل الركعتين، فلما تذكرهما صلاهما بعد العصر. وجه الدلالة مما سبق: أن الرسول ﷺ قضى الركعتين بعد العصر مما يدلُّ أن السنن الرواتب تُقضَى بعد العصر. وورد في مثل هذا بعض الأحاديث، منها: أن الرسول ﷺ رأى رجلًا يصلي بعد الفجر فقال: "ما هذا؟ " فقال: هما الركعتان قبل الفجر صليتهما بعده، فلم ينكر عليه الرسول ﷺ (١). كذلك قصة الرجلين اللذين كانا في مؤخرة القوم؛ فلما صلى الرسول ﷺ بأصحابه قال: "عَلَيّ بهما"، فجيء بهما ترتعد فرائصهما (٢)؛ فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالا: صلينا في رحالنا، فقال لهما الرسول ﷺ : "إذا صليتما في رحالكما وأتيتما مسجد جماعة فصليا تكن لكما نافلة" (٣)، وسيأتي اختلاف العلماء فيمَن دخل المسجد وقد صلى ووجد الناس يصلون فيصلي معهم (٤)، حتى لا يوقع نفسه بالشبهة؛

стр. 1128

فالرسول ﷺ أنكر على زيد، وأنكر أيضًا على رجل آخر في قصة الرجل الذي كان في مجلس مع رسول الله ﷺ فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، ثم رجع وهذا الرجل في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ " قال: نعم. قال: "فما منعك أن تصلي معنا؟ " قال: صليت في أهلي. قال: "إذا صليت في أهلك وأتيت المسجد فصلِّ مع الناس؛ فإنها تكون لك نافلة" (١). وفي حديث أبي ذرٍّ -الذي أخرجه مسلم وغيره- أن الرسول ﷺ قال له: "كيف أنت إذا كان عليك أمر يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ " قال: فما تأمرني؟ قال: "صلِّ الصلاة لوقتها؛ فإن أدركتها معهم فصلِّها؛ فإنها تكون لك نافلة" (٢). فهذه الأدلة مجتمعة تبيِّن أن هناك جملة من الأحاديث تنهى عن الصلوات في هذه الأوقات، وهناك أدلة تدلُّ على جواز الصلاة فيها؛ فكيف نستطيع أن نوفِّق بين هذه الأدلة؟ فهل نقول: إن هذا ناسخ لهذا، أو نرجح أحدهما إذا أمكن الجمع بين الأدلة؟ والجواب: أن ما أخذ به الشافعية هو الراجح، وهي أيضًا رواية للحنابلة، وإن لم تكن مشهورة، وهي التي أيَّدها كثير من المحققين من

стр. 1129

علماء هذه الأمة، وهي "التفريق بين ما له سبب وما ليس له سبب "؛ فكل صلاة لها سبب؛ تُصلَّى في وقت النهي وفي غيره، أما التطوع في وقت النهي فهذا هو الممنوع. مثال ما لها سبب: صلاة الجنازة في وقت النهي وفي غيره، ولذلك ورد حديث -وإن كان فيه بعض مقال من العلماء-: "يا علي، ثلاث لا تؤخروهن؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفء" (١)، وهذا يدل على أن الجنازة لا تؤخَّر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في أبواب أُخرى. وهناك أدلة كثيرة صحيحة ثابتة تؤيد ما ذهب إليه السادة الشافعية وغيرهم، ومنها: "أن الرسول ﷺ قضى الركعتين بعد الظهر" (٢). وخلاصة القول: أن كل صلاة لها سبب كتحية المسجد، والصلوات الواجبة المقضية، والفائتة، وكذلك أيضًا صلاة الكسوف، وسجود التلاوة، وسجدة الشكر، وغيرها من الصلوات التي لها سبب؛ تؤدى في أوقات النهي وفي غيرها، وعند هذا القول تلتقي الأدلة مجتمعة ولا تتعارض في هذا المقال. ومعنى "ذات سبب": كالفائتة، فسببها: عدم قضائها في وقتها، وصلاة الكسوف؛ لأن الشمس كسفت، أو الخسوف لخسف القمر، وكذلك تحية المسجد؛ فما فُعِلت إلا لسبب دخول المسجد، ومثله تحية الطواف، وهي من المسائل التي حصل فيها خلاف بين العلماء في هذا المقام فيما يتعلَّق بالصلاة في أوقات النهي بمكة، هل هناك فرق بينها وبين غيرها؟ فالشافعية يقولون: الصلاة بمكة تختلف عن غيرها؛ فالتطوع في مكة يجوز في كل وقت من الأوقات، ويستدلون بحديث: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلَّى أيَّ ساعة من ليل أو نهار

стр. 1130

إن شاء" (١)، والآخرون يقولون: إن ذلك مخصوص بركعتي الطواف، ولذلك نجد أن ركعتي الطواف يوافق فيها الحنابلة (٢) الشافعية (٣)؛ في أن ركعتي الطواف قد تُصلَّى في أوقات النهي، ويختلف الحنابلة عن المالكية مع التقائهم معهم في كثير من أوقات النهي. إذن قصار القول: إن أوقات النهي الأوقات الخمسة التي وردت في أحاديث صحيحة، ووردت أدلة أُخرى تدل على جواز أداء بعض الصلوات في وقت النهي فكيف نجمع بينها؟ الجمع بينها: أن ما له سبب يؤدى في وقت النهي، وما ليس له سبب عدا صلاة الجنازة تؤدَّى بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة العصر؛ فهذه مسألة مجمع عليها، والفرائض الفائتة، فإنها تصلى فيها؛ إذ نقل ابن المنذر إجماع العلماء (٤) على أن صلاة الجنازة تؤدى بعد صلاة الصبح إلى ما قبل طلوعها، أو بعد العصر إلى ما قبل غروبها، ولذلك فإن الشافعية يحتجون على الذين يمنعون ذوات الأسباب في أوقات النهي؛ إذ كيف اجتمعتم معنا على أن صلاة الجنازة تؤدى في هذين الوقتين؛ بحجة أن لها سببًا فكذلك تلحق بها غيرها من ذوات الأسباب. فهم بذلك يحتجون بهذا القول على مخالفهم من المالكية والحنفية والحنابلة، وإن كان الحنابلة يوافقونهم في كل شيء إلا عصر يومه.

