← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مات الرسول ﷺ بقيت له الشفاعة المحمودة التي يتخلى عنها الكل؛ إلا من رحم ربي، وورد في ذلك أحاديث الشفاعة. يقول الله في شأن نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، فلماذا إذن لا يتجه العباد إلى رب العباد؟ ولماذا لا يتجه المخلوق إلى خالق هذا الكون، ومدبره؟ ولا شك أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا، فلما زالت الصدمة التي وقع فيها الصحابة؛ فلم يعهد رسول الله ﷺ إلى أحد بالخلافة بعينه؛ لكن هناك قرائن، ودلالات فهم منها بعد ذلك عمر وغيره أنَّ أبا بكر أولى الناس بهذه الخلافة لما له من المزايا، ومن الفضائل؛ إذ قال الله تعالى في شأنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ : "سدوا عليَّ هذه الخوخة (١) إلا خوخة أبي بكر" (٢)، ثم قال: "مُرْنَ أبا بكر فليصل بالناس" (٣)، وكذلك مما دار في السقيفة (٤)، وما حصل فيها من اجتماع الأنصار، وما دار من كلام، وأراد عمر أن يتكلم متحمسًا؛ فأجلسه أبو بكر ﵁؛ وهذا احترام بين الصحابة جمٌّ؛ إذ كانوا يدركون قول الرسول ﷺ في أثر عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم" (٥)، قال عمر: "ما دفعني أن أتكلم إلا أنه دار بخاطري كلام كنت أخشى أن يفوتني وألا يدركهم أبو بكر". قال: "فقام أبو بكر فتكلم أبلغ ما يكون، وتكلم فيما

стр. 1157

كان يدور في خاطر عمر، وزاد على ذلك ووفَّى"، يتقدم أبو بكر؛ فيقول: "بايعوا عمر"، ثم يتقدم عمر فيقول: "فلنبايعك، لقد ارتضاك رسول الله ﷺ لأمر ديننا؛ أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟! "، والحديث طويل، وهو في صحيح البخاري (١)، وغيره (٢). ثم يأتي بعد ذلك أمر آخر وهو: ما حصل من ارتداد بعض أحياء العرب، وما حصل من قتال لمانعي الزكاة؛ فهناك مَن ارتد عن عقيدة التوحيد كمسيلمة الكذاب، وطلحة، وأمثال هؤلاء، ثم بعد ذلك منع أناس الزكاة؛ إذ قالوا: "أطعنا رسول الله؛ إذ كان بيننا فيا عجبًا ما بال دين أبي بكر؟! "، ثم بعد ذلك يقف أبو بكر الذي عرف بحلمه، وبرقة جانبه يقف شديدًا أقوى من عمر في ذلك الموقف ويقول: "والله لأقاتلن مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، والله، لو منعوني عناقًا" (٣)، - وفي بعض الروايات -: "عقالًا (٤) (٥) كانوا يؤدونه إلى الرسول لقاتلتهم عليه" (٦)، ويظل النقاش بينه وبين عمر فينتهي بعد ذلك عمر إلى قول أبي بكر، لأن عمر ﵁ أدرك أن الحق مع أبي بكر وأن الحق ضالة المؤمن، وهو الذي كان يوصي أبا موسى في خطابه العظيم في كتابه المشهور الذي

стр. 1158

شرحه الإمام القيم ابن القيم في كتابه المعروف: "كلام الموقعين، "الحق الحق فيما يعتلج في صدرك" (١)، فقد أدرك أن الله قد شرح صدر أبي بكر إلى الحق فقاموا، وقاتلوا المرتدين، ومانعي الزكاة فعادوا إلى حظيرة الإسلام. فما أريد أن أنبِّه عليه: أن الصحابة اختلفوا في أول الأمر في قتال مانعي الزكاة؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" (٢)، فبسبب هذا الحديث نجد بعض الصحابة قالوا: كيف نقاتل مَن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول اللَّه؟! لكن في حديث آخر قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا قالوها؛ فقد عصموا مني دماءهم، وأموالهم" (٣)، فحصل الخلاف في أول الأمر في ذلك، وهناك عدة مسائل حصل فيها خلاف بين الصحابة ﵃ لكنهم انتهوا بعد ذلك إلى الإجماع، وهي قليلة، وهناك مسائل أُخرى اختلف فيه الصحابة، وظل الخلاف قائمًا لكن ذلك لم يؤدِّ إلى التباعد بينهم. وعلى ما سبق فإن الخلاف الذي ورد ذمّه إنما هو الخلاف الذي ينتهي إلى تفريق كلمة المسلمين، وأيضًا الذي ينتهي إلى غير فائدة، أما الخلاف في مسائل العلم الذي يقصد منها الوصول إلى الحق والصلاح والإصلاح؛ فإنما ذلك أمر لا بد منه، وهو من الأمور التي سلكها العلماء، وساروا عليها. وهذه الخلافات في جانب الشريعة، أما مسائل العقيدة فليست محلًّا للخلاف، وكذلك أيضًا قضايا العبادة؛ وأسباب الخلاف كثيرة جدًّا، وقد

стр. 1159

تكلم العلماء عن ذلك ككتاب: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" (١)، وكثير من العلماء تصدوا لذالك بكتبهم؛ لكن الخلاف الذي يؤدي إلى تفريق المسلمين كالخلاف الذي نشأ عند مجيء التتار وهجومهم على الدولة الإسلامية؛ حيث كان المسلمون منشغلين بالخلاف، وأعداء الإسلام يطوقون عاصمتهم، ولما تغيرت الأحوال واجتمعت الكلمة وما كان لذلك الإمام العلم الجليل شيخ الإسلام "ابن تيمية" من فضل في ذلكم المقام، وما له من جهود يستحق أن ندعو له بالنسبة إلى تلكم المواقف التي انتهت إلى هزيمة التتار، ورجوع قوة المسلمين إلى ما كانوا عليه سابقًا. قال المصنف ﵀: (البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ) هَذَا البَابُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى فَصْلَيْنِ؛ الأَوَّلُ: فِي الأَذَان، وَالثَّانِي: فِي الإِقَامَةِ). بعد أن انتهى المؤلف من باب الصلاة وما يتعلَّق بها من أوقات الضرورة والعذر، وأفاض بما دار بين الفقهاء في ذلك؛ بدأ في باب جديد وهو: "باب الأذان والإقامة"، وأريد أن أنبِّه إلى أمر يقع فيه كثير من

