← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وهذه رواية للإمام مالك يرى فيها أن الأذان مفروض على مساجد الجماعات (١)؛ لأن هذا الأذان نداء وبه يجتمع الناس في هذا المسجد، والرواية الأخرى له: أن الأذان سنة مؤكدة (٢)، لكن بالنسبة للمنفرد أو الجماعة الذين يصلون في غير المساجد فليس بواجب ولا سنة (٣). وللإقامة نفس الحكم، لكنه فصلهما عن بعض، وكان يحسن بالمؤلف أن يجمع بينهما؛ لأن الحكم فيهما واحد عند العلماء، لكن لعله فعل ذلك لوجود تفريق بينهما عند المالكية، وإلا لو اطلعنا على المذاهب الأخرى لما وجدنا فرقًا بينهما جملة من حيث الحكم. • قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الَأعْيَان) (٤). كل أهل الظاهر لا يرون أنه شرط في صحة الصلاة؛ لأن الأذان لمجس جزءًا منها، والطهارة هي كذلك ليست جزءًا من الصلاة لكنها شرط في صحتها؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٥)، أو: "حتى يتطهر" (٦). • قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ (٧) عَلَى الجَمَاعَةِ كانَتْ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي

стр. 1192

حَضَرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ (١): فِي السَّفَرِ. وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ لِلْمُنْفَرِدِ وَالجَمَاعَةِ إِلَّا أَنَّهُ آكَدُ فِي حَقِّ الجَمَاعَةِ). وهذه هي الرواية التي يرجحها الشافعية، ولهم رواية أُخرى يتفقون فيها مع الحنابلة أنه فرض كفاية (٤)، ورواية ثالثة على أنه فرض كفاية بالنسبة للجمعة دون غيرها (٥). • قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ (٦): وَاتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكدَة، أَوْ فَرْضٌ عَلَى المِصْرِيِّ؛ لِمَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ لَمْ يُغِرْ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَغَارَ") (٧).

стр. 1193

قوله هنا: "أبو عمر" يقصد به ابن عبد البر، وكذلك إذا قال القاضي بالإطلاق، وكثيرًا ما ينقل المؤلف عن كتابه "الاستذكار". و"المصري" هو الذي يعيش في المصر. وهذه دقة من ابن عبد البر ﵀، وحتى الذين يقولون بأنه فرض كفاية - وهم الحنابلة - في الرواية الأخرى يقولون على أهل المصر، فلا يجب على المسافر الأذان والإقامة عندهم (١). • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَقْهُومِ مِنْ ذَلِكَ لِظَوَاهِرِ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ وَلصَاحِبِهِ: "إِذَا كُنْتُمَا فِي سَفَرٍ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، وَلْيَؤُمُّكُمَا أَكبَرُكمَا" (٢)). حديث مالك بن الحويرث له عدة روايات؛ والتي ذكرها المؤلِّف رواية منهم، والرواية الأخرى: "فليؤذِّن لكما أحدكما وليؤمّكما أكبركما" (٣)، وفي أُخرى: "فليؤذِّن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" (٤) على الجمع. • قوله: (وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنِ اتِّصَالِ عَمَلِهِ بِهِ ﷺ فِي الجَمَاعَةِ). أي: أنه ثبت ذلك من قوله -يعني: من أمره - فالرسول ﷺ أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه كما مرَّ في الحديث المذكور، ومن فعله؛ لأنه أقره، فهو يؤذن له ﷺ وإن لم يباشر الأذان بنفسه.

стр. 1194

• قوله: (فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الوُجُوبَ مُطْلَقًا، قَالَ: إِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الَأعْيَان، أَوْ عَلَى الجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ المُغَلِّسِ (١) عَنْ دَاوُدَ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ الدُّعَاءَ إِلَى الِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ قَالَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ فِي المَسَاجِدِ، أَوْ فَرْضٌ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يَجْتَمِعُ إِلَيْهَا الجَمَاعَةُ، فَسَبَبُ الخِلَافِ: هُوَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ المُخْتَصَّةِ بِهَا، أَوْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعَ). إن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، ورسول الله ﷺ وصحبه الكرام ﵃ من الخلفاء ومن بعدهم من المسلمين قد حافظوا عليه، وهذا الأذان أيضًا مما يجلب المسلمين إلى المساجد ويدعوهم إليها، وفيه -كما هو معروف- ترقيق للقلوب، وما أجمل أن يتردد فيه توحيد الله وإخلاص العبادة له، فقد اشتمل على عقيدة التوحيد، ولو أردنا أن نأخذه كلمة كلمة لاحتاج منا وقتًا كبيرًا. وباختصار فإنه يبدأ بالتكبير وقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، أي: الله أكبر من كل شيء، ثم الاعتراف بالشهادتين فيقول: أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أدت محمدًا رسول الله، وهذه كلمة قيمتها في الميزان معلومة، وفي الحديث: "مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة" (٢)، ثم يأتي بعد ذلك الدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح، ثم أيضًا العودة إلى تكبير الله ، ثم يكون ختام ذلك المسك فيختم بالتوحيد: لا إله إلا الله.

стр. 1195

إذن هي كلمات عظيمة، ومن أحسن مَن تكلم فيها كلامًا دقيقًا جميلًا القاضي عياض ﵀ في: "شرحه لصحيح مسلم" (١). • قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: هُوَ تَرَدُّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ المُخْتَصَّةِ بِهَا، أَوْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعَ). والأذان حقيقة ليس قولًا من أقوال الصلاة، ولكنه دعوة إلى الصلاة،

стр. 1196

ونحن نجد أن الطهارة كما - سبق وبينَّا - ليست من الصلاة، وكذلك ستر العورة واستقبال القبلة ليست من الصلاة، لكنها شروط يتطلبها أداء هذا الركن، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فنقول إذن: إن هناك شروط للصلاة لا بد من توافرها، وهناك أركان للصلاة هي جزء منها كقراءة الفاتحة والركوع والسجود والقيام والاطمئنان، وهناك قضايا أُخرى كشروط وجوب الصلاة، وهي مما ينبغي أن تُدرك وتُعرف. ثم نقول: إن كلَّ العلماء الذين يعتدُّ بأقوالهم متَّفقون على أنه لو صلى إنسان بغير أذان ولا إقامة فقد فعل مكروهًا لكن صلاته صحيحة (١)، ولو أن إنسانًا ترك الأذان والإقامة فقد ترك شعيرة من شعائر الإسلام، ونحن نقول: لا ينبغي التسامح بأمر الأذان ولا التساهل فيه، فهو شعيرة من شعائر الإسلام، وإظهار لأهمية الصلاة، ولذلك سيمرُّ بنا حديث أن الرسول ﷺ كان إذا غزا قومًا انتظر فإن أذَّن المؤذن توقَّف وإن لم يؤذن أغار عليهم ﷺ (٢)، وذلك لأن الأذان شعار وعلامة لأهل هذه القرية والبلدة على أنهم مسلمون، وإذا لم يؤذِّنوا فقد عطَّلوا شعيرة من شعائر الإسلام. واختلف العلماء في حكم من عطَّل هذه الشعيرة، وقالوا: إذا عطَّل قوم هذه الشعيرة يُقاتلون عليها، وحتى مَن يقول بأنها سنة بعضهم يرى قتالهم (٣).