стр. 1131

قوله: (قَالُوا: فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِذَا نَسِيَهُ). يقول الحنفية (١): مَن أدرك مقدار ركعة قبل غروب الشمس؛ فإنه يصلي العصر ولا يصلي الظهر؛ لأنهم لا يرون الجمع، وإنما تعليلهم لذلك أنه جمع صوري، ولا يرون أن مَن أدرك مقدار ركعة قبل طلوع الشمس أن يصلي الصبح، وهم بذلك لا يسقطون عنه صلاة الصبح، لكن يؤخرها إلى ما بعد وقت النهي؛ لأنه لو شرع في صلاة الصبح فصلى ركعة لحقه وقت النهي. وأجاب الجمهور عن ذلك بقولهم: إن النهي ينصرف إلى السنن لا الواجبات، والفرائض المقضية؛ فإنه لا يشملها النهي؛ لأنها مستثناة. ولأن أبا حنيفة يرى أن عصر اليوم يختلف عن غيره فله مزايا؛ أولًا: صح عن الرسول ﷺ أنه صلى بعد صلاة العصر، ونقل ذلك عن عدد من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وابنه عبد الله، وأبو أيوب، وعائشة، وفعل ذلك عمر مع أنه ورد أيضًا نهيه عن ذلك (٢). قوله: (وَاتَّفَقَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤) أَنَّهُ يَقْضِي الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ). وهناك إشكال يثيره بعض العلماء، وهو ما يأخذ به الشافعية ومَن

стр. 1132

معهم: أن الأحاديث التي ورد فيها النهي عامة وقد خصصت، وقد ذكرنا الأحاديث التي خصصت؛ فلماذا خصصت تلك الأحاديث، ولم يخصص حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين "؟ (١)، وهذا الحديث عامٌّ في الوقت خاصٌّ في الصلاة؛ لأن المقصود هنا: الصلاة غير المفروضة، وهي تحية المسجد؛ فالذين يخالفون الشافعية ومن معهم يقولون: قلتم إن أحاديث النهي التي نهت عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقتها وقت الطلوع، أو وقت الغروب، أو وقمت الزوال، فاستثنيتم من ذلك هذه وأبقيتموها على عمومها؟ والجواب عن ذلك: أن تلك الأحاديث التي استُثنيت؛ جاءت أحاديث أُخرى خصَّصتها؛ أما حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين "، فلم يرد هناك ما يخصصه، ولذلك بقي هذا الحديث على عمومه. فالأوقات التي تكلمنا عنها هي الأوقات المشهورة عند العلماء بأنها أوقات نهي، لكن هناك أوقات أُخرى هي محل خلاف بين العلماء في أداء النوافل، منها: ما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ثم وقمت الطلوع إلى أن ترتفع قيد رمح، ثم وقت الزوال، ثم من بعد صلاة العصر إلى الغروب، ثم وقت الغروب، فهذه الأوقات الخمسة. • مسألة: ورد عدة أحاديث تبين فضيلة ركعتي الفجر (٢)؛ ولكن ما بعد الركعتين إلى الصلاة هل للإنسان أن يتزود من النوافل فيها أم لا؟ اختلف العلماء ما بين أداء الركعتين بعد طلوع الفجر إلى البدء

стр. 1133

بصلاة الفجر (١)، وكذلك أيضًا بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة المغرب، وقد اختلف العلماء أيضًا في أداء السنن فيه أو في التنفل فيه هل ذلك مكروه أم لا (٢)؟ أو أنه لا يجوز أصلًا، أو أن ذلك مستحب، أو أنه جائز؟ ومما اختلف فيه العلماء أيضًا: فيما إذا دخل المصلي والإمام يخطب أيركع ركعتين تحية للمسجد أم لا؟ (٣)، وهناك أيضًا خلاف في صلوات أُخرى بالنسبة لصلاتي العيدين وغيرها من الصلوات الأخرى، فهل يتنفل أم لا (٤)؟ والصحيح بالنسبة للعيدين: ألَّا يُتنفَّل قبلهما ولا بعدهما في المسجد، وله ذلك في البيت؛ فقد نقل ذلك عن الرسول ﷺ وسنعرض -إن شاء الله- لبعض المسائل إضافة إلى ذلك؛ لأن القصد من ذلك هو الفائدة. أوقات النهي خمسة كما مر؛ لذلك فإن السادة الحنفية يرون أن لا تؤدى في هذا الأوقات أيّ صلاة من الصلوات، لا المقضية، ولا المنذورة، ولا السنن ذات الأسباب، ولا غير ذات الأسباب عدا عصر يومه؛ فإن له أن يصلي فيه، ووافقوا أيضًا عامَّة العلماء في موضع الإجماع فيما يخصُّ صلاة الجنازة؛ فإن الجنازة يصلى عليها ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ومن بعد صلاة العصر إلى غروبها هذا هو مذهب الحنفية. وقد اتفق مالك (٥)، والشافعي (٦)، وكذلك، أحمد (٧)، والاتفاق من حيث الجملة، لا التفصيل؛ فللمالكية -من حيث الجملة- عدة روايات؛

стр. 1134

حيث يرون قضاء الفوائت في أيِّ وقمت من الأوقات (١)، ويرون كذلك أن الجنازة يصلى عليها بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر (٢)، وكذلك الحنابلة أيضًا يتفقون مع عامَّة العلماء في الصلاة على الجنازة في وقتي ما بعد صلاة الصبح إلى ما قبل الطلوع، ومن بعد صلاة العصر إلى الغروب، ويذهب الحنابلة أيضًا إلى أن الصلاة المنذورة تؤدى في أوقات النهي (٣)، وركعتي الطواف تؤدى في أيِّ وقت (٤)؛ ويرون أن ركعتي الظهر تقضى أيضًا بعد صلاة العصر (٥)؛ لأن ذلك صحَّ عن الرسول ﷺ ، ولهم أيضًا عدة آراء في مسائل أُخرى، لكن المذهب لم يلقَ اتفاقًا عليها. قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٦) إِلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ هِيَ النَّوَافِلُ فَقَط الَّتِي تُفْعَلُ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَأَنَّ السُّنَنَ مِثْلُ صَلَاةِ الجِنَازَةِ تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ، وَوَافَقَهُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ، أَعْنِي: فِي السُّنَنِ، وَخَالَفَهُ فِي الَّتِي تُفْعَلُ لِسَبَبٍ) (٧). قسَّم الشافعية الصلوات بالنسبة إلى أوقات النهي قسمين: ١ - ماله سبب. ٢ - وما ليس له سبب.