стр. 1160

المسلمين في غير هذه البلاد ألا وهو: ما يتعلَّق حقيقة بدعاء غير الله ، فربما يظن البعض أن بعض الصالحين إذا مات فإن من الخير له أن يذهب إلى قبره فيطلب منه أن يدعو له، أو أن يشفي لهم مريضًا، أو أن يرفع له كربًا، أو أن يرزقه، أو أن يخفف عنه ألمًا، أو أن يرفع ما حلَّ به من مشكلات. ومثل هذه الأفعال شبيهة بأفعال المشركين، فهذا إنسان قد مات وأفضى إلى ربه، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، والله يقول لنبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، وإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يطلبون الشفاعة من الرسول ﷺ وقت حياته؛ فإنه كان قادرًا على دعاء الله ؛ لكن بعد مماته ما اتَّجه الصحابة إلى الرسول ﷺ وهو موجود بينهم في قبره، وإنما لما أجدبت الأرض طلبوا من العباس عمِّ الرسول ﷺ أن يدعو لهم (١)؛ فإذا كان رسول الله ﷺ - وهو أفضل خلق الله - لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا حال موته فكيف بغيره؟ ويجوز لنا أن نسلم عليه ﵊؛ فإن الله يرد عليه روحه فيرد علينا السلام؛ فما من أحد يسلم عليه إلا ردَّ الله عليَّ روحي فأردّ ﵇ (٢)، وموته ﷺ إنما هو موت برزخي (٣)، فلم يكن الآن في الحالة التي كان عليها قبل الموت، ولم تكن أيضًا حالته كحالة الشهداء؛ فهو فوق ذلك، لكنه ميِّت كما قال الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ

стр. 1161

مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فإذا كان رسول الله ﷺ لا يملك أن ينفع أحدًا؛ فما بالك بغيره من سائر الناس؟ وربما يكون الذي تتجه إليه قد ارتكب كثيرًا من المعاصي والذنوب، وقد يكون هذا الذي تذهب إليه، وتذبح له، وتتقرب له خيال من الخيالات التي أريد بها شغل المسلمين عن دينهم، وإضعاف كلمة المسلمين، فإذا أردنا مسألة فلِمَ لا نرجع إلى الحي القيوم؟! والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقال الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله … وبُنَيّ آدم حين يُسألُ يَغضَبُ (١) وقال آخر: ولو سُئِل الناسُ التراب لأوشكوا … إذا قيل: هاتوا أن يملُّوا ويسأموا (٢) فهذا في شأن الأحياء حين تطلب منهم شيئًا من حطام الدنيا؛ فكثير منهم لا يعطيك ما تطلب، فلماذا تتجه إلى إنسان قد أصبح رميمًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟! فتطلب منه، واللّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، فهذه قضية هامَّة، وأمرها خطير وجسيم، ويقع فيها كثير من المسلمين؛ فقد رأينا أناسًا يذبحون لغير الله، والذبح لا يكون إلا لله، لأن الذبح

стр. 1162

نوع من أنواع العبادة، ومن يذبح لغير الله فهو مشرك، يقول : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فهذه أمور لا ينبغي أن نتجاوز حدَّها، فإذا كنا قد أفنينا جزءًا من أعمالنا، وجمعنا المال بعد جهد جهيد ومشقة ومرور سنين طويلة؛ لنحج به فما جئنا إلى الحج إلا طاعة لله ، واستجابة لندائه، وإرضاء له ، وطلبًا لمغفرته؛ فإذا كنا نسعى إلى ذلك؛ فلماذا نتجه إلى المخلوقين؟ ولماذا لا نربط صلتنا بالله في كل أمر من أمورنا؟ فالله سيفرج عنا كل كرب، ويرفع عنا كل ضيق؛ لأن الله يغفر لكل مؤمن صادق يدعوه؟ وإذا ما دعوت الله ؛ فهناك شروط لإجابة الدعاء، ومنها: فينبغي أن تكون صادقًا في دعوتك، وأن تكون مخلصًا، وأن تتحرى أوقات الإجابة، والمواضع التي يدعى فيها كأن تكون ساجدًا؛ فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١)، وألا تتعجل الإجابة فالله قد يدَّخر لك ذلك في الآخرة؛ ليرفعك به درجات، وقد يستجيب لك الله ؛ فيدفع عنك به شرًّا (٢). فإذا توجهت إلى الله بقلب صادق ومخلص؛ فالله وعدك بالإجابة فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 1163

وينبغي علينا أن نربط صلتنا بالله ، وأن نتجه إليه في كل أمورنا؛ فلا ندعو إلا الله، ولا ننذر ولا نذبح إلا له، ولا نستغيث إلا به، ولا نتوكل إلا عليه ، قال الرسول ﷺ : "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانًا" (١). تعريف الأذان في اللغة، والشرع، وكيفية مشروعيته، ومتى شرع؟ أولًا: الأذان في اللغة هو: الإعلام، والإعلام إنما هو دعاء ونداء، ومن ذلك قول الله : ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلام منه سبحانه، وقوله : ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أعلنتكم. ويقول الشاعر: آذَنَتنا بِبَينِها أَسماءُ … رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَواءُ (٢) أي: أعلنتنا. وفي الاصطلاح هو: الإعلام بدخول وقت الصلاة في أمر مخصوص. ولا شك أن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، وإذا ما نظر المسلم نظرة فاحصة في ألفاظ الأذان؛ لوجد أنه يشتمل على عقيدة التوحيد الخالصة. فهذا النداء الذي يُنادَى به لصلاة الجماعة في كلِّ يوم خمس مرات سواء كانت الصلاة تؤدى في وقتها، أو فوائت؛ وسيأتي الكلام عن ذلك. والأذان خاصٌّ بالصلوات الخمس، أما بقية الصلوات، فلا يؤذن لها وما قيل من أنه يؤذن للعيدين فهو كلام ضعيف؛ لما جاء في حديث

стр. 1164

جابر بن سمرة: "أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة العيدين غير مرة ولا مرتين، وأنه ﷺ ما كان يؤذن لهما ولا يقيم" (١). والأذان مشتمل على عقيدة التوحيد وهو مشروع للصلاة، والصلاة كما هو معلوم إنما فرضت بمكة على رسول الله ﷺ عندما عُرِج به إلى السماء السابعة، وفُرِضت عليه أول الأمر خمسين صلاة؛ لكنه ما زال ﷺ يتردد بين ربه وموسى يطلب التخفيف حتى قال الله : "هي خمس في العمل، خمسون في الأجر لا يبدل القول لدي" (٢)، ولا شكَّ أن هذه من رحمة الله بهذه الأمة أن فرض علينا خمس صلوات، وهي قليلة إذا ما قورنت بالوقت الذي نمضيه في كل يوم؛ لكن الله منح هذه الأمة، وخصَّها بخصائص، وميَّزها بمزايا لا توجد في غيرها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذه من الأمور التي ينبغي أن يتناصح الناس بها بعضهم بعضًا؛ لأنه إذا ما أصلح الله على يديه رجلًا واحدًا أحب إليه من حمر النعم، كما قال الرسول ﷺ لعليّ بن أبي طالب عندما أرسله إلى خيبر: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٣)، والصلاة فرضت على المسلمين بمكة وكان المسلمون في مجتمع مشرك يحاربونهم، وقد أذن الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين بالهجرة إلى المدينة، وكان من أول أعمالهم بناء مسجد قباء، وكان في السنة الأولى. كيفية مشروعيته، ومتى شرع الأذان؟ شرع الأذان في السنة الأولى بعد أن تمَّ بناء مسجد رسول الله ﷺ كما ورد ذلك في حديث عبد الله بن زيد، وهذا الحديث كان في السنة