стр. 1197

والأذان دعاء للركن الناني من أركان الإسلام، وقد حافظوا عليه زمن الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ يقول في حديث أبي سعيد ﵁: "إذا كنتَ في باديتك أو غنمك فارفع صوتَك بالأذان؛ فإنه لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة" (١)، وقد مرت بنا أحاديث فضائل المؤذنين. قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الفَصْلِ الَأوَّلِ فِي وَقْتِهِ وَأَمَّا وَقْتُ الأَذَانِ: فَاتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، مَا عَدَا الصُّبْحَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا) (٢).

стр. 1198

أما صلاة الصبح فبالإضافة إلى ما ورد فيها من أحاديثَ تدلُّ على جواز الأذان لها قبل الوقت - ومن ذلك الحديث المتفق عليه - فإنَّ الحاجة أيضًا تدعو إلى ذلك؛ لأن الناس في الغالب نيام يحتاجون إلى مَن يوقظهم وينبِّهُهم بدخول وقت الصلاة، ولذلك ورد في بعض روايات حديث بلال ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "فإذا يؤذن - أو قال: ينادي - بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" (١). • قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الفَجْرِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)). وكذلك أحمد يرى الجواز (٥)، وأما غير الصبح من الصلوات فالعلماء مجمِعُون - كما هو معلوم - على أنَّه لا يجوز أن يؤذّن لصلاة غير صلاة الفجر قبل وقتها (٦)، ومَن فعل ذلك فيجب عليه أن يعيد، وقد نقل ذلك الأئمة ابن جرير الطبري (٧)، وابن المنذر (٨).

стр. 1199

• قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ لِلصُّبْحِ إِذَا أُذِّنَ لَهَا قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ أَذَافيِ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ عِنْدَهُمْ هُوَ الَأذَانُ بَعْدَ الفَجْرِ). والمقصود بالقوم: طائفة من أهل الحديث كما ذكر ذلك ابن المنذر (١)، ووجه هذا القول أن الأذان إنما شُرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، فإذا أُذِّن للصلاة قبل وقتها لم يؤدَّ الغرض الذي شُرع لأجله، لكن لا مانع أن يؤذن لها قبل الوقت ثم يؤذن بعد دخول الوقت كما كان الأمر في زمن الرسول ﷺ . • قوله: (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: "لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَذَافيِ بَعْدَ الوَقْتِ، وَإِنْ أُذِّنَ قَبْلَ الوَقْتِ جَازَ إِذَا كانَ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ يَسِيرٌ قَدْرَ مَا يَهْبِطُ الَأوَّلُ، وَلَصْعَدُ الثَّانِي") (٢). ودليل ذلك كما جاء في حديث عائشة ﵄ أنها قالت: "لم يكن بين أذانيهما -يعني: بلال وابن أم مكتوم- إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا" (٣)، وفي قولها: إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا حجة للذين يقولون بأنه ينبغي أن يؤذن المؤذن على مكان عالٍ مرتفع، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ؛ أَحَدُهُمَا: الحَدِيثُ المَشْهُورُ الثَّابِتُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ

стр. 1200

ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١)، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ). ما ذكره من أنَّ عبد الله بن أم مكتوم ﵁ رجل أعمى صحيح، ودليله: ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه كان رجلًا أعمى، وأنه لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٢). • قوله: (وَالثَّانِي: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: "أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِي: أَلَا إِنَّ العَبْدَ قَدْ نَامَ" (٣)، وَحَدِيثُ الحِجَازِيِّينَ أَثْبَتُ، وَحَدِيثُ الكُوفِيِّينَ أَيْضًا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ). ومذهب الجمهور: أنَّه لا تعارض بين الحديثين (٤)؛ إذ إنَّ الحديث الأول متَّفق عليه، وهو نصٌّ في المسألة، والحديث الآخر ضعيفٌ، وقد

стр. 1201

تكلَّم فيه أبو داود (١) - وهو أحد رواته - وبيَّن وقْفَه، وأمَّا من صحَّحه فهم قلَّة من أهل العلم بخلافِ قول المؤلِّف أن كثيرًا منهم قد صحَّحه (٢). • قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ إِمَّا مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَإِمَّا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ فَالحِجَازِيُّونَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: حَدِيثُ بِلَالٍ أَثْبَتُ، وَالمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْجَبُ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فَالكُوفِيُّونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نِدَاءُ بِلَالٍ فِي وَقْتٍ يَشُكُّ فِيهِ فِي طُلُوعِ الفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَصَرِهِ ضَعْفٌ، وَيَكُونُ نِدَاءُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي وَقْتٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ طُلُوعَ الفَجْرِ). التوجيه الذي ذكره المؤلف غير مسلَّم به؛ لأن المؤذِّن الثاني كما مرَّ في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ الذي رواه البخاري كان رجلًا أعمى، وكان لا يؤذِّن حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٣). ويشار إلى أن للحنفية أدلّة أُخرى على مذهبهم لم يستوفها المؤلِّف، ومن ذلك قوله ﷺ لبلال ﵁: "لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر" (٤)، وهم يرون أن هذا أقوى من الحديث الأول من حيثُ الدلالة على المقصود،