стр. 1135

فالصلاة ذات السبب تؤدى في هذه الأوقات، والصلاة التي ليست لها سبب لا تؤدى في هذه الأوقات عمومًا وهي النوافل. ووافقه مالك، وأحمد (١)، وللإمام أحمد رواية (٢) وإن لم تكن مشهورة في المذهب يلتقي فيها مع الشافعية فيما ذهبوا إليه. لماذا أجمع العلماء على أن صلاة الجنازة يصلى عليها في وقتي نهي عنهم، من بعد صلاة الصبح إلى ما قبل طلوع الشمس، ومن بعد صلاة العصر إلى ما قبل غروبها؟ ولماذا منع غير الشافعية ذلك في الأوقات الأخرى التي هي وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت الزوال؟ الجواب: أن هناك دليلان عقليان. الأول: أن ما بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس؛ وقت طويل، ومثله من بعد صلاة العصر إلى غروبها؛ ولذلك قال النبي: "يا علي، ثلاث لا تؤخروهن … "، وذكر منها الجنازة (٣)؛ فبين هذين الوقتين إذًا طولٌ، وقد يضرُّ ذلك بالجنازة. الثاني: أن النهي الوارد في حديث عقبة بن عامر الجهني؛ أقوى من النهي الوارد في الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، وذلك لأن النهي لهذين الوقتين متعلق بفعل الصلاة التي هي صلاة الفجر، وصلاة العصر، أما

стр. 1136

الأوقات الأخرى الثلاثة؛ فمتعلق بالزمن وهو قوله: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا … " (١). فلو أُخِّرت صلاة الصبح؛ فإن النوافل تؤدى قبلها مهما أُخِّرت، كذلك صلاة العصر على خلاف بين الحنابلة والشافعية؛ فالشافعية يأخذون قولًا واحدًا، وللحنابلة روايتان؛ لكنهم يسلمون مع الشافعية بالنسبة للعصر فالوقتان مرتبطان بالصلاة. • قوله: (مِثْلَ رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يُجِيزُ هَاتَيْنِ الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ، وَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَاحتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي جَوَازِ السُّنَنِ عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ). أي: وخالف الإمام مالك في صلاة النوافل بعد الفجر وبعد العصر، ومثال ذلك: لو أن إنسانًا فاتته ركعتَا الفجر فهل يصليهما بعد صلاة الفجر؟ أجاز ذلك الشافعية، أما الحنابلة فلهم روايتان، والرواية المشهورة: أنه يؤخرها إلى ما بعد طلوع الشمس (٢). • قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ: "هِيَ مَا عَدَا الفَرْضَ"، وَلَمْ يُفَرِّقْ سُنَّةً مِنْ نَفْلٍ) (٣). مذهب الإمام ﵀، وإن لم يكن متفقًا مع الحنفية إلا أنه قريب منهم؛ حيث يرى أن المخصوص في أوقات النهي، إنما هي الصلوات المفروضة فقط، أما ما عدا ذلك من السنن، والواجبات كالصلاة المنذورة؛ فلا تقضى.

стр. 1137

• قوله: (فَيَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ هِيَ الصَّلَوَاتُ بِإِطْلَاقٍ، وَقَوْلٌ: إِنَّهَا مَا عَدَا المَفْرُوضَ سَوَاءٌ أكَانَتْ سُنَّةً أَوْ نَفْلًا، وَقَوْلٌ: إِنَّهَا النَّفْلُ دُونَ السُّنَنِ). يختصر المؤلف ما سبق إلى ثلاثة أقوال: الأول: هي الصلوات بإطلاق فلا تؤدى، وليست حقيقة على إطلاق تام؛ لأن الحنفية استثنوا صلاة العصر قبل الغروب، واستثنوا أيضًا صلاة الجنازة في وقتي النهي، ولكن المؤلف أراد أن يعمم وربما ما وقف على ذلك. الثاني: ما عدا الفروض سواء كانت سنة أو نفلًا. الثالث: إنها النفل دون السنن، وهذا هو مذهب الشافعية، وهي الرواية الأخرى التي وافقهم عليها الحنابلة. • قوله: (وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي مَنَعَ مَالِكٌ فِيهَا صَلَاةَ الجَنَائِزِ عِنْدَ الغُرُوبِ قَوْلٌ رَابعٌ، وَهُوَ أَنَّهَا النَّفْلُ فَقَطْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ وَالنَّفْلُ وَالسُّنَنُ مَعًا عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالغُرُوبِ) (١). وذكر المؤلف قولًا رابعًا: وهو أداء النفل فقط بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر، والمؤلف أحيانًا يدخل في التفريعات بالنسبة لمذهب المالكية؛ لأن معرفته بمذهب المالكية أكثر من غيره، ولذلك يدخل في بعض التفصيلات أو الجزئيات، ولو أردنا أن نتتبع الأقوال أو الروايات في المذاهب؛ لطال بنا المقام، ولكن نحاول أن نأتي بالآراء المشهورة، والظاهرة، والراجحة في المذاهب. • قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ، أَعْنِي: الوَارِدَةَ فِي السُّنَّةِ، وَأَيّ يُخَصُّ بِأَيٍّ؟). أي: أن هذه الأحاديث التي وردت منها ما فيه عموم، ومنها ما فيه

стр. 1138

خصوص، وقد يكون الحديث الواحد عام من جانب، وخاص من جانب آخر، وذلك كحديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (١)، فهذا عام في الوقت خاص في تحية المسجد. وكذلك حديث: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك" (٢)، فهذا عام في الأوقات؛ خاص بالنسبة للصلاة المقضية؛ ففيه عموم من جانب، وخصوص من جانب آخر. وكذلك حديث: "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" (٣)، فهذا فيه عموم بالنسبة لجنس الصلوات، وهذا الذي يريد أن يبحثه المؤلف. وكما هو معلوم أن من مباحث الأصول المعروفة: العام والخاص (٤)، والمطلق المقيد (٥)، وقد يأتي مثلًا أسلوب عام فيدخله التخصيص، والمراد به: قصر العام على بعض أفراده، كأن يأتي دليل عام يشتمل على عدة أفراد؛ فيأتي دليل آخر فيخصصه فيقصره على بعض أفراده. • قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكرَهَا"، يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ جَمِيعِ الأوْقَات" (٦)).

стр. 1139

فالحديث الذي ذكره المؤلف صريح في أن مَن نسي صلاة، أو نام عنها" فإنه يؤديها، وإن وقتها هو وقت تذكره لها، أو استيقاظه من نومه؛ إلا إذا وُجِد مانع يمنعه، أو أن ينشغل بطهارة، أو غيرها فهذا يعتبر من مقدمات الصلاة. ولا شكَّ أن هذا الحديث، يقتضي استغراق جميع الأوقات: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكر؛ فإنه لا كفارة له إلا ذلك" (١)، وورد في بعض الروايات: "فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره"، فهذا عام في الأوقات، ولم يخصَّ ذلك بوقت من الأوقات، وإنما أطلق ذلك، ولا شكَّ أن ذلك خاص فيمن نام عن صلاة أو نسيها. • قوله: (وَقَوْلُهُ فِي أَحَادِيثِ النَّهْيِ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا" (٢)، يَقْتَضِي أَيْضًا عُمُومَ أَجْنَاسِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَاتِ وَالسُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ، فَمَتَى حَمَلْنَا الحَدِيثَيْنِ عَلَى العُمُومِ فِي ذَلِكَ وَقَعَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ هُوَ مِنْ جِنْسِ التَّعَارُضِ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ العَامِّ وَالخَاصِّ، إِمَّا فِي الزَّمَان، وَإِمَّا فِي اسْمِ الصَّلَاةِ). أتى المؤلف بمجموع من الأحاديث يبين معنى العموم والخصوص فيها، فمن الأحاديث في ذلك قوله: "لا صلاة بعد صلاة الصبح، حتى ترتفع الشمس، أو حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس"، وفي بعضها: "حتى تغيب الشمس" (٣)، وغير ذلك من الأدلة التي نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها؛ كحديث عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيره. فأشار بذلك إلى: حديث ينهى عن الصلاة في هذه الأوقات، ولا يوجد حديث واحد ينهى عن الصلوات في هذا الأوقات؛ لكن