стр. 1165

الأولى من هجرة رسول الله ﷺ ، فعندما قدم الرسول والصحابة المدينة وأرادوا الصلاة؛ لأن فرض الصلاة سبقت الأذان؛ فكانوا يحيلون الأوقات، ويتحرونها؛ فأصبح ذلك شاقًّا عليهم؛ ولذلك فكر الرسول ﷺ مع أصحابه في وسيلة يجتمع حولها المسلمون؛ لأداء الصلوات الخمس ففكروا في صنع ناقوس (١) يُضرَب "كما هو شعار النصارى، أو أن يضعوا بوقًا ينادون به الصلاة، وانتهى بهم الأمر إلى الأذان، وذلك كما ورد في حديث عبد الله بن زيد: "أن الناس اختلفوا في جمع الناس للصلاة؛ فأشار بعضهم: أن يعمل ناقوسًا مثل ناقوس النصارى يُضرَب به لجمع الناس في الصلاة، وأشار بعضهم: بالنفخ في البوق (٢) كما يفعل اليهود، وبينما كان عبد الله بن زيد نائمًا آتاه رجل فقال: طافَ بي رجل وأنا نائم، وفي يده ناقوس فقلت: يا عبدَ الله، أتبيع ما في يدك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: ننادي به في الصلاة. فقال له: ألا أدلُّك على خير من ذلك؟ قال: بلى. قال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، ذكرها مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر غير بعيد عني، ثم قال لي: إذا أقمت الصلاة فقل: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. فذهب عبد الله بن زيد إلى رسول الله ﷺ ليقصَّ عليه رؤياه، فقال له رسول الله ﷺ : "إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء الله، قُم فألقِ على بلال ما رأيت؟ فإنه أندى منك صوتًا"؛ فقام بلال ينادي بذلك، فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج مسرعًا يجرُّ

стр. 1166

رداءه، فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله لقد رأيت ما رأى عبد الله، فقال الرسول ﷺ : "فلله الحمد" (١). فينبغي أن يكون المؤذن حسن الصوت؛ فإن رسول الله ﷺ علَّم أبا محذورة الأذان وكان صيِّتًا حسن الصوت، وكذلك بلالًا وقال فيه: "أندى منك صوتًا"، أي: أبعد صوتًا منك، وأعلى، وأقوى. فينبغي للمسلم إذا نزل به أمر عظيم، أو أمر فيه فائدة أن يتذكر الله ، وأن يحمده كما قال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد"، فحمد الله شاكرًا له فهو أهل للشكر، وهو الذي يستحق الشكر كله؛ لأنه أنعم عليهم بأن وفقهم إلى هذا الأذان الذي يشتمل على عقيدة التوحيد، وكان رسول الله ﷺ عندما فكر في أمر الناقوس والبوق وانتهى إلى الناقوس كان لذلك كارهًا؛ لأن ذلك من فعل النصارى. فهذه نعمة من نعم الله تعالى، فينبغي أن نكون كذلك في كل موقف إذا ما أنعم الله علينا بنعمة، أو وفقنا إلى فعل خير، أو ردع الله عنَّا صْرًّا؛ أن نتجه إليه بالحمد والثناء والشكر؛ تقديرًا له ؛ فهو الذي يرفع ويخفض، وهو الذي يعز ويذل، وليس ذلك لأحد غيره . فالأذان إنما شرع للصلاة، والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، والرسول ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول: "أرحنا بها يا بلال" (٢)؛ فكلما ضاقت على المسلم ضائقة أو تكدر خاطره فليتجه إلى الله وليصلِّ مقبلًا عليه ، مدبرًا عمَّا سواه، وينطرح بين يديه، ويمرغ أعز شيء في بدنه ألا وهو وجهه؛ خضوعًا وانقيادًا واستجابة له؛ فالله سيجزيه على ذلك، وسيوفيه أجره غير منقوص. فضله، وأهميته: ورد في فضل الأذان، ومكانته، وأهميته أحاديثُ كثيرة منها:

стр. 1167

١ - قول الرسول ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا (١) عليه" (٢)، أي: لو يدرك الناس قيمة الأذان ثم لم يجدوا إلا أن يقرعوا بينهم لتسابقوا إلى ذلك. ٢ - ويقول أيضًا ﷺ : "المؤذون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة"، وهذا حديث صحيح أيضًا (٣). وهذا دليل على فضل المؤذنين، وأن أعناقهم ترتفع فوق الناس يوم القيامة، وما أحوج المرء أن يكون رافعًا عنقَه في ذلك اليوم العظيم. ٣ - وفيما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنت في غنمك، أو باديتك فارفع صوتك بالأذان؛ فإنه لا يسمع صوت المؤذن إنس، ولا جن، إلا شهد له يوم القيامة" (٤). ومن هنا وقع خلاف بين العلماء: أيهما أفضل: الإمامة في الصلاة، أم الأذان؟ قال بعض العلماء (٥): إن الإمامة أفضل، واستدلوا بأن الرسول ﷺ

стр. 1168

كان إمامًا يصلي بالمسلمين، وكان خلفاؤه الراشدون أئمة يصلون بالناس بعده، ولا يختار رسول الله ﷺ إلا ما هو أفضل. واستدلوا أيضًا بقول الرسول ﷺ والمالك بن الحويرث في الحديث المتفق عليه: "ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" (١). وجه الدلالة: تخصيص النبي ﷺ الإمامة بقوله: "وليؤمكم أكبركم"؛ فدلَّ ذلك على أنها تمتاز على الأذان. وذهب بعضهم (٢): إلى أن الأذان أفضل من الإمامة: واستدلوا بالأحاديث التي مرت في فضل الأذان، واستدلوا بدليل عقلي على أفضلية الأذان: وهو أن النبي ﷺ لم يؤذن، خشية أن يفرض عليهم بأذانه، وكذلك الخلفاء لم يؤذنوا؛ لأنهم كانوا مشغولين بالخلافة، ولذلك نُقِل عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لولا الخلافة لأذنت" (٣) " فدلَّ ذلك على أنهم كانوا مشغولين بالخلافة. ودليل آخر: أن الإمامة لا يحتاج فيها الإنسان إلا أن يأتي إلى الصلاة، أما الأذان فيحتاج فيه إلى أن يتحرى الوقت، ويحدد له، ويربط نفسه في أوقات معينة لذلك، فإن الأذان أفضل من الإمامة من هذه الجهة. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 1169

(الفَصْلُ الأَوَّل: هَذَا الفَصْلُ يَنْحَصِرُ الكَلَامُ فِيهِ فِي خَمْسَةِ أَقْسَامٍ؛ الأَوَّلُ: في صِفَتِهِ. الثَّانِي: فِي حُكْمِهِ. الثَّالِثُ: فِي وَقْتِهِ. الرَّابِعُ: فِي شُرُوطِهِ. الخَامِسُ: فِيمَا يَقُولُهُ السَّامِعُ لَهُ. القِسْمُ الأَوَّلُ مِنَ الفَصْلِ الأَوَّلِ مِنَ البَابِ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الأَذَانِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الأَذَانِ عَلَى أَرْبَعِ صِفَاتٍ مَشْهُورَةٍ). انتقل المؤلف في هذا الفصل من القسم الأول من الباب الثاني إلى ما يتعلَّق بصفة الأذان، أي: ألفاظ الأذان، وهو الأذان الذي علَّمه النبي لبلال: "الله أكبر أربع مرات، أشهد ألا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله"، وبذلك تكون ألفاظ الأذان خمس عشرة كلمة، وهو الأذان الذي ورد في حديث عبد الله بن زيد (١)، ولم