стр. 1202

أمَّا من حيثُ السند ففي كلا الحديثين مقالٌ، فالأول قد حكَم بوقفه أكابر العلماء كما سبق ذكره، وأما الآخر فضعفه ابن عبد البر وغيره، وأشار أيضًا إلى انقطاعه (١). • قوله: (وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَهْبِطُ هَذَا، وَيَصْعَدُ هَذَا" (٢)، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، أَعْنِي أَنْ يُؤَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ وَبَعْدَهُ، فَعَلَى ظَاهِرِ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ خَاصَّةً، أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُؤَذِّنَان: بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ). استدلَّ العلماءُ بحديث عائشةَ ﵄ على استحباب اتِّخاذ مؤذِّنَين (٣)، وقال بعضهم: يُزاد على ذلك إذا دعت الحاجة كما فعل عثمان ﵁، فإنَّه اتَّخذ أربعة مؤذنِين (٤). وقد سبقت الإشارة إلى ما يتعلَّق بالأذان يوم الجمعة (٥)،

стр. 1203

وأن عثمان ﵁ زاد النداء الثاني على الزوراء (١)، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في أبواب الجمعة. ومن المسائل التي يتكلم عنها العلماء كذلك فيما يتعلَّق بالأذان صفة الأذان وكيفيته، وكذلك الإقامة، فيقولون: ينبغي على المؤذن أن يترسَّلَ في أذانه، وأن يحدرَ إقامته (٢)، ويستدلُّون على ذلك بحديث بلال ﵁ أن الرسول ﷺ قال له: "إذا أذَّنت فاسترسل، وإذا أقمْتَ فاحدرْ" (٣)، ونُقِل أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لمؤذن بيت المقدس: "إذا أذَّنت فترسَّل، وإذا أقمتَ فاحزم" (٤)، ومعنى الحزم: الإسراع (٥). والترسُّل في الأذان إنما هو التمهّل فيه (٦)، والحدر هو الإسراع (٧)، ومن ذلك قولهم: جاء على رسله، أي: جاء غير مسرعٍ. فالقصد من الترسّل في الأذان إذن هو عدم الإسراع فيه، فيقول مثلًا: الله أكبر … الله أكبر، وأما حركة الراء في التكبير فقد منع بعض العلماء ضمَّ الرَّاء من التكبيرة الأولى، وقالوا: له أن يفتع الأولى فيقول: الله أكبرَ الله أكبر، بناءً على أنه وقف وحرّك بالفتح لالتقاء الساكنين، والحاصلُ: أنه مخير بين الوجهين، إمَّا التسكين فيقول: الله

стр. 1204

أكبرْ … الله أكبرْ، وإمَّا التحريك فيقول: اللهُ أكبرَ الله أكبر، ولأهل اللُّغة كلام في هذه المسألة (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الرَّابُع مِنَ الفَصْلِ الَأوَّلِ في الشُّرُوطِ وَفِي هَذَا القِسْمِ مَسَائِلُ ثَمَانِيَةٌ). المسائل التي ذكرها المؤلِّف في هذا القسم والمتعلقة بالاستحباب وعدمه لا تدخل ضمن لثروط الأذان التي لو تركت لم يصحَّ الأذان، ما عدا مسألة واحدة يمكن أن تدخل ضمن ذلك، وهي ما يتعلَّق بأخذ الأجرة على الأذان. • قوله: (إِحْدَاهَا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ مَنْ أَذَّنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُقِيمُ أَمْ لَا؟). هذه القضايا سلك فيها المؤلف غير عادته؛ لأنه عادة إذا تعرَّض لمسألة يذكرها بأدلَّتها ويناقش ذلك في الغالب، أمَّا هنا فسَرَد المسائل فقط، وتحدَّث عن اثنتين أو ثلاث منهما وسكت عن الباقي، وقد قاس ذلك على الصلاة، والسبب أن هذه المسائل ليست من أمَّهات المسائل

стр. 1205

التي جعلها المؤلف قاعدة كتابه، وإنما هي من فروعها التي لم يستقصِها، وإنما ذكر جملة منها. ومعنى هذا الشرط: هل تختص الإقامة بالمؤذن فقط، فالذي يؤذِّن هو الذي يقيم، أو أن لغيره أن يقيم كذلك؟ وكلهم (١) متَّفقون على أنه لو أذَّنَ رجل وأقام آخر فذلك جائز، ولهم قولان في المسألة: الأول: الشافعي (٢) وأحمد (٣) استحبَّا أن يكون المؤذن هو الذي يقيم، واستدلُّوا بحديث: "إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (٤). الثاني: ذهب الحنفية (٥) والمالكية (٦) إلى جواز ذلك، واستدلوا بما جاء في بعض الروايات في حديث عبد الله بن زيد قال: أراد النبي ﷺ في الأذان أشياء لم يصنع منها شيئًا، قال: فأُري عبد الله بن زيد الأذان في المنام فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ" فألقاه عليه فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال: "فَأَقِمْ أَنْتَ" (٧). والذين قالوا بالاستحباب - وهو الأظهر - قالوا: إن تقديم النبي ﷺ لعبد الله بن زيد ﵁ في الإقامة؛ لأنه اختصَّ بالرؤيا، والمسألة جزئية ويسيرة، وليس هناك بحثٌ أوسع من الذي ذكرناه فيما عرض له العلماء.

стр. 1206

• قوله: (وَالثَّانِيَةُ: هَلْ مِنْ شُرُوطِ الَأذَان أَلَّا يُتَكَلَّمَ فِي أَثْنَائِهِ أَمْ لَا؟). وهذه قضية أُخرى، وهي أن الأذان يشتمل على عدَّة أمور، ففيه ثناء، ودعاء، وفيه إقرار بالوحدانية لله ، أي: بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذه الأمور الثلاثة تجعله يشبه خطبة الجمعة، فكلّ منهما فيه ذكر، والخطبة - كما هو معروف - يُمنع على الإنسان أن يتكلَّم فيها وخاصة المأموم، قال رسول الله ﷺ : "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (١). وقد تكلَّم العلماء حول مسألة تكلُّم الإمام، كما في حديث أنس بن مالك، قال: "أصابت الناسَ سَنةٌ على عهدِ النبي ﷺ ، فبينا النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي، فقال يا رسول الله: هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة .. " (٢)، وتكلم الرسول ﷺ أيضًا، وهو يخطب كما جاء في الحديث: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قال: لا، فقال: "قُمْ فَارْكَعْ رَكعَتَيْنِ"، وقال لآخر: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قال لا، قال: "قُمْ فَارْكَعْ رَكعَتَيْنِ" (٣). والعلماء متفقون تمامًا على أن الأولى ألا يتكلَّمَ في الأذان إلا أن يكون هناك أمر لمصلحة، وقالوا: إن المؤذنين ما كانوا يتكلمون (٤)،

стр. 1207

وهناك من يفَصِّل القول في ذلك فيقول: فرْقٌ بين أن يطولَ الكلام أو يكثر؛ فإن كان الكلام قصيرًا لا يفصل بين ألفاظ الأذان، فإنه لا يضرّ، وأما إن كان كثيرًا فبعضهم يستحبّ إعادة الأذان (١)، وأكثر العلماء لا يرى ذلك (٢). وأمَّا مسألة ردّ السلام؛ فبعضهم كرِهَ ذلك، وبعضهم أباحه (٣)، والمسألة كلها تتعلَّق بصلاحية القياس على خطبة الجمعة من عدمه (٤).