стр. 1140

بمجموع الأدلة، فهناك من نهى عن الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر، وهناك حديث عقبه نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، لكن كلها تلتقي حول النهي. أما الحديث الآخر: "مَن نام عن صلاة أو نسيها … " فلو تُرك هذين الحديثين على إطلاقهما، وعمومهما، لوُجِد تعارض بينهما، إذ يدل قوله: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكر"، أي: يصلهما سواء كان ذلك في وقت نهي، أو غيره، والأحاديث الأخرى تنهى عن الصلوات في أوقات النهي فظاهر ذلك التعارض، ولذلك قال المؤلف بعدها: (وَقَعَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ هُوَ مِنْ جِنْسِ التَّعَارُضِ … ). فالأحاديث السابقة ظاهرها التعارض، إما في الزمان كحديث عقبة في النهي عن الأوقات الثلاثة، أو إما في جنس الصلاة، وهو قوله: "لا صلاة بعد صلاة الصبح … "، فهذا يعم جميع الصلوات في هذين الوقتين. • قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي الزَّمَانِ، أَعْنِي: اسْتِثْنَاءَ الخَاصِّ مِنَ العَامِّ مَنَعَ الصَّلَوَاتِ بِإِطْلَاقٍ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ (١)، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى اسْتِثْنَاءِ الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِالقَضَاءِ مِنْ عُمُومِ اسْمِ الصَّلَاةِ المَنْهِيِّ عَنْهَا مَنَعَ مَا عَدَا الفَرْضَ فِي تِلْكَ الأَوْقَاتِ) (٢). أي: فمن استثنى الزمان؛ منع الصلوات كلها في هذه الأوقات إلا الذي جاء الإجماع عليه، ثم يختلفون أيضًا في تخصيص ذلك، فبعضهم يمنع مطلقًا كما عند الحنفية، وبعضهم يخصص بعض ما ورد في الأحاديث. ومَن استثنى الصلاة المفروضة المنصوص عليها في الحديث بالقضاء، منع ما عدا الصلاة المفروضة في تلك الأوقات.

стр. 1141

ويشير المؤلف إلى مذهب الإمام مالك في هذه المسألة (١)؛ فهو الذي خص الفرائض بالقضاء، ومثله الثوري؛ لكن مالكًا له استثناءات أُخرى من أدلة أخرى. • قوله: (وَقَدْ رَجَّحَ مَالِكٌ مَذْهَبَهُ مِنِ اسْتِثْنَاء الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ مِنْ عُمُومِ لَفْظِ الصَّلَاةِ بِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ") (٢). استثنى الإمام مالك من ذلك الصلوات المفروضة؛ إذ هناك أحاديث تنهى عن الصلاة في أوقات النهي، وأما حديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها" (٣)، فقد خصصه مالك بالفوائت الفرضية التي يراد قضاؤها، وقوى استدلال المالكية إلى ما ذهبوا إليه بحديث آخر: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس، أو قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" (٤)، وفي بعض الأحاديث: "مَن أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" (٥)، وهو عكس الأول، وكلها أحاديث صحيحة وثابتة. • قوله: (وَلذَلِكَ اسْتَثْنَى الكُوفِيُّونَ (٦) عَصْرَ اليَوْمِ مِنَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ). المراد بالكوفيين هنا ليس الحنفية وحدهم؛ بل يراد غيرهم معهم؛ لكن المشهور أنهم الحنفية، فأحيانًا يطلق مصطلح الكوفيين، ويقصد به أوسع من الأحناف، وأحيانًا يطلق عليهم: أهل الرأي؛ لأنهم اشتهروا

стр. 1142

بمدرسة الرأي، وليس معنى هذا أن كل فقه أبي حنيفة قائم على الرأي، لكن اشتهرت هذه المدرسة بمدرسة الرأي، ومنذ أن بدأت المدارس كان هناك مدرستان: مدرسة الحديث في الحجاز، ومدرسة الرأي في العراق، وكلها تنهل من معين بعض الصحابة بواسطة التابعين، لكن تغير الحال؛ فلم تظل العراق مدرسة الرأي؛ إذ ظهر فيه أكابر العلماء، وانتقل إليها العلماء وتجمعوا فيها أمثال: الإمام الشافعي فقد ظل بها فترة، وكذلك الإمام أحمد الذي بقي فيها، والثوري، وإسحاق بن راهويه، وابن المبارك، وغيرهم؛ فلذلك أصبحت هذه المدرسة - إلى جانب كونها تُعرف بمدرسة الرأي - بها علماء من مدرسة الحديث. • قوله: (لَكِنْ قَدْ كانَ يجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَيْضًا؛ لِلنَّصِّ الوَارِدِ فِيهَا، وَلَا يَرُدُّوا ذَلِكَ بِرَأْيِهِمْ مِنْ أَنَّ المُدْرِكَ لِرَكعَةٍ قَبْلَ الطُّلُوعِ يَخْرُجُ لِلْوَقْتِ المَحْظُور). يعقب المؤلِّف على ما ذهب إليه السادة الحنفية؛ حيث استثنوا من ذلك وقتًا واحدًا هو أداء صلاة العصر، أي: قضاء العصر الفائت، والتي تأخر وقتها قبل غروب الشمس بمقدار ركعة. فلماذا فرقوا بين ما قبل الغروب، وما قبل طلوع الشمس؟ أجاب الحنفية على ذلك بقولهم: إذا بدأ المصلي في صلاة العصر قبل غروب الشمس بركعة؛ سينتقل إلى وقت غير منهي عنه، وهو وقت المغرب، أما لو بدأ في صلاة الصبح؛ سينتقل إلى وقت النهي وهو طلوع الشمس فيمنع. ورد عليهم جماهير العلماء، - ومنهم الأئمة الثلاثة - بأن دعواهم هذه غير مسلمة؛ لأن ذلك خاص بالسنن، والنوافل ولا تدخل في تلك الفرائض؛ فإنها تصلى في كل وقت، وذلك عند المالكية، والحنابلة. • قوله: (وَالمُدْرِكَ لِرَكعَةٍ قَبْلَ الغُرُوبِ يَخْرُجُ لِلْوَقْتِ المُبَاحِ. وَأَمَّا الكُوفِيّونَ فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ

стр. 1143

الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ مِنْ عُمُومِ اسْمِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهَا فِي تِلْكَ الأيَّامِ؛ لِأنَّ عَصْرَ اليَوْمِ لَيْسَ فِي مَعْنَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ). قال الحنفية: هذا الحديث ليس نصًّا في استثناء الفرائض، وإن قوله: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها" (١)، قول مطلق يدخل في ذلك الوتر، وركعة الفجر، ونحو ذلك من النوافل. • قوله: (وَكَذَلِكَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي الصُّبْحِ لَوْ سَلَّمُوا أَنَّهُ يُقْضَى فِي الوَقْتِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِذًا الخِلَافُ بَيْنَهُمْ آيِلٌ إِلَى أَنَّ المُسْتَثْنَى الَّذِي وَرَدَ بِهِ اللَّفْظُ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ؟ أَمْ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ؟ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ هِيَ صَلَاةُ العَصْرِ وَالصُّبْحِ فَقَطِ المَنْصُوصُ عَلَيْهِمَا، فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ). قولهم: خاصٌّ أريد به الخاص، أي: الفوائت التي أريد بها الفرائض، ومنهم من قال: هو خاص يشمل أكثر من الفرائض؛ فيدخل فيه النوافل كما هو مذهب الشافعية. وقصد بصلاة العصر والصبح المنصوص عليهما في قوله ﷺ : "لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر؛ حتى تطلع الشمس" (٢). • قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَطْ، وَلَا الصُّبْحِ بَلْ هِيَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ، فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ

стр. 1144

عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةَ هِيَ المُسْتَثْنَاةُ مِنِ اسْمِ الصَّلَاةِ الفَائِتَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ أَصْلًا لَا قَاطِعٌ وَلَا غَيْرُ قَاطِعٍ). نعارض ما ذهب إليه المؤلف؛ وذلك لأن الرسول ذكر الحديث بعلته في قوله: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك"، ومعنى الحديث يدل على أن هناك تقصير لا يُلام عليه الإنسان، لقوله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وورد في الحديث الصحيح: "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" (١)؛ فالمخطئ والناسي والمكرَه - والمراد بالمكره هنا: الملجأ (٢)، وليس غير الملجأ (٣) - لهم أحكام تخصهم قد بحثها العلماء، وخاصة في مباحث الأصول والقواعد الفقهية، ودقَّقوا فيها وساقوا أمثلتها وفصلوا القول فيها. • قوله: (عَلَى اسْتثْنَاءِ الزَّمَانِ الخَاصِّ الوَارِدِ فِي أَحَادِيثِ النَّهْيِ مِنَ الزَّمَانِ العَامِّ الوَارِدِ فِي أَحَادِيثِ الأمْرِ دُونَ اسْتِثْنَاءِ الصَّلَاةِ الخَاصَّةِ المَنْطُوقِ بِهَا فِي أَحَادِيثِ الأمْرِ مِنَ الصَّلَاةِ العَامَّةِ المَنْطُوقِ بِهَا فِي أَحَادِيتِ النَّهْيِ، وهذا بَيِّنٌ). هذا في مفهوم المؤلف على أنه ليس هناك استثناء، والأمر على خلاف ذلك، ومنه قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى

стр. 1145

يصلي ركعتين" (١)، وهي تحية المسجد، ومثلها في الكسوف: "إذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة" (٢). وكذلك رأينا أن الرسول ﷺ "قضى الركعتين التي بعد الظهر بعد العصر" (٣)، إذن قد وردت نصوص صريحة صحيحة في هذا المقام متنوعة فهذه نستثنيها من تلكم الأدلة العامة على خلاف ما ذهب إليه المؤلف. وقصد بأحاديث الأمر كحديث: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها … " (٤)، فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وكذلك أحاديث النهي كحديث نهي النبي عن الصلاة بعد صلاة الصبح، وعن الصلاة بعد صلاة العصر، في قوله: "لا صلاة بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر، حتى تطلع الشمس". • قوله: (فَإِنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ حَدِيثَان فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ وَخَاصٌّ لَمْ يجِبْ أَنْ يُصَارَ إِلَى تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، أَعْنِي: اسْتِثْنَاءَ خَاصِّ هَذَا مِنْ عَامِّ ذَاكَ، أَوْ خَاصِّ ذَاكَ مِنْ عَامِّ هَذَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٥)). لم يستوعب المؤلف الأدلة في المسألة، ولا شكَّ أن جهوده طيبة في هذا الكتاب ومعروف أن له مزايا قد لا نجدها في غيره، لكنه في الجانب

стр. 1146

الحديث - وهي كلمة حق - وليس هذا تنقُّص في قدر الكتاب؛ فمعلوم أن أيَّ كتاب من الكتب مهما بلغ الغاية، فإنه تنقصه بعض القضايا، إذ الكمال غاية لا تدرك؛ فكتاب: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري "لابن حجر - مثلًا - كتاب جليل القدر، لكننا نقول: إن هناك بعض القضايا العلمية أيضًا فاقه فيها الإمام العيني كمباحث اللغة، وبعض المباحث الفقهية، فليس معنى هذا أننا نريد أن نجري موازنة دقيقة فاحصة تقوم على البسط والإيضاح، ولو أصدرنا حكمًا على الخصوص لقلنا: إن كتاب "عمدة القارئ للعيني" يقدَّم على كتاب "فتح الباري"، أما إن أصدرنا حكمًا عامًّا لقلنا: إن "فتح الباري" هو المقدم، وهكذا، ولو أننا جدلًا أردنا أن ندرس "صحيح مسلم بشرح النووي" دراسة فاحصة دقيقة؛ لوجدنا أن النووي بدأ بالتوسُّع في أول شرحه؛ لأنه تأثر بالقاضي عياض؛ لأن القاضي عياض سبقه في شرح مسلم. فهل معنى هذا أن النووي قلَّ علمه؟ ولذلك أيضًا ردَّ الانتقال الذي أخرجه ابن حجر بعد أن جاء العيني وأخرج الكتاب، وقد وُلِد قبله، وتوفي بعد ابن حجر وكانا قديمًا يعيشان في عصر واحد، ويعرفان بعضهما، وبينهما نسب. والشاهد: أن ابن حجر قد أثيرت حوله قضايا كان يُشير إليها العيني من شرح البخاري، وردَّ ابن حجر على كثير منها في كتاب: "انتقاض الاعتراض" لكن هناك بعض القضايا لم يرد عليها، وذلك لربما لم يستطع أن يتم الكتاب، إذ وافته المنية. والواقع أن هناك قضايا على طالب العلم أن يدرسها دراسة فاحصة، ليجد أن العيني قد أصاب فيها، لكن هل معنى هذا أن هذه الموازنة تجعلنا نقول: إن هذا يوجد فيه بعض المزايا التي يمتاز بها على ذاك؟ لا، وكذلك أيضًا هل نقول: إن ابن حجر عندما جاء ووضع كتابه: "فتح الباري"، وأخذ هذا العنوان من ابن رجب الحنبلي قبله الذي بدأ بشرح صحيح البخاري وسماه: "فتح الباري" هل ينقص من قدر الكتاب، لأنه أخذ اسم الكتاب من غيره؟ لا.