стр. 1170

ينقطع عنه بلال بعد فتح مكة، وهناك صيغة أُخرى، لأن الرسول ﷺ علَّم أبا محذورة الأذان كما في "صحيح مسلم" (١)، وغيره (٢) وفيه: "التكبير أربع مرات لكن عند قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله يقولها مرتين بصوت منخفض، وكذلك أشهد أن محمدًا رسول الله بصوت منخفض مرتين، ثم يعود فيرفع صوته فيقول: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله"، وهذه هي الصيغة التي أخذ بها الشافعية والمالكية، لكنهم يختلفون في تقدير ذلك: فعدد جمل الأذان عند الشافعية (٣): تسع عشرة جملة، وهي: "الله أكبر" أربع مرات، ثم "أشهد ألا إله إلا الله " أربع مرات بالترجيع فيه مرتان في السر، ومرتان في الجهر، ثم "أشهد أن محمدًا رسول الله" أربع مرات بالترجيع فيه مرتان في السر، ومرتان في الجهر، ثم "حي على الصلاة" مرتين، ثم "حي على الفلاح" مرتين، ويختم بـ "لا إله إلا الله" مرة واحدة فيكون المجموع تسع عشرة جملة.

стр. 1171

أما عدد جمل الأذان عند المالكية (١): فسبع عشرة جملة، وهي: "الله أكبر" مرتين؛ لأنه ورد في حديث أبي محذورة أن الرسول علمه: "الله أكبر" أربع مرات، ومرة علمه مرتين؛ فالشافعية أخذوا بالرواية المشهورة (الأربع مرات) وقالوا: تسع عشرة جملة، وأما المالكية فحذفوا اثنتين في التكبير؛ فصار عدد كلمات الأذان سبع عشرة جملة: "الله أكبر" مرتين، ثم "أشهد ألا إله إلا الله" أربع مرات بالترجيع فيه مرتان في السر، ومرتان في الجهر ثم "أشهد أن محمدًا رسول الله" أربع مرات بالترجيع فيه مرتان في السر، ومرتان في الجهر، ثم "حي على الصلاة" مرتين، ثم "حي على الفلاح" مرتين، ويختم بـ "لا إله إلا الله" مرة واحدة. أما عند الحنفية (٢)، والحنابلة (٣): فيأخذون بالأشهر وهو خمس عشرة جملة، وهي الواردة في حديث عبد الله بن زيد. ثم ذكر المؤلف أذان البصريين، ولا يصل صحته إلى الأذان بالنسبة للصفات الثلاثة المتقدمة؛ لأن هذه الصفات الثلاثة قد ورد فيها أحاديث صحيحة، وعلى ذلك لو أذن الإنسان بأيِّ صفة منها سواء بأذان بلال، أو

стр. 1172

بأذان أبي محذورة؛ لا يعتبر مخالفًا؛ لكن مِن العلماء (١) مَن اختار ورجح أذان بلال؛ وحجتهم في ذلك: أنه أُلقِيَ على بلال، وأقره رسول الله، وأذَّنَ به لرسول الله ﷺ حضرًا وسفرًا في حياته، وكذلك استمر في عهد الخلفاء الراشدين، واشتهر ذلك بينهم. ومنهم من رجَّح أذان أبي محذورة (٢)، وحجتهم في ذلك: أنه جاء متأخِّرًا عن بلال؛ إذ إن أبا محذورة أسلم بعد فتح مكة (٣)، حتى إن بعضهم (٤) يقول: إن تعليم الرسول ﷺ لأبي محذورة الترجيع، والتكرار وهو أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله" مرتين بصوت منخفض، و"أشهد أن محمدًا رسول الله" مرتين ثم يرفع صوته بهما؛ لتثبيت عقيدة التوحيد في قلب أبي محذورة؛ لأنه قريب العهد بالإسلام فهو بحاجة إلى ذلك، وبعد أن علم الرسول ﷺ أبا محذورة عاد بلال وأذن بعده بفتح مكة بنفس ألفاظ الأذان التي يؤذدن بها؛ ولذلك لا نجد الخلاف في هذه المسألة كثيرًا، وإنما الخلاف فيما هو الأولى، فلو أذن بالأذان الذي أخذ به المالكية أو الشافعية، أو الذي أخذ به الحنفية والحنابلة كان ذلك صحيحًا وثابتًا.

стр. 1173

وكذلك وقع الخلاف أيضًا بينهم في الإقامة على أقوال: ١ - فذهب الحنفية (١): أنها كالأذان في ألفاظه، ويزيدون عليه لفظين: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"؛ فتكون تسع عشرة جملة، ودليلهم على ذلك: حديث أبي محذورة: "أن الرسول ﷺ علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإمامة سبع عشرة كلمة". ٢ - وذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن ألفاظ الإقامة: إحدى عشرة كلمة، وهي صيغة الإقامة المشهورة الآن. ٣ - بينما ذهب المالكية (٤) إلى أن ألفاظ الإقامة: عشر كلمات فقط، فاكتفوا بقول: "قد قامت الصلاة" مرة واحدة. وعلى ذلك فقد التقى الشافعية مع المالكية في جزء من أذان أبي محذورة، ووافقوا الحنابلة بالنسبة للإقامة، والتقى الحنفية مع الحنابلة بالنسبة للأذان" فجعلوه خمس عشرة جملة، وخالفوهم بالنسبة للإقامة" إذ جعل الحنفية الإقامة: تسع عشرة جملة، بينما جعلها الحنابلة: إحدى عشرة جملة كالشافعية.

стр. 1174

قوله: (إِحْدَاهَا: تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ فِيهِ وَتَرْبِيعُ الشَّهَادَتَيْنِ وَبَاقِيهِ مُثَنًّى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ المَدِينَةِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ، وَاخْتَارَ المُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ التَّرْجِيعَ (١)، وَهُوَ أَنْ يُثَنِّيَ الشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلًا خَفِيًّا، ثُمَّ يُثَنِّيهمَا مَرَّةً ثَانِيَةً مَرْفُوعَ الصَّوْتِ). " تثنية التكبير" أن يقول: "الله أكبر الله أكبر" وتربيع الشهادتين أن تقول: "أشهد ألا إله إلا الله" أربع مرات، وكذلك: "أشهد أن محمدًا رسول الله" أربعًا، المرتان الأولتان سرًا بصوت منخفض، ثم يعيدهما بعد ذلك جهرًا ليُسمِع غيره، وهذا الذي اختاره المالكية في إحدى روايات أبي محذورة، وكذلك اختاره الشافعية إلا أنهم أخذوا برواية تربيع "الله أكبر"، أي: أن يقول: "الله أكبر" أربع مرات؛ فتكون ألفاظ الأذان عند المالكية: سبع عشرة كلمة، والشافعية: تسع عشرة كلمة، وعند الحنفية والحنابلة: خمسة عشر كلمة كما مضى آنفًا (٢). • قوله: (وَالصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: أَذَانُ المَكِّيِّينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣). يقصد بأذان المكيين: أذان مكة. والشافعي هو أحد الأئمة الأربعة، ولا يفهم أنه من أهل مكة، وإنما أخذ أذان المكيين، فالشافعي كما هو معلوم من فلسطين، وجاء إلى العراق، وبقي به فترة، ثم بعد ذلك ذهب إلى مكة، وألقى دروسه في المسجد الحرام، وذهب إلى اليمن، وآخر حياته ألقى عصا التسيار (٤) في مصر، أي: انتهت به الحياة أن أقام بمصر، وأخذ يلقي دروسًا، وتخرج