стр. 1208

• قوله: (وَالثَّالِثَةُ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ أَمْ لَا؟). هذه قضية مهمة، وهي من أكثر المسائل التي بحثها العلماء، وإن لم يكن بحثًا موسعًا. والمعلوم: أن الطهارة نوعان؛ طهارة من الحدث الأصغر وطهارة من الحدث الأكبر، ولا شكَّ عند كافَّة العلماء أن الطهارة مستحبَّة، بالنسبة لمن يؤذن، فالعلماء تكلَّموا في الأذان وأن المؤذن يُكره له أن يخرج من المسجد إلا لحاجة، وحتى غير المؤذنين ممن يحضرون في المسجد يُكره لهم الخروج إلا لحاجة (١)، وهذه مسائل لم يتعرض لها المؤلف. فينبغي للمؤذن إذن أن يكون على طهارة في حالة الأذان والإقامة، يقول العلماء: إذا ما أذن المؤذِّن وهو غير طاهر سواء كان محدِّثًا حدثًا أكبر أو أصغر فأذانه صحيح، لكنه يكون قد فعل مكروهًا (٢)، ونُقِل عن عطاء أنه قال: "من أذَّن من غير طهارة يلزمه أن يعيد" (٣).

стр. 1209

إذن جماهير العلماء يُجيزون الأذان من غير طهارة مع الكراهة، ومن العلماء منِ اشترط الطهارة في الأذان (١)، ومنهم من فرَّق بين المسجد وغيره (٢). والذين اشترطوا الطهارة، استدلّوا بما يلي: الأول: حديث: "لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئ" (٣)، والصحيح: أن هذا الأثر ليس مرفوعًا إلى الرسول ﷺ ، وإنما هو موقوف على أبي هريرة (٤). الثاني: كذلك ورد عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه قال: "حَقٌّ وَسُنَّةٌ مَسُنُونَةٌ أَلَّا يُؤَذِّنَ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ" (٥)، وهذا أيضًا مثل الأول موقوف. وقد تكلَّم عنه العلماء وبينوا أن فيه انقطاعًا، فراويه عن وائل بن حجر لم يدركه، وقالوا: هو مرسل أيضًا (٦). إذن الشاهد: أنه لم يرد حديث مرفوع إلى الرسول ﷺ صحيح في هذا المقام يُثبِت ما يتعلَّق بوجوب الطهارة، ومن هنا قال العلماء بجواز ذلك، لكن الذي يستأنس به بعض العلماء حديث المهاجر بن قنفذ أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول فسلَّم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه

стр. 1210

فقال: "إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ"، أو قال: "عَلَى طَهَارَةٍ" (١). وهذا الحديث توقَّف فيه الرسول ﷺ عن ردِّ السلام؛ لأن السلام ذِكْر، وهذا من باب الكراهة، وإلا فله أن يردَّ، لأن الرسول ﷺ كان يذكر الله في كلِّ أحيانه. إذن لا شكَّ أنَّه يستحب أن يكون المؤذن على طهارة، وأن المحدث حدثًا أصغر أخف من المحدث حدثًا أكبر؛ لأن بعض العلماء يتشدد في هذا. • قوله: (وَالرَّابِعَةُ: هَلْ مَنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إِلَى القِبْلَةِ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة أيضًا تعتبر من جزئيات مسائل الأذان، وبعض العلماء متفقون على أنه لو أذن إنسان إلى غير القبله فأذانه جائز لكنه فعل مكروهًا (٢). ويستحب أن يتجه المؤذن إلى القبلة، وقد استدلُّوا على ذلك بأمور: الأول: أنه قد ورد في بعض روايات عبد الله بن زيد ﵁ في قصة الذي رأى رجلًا عليه ثوبين أخضرين - قال: "فاتجه إلى القبلة أو وقف إلى القبلة فأذن" (٣). الثاني: قالوا كذلك أن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذِّنون قِبَل القبلة، يعني: جهة القبلة.

стр. 1211

الثالث: ثم إن بعضَ أهل العلم يضيف إلى ذلك تعليلًا آخر فيقول: الأذان كما هو معلوم يشتمل على الثناء على الله ؛ إذ فيه تكبير الله ، وفيه أيضًا ذكر للشهادتين من توحيد لله ، أولًا: (شهادة ألا إله إلا الله) ثم شهادة أن محمَّدًا رسول الله، كما فيه دعاء إلى الصلاة (حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح)، فقد اشتمل إذن على ذكْرٍ ودعاء وثناء وتوحيد، وإن أحسن أحوال الذاكر الداعي أن يكون متجهًا إلى القبلة، ومنه فلا شكَّ أن التوجه إلى القبلة مطلوب. فإذا أذَّن إنسان إلى غير القبلة فقد خالف السنَّة في ذلك، ولا يعتبر أذانه باطل، لكن لا ينبغي أيضًا للمؤذن أن يتجه إلى غير القبلة. • قوله: (وَالخَامِسَةُ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا أَمْ لَا؟). أي: هل من شرط الأذان أن يكون المؤذِّن في حالة أذانه قائمًا أو يجوز له الجلوس، والذي ورد في ذلك أن المؤذنين كانوا يؤذنون قيامًا، وقد ورد عن أبي زيد الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ أنه أذَّن قاعدًا (١)، لكن ذلك لأنه أصيبت رجله في الجهاد في سبيل الله، وأهل العلم أيضًا متَّفقون على أنه لو أذَّن الإنسان جالسًا فأذانه صحيح، لكنَّه خالف السنة، فالسنة في ذلك أن يؤذِّن الإنسان قائمًا (٢)، والدليل: أن الرسول ﷺ قال لبلال ﵁ لما رأى عبد الله بن زلد الأذان وحكى الرؤية: "قُم فأذِّن" (٣)، وفعل الأمر (قُم) القصد به أن يؤذِّن قائمًا، كما أن المؤذنين كانوا يأذِّنون قيامًا في زمن الرسول ﷺ ، وفي زمن خلفائه ﵃، ولو أذن المؤذن جالسًا صحَّ، لكنه خلاف السنة.