стр. 1147

إن ابن رجب قد بدأ في شرح الكتاب وهو في الناحية الحديثية يمتاز على ابن حجر، لكن ابن حجر نوَّع المعلومات؛ فتجد أنه يعنى في كتابه: "فتح الباري" بأسماء الرجال، وكذلك القضايا اللغوية، والفقهية، والبلاغية، والأصولية، وفيما يتعلَّق أيضًا بالتفسير، والقضايا التاريخية، ولو جُمعت لربما جمع منها مجلدات. وعلى ما سبق أريد أن أقول: إن أيَّ كتاب من الكتب له ما له وعليه ما عليه، فلو أخذنا مثلًا كتاب: "المغني" لابن قدامة، وهو من أنفع الكتب، وأجلها، هل نقول: إنه جمع كل مسائل الفقه؟ لا وكذلك أيضًا: "المجموع" للنووى. فهذه الكتب قد حوت أهم مسائل الفقه، والمسائل التي فأتت المؤلف فيها قليلة وربما قصدوا ذلك حيث أرادوا أن ينتقوا مسائلهم، ولذلك نجد أن الكتب تتفاوت" إذ لو كل ما في هذا الكتاب موجود في الآخر، لقصر على البعض دون غيره، ومن الحكمة أن يقرأ الإنسان هنا وهناك، ويوازن، ويجمع إلى غير ذلك. • مسألة: ما يتعلَّق بوقت صلاة الفجر: إنما يثبت بطلوع الفجر الصادق، إذ قد ورد عن الرسول ﷺ عدة أحاديث تبين فضيلة الركعتين قبل صلاة الصبح، ومنها قوله ﷺ : "إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم (١) ألا وهما الركعتان قبل الفجر" (٢)، وكان من أجل النعم عند العرب "الإبل"، إذ كانت لها مكانة عظيمة، ولذلك كان يكثر ضرب الأمثلة بها، كما فعل

стр. 1148

الرسول ﷺ لما أرسل عليًّا إلى خيبر وقال له: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا؛ خير لك من حمر النعم" (١)، ومن العلماء مَن يستحب أن تصلى ركعتا الفجر في البيت؛ لثبوته عن الرسول ﷺ (٢)، وادعي أن ذلك متعين وواجب، وهذا غير صحيح؛ لأن أصل السنة غير واجب. فهل يُتنفَّل بعد هاتين الركعتين إلى صلاة الفجر؟ الجواب: اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤) إلى المنع. وللشافعية روايتان؛ راوية (٥) يستحبون فيها التنفل، ورواية يرون أن ذلك جائز، وهذا أيضًا مروي عن الحنابلة (٦). وسبب الخلاف يدور حول حديث عبد الله بن عمر الذي ورد فيه أن الرسول ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الصبح" (٧)،

стр. 1149

لكن هذا حديث ضعيف لا يتمسك به، وتمسك الآخرون بعموم الأدلة المبيحة للصلاة. • مسألة: ما يتعلَّق بصلاة المغرب: مر أن صلاة العصر تنتهي إلى ما بين المثل إلى المثليين على رأي، أو إلى الاصفرار في رأي آخر، وهذا الذي رجحناه وأن ما بعد ذلك هو وقت لأهل الأعذار، ولو أن إنسانًا أدرك ركعة قبل غروب الشمس؛ فإنه يكون قد أدرك صلاة العصر، لكنه أثِمَ بتأخيرها؛ لأن الرسول ﷺ قد حذَّر من تأخير صلاة العصر بقوله: "ومَن فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله" (١)، وفي رواية: "مَن فاتته صلاة العصر حبط عمله" (٢)، لكن بعد أذان المغرب إلى الإقامة هل هناك وقت تصلى فيه صلاة النافلة أم لا؟ الجواب: ذهب المالكية (٣)، والحنفية (٤) إلى المنع على اختلاف بينهم في كراهية النهي أو حرمته، وللشافعية (٥) روايتان في ذلك: رواية استحباب، ورواية جواز، ويرى الحنابلة (٦) أن ذلك جائز. وسبب الخلاف: اختلاف الأدلة في ذلك؛ فاستدل المانعون: أنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه حضَّ على المبادرة في صلاة المغرب وقال: "لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم" (٧)،

стр. 1150

واستدلوا بأن رسول الله ﷺ كان يصليها إذا غابت الشمس (١)، أي: بعد الغروب مباشرة، فوجه الدلالة: أن هذه المبادرة تدلُّ على أنه لا نافلة في هذا المقام وهذا الوقت. واستدلَّ المجيزون للنافلة بحديث أنس: "أنهم كانوا يفعلون ذلك على زمن رسول الله ﷺ " (٢)، وكذلك حديث عبد الله بن المغفل: "أن الرسول ﷺ صلى ركعتين" (٣)، وفي رواية أُخرى: أن الرسول ﷺ "أمر بصلاة ركعتين قبل المغرب" (٤). • مسألة: فيما يتعلَّق بدخول المصلي يوم الجمعة والإمام يخطب: اختلف أقوال الفقهاء في ذلك: فذهب السادة الحنفية (٥)، والمالكية (٦) إلى المنع. واستدلوا بما ورد

стр. 1151

عن الرسول ﷺ أنه قال: "إذا قال الإنسان لصاحبه: أنصت فقد لغى" (١)، أي: لا جمعة له؛ فلذلك قالوا بعدم الصلاة. بينما ذهب الحنابلة (٢)، والشافعية (٣) إلى جواز صلاتها، واستدلوا على ذلك بعموم قول النبي ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٤)، وبحديث سُلَيْك الغطفاني، عندما جاء فجلس فأمره الرسول ﷺ أن يقوم وأن يركع ركعتين (٥)، وفي حديث آخر: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة؛ فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" (٦). • مسألة: فيما يتعلَّق بالصلاة عامة: تلكم الممهدات والمقدمات التي عرضنا لها إنما تدل على أهمية الصلاة، فهي الركن الثاني بعد الشهادتين وكان من آخر ما قاله الرسول ﷺ قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" (٧)، وكان ﷺ إذا حزبه أمر يفزع إلى الصلاة، ويقول: أرحنا بها

стр. 1152

يا بلال" (١)، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم، - بل المسلمون الذين جاؤوا من بعدهم - من أول أعمالهم عندما يفتحون مصرًا، أو ينزلون بلدًا؛ يخططون لإقامة المسجد. ولقد رأينا رسول الله ﷺ من أول أعماله أن بنى المسجد في المدينة الطاهرة، وكذلك نجد أنه ﷺ بنى مسجد قباء، وقال أيضًا: "مَن بنى لله مسجدًا، ولو كمفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة" (٢)، وما أعظم أن تقام الصلوات في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولقد كانت المساجد ملتقًى للمسلمين. وفي أبواب صلاة الجماعة - إن شاء الله - سنبين ما في صلاة الجماعة من أحكام، وما فيها من فوائد تؤدي إلى جمع كلمة المسلمين، والتفاف صفوفهم، وانتظامهم، وخضوعهم لله ، وخشوعهم في كل أحوالهم إلى جانب أنها عبادة فيها التزام وطاعة لله . * تنبيه: يوجد خلافٌ بين الفقهاء في مسائل الفائتة، وهذا الخلاف قد يمتد ويشعب، وربما يقصر، ويضيق، وكل هؤلاء العلماء بلا شك كان يروم الوصول إلى الحق من أقرب طريق، وأهدى سبيل فيما قاله ، وفيما قاله رسوله ، وكلهم يسعى إلى اقتفاء آثار الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن الرسول ﷺ نبَّهنا وأمرنا أن نقتدي بالصحابة الكرام، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ يقول: "الله الله في أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (٣) (٤)، ولذلك نبَّه الرسول ﷺ بقوله: "اقتدوا