стр. 1175

عليه تلاميذ كُثُر، وكتب مذهبه الجديد في مصر، وله مذهب قديم في العراق. أما الإمام مالك (١) فهو إمام دار الهجرة، تابع التابعين المعروف الذي كانت تضرب إليه أكباد الإبل (٢). وأما أبو حنيفة فهو العالم الجليل الذي عاش بالكوفة، وله مواقف جليلة، وأول ما بدأ تعلمه علم الكلام المعروف: بـ "علم التوحيد"، وكان يذهب من الكوفة إلى البصرة لينافح فرق المعتزلة. أما الإمام أحمد فهو إمام دار السلام "بغداد"، ويكفيه من المواقف الجليلة موقفه العظيم في قضية (خلق القرآن) عندما ذبَّ عن كتاب الله ودافع عنه مع عدد من العلماء، وباع نفسه رخيصة في سبيل الله، ولذلك ضُرِب له المثل، فقيل: "أبو بكر يوم الردة، وأحمد يوم الفتة"، يعني: فتة خلق القرآن (٣). وهكذا كان العلماء والعاملون يخلصون دينهم لله ، ولم تكن دعوتهم وموافقهم لتنفير الناس، أو تفريق الكلمة، بل كان الإمام أحمد ﵀ مثلًا في قضية خلق القرآن فقد أوذي وسُجن، وعُذِّب، ومع ذلك كان يقول: "لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوت بها للسلطان" (٤)؛

стр. 1176

لأنه يعلم أن إصلاح السلطان، وباجتماع الكلمة عليه؛ فيه إصلاح للرعية فما بالك بأولئك الذين يقلقون الأمة، ويتكلمون بأمور لا تجد لها حقيقة، ولا صدقًا، فمسؤولية الأمة نحو واليها، وراعيها مسؤولية كبيرة، والرسول ﷺ قد حذَّر من المخالفة حتى بيَّن أنه لو ضُرِبَ ظهر المرء وأخذ ماله؛ فإنه يسمع ويطيع إذ يقول: "اسمعوا وأطيعوا وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌّ" (١)، فالإمام أحمد كان على الحقِّ، وكان غيره على الباطل، ومع ذلك يُضرب في بعض الأحيان حتى يغيب عن الدنيا، وبعد ذلك ينطلق ما عليه من السراويل فإذا ما أفاق يُسأل عن ذلك فيقول: "لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوتُ بها للسلطان". هؤلاء الذين أدركوا الفقه غاية الإدراك، إذ عرفوا معنى قول الرسول ﷺ : "مَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٢)، فالفقه في الدين هو أن تدرك هذا الدين غاية الإدراك، وأن تعرف ما لك وما عليك، فللوالي واجبات ينبغي أن تؤديها نحوه، ومن هذه الواجبات بل في مقدماتها أن تدعو له بالصلاح، والتُّقى، وأن يرزقه الله البطانة الصالحة الذين يعينوه على الخير، وأن تذبَّ عنه، فقد عرف السابقون قيمة ومكانة اجتماع الكلمة وأنه بطاعة السلطان تجتمع الكلمة، والرسول ﷺ قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٣). فيجب على المسلم أن يدعو لولاة الأمر، وأن يخلص لهم، وأن يناصحهم، فهذه من الأمور الطيبة التي رأيناها في كلِّ العصور السابقة؛ إذ

стр. 1177

وجد هذا في عصر الصحابة كيف كانوا يتعاونون مع الخلفاء؟ وفي العصر الأموي، وكذلك في العصر العباسي وجدنا تعاونًا بين العلماء والخلفاء؛ لأنه بوجود هذا التعاون يتم بعون الله وتوفيقه اجتماع كلمة الأمة، ولا شكَّ أن الإنسان في هذه الحياة غير معصوم. إذن السعي في جمع كلمة المسلمين إنما هي مسؤولية كل مسلم بقدر طاقته، وأن الإنسان في طريق دعوته ينبغي أن يكون مقتديًا برسول الله ﷺ ، وينبغي أن يكون بصيرًا عالمًا بالأمر الذي يدعو إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وأن يتعامل مع الناس برفق ولين وروية، والله تعالى يقول عن نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال أيضًا: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فهذه القضايا التي مرت هي قضايا اختلف فيها العلماء في ما هو الأولى، فلم يكن اختلافهم تفرقا، ولا تباعدًا، وإنما هو سعي للوصول إلى الحق من أقرب طرقه وأهداها. • قوله: (وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأَوَّلِ وَالشَّهَادَتَيْنِ وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الأَذَان. وَالصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: أَذَانُ الكُوفِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ الأَوَّلِ، وَتَثْنِيَةُ بَاقِي الأَذَان، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (١). يقصد بالكوفيين: أهل الكوفة، وفي مقدمتهم: الإمام أبو حنيفة. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (٢) السابق، وهو تربيع التكبير الأول: "الله أكبر" أربعًا، ويثني باقي الأذان إلا قوله: "لا إله إلا الله" مرة واحدة. قوله: (وَالصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: أَذَانُ البَصْرِيِّينَ، وَهُوَ تَرْبِيعُ التَّكْبِيرِ

стр. 1178

الأَوَّلِ وَتَثْلِيثُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، يَبْدَأُ بِـ "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ"، ثُمَّ يُعِيدُ كذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، أَعْنِي: الأَرْبَعَ كلِمَاتٍ تَبَعًا ثُمَّ يُعِيدُهُنَّ ثَالِثَةً، وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ) (١). هذا هو المذهب الثالث، وهو في الحقيقة أقل المذاهب شيوعًا، وإنما ذكره المؤلف حتى نكون على بينة منه من باب معرفة الشيء، أما الأقوال الأخرى، والصفات الأخرى فكلها لها أدلة: فما أخذ به المالكية والشافعية على اختلاف روايتيهم من حديث تعليم الرسول لأبي محذورة. وما أخذ به الحنفية والحنابلة من حديث عبد الله بن زيد، وهو الأذان الذي أذَّن به بلال في زمن رسول الله ﷺ وبعده. هناك قضية هامة نتطرق إليها وهي: أن الرسول ﷺ عندما جاءه عبد الله بن زيد فألقى عليه الأذان، قصَّ عليه رؤياه فقال: "إنها لرؤيا حق". ثم قال له: "قُم فعلمه بلالًا" (٢)، وكما هو مشهور أن بلالًا حبشي، وكان مولى لأبي بكر، وإنما أعتقه أبو بكر بعدما اشتراه؛ إذ كان مملوكًا، ومع ذلك نجد أن الرسول ﷺ أمر عبد الله بن زيد قائلًا له: قم فألقه على بلال.