стр. 1212

• قوله: (وَالسَّادِسَةُ: هَلْ يُكْرَهُ أَذَانُ الرَّاكِبِ أَمْ لَيْسَ يُكْرَهُ؟). أي: أن يؤذِّن وهو راكب على دابة أو على سيارته - في زمننا - وقد أجاز ذلك جماهير العلماء (١) واستدلُّوا بقصة عبد الله بن عمر ﵄ حينما أذَّن فنزل وأقام الصلاة (٢)، وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه أذَّن على الراحلة (٣) لكن ذلك كان في يوم مطير، ولذلك قد يعترض على جوازه ويقال: إنه كان يوم مطر، وقد فعل ذلك للضرورة، لكن فعل عبد الله بن عمر ﵄ نصٌّ في المسألة، فإنه أذَّن على دابَّته، وفي بعض الروايات على جمله ثم نزل فأقام (٤). • قوله: (وَالسَّابِعَةُ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ البُلُوغُ أَمْ لَا؟). أما البلوغ: فلا يخلو الأمر من أن يكون الصغير مميِّزًا أو غير مميِّز، فإن كان مميز فأذانه صحيح، وإن كان غير مميز فلا. وأهل العلم يضعون شروطًا كثيرة للأذان لم يتعرض لها المؤلف، ومن تلكم الشروط:

стр. 1213

- أن يكون المؤذن مسلمًا؛ لأن الكافر ليس من أهل العبادات فلا يُقبل أذانه. - وأن يكون عاقلًا، فالمجنون ليس مطالبًا بالعبادة، لأن الرسول ﷺ يقول: "رُفِعَ القلم عن ثلاثة … " (١) في حديث عليّ وعائشة وغيرهما من الصحابة ﵃، وذكر من بينهم: "المجنون حتى يفيق" فهو مرفوع عنه القلم. - وأن يكون ذكرًا، وقد قال العلماء لا تؤذِّن المرأة للرجال؛ لأن الأذان غير مشروع في حقِّها. كما أنهم ذكروا أشياء اعتبروها من المستحبات منها: - استحبوا أن يكون المؤذِّن حرًّا. - ويستحب للمؤذن أن يرفع صوته في الأذان، ومن أدلَّة ذلك: الأول: أن الرسول ﷺ أمر أبا محذورة ﵁ بذلك، فعن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جدِّه قال: قلت: يا رسول الله علِّمني سنَّة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي، وقال: "تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح حيّ على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله" (٢). الثاني: وقال أيضًا لعبد الله بن زيد ﵁: "فقم مع بلال فألق عليه ما

стр. 1214

رأيت فليؤذِّن به فإنه أندى صوتًا منك" (١)، أي: أعلى صوتًا وأرفع. الثالث: وقال ﷺ : "إذا كنتَ في باديتك فارفع صوتك بالأذان" (٢). واختلفوا في الأعمى هل يؤذن أو لا؟ والصحيح: أنه يؤذن؛ لأن ابن أم مكتوم ﵁ كان يؤذن لرسول الله ﷺ (٣). • قوله: (وَالثَّامِنَةُ: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَأْخُذَ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا أَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؟). وهذه المسألة قد تكررت معنا، وقد تأتي معنا أيضًا في أبواب قادمة، فقد تكلمنا عنها عندما دخلنا في أول مباحث الصلاة، هل يجوز أخذ الأجرة على الإمامة؟ كما تكلمنا عنها بعد ذلك في موسم الحج عندما ذكر المؤلف ما يتعلَّق بحكم أخذ الأجرة على الحجِّ، أي: إذا أراد إنسان أن يحجَّ عن آخر، هل يجوز له أن يأخذ الأجرة - أو لا؟ وهذه مسألة يختلف فيها العلماء، وسبب الخلاف بينهم في الأصل هل يجوز أخذ الأجرة على القربى أم لا؟ كالإمام الذي يصلي بالناس، والمعلم الذي يعلم العلوم الإسلامية، والمؤذن الذي يؤذن للصلاة. ونقول: أولًا لا شكَّ أن مَن يتورع عن ذلك خير له وأولى، ثم يبقى بعد ذلك الكلام عن الجواز أو المنع، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على رأيين: الأول: من العلماء مَن قال: لا يجوز أخذ الأجرة. على القربات؛ لأن الإنسان مطالب بأن يصلي، والأذان أيضًا يُعتبر عبادة، وينبغي للإنسان أن يتبرع به، وقِسْ على ذلك باقي القربات الأخرى، ومن القائلين بعدم

стр. 1215

جواز أخذ الأجرة على الأذان - كما هو معلوم - الحنفية (١)، والحنابلة (٢) في الرواية المعتمدة في المذهب، والشافعية في قول لهم (٣)، واستدلُّوا على ذلك بدليلين: الدليل الأول: وهو حديث أبي العاص - وهو نص في المسألة - أن الرسول ﷺ قال: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا" (٤)، وقوله: "اتَّخِذ" هذا أمر، وهو حديث حسن صالح للاحتجاج به، وليس كما قال المؤلف: "اختلفوا في تصحيحه". الدليل الثاني: قولهم: إن هذه قربة من القربات؛ فلا ينبغي للإنسان أن يأخذ أجرًا على فعل من أفعال القربات والبر والطاعات. الثاني: وذهب في مقابل هؤلاء المالكية (٥)، والشافعية في المشهور من المذهب إلى جواز ذلك (٦)، واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بقولهم: إن الأذان عمل؛ لأن الإنسان سيحبس نفسه في وقت محدد وسيلتزم فيه بأداء