стр. 1153

باللَّذَين من بعدي بأبي بكر وعمر" (١)، وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ" (٢)؛ فالصحابة يختلفون عن غيرهم، لأنهم تلاميذ محمد بن عبد الله ﷺ ، وهم الذين تربَّوا في مدرسته، ونهلوا من معينها، وهم الذين أيضًا سايروا التنزيل؛ فتلقوه من مشكاة النبوة صافيًا غضًّا طريًا لم تشبْه شائبة، ولم يخالطه إشكال. وهم مَن أخذوا العلم من النبي ﷺ ، وإلى جانب أخذهم العلم كانوا يطبقونه على أنفسهم؛ فلا يتجاوزن ما تعلموه، وكانوا إذا تعلموا من الرسول ﷺ عشر آيات لم يتجاوزها حتى يعلموا ما فيها من العلم ويعملوا بها (٣)، وعلى ذلك كان الناس يتسابقون إلى دين الله، وكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا، وذلك لما كانوا يرونه من سيرة أولئك القوم الكرام؛ لأنهم يرون أن الإسلام مطبق في أقولهم، وأعمالهم، وأخلاقهم، وسائر تصرفاتهم، أولئك أناس آثروا الآخرة على الباقية؛ فتركوا الدنيا وراءهم ظهريًا، وليس معنى ذلك أن الإنسان يزهد فى الدنيا، ويتركها بل لا ينسى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، فكانوا كذلك ﵃، وما كان يشغلهم عن طاعة الله شيء؛ بل كانوا أسودًا بالنهار، رهبانًا بالليل. وقد وصفهم من كان أعرف الناس بهم ألا وهو: عبد الله بن مسعود حيث قال: "من كان مستنًا؛ فليستنَّ بمَن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"؛ ثم قال: "أولئك أصحاب رسول الله كانوا أبرّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلف، قوم اختارهم الله لصحبة رسوله؛ فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في أثرهم" (٤)، فقد رأينا من الناس في هذا

стр. 1154

الزمان من كان على خير ثم تغير؛ لأن الإنسان قد يعمل عمل الخير فيتأخر في آخر حياته، وقد يعمل أعمالًا لا تكاد الجبال تحملها من السيئات؛ لكن الله يختم له الخاتمة الحسنة، وإنما الأعمال بالخواتيم (١)، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يعترض على قضاء الله وقدره، بل ينصح، ويوجه وينبه الناس؛ ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: "مَن ذا الذي يتعالى عليَّ في كبريائي" في قصة الذي قال: "لا يهدي الله ذلك الرجل" (٢)، "ورب أشعث أغبر لو تمنى على الله لأبره" (٣). فليست الأمور إذن بالمظاهر في هذه الحياة بل بالتقوى والعمل الصالح؛ كما قال الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وعلى ما سبق لماذا يختلف المسلمون في قضية من القضايا، وخاصة القضايا التي تتعلق بأصل هذا الدين وجوهرها وهي العقيدة، فلِمَ لا تردُّ هذه المسائل إلى تلكم القرون المفضلة قرون أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، ولذلك قال عبد الله بن مسعود في أثره الآخر: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد؛ فاصطفاه لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ﷺ ، فما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا؟ فهو عند الله سيئ" (٤)، فلماذا لا نرجع إلى ما نختلف فيه

стр. 1155

من أمور جدت من بعض البدع؟ أمور طرأت ودنس بها أعداء الإسلام المسلمين، إذ جاؤوا بها ودخلوا بها على المسلمين؛ ليصرفوهم عن دينهم الذي ارتضاه الله لهم. لماذا لا نطبقها على عصر الصحابة؟! أليس الصحابة أحرص الناس على الفضل؟! ونرى أن أول أمر شَغل المسلمين بعد وفاة رسول الله ﷺ هو: مَن الذي سيخلف رسول الله ﷺ في القيام بحمل كيان الدولة الإسلامية؟ فالرسول ﷺ بعث بمكة فغرس العقيدة، وثبتها في النفوس، وطهرها من كل دنس، ثم أقام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، فبموت النبي ﷺ فُجِع الصحابة فجيعة كبرى، واحتار بعضهم واضطرب، وكان من بين أولئك الصحابة مَن كان ينزل القرآن مؤيدًا لرأيه عمر بن الخطاب ﵁، فقد اضطرب عندما وجد رسول الله ﷺ ميتًا، فاحتار من ذلك الأمر، هل توفي رسول الله ﷺ أم ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران وسيعود؟ وكان أبو بكر غائبًا في العوالي؛ فلما أتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ وقبله، وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله طِبتَ حيًّا وميتًا". ثم قام في الناس خطيبًا فقال: "مَن كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت" (١)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، فلماذا لا يرجع إليهم المختلفون في كل أمر من أمورهم؟ إن رسول الله ﷺ شرفه الله بالرسالة، وقال في شأنه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فالردُّ إلى كتاب الله وحده، وإلى رسول الله ﷺ في وقت حياته، وإلى سنته بعد وفاته (٢). لكن بعد أن

стр. 1156

مات الرسول ﷺ بقيت له الشفاعة المحمودة التي يتخلى عنها الكل؛ إلا من رحم ربي، وورد في ذلك أحاديث الشفاعة. يقول الله في شأن نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فلماذا إذن لا يتجه العباد إلى رب العباد؟ ولماذا لا يتجه المخلوق إلى خالق هذا الكون، ومدبره؟ ولا شك أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، فلما زالت الصدمة التي وقع فيها الصحابة؛ فلم يعهد رسول الله ﷺ إلى أحد بالخلافة بعينه؛ لكن هناك قرائن، ودلالات فهم منها بعد ذلك عمر وغيره أنَّ أبا بكر أولى الناس بهذه الخلافة لما له من المزايا، ومن الفضائل؛ إذ قال الله تعالى في شأنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : "سدوا عليَّ هذه الخوخة (١) إلا خوخة أبي بكر" (٢)، ثم قال: "مُرْنَ أبا بكر فليصل بالناس" (٣)، وكذلك مما دار في السقيفة (٤)، وما حصل فيها من اجتماع الأنصار، وما دار من كلام، وأراد عمر أن يتكلم متحمسًا؛ فأجلسه أبو بكر ﵁؛ وهذا احترام بين الصحابة جمٌّ؛ إذ كانوا يدركون قول الرسول ﷺ في أثر عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم" (٥)، قال عمر: "ما دفعني أن أتكلم إلا أنه دار بخاطري كلام كنت أخشى أن يفوتني وألا يدركهم أبو بكر". قال: "فقام أبو بكر فتكلم أبلغ ما يكون، وتكلم فيما