стр. 1179

وفي هذا فوائد عظيمة، منها: أن قيمة المسلم بتقواه؛ فالإسلام لا ينظر إلى جنس، ولا إلى نسب، ولا إلى عنصر، ولا إلى وطن؛ وإنما قيمة الإنسان بطاعة الله ، وبامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فهذا بلال ظلَّ يؤذن في زمن رسول الله ﷺ وهو حبشي فلم ينقص قدره ولم يكن عربيًّا، ولم ينفع نسب أبي لهب؛ لأنه كان عمَّ رسول الله" لأنه كان مشركًا، ولم يرفع ذلك أبا جهل؛ بل حطه في الحضيض حتى ينتهي إلى نار جهنم وبئس المصير. فإنما يعز الله بهذا الدين أقوامًا، ويضع به آخرين، ولذلك نجد أن الله قد أعزَّ هؤلاء، ومن بينهم بلال، لأن بلالًا كان من أوائل الذين استجابوا لدين الله ، وكان سابع سبعة آمنوا برسول الله ﷺ ، وكم لاقى من الأذى، والتعب إذ كان يسوقه غلمان مكة، وكان يُضرَب منهم ويقول: "أحد أحد"، وتوضع الصخرة على ظهره في بطحاء مكة وهو يقول: "أحد أحد" (١)، فتمضي الأيام وإذا بلال يرد المدينة ويصبح مؤذنَ رسول الله ﷺ ، ويهبه الله صوتًا مؤثرًا نديًا إذا ما سمعته القلوب وجِلت تأثرًا به، ولذا نجد عمر ﵁ عندما ذهب إلى بيت المقدس ألحَّ على بلال ليؤذن ليذكرهم بما كان في زمن رسول الله ﷺ (٢)، ولما عاد

стр. 1180

إلى المدينة أيضًا أذن فاهتزت قلوب الناس لتذكرهم أيام رسول الله ﷺ (١). قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فقيمة المرء بلا شك إنما تكون بتقوى الله ، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع، لمالها وجمالها وحسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ويمينك" (٢). إذن لا شك أن الدين مقدَّم على غيره، فقد ينكح الإنسان امرأة لجمالها، أو لأنها صاحبة مال؛ أو صاحبة حسب ونسب ووجاهة لكن الرسول ﷺ أرشد إلى الأمر الذي ينبغي أن يفعله المؤمن: "فاظفر بذات الدين"؛ لأن السعادة تكون بها، والاطمئنان. والإسلام إنما يضع قيمة الإنسان ويحددها بتقوى الله ، وهكذا رأينا مكانة بلال عند رسول الله ﷺ ، وكذلك صهيب الرومي، وسلمان الفارسي عندما قال ﷺ : "سلمان منا آل البيت" (٣)، وظلت قيمتهم في المجتمع الإسلامي إلى يومنا هذا عند كل من يدرك قيمة المسلم.

стр. 1181

• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَرْبَعِ فِرَقٍ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ). هذا الكلام يتعلَّق بألفاظ الأذان، وعُلِم مما سبق أن الصيغ متعددة، وكلها صحيحة، وأن ما وقع بين العلماء من اختلاف في وجهات نظرهم؛ إنما هو اختلاف في الأفضل منها، وما هو الأولى؟ فهناك مَن أخذ بالأذان الذي كان يؤذن به بلال لرسول الله ﷺ ، والذي ورد في حديث عبد الله بن زيد كما ذهب إلى ذلك السادة الحنفية والحنابلة. ومنهم من أخذ بما ورد بحديث أبي محذورة كالسادة الشافعية. ومنهم من أخذ أيضًا ببعض روايات حديث أبي محذورة كالسادة المالكية. وكل واحد منهم يتمسك بقول صحيح. ولا شك مما سبق أن محبة رسول الله ﷺ إنما تكون باتباعه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ويقول أيضا: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (١)، ويقول أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" (٢)، ولا شكَّ أن علامة محبة رسول الله ﷺ إنما تكون بطاعته ﷺ باتباع أوامره، واجتناب ما نهى عنه فلا يعبد الله إلا بما جاء عن طريق هذا الرسول الكريم ﷺ .

стр. 1182

قوله: (وَاخْتِلَافُ اتِّصَالِ العَمَلِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ المَدَنِيِّينَ يَحْتَجُّونَ لِمَذْهَبِهِمْ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ بِذَلِكَ فِي المَدِينَةِ). يقصدب "المدنيين" مدرسة المدينة، لصاحبها الإمام مالك؛ إذ أخذ برواية من حديث أبي محذورة، والإمام الشافعي إنما أخذ بما انتهى إليه عند المكيين، وأخذ بالرواية الأخرى من حديث أبي محذورة، وأما الحنفية والحنابلة فأخذوا بأذان بلال: وقال المؤلف: أذان الكوفيين، والصحيح: إنما هو أذان بلال الذي كان يؤذن به لرسول الله ﷺ . • قوله: (وَالمَكِّيُّونَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَحْتَجُّونَ بِالعَمَلِ المُتَّصِلِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ، وَكلذَلِكَ الكُوفِيُّونَ وَالبَصْرِيُّونَ وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آثَارٌ تَشْهَدُ لِقَوْلِهِ، أَمَّا تَثْنِيَةُ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلهِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الحِجَازِ فَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ). كل ذلك مضى شرحه قريبًا. • قوله: (وَتَرْبِيعُهُ أَيْضًا مَرْوِيّ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَهِيَ زِيَادَاتٌ يَجِبُ قَبُولُهَا مَعَ اتِّصَالِ العَمَلِ بِذَلِكَ بِمَكَّةَ") (١). يريد أن يقول: إن الذي أخذت به الشافعي له أدلة، ويضاف إلى ذلك أن الحمل ظل متصلًا به إلى وقته بمكة. قوله: (وَأَمَّا التَّرْجِيعُ الَّذِي اخْتَارَهُ المُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ

стр. 1183

مَالِكٍ (١)؟ فَرُوِيَ مِنْ طُرُقِ أَبِي قُدَامَةَ، قَالَ أَبُو عُمَر (٢): "وَأَبُو قُدَامَةَ عِنْدَهُمْ ضَعِيف"). ذكر المؤلف أمرًا غريبًا بالحديث الذي عن طريق أبي قدامة، فإن هذا الطريق الذي ذكره هو طريق ضعيف كما قال؛ لكن هناك طرق صحيحة جاءت عن طريق ابن جريج، ومكحول، وليس معنى أنه ذكر هذه الرواية الضعيفة أن تبقى حجة هذا الفريق ضعيفة؛ بل هناك طرق صحيحة، منها ما هو في "صحيح مسلم" (٣)، وفي السنن (٤)، وفي مسند أحمد (٥)؛ فكان ينبغي للمؤلف أن يأتي بها بدل هذه الرواية الضعيفة. • قوله: (وَأَمَّا الكُوفِيُّونَ فَبِحَدِيثِ أَبِي لَيْلَى (٦)، وَفِيهِ: "أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ رَأَى فِي المَنَامِ رَجُلًا قَامَ عَلَى خرم (٧) حَائِطٍ).