стр. 1216

الأذان، ولذلك اشترط العلماء في المؤذن أن يكون أمينًا - أي: على الوقت - وأن يكون أيضًا عالمًا بالأوقات، والعمل يجوز أخذ الأجرة عليه قياسًا على أخذ الرزدتى، فما دام أنه يجوز للإمام أن يعطي مَن يقوم بالقربات من بيت المال بأن يضع له نفقة محددة، فكذلك يجوز أخذ الأجرة على فعل القربات. وقد قال أهل العلم: لو وُجِد متبرع لأداء تلك المهمة؛ فلا ينبغي أن يؤتى بإنسان يأخذ عليها أجرةً، ولذلك نقول: مَن يتبرع يكون أولى، وسيجد في ذلك ثوابًا عظيمًا عند الله ﵎، وأما لو أخذ أجرة فلا يظهر لنا حقيقة عدم جواز ذلك، وقد سبق وذكرنا في الأبواب السابقة حديث الرسول ﷺ قال: "إنَّ أعظم ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١)، وكذلك قصة الذين أخذوا الأجرة على الرقية لما مروا بقوم فاستضافوهم ولم يقدموا لهم حقَّ الضيافة، فلُدِغ لهم لديغٍ فأبوا أن يرقوه ويقرؤوا عليه إلا أن يقدموا لهم شيئًا، فقدموا لهم مقابلًا لتلك الرقية، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأقرهم عليه (٢). لكنننا نذكر دائمًا أنَّ كل فعل من أفعال القرب إذا ما تقدم به الإنسان إلى الله وأراد به ثواب الآخرة خالصة فهو أولى وأحسن. • قوله: (فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلَيْنِ يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا وَيُقِيمُ الآخَرُ، فَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ عَلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ). وهذا غريب من المصنف؛ إذ ما وجدت أحدًا قال: لا يجوز أبدًا، وإنما هناك من قال بالاستحباب، ومن قال بالجواز، وكلهم متفقون على الجواز.

стр. 1217

وتفصيل الخلاف أن الحنفية والمالكية يقولون: الأمر سيان، والشافعية والحنابلة يقولون: يستحب أن يكون المقيم هو المؤذن (١). • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَان، أَحَدُهُمَا حَدِيثُ الصُّدَائِيِّ، قَالَ: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا كلانَ أَوَانُ الصُّبْحِ، أَمَرَنِي فَأَذَّنْتُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَجَاءَ بِلَالٌ لِيُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ أَخَا صُدَاءَ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" (٢)). وهذا أيضًا فيه كلام للعلماء، فهناك من صححه وهناك من لم يصحِّحْه (٣)، وفيه دلالة على أنه يستحب للمؤذن أن يقيم الصلاة بنفسه. • قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ "أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ حِينَ أُرِيَ الأَذَانَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَ عَبْدَ اللهِ فَأَقَامَ" (٤)، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ النَّسْخِ قَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ مُتَقَدِّمٌ، وَحَدِيثُ الصُّدَائِيِّ مُتَأَخِّرٌ. وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ قَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَثْبَتُ، لِأَنَّ حَدِيثَ الصُّدَائِيِّ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الإِفْرِيقِيُّ، وَليْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ). حقيقةً: لم يبحث العلماء هذا البحث ولا عنوا بالنسخ ولا غيره، فالقضية قضية جواز واستحباب، والمسألة جائزة عند الكل كما سبق وبيَّنا.

стр. 1218

وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف، والعلماء قد تكلموا فيه (١). • قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الأُجْرَةِ عَلَى الأَذَانِ، فَلِمَكَانِ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَصْحِيحِ الخَبَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ، أَعْنِي: حَدِيثَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا") (٢). والحديث حسَّنه العلماء، ومنهم من صححه (٣)، وهو حديث حجة في المسألة، وقوله: "اتخذ" أمر، لكنه يدلُّ على الاستحباب وليس الوجوب، وهو أولى وأفضل. وأما العلماء الذين قالوا بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان، قالوا: لا بد أن يأخذ الرزق على ذلك من بيت المال، فتحدد له نفقة معينة، وإذا لم تحدد له نفقة وكان المؤذن ذا حاجة فلأهل الحيّ أن يساعدوه (٤). • قوله: (وَمَنْ مَنَعَهُ، قَاسَ الأَذَانَ فِي ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ).

стр. 1219

ولو قال: على الإمامة لكان أولى، وبهذا قال بعض العلماء، قالوا: يُقاس على الإمامة؛ لأن الإمام مطالب بأن يصلِّي بالناس. • قوله: (وَأَمَّا سَائِرُ الشُّرُوطِ الأُخَرِ، فَسَبَبُ الخِلَافِ فِيهَا هُوَ قِيَاسُهَا عَلَى الصَّلَاةِ). وليس القياس على الصلاة فقط كما ذكر المؤلف، وإنما في ذلك أدلة أُخرى قد بيَّناها عند ذكر كل مسألة مرت بنا. • قوله: (فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الصَّلَاةِ، أَوْجَبَ تِلْكَ الشُّرُوطَ المَوْجُودَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِسْهَا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "حَقٌّ وَسُنَّة مَسْنُونَةٌ أَلَّا يُؤَذِّنَ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَا يُؤَذِّنَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ، قَالَ: وَأَبُو وَائِلِ هُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ". وَقَوْلُهُ: سُنَّةٌ يَدْخُلُ فِي المُسْنَدِ وَهُوَ أَوْلَى مِنَ القِيَاسِ) (١). هو وائل بن حُجْر الصحابي الجليل ﵁ وليس أبو وائل، والذي روى عنه هذا هو ابن عبد الجبار، وقالوا: إنه لم يدركه؛ ومنه فالإسناد فيه انقطاع (٢). والمؤلف يُشير هنا إلى قضية: حكم قول الصحابي عن أمرٍ أنه سنة، أو قال: أُمرنا بكذا أو نُهينا عن كذا (٣)، لكنه منقطع كما سبق وبينا.

стр. 1220

• قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ") (١). سبق الحديث عن كلمة "القاضي"، وقد يتصور البعض أنه يقصد بالقاضي المصطلح عليه عند الأصوليين والفقهاء، والصحيح: أن كل كلمة يقول فيها: القاضي إنما يقصد بها نفسه يعني: ابن رشد الحفيد. وقد مر ذكر هذا الحديث، وقلنا: إن الصحيح وقفه على أبي هريرة ﵁. قال المصنف رحمه الله تعالى: (القِسْمُ الخَامِسُ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيمَا يَقُولُهُ السَّامِعُ لِلْمُؤَذِّنِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ إِلَى آخِرِ النِّدَاءِ). وهذه رواية عن الإمام أحمد (٢)، وقال بها بعض العلماء (٣)، وله رواية أُخرى يلتقي فيها مع الأئمة الثلاثة، أي: أنه يتابعه في كل شيء إلا في قول: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (٤).