стр. 1157

كان يدور في خاطر عمر، وزاد على ذلك ووفَّى"، يتقدم أبو بكر؛ فيقول: "بايعوا عمر"، ثم يتقدم عمر فيقول: "فلنبايعك، لقد ارتضاك رسول الله ﷺ لأمر ديننا؛ أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟! "، والحديث طويل، وهو في صحيح البخاري (١)، وغيره (٢). ثم يأتي بعد ذلك أمر آخر وهو: ما حصل من ارتداد بعض أحياء العرب، وما حصل من قتال لمانعي الزكاة؛ فهناك مَن ارتد عن عقيدة التوحيد كمسيلمة الكذاب، وطلحة، وأمثال هؤلاء، ثم بعد ذلك منع أناس الزكاة؛ إذ قالوا: "أطعنا رسول الله؛ إذ كان بيننا فيا عجبًا ما بال دين أبي بكر؟! "، ثم بعد ذلك يقف أبو بكر الذي عرف بحلمه، وبرقة جانبه يقف شديدًا أقوى من عمر في ذلك الموقف ويقول: "والله لأقاتلن مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، والله، لو منعوني عناقًا" (٣)، - وفي بعض الروايات -: "عقالًا (٤) (٥) كانوا يؤدونه إلى الرسول لقاتلتهم عليه" (٦)، ويظل النقاش بينه وبين عمر فينتهي بعد ذلك عمر إلى قول أبي بكر، لأن عمر ﵁ أدرك أن الحق مع أبي بكر وأن الحق ضالة المؤمن، وهو الذي كان يوصي أبا موسى في خطابه العظيم في كتابه المشهور الذي

стр. 1158

شرحه الإمام القيم ابن القيم في كتابه المعروف: "كلام الموقعين، "الحق الحق فيما يعتلج في صدرك" (١)، فقد أدرك أن الله قد شرح صدر أبي بكر إلى الحق فقاموا، وقاتلوا المرتدين، ومانعي الزكاة فعادوا إلى حظيرة الإسلام. فما أريد أن أنبِّه عليه: أن الصحابة اختلفوا في أول الأمر في قتال مانعي الزكاة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" (٢)، فبسبب هذا الحديث نجد بعض الصحابة قالوا: كيف نقاتل مَن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللَّه؟! لكن في حديث آخر قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا قالوها؛ فقد عصموا مني دماءهم، وأموالهم" (٣)، فحصل الخلاف في أول الأمر في ذلك، وهناك عدة مسائل حصل فيها خلاف بين الصحابة ﵃ لكنهم انتهوا بعد ذلك إلى الإجماع، وهي قليلة، وهناك مسائل أُخرى اختلف فيه الصحابة، وظل الخلاف قائمًا لكن ذلك لم يؤدِّ إلى التباعد بينهم. وعلى ما سبق فإن الخلاف الذي ورد ذمّه إنما هو الخلاف الذي ينتهي إلى تفريق كلمة المسلمين، وأيضًا الذي ينتهي إلى غير فائدة، أما الخلاف في مسائل العلم الذي يقصد منها الوصول إلى الحق والصلاح والإصلاح؛ فإنما ذلك أمر لا بد منه، وهو من الأمور التي سلكها العلماء، وساروا عليها. وهذه الخلافات في جانب الشريعة، أما مسائل العقيدة فليست محلًّا للخلاف، وكذلك أيضًا قضايا العبادة؛ وأسباب الخلاف كثيرة جدًّا، وقد

стр. 1159

تكلم العلماء عن ذلك ككتاب: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" (١)، وكثير من العلماء تصدوا لذالك بكتبهم؛ لكن الخلاف الذي يؤدي إلى تفريق المسلمين كالخلاف الذي نشأ عند مجيء التتار وهجومهم على الدولة الإسلامية؛ حيث كان المسلمون منشغلين بالخلاف، وأعداء الإسلام يطوقون عاصمتهم، ولما تغيرت الأحوال واجتمعت الكلمة وما كان لذلك الإمام العلم الجليل شيخ الإسلام "ابن تيمية" من فضل في ذلكم المقام، وما له من جهود يستحق أن ندعو له بالنسبة إلى تلكم المواقف التي انتهت إلى هزيمة التتار، ورجوع قوة المسلمين إلى ما كانوا عليه سابقًا. قال المصنف ﵀: (البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) هَذَا البَابُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى فَصْلَيْنِ؛ الأَوَّلُ: فِي الأَذَان، وَالثَّانِي: فِي الإِقَامَةِ). بعد أن انتهى المؤلف من باب الصلاة وما يتعلَّق بها من أوقات الضرورة والعذر، وأفاض بما دار بين الفقهاء في ذلك؛ بدأ في باب جديد وهو: "باب الأذان والإقامة"، وأريد أن أنبِّه إلى أمر يقع فيه كثير من

стр. 1160

المسلمين في غير هذه البلاد ألا وهو: ما يتعلَّق حقيقة بدعاء غير الله ، فربما يظن البعض أن بعض الصالحين إذا مات فإن من الخير له أن يذهب إلى قبره فيطلب منه أن يدعو له، أو أن يشفي لهم مريضًا، أو أن يرفع له كربًا، أو أن يرزقه، أو أن يخفف عنه ألمًا، أو أن يرفع ما حلَّ به من مشكلات. ومثل هذه الأفعال شبيهة بأفعال المشركين، فهذا إنسان قد مات وأفضى إلى ربه، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، والله يقول لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون الشفاعة من الرسول ﷺ وقت حياته؛ فإنه كان قادرًا على دعاء الله ؛ لكن بعد مماته ما اتَّجه الصحابة إلى الرسول ﷺ وهو موجود بينهم في قبره، وإنما لما أجدبت الأرض طلبوا من العباس عمِّ الرسول ﷺ أن يدعو لهم (١)؛ فإذا كان رسول الله ﷺ - وهو أفضل خلق الله - لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا حال موته فكيف بغيره؟ ويجوز لنا أن نسلم عليه ﵊؛ فإن الله يرد عليه روحه فيرد علينا السلام؛ فما من أحد يسلم عليه إلا ردَّ الله عليَّ روحي فأردّ ﵇ (٢)، وموته ﷺ إنما هو موت برزخي (٣)، فلم يكن الآن في الحالة التي كان عليها قبل الموت، ولم تكن أيضًا حالته كحالة الشهداء؛ فهو فوق ذلك، لكنه ميِّت كما قال الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
следующие страницы →