стр. 1184

أراد به: عبد الرحمن بن أبي ليلى، فسقطت كلمة: "ابن". وأراد بالخرم هنا: "أصل حائط". • قوله: (وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، فَأَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى، وَأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى"، وَالَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ (١) فِي هَذَا البَابِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَطْ وَهُوَ: "أَنَّ بِلَالًا أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ). الحديث المتفق عليه وهو: "أمر بلالًا أن يشفع الأذان مرتين مرتين، ويوتر الإقامة"، يعني: مرة في الإقامة يقول: "الله أكبر الله أكبر"، "أشهد ألا إله إلا له"، "أشهد أن محمدًا رسول الله"، "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح"، "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"، "الله أكبر الله أكبر"، "لا إله إلا الله"، وفي بعض الروايات: إلا الإقامة يشفعها، أي: يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" مرتين. وهذا الخلاف ظاهر بين الأئمة: يرى الشافعي (٢)، وأحمد (٣): أن ألفاظ الإقامة: "إحدى عشرة كلمة"، وهي المشهورة. ويرى مالك (٤): أنها: "عشر كلمات" فيرى أن المؤذن يقول: "قد قامت الصلاة" مرة واحدة، والإمامان الشافعي وأحمد يقولان: "قد قامت الصلاة" مرتين. والراجح: هو الذي ورد في حديث عبد الله بن زيد … الذي ذكرناه بطوله ثم استأخر غير بعيد فذكر الإقامة (إحدى عشرة كلمة).

стр. 1185

• قوله: (ويُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلَّا: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يُثَنِّيهَا" (١)، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ (٢) عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ عَلَى صِفَةِ أَذَان الحِجَازِيِّينَ، وَلمَكَانِ هَذَا التَّعَارُضِ الَّذِي وَرَدَ فِي الأَذَانِ رَأَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٣)، وَدَاوُدُ (٤) أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ المُخْتَلِفَة إِنَّمَا وَرَدَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ لَا عَلَى إِيجَابِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَأَنَّ الإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ المُؤَذِّن فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ). هذا ما يعرف فقهيًا بالتثويب (٥)، ومعناه في اللغة: يقال: ثوب بالصلاة، أي: نادى بها المؤذن. وفي الشرع: أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". فقد يسأل سائل فيقول: ما الحكمة من تخصيص هذا بصلاة الفجر؟ الجواب: أولًا: هل التثويب يخص صلاة الفجر، أم يشمل غيرها من

стр. 1186

الصلوات؟ (١)، الصحيح: أن ذلك خاص بصلاة الفجر؛ أما في غيرها فقد وجدنا عبد الله بن عمر ﵁ دخل مسجدًا فوجد رجلًا يثوب فقال: هيا بنا فخرج ثم سئل عن ذلك … " (٢). وسمي تثويبًا؛ لأنه من ثاب يثوب إذا رجع فالمؤذن عندما يقول: "حي على الصلاة، حي على الصلاة"، "حي على الفلاح، حي على الفلاح" يدعو الناس إلى الصلاة، ويحضهم إلى الإقبال على الصلاة، وينبههم للمسارعة إلى ما فيه فلاح في الدنيا والآخرة، والدعوة إلى أداء هذه الصلاة في الجماعة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ثم يتبع

стр. 1187

ذلك فيقول: "الصلاة خير من النوم" هي دعوة أُخرى، ولذلك سمي لهذا بالتثويب بمعنى؛ رجع. لماذا خُصَّ ذلك بصلاة الصبح؟ لا شك أن صلاة الصبح تختلف عن غيرها؛ فالناس في الغالب في نوم عميق، وهم بحاجة إلى من ينبههم، ويوقظهم، ويحضهم، ولذلك جاءت هذه الزيادة في أذان الصبح، حتى يتنبه الناس، ويتهيؤوا للصلاة. • قوله: (هَلْ يُقَالُ فِيهَا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ (١) إِلَى أَنَّهُ يُقَالُ ذَلِكَ فِيهَا. وَقَالَ آخَرُونَ (٢): إِنَّهُ لَا يُقَالُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الَأذَان المَسْنُون، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣). هناك خلاف بين العلماء في المقصود بالتثويب نبينه فيما يأتي: ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد إلى أن التثويب بعدما يفرغ المؤذن في صلاة الصبح من قوله: "حي على الفلاح"، فيقول: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم" مرتين. والإمام الشافعي له رواية

стр. 1188

أُخرى (١) ليست الصحيحة في المذهب وهي: ليس التثويب في صلاة الصبح ولا غيرها، إذ ليس مسنونًا في الأذان، فلا يقال به. ولقد أخذ المؤلف الرواية المرجوحة في المذهب فنسبها إلى الشافعي مع أن الصحيح من مذهب الإمام الشافعي هي الرواية التي حررها أصحابه، ودققوا القول فيها، وانتهوا إلى أنها الصحيحة مع الجمهور. بينما ذهب السادة الحنفية بأن التثويب له معنًى آخر، وهو: الدعاء ما بين الأذان والإقامة، أي: هناك فترة بين الأذان والإقامة، فيقال فيها: "حي على الصلاة" مرتين "حي على الفلاح مرتين" (٢). ونُقِل عن إسحاق بن راهويه أنه قال: "الدعاء بين الأذان والإقامة، إنما أحدثه الناس" (٣). ونُقل عن الترمذي أيضًا أنه قال: "ما نقل عن بعض العلماء من إنكار التثويب - يعنون: الحنفية - فهموا من التثويب الدعاء ما بين الأذان والإقامة" (٤)، ولا يمنع أن الإنسان قد يفعل ذلك لكن ليس من قبيل السنة. • قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ قِيلَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ إِنَّمَا قِيلَ فِي زَمَانِ عُمَرَ؟). ذكر المؤلف ﵀ وعفا عنا وعنه - كلامًا عجيبًا في هذا، إذ ليس هناك خلاف؛ لأنه غالبًا ما يقتصر في الأحاديث على ما في "موطإ الإمام

стр. 1189

مالك"، وما في كتب ابن عبد البر خاصة "الاستذكار" منها، ولذلك ذكر ما ورد في "موطإ مالك": "أنه بلغه (أي: مالك) أن مؤذن عمر ﵁ تأخَّر عن الصلاة فذهب المؤذن ليؤذنه بالصلاة، (أي: ليعلمه بالصلاة) فوجده نائمًا، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فما كان من عمر ﵁ إلا أن استيقظ وجاء فقال لمؤذنه: افعل ذلك في صلاة الصبح" (١)، هذا ما ورفى في موطإ الإمام مالك، فقال: إنه حصل خلاف، والحقيقة ليس هناك خلاف؛ إذ ذاك ثابت في عهد رسول الله كما في حديث بلال (٢)، وأبي محذورة (٣)، وحديث عبد الله بن زيد (٤)، وحديث أنس (٥)، وكذلك حديث عائشة (٦)،