стр. 1221

• قوله: (وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ إِلَّا إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوة إِلَّا بِاللهِ. وَالسَّبَبُ فِي الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ تعَارُضُ الآثَارِ). ولو أردنا أن ندقِّق في الحكمة لوجدنا أيضًا فرقًا بين ألفاظ الأذان، فأولها ثناء على الله ثم ذكر للشهادتين ثم بعد ذلك دعاء للناس بالإتيان إلى الصلاة، وفيه حضٌّ لهم على الإقدام على الفلاح في هذه الدنيا وفي الآخرة؛ إذ لا شكَّ أن إتيان المسلم إلى المسجد ليصلي هو حقيقةً غاية الفلاح والسعادة. • قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ"، وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (١)، وَحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ (٢) أَنَّ

стр. 1222

السَّامِعَ يَقُولُ عِنْدَ: حَيَّ عَلَى الفَلَّاحِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَمَنْ بَنَى العَامَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الخَاصِّ جَمَعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ). وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ متَّفق عليه رواه البخاري ومسلم (١). وقوله: "بنى العام على الخاص"، بمعنى: جعل حديث أبي سعيد عامًّا، وحديثي عمر ومعاوية خاصين فخصص بهما العام، وهذا هو الصحيح. وكوننا نبني العام على الخاصِّ بمعنى: أننا نقيد الحديث العام بالحديثين الخاصين؛ لأن فيهما زيادة بيان وتخصيص له، فنخصص حديث أبي سعيد بذلك، ولا تعارض إذن بين الأحاديث، ولا نحتاج حينئذ أن نرجح؛ لأنه يمكننا الجمع بين الأحاديث، وبذلك نعمل جميع الأحاديث، فنعمل حديث أبي سعيد فيما اتفق مع الأحاديث الأخرى ونأخذ بالزيادة التي جاءت في الحديثين الآخرين، وإعمال الحديثين خير من إهمال أحدهما كما هو معروف عند أهل العلم. وهذا هو مذهب مالك بن أنس كما ذكر المصنف، ومذهب جماهير العلماء عمومًا (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 1223

الفَصْل الثَّانِي مِنَ البَابِ الثَّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ: فِي الإِقَامَةِ) (اخْتَلَفُوا فِي الإِقَامَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي حُكْمِهَا، وَفِي صِفَتِهَا). سبق وذكرنا أنَّ من عادة الفقهاء أصحاب الكتب المطولة أنهم يجمعون بين ذكر الأذان والإقامة في نفس الموضع من الكتاب، لكن المؤلف فصَل بينهما؛ لأن الإقامة فيها زيادة تأكيد، فبعض العلماء يرى أيضًا أنه لو لم يُقم للصلاة لا تصح الصلاة (١). وقد ذكرنا أن العلماء اختلفوا في حكم الأذان وأكثرهم يقول: إنه سنة، كما هو مذهب الحنفية والصحيح عند الشافعية ورواية للإمام أحمد، وأن الإمام مالك إنما يرى أنها فرض على مسجد الجماعات وسنة في غير ذلك (٢). وذكرنا أن الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة يقولون: إن الأذان والإقامة فرض كفاية، والشافعية قالوه مرة مطلقًا ومرة قالوا: فرض كفاية في أذان الجمعة، والحنابلة عندما قالوا: الأذان والإقامة فرض كفاية خصّوا ذلك في الحضر دون السفر (٣). وأما الإقامة ففيها زيادة تأكيد؛ لأنه وجد من العلماء كعطاء - وهو من التابعين - قال: لو أن أقيمت الصلاة، يعني: لو صلى المصلي ولم

стр. 1224

يقم الصلاة فصلاته غير صحيحة وتلزمه الإعادة (١)، ونُقل عن الأوزاعي - وهو أيضًا من أكابر الفقهاء - قال: إن كان في الوقت أعاد، في رواية عنه: وإلا فلا. إذن هناك مَن يرى أن الصلاة لا تصح بدون إقامة، لكن جماهير العلماء يقولون كما مرَّ في حكم الأذان، وحتى الذين يقولون بأن الأذان والإقامة فرض كفاية يقول: لو أن إنسانًا صلى بغير أذان ولا إقامة فصلاته صحيحة (٢)، وهذا الكلام فيما إذا لم يوجد مؤذن في الحيِّ، أمَّا لما نقول فرض كفاية فإنه إذا وُجد البعض كفى عن الباقين، فإذا جاء أحد مثلًا إلى المسجد وقد انتهت الصلاة فلا يحتاج إلى أن يؤذِّن - وإن كان بعض العلماء يقول بذلك - لأنه سبق وأُذِّن للصلاة وأُدِّي هذا الفرض. ومع أن الأذان والإقامة مشروعان وجاءت الأحاديث بتأكيدهما، فقد قال العلماء بصحة الصلاة التي لا يؤذَّن ولا يقام لها، ويستدلُّون على ذلك بما ورد عن الأسود وعلقمة صاحبا عبد الله ابن مسعود ﵁ أنهما دخلا عليه فصلى بهما من غير أذان ولا إقامة (٣)، وعبد الله ابن مسعود ﵁ كما هو معروف - من أكابر الصحابة ﵁، وهو مَن قال: "ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولو أعلم أن أحدًا أعلم منِّي بكتاب الله تصل إليه أكباد الإبل لركبتها إليه" (٤)، وعليه ففعله ذلك ليس عن رأيه، وفيه دليل على أن صحَّة الصلاة. لكن المشروع والمطلوب إنما هو تأدية الأذان والإقامة، وهذا قد يكون حجة لمالك؛ إذ يرى أنها واجبة على مسجد الجماعات دون غيرهم (٥).

стр. 1225

• قوله: (أَمَّا حُكْمُهَا، فَإِنَّهَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي حَقِّ الأَعْيَانِ وَالجَمَاعَاتِ سُنَّةٌ مُؤَكدَةٌ أَكْثَرُ مِنَ الأَذَانِ). أي: أن الإنسان قد يصلي في جماعة، وقد يصلي منفردًا، وحكم الأذان والإقامة في حقِّه لا يختلف، إلا أن الإمام مالك خصَّ مساجد الجماعات فأوجبها على الجماعة. • قوله: (وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَرْضٌ، وَلَا أَدْرِي، هَلْ هِيَ فَرْضٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الإِطْلَاقِ، أَوْ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ؟ وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عَلَى القَوْلِ الَأوَّلِ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكهَا وَعَلَى الثَّانِي: تَبْطُلُ). فأهل الظاهر يرون أنها واجبة، لكنَّهم لا يرونها من شروط صحَّة الصلاة، فتصح الصلاة بدونها (١)، عكس صلاة الجماعة فهي عندهم شرط في صحَّة الصلاة، ولو أنَّ إنسانًا صلَّى بغير جماعة لا تصحُّ صلاته إلا أن يكون معذورًا (٢). فإن كانت فرضًا من فرائض الصلاة فهي إذن جزء منها، وتبطل حينئذ الصلاة بتركها، ومثل ذلك: لو صلى إنسان إلى غير القبلة أو دون ستر لعورته فصلاته غير صحيحة.

стр. 1226

• قوله: (وَقَالَ ابْنُ كنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: مَنْ تَرَكهَا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ هِيَ مِنَ الَأفْعَالِ الَّتِي وَرَدَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الَأمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الوُجُوبِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "صَلُّوا كلمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١)، أَمْ هِيَ مِنَ الَأفْعَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ؟ وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ يُوجِبُ كَوْنَهَا فَرْضًا إِمَّا فِي الجَمَاعَةِ، وَإِمَّا عَلَى المُنْفَرِدِ). الحقيقة: أن هذا التعليل الذي ذكره المؤلِّف بعيد مخالف لظاهر النصِّ. والكلام في الخلاف هنا قد ذكرناه سابقًا وفصلناه في أول مباحث الأذان، وأنه قد وردت أحاديث منها قوله ﷺ لمالك بن حويرث ﵁ في الحديث المتفق عليه: "ليؤذن لكما أحدكما" (٢)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهو حجة ودليل في المسألة، وكذلك أمر بلال ﵁ ليشفع الأذان، وحديث: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا" (٣)، فهذه حجة الذين قالوا بالفرضية - فرض كفاية - وليس كهذا التعليل الذي ذكره المؤلف. • قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الإِقَامَةِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَمَّا التَّكْبِيرُ الَّذِي فِي أَوَّلِهَا فَمَثْنَى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَرَّةً وَاحِدَةً إِلَّا قَوْلَهُ: قَدْ - قَامَتِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ. وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّ الإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ مَثْنَى مَثْنَى).

стр. 1227

فصفة الإقامة عند مالك (١) والشافعيِّ (٢) كما ذكره، فالتكبير الذي في أوله مثنى، وأما ما بعد ذلك فمرة واحدة، إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها عند مالك مرة واحدة، وهذا سبق أن تكلمنا عنه، وقلنا: إن هناك التقاء بين الإمامين - الشافعي وأحمد - فيما يتعلَّق بالإقامة، فهي عندهما إحدى عشرة كلمة (٣)، وهناك اتفاق بين الإمامين أبي حنيفة وأحمد في عدد ألفاظ الأذان (٤)، وهي خمس عشرة كلمة، وذهب الشافعي في ألفاظ الأذان إلى أنها تسع عشرة كلمة (٥)، وقد خالفه مالك فيما يتعلَّق بالتكبير الأول، فرأى أن الأذان سبع عشرة كلمة (٦). فنختصر ونقول: إن الإقامة سبع عشرة كلمة عند أبي حنيفة؛ لأنه

стр. 1228

يُثنِّي كلّ الكلمات، وهي إحدى عشرة كلمة عند الإمامين الشافعي وأحمد؛ لأنهما يثنيان كلمة: قد قامت الصلاة، وعشر كلمات عند مالك؛ لأنه يقتصر على مرة واحدة. • قوله: (وَخَيَّرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ عَلَى رَأْيِهِ فِي التَّخْيِيرِ فِي النِّدَاءِ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: تَعَارُضُ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا المَعْنَى وَحَدِيثِ أَبِي لَيْلَى المُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّابتِ "أُمِرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الَأذَانَ، وَبُفْرِدَ الإِقَامَةَ إِلَّا: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ" (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ ﷺ : "أَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى" (٢). أي: أن مذهب أحمد الجواز، ونقول: إن مذهب أحمد هو الذي ذكرناه، ويلتقي في ذلك مع الشافعي. • قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، وَلَا إِقَامَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: "إِنْ أَقَمْنَ فَحَسَنٌ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَحَسَن". وَقَالَ إِسْحَاقُ (٣): "إِنَّ عَلَيْهِنَّ الَأذَانَ وَالإِقَامَةَ"). إن العلماء متفقون على أن النساء ليس عليهن أذان ولا إقامة، لكن لو أذن لهن وأقمن فلا بأس (٤)، هذا من حيث الجملة، وبعض العلماء

стр. 1229

يستحسِن لهن الإقامة كمالك (١)، أو الأذان والإقامة كالشافعي، والمقصود: أن للمرأة أن تؤذن ولكن ليس لها أن ترفع صوتها، والحقيقة: أن الاراء كثيرة في مذهب الشافعي لكن المؤلف اختار واحدًا منها (٢). وإذا أطلق المؤلف "إسحاق"؛ فالمراد به إسحاق ابن راهويه قرين الإمام أحمد وصاحبه. • قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ فِيمَا ذَكرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ). روى ذلك عنها أيضًا الحاكم والبيهقي (٣). • قوله: (وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى هَلْ تَؤُمُّ المَرْأَةُ أَوْ لَا تَؤُمُّ؟ وَقِيلَ: الَأصْلُ أَنَّهَا فِي مَعْنَى الرَّجُلِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهَا، أَمْ فِي بَعْضِهَا هِيَ كَذَلِكَ وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَبُ الدَّلِيلُ؟). إن سبب الخلاف ما ورد عن عائشة ﵄، وكذلك أيضًا ما ورد عن

стр. 1230

أمِّ ورقة أنها استأذنت رسول الله ﷺ أن يؤذن ويقام لها فأذن لها (١)، والحديث فيه كلام عند العلماء (٢)، وقيل: الأصل أنها في معنى الرجل في كلِّ عبادة إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها، فكما هو معروف أن الأصل في الخطاب أنه يتوجه إلى الرجال والنساء، لكن النساء انفردن بأحكام كثيرة، منها ما يتعلَّق بالطهارة كأحكام الحيض والنفاس، ومنها ما يتعلَّق باللباس فلها أن تلبس الذهب والحرير ولا يجوز ذلك للرجل، وهذا أمر معلوم، فكل من درس الفقه وتعمق فيه يندر أن يمر به باب من أبوابه إلا ويجد فرقًا أو فروقًا بين المرأة والرجل، ومن يعرف الفروق الفقهية يعرف مثل هذه المسائل. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّالِثُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ: فِي القِبْلَةِ) (اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ البَيْتِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾). انتقل المؤلف إلى بيان حكم استقبال القبلة، والعلماء مجمعون على أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة (٣)، وأن التوجه إلى الكعبة أمر لازم، لا
следующие страницы →