стр. 1190

وحديث أبي هريرة (١)، وابن عمر (٢)، وفي غيرها من الأحاديث، وبعضها في "صحيح مسلم"، وفي غيره. فهذا ثابت في عهد رسول الله ﷺ ، فاطلاع المؤلف على ما ذهب إليه، وعدم اطلاعه على غيره؛ يعتبر غريبًا منه أن تفوت مثل هذه المسألة وهي من الأمور الدقيقة التي ينبغي أن ينتبه لها في مثل هذا الكتاب، وخاصة فيما يتعلَّق بالأمور الحديثية. قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الفَصْلِ الَأوَّلِ مِنَ البَابِ الثَّانِي اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الَأذَانِ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؟ وَإِنْ كانَ وَاجِبًا، فَهَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الأَعْيَانِ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَةِ؟ فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ: إِنَّ الَأذَانَ هُوَ فَرْضٌ عَلَى مَسَاجِدِ الجَمَاعَاتِ. وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَمْ يَرَهُ عَلَى المُنْفَرِدِ لَا فَرْضًا، وَلَا سُنَّةً). ولا ينبغي للمسلم في مثل هذه القضايا أن يتتبع الخلافات وتنوعاتها، ولو أردنا أن نتتبعها فهي كثيرة في المسائل الفرعية من الفقه الإسلامي ولا ينفع ذلك عموم المسلمين؛ إذ المهم هو العمل بها في دينهم ودنياهم.

стр. 1191

وهذه رواية للإمام مالك يرى فيها أن الأذان مفروض على مساجد الجماعات (١)؛ لأن هذا الأذان نداء وبه يجتمع الناس في هذا المسجد، والرواية الأخرى له: أن الأذان سنة مؤكدة (٢)، لكن بالنسبة للمنفرد أو الجماعة الذين يصلون في غير المساجد فليس بواجب ولا سنة (٣). وللإقامة نفس الحكم، لكنه فصلهما عن بعض، وكان يحسن بالمؤلف أن يجمع بينهما؛ لأن الحكم فيهما واحد عند العلماء، لكن لعله فعل ذلك لوجود تفريق بينهما عند المالكية، وإلا لو اطلعنا على المذاهب الأخرى لما وجدنا فرقًا بينهما جملة من حيث الحكم. • قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الَأعْيَان) (٤). كل أهل الظاهر لا يرون أنه شرط في صحة الصلاة؛ لأن الأذان لمجس جزءًا منها، والطهارة هي كذلك ليست جزءًا من الصلاة لكنها شرط في صحتها؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٥)، أو: "حتى يتطهر" (٦). • قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٧) عَلَى الجَمَاعَةِ كانَتْ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي

стр. 1192

حَضَرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (١): فِي السَّفَرِ. وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْمُنْفَرِدِ وَالجَمَاعَةِ إِلَّا أَنَّهُ آكَدُ فِي حَقِّ الجَمَاعَةِ). وهذه هي الرواية التي يرجحها الشافعية، ولهم رواية أُخرى يتفقون فيها مع الحنابلة أنه فرض كفاية (٤)، ورواية ثالثة على أنه فرض كفاية بالنسبة للجمعة دون غيرها (٥). • قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ (٦): وَاتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكدَة، أَوْ فَرْضٌ عَلَى المِصْرِيِّ؛ لِمَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ لَمْ يُغِرْ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ") (٧).

стр. 1193

قوله هنا: "أبو عمر" يقصد به ابن عبد البر، وكذلك إذا قال القاضي بالإطلاق، وكثيرًا ما ينقل المؤلف عن كتابه "الاستذكار". و"المصري" هو الذي يعيش في المصر. وهذه دقة من ابن عبد البر ﵀، وحتى الذين يقولون بأنه فرض كفاية - وهم الحنابلة - في الرواية الأخرى يقولون على أهل المصر، فلا يجب على المسافر الأذان والإقامة عندهم (١). • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَقْهُومِ مِنْ ذَلِكَ لِظَوَاهِرِ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ وَلصَاحِبِهِ: "إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمُّكُمَا أَكبَرُكمَا" (٢)). حديث مالك بن الحويرث له عدة روايات؛ والتي ذكرها المؤلِّف رواية منهم، والرواية الأخرى: "فليؤذِّن لكما أحدكما وليؤمّكما أكبركما" (٣)، وفي أُخرى: "فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" (٤) على الجمع. • قوله: (وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنِ اتِّصَالِ عَمَلِهِ بِهِ ﷺ فِي الجَمَاعَةِ). أي: أنه ثبت ذلك من قوله -يعني: من أمره - فالرسول ﷺ أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه كما مرَّ في الحديث المذكور، ومن فعله؛ لأنه أقره، فهو يؤذن له ﷺ وإن لم يباشر الأذان بنفسه.

стр. 1194

• قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الوُجُوبَ مُطْلَقًا، قَالَ: إِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الَأعْيَان، أَوْ عَلَى الجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ المُغَلِّسِ (١) عَنْ دَاوُدَ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ الدُّعَاءَ إِلَى الِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ قَالَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي المَسَاجِدِ، أَوْ فَرْضٌ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا الجَمَاعَةُ، فَسَبَبُ الخِلَافِ: هُوَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ المُخْتَصَّةِ بِهَا، أَوْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعَ). إن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، ورسول الله ﷺ وصحبه الكرام ﵃ من الخلفاء ومن بعدهم من المسلمين قد حافظوا عليه، وهذا الأذان أيضًا مما يجلب المسلمين إلى المساجد ويدعوهم إليها، وفيه -كما هو معروف- ترقيق للقلوب، وما أجمل أن يتردد فيه توحيد الله وإخلاص العبادة له، فقد اشتمل على عقيدة التوحيد، ولو أردنا أن نأخذه كلمة كلمة لاحتاج منا وقتًا كبيرًا. وباختصار فإنه يبدأ بالتكبير وقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، أي: الله أكبر من كل شيء، ثم الاعتراف بالشهادتين فيقول: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أدت محمدًا رسول الله، وهذه كلمة قيمتها في الميزان معلومة، وفي الحديث: "مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة" (٢)، ثم يأتي بعد ذلك الدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح، ثم أيضًا العودة إلى تكبير الله ، ثم يكون ختام ذلك المسك فيختم بالتوحيد: لا إله إلا الله.

стр. 1195

إذن هي كلمات عظيمة، ومن أحسن مَن تكلم فيها كلامًا دقيقًا جميلًا القاضي عياض ﵀ في: "شرحه لصحيح مسلم" (١). • قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: هُوَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ المُخْتَصَّةِ بِهَا، أَوْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعَ). والأذان حقيقة ليس قولًا من أقوال الصلاة، ولكنه دعوة إلى الصلاة،
следующие страницы →