← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

• قوله: (وَقَالَ ابْنُ كنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: مَنْ تَرَكهَا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ هِيَ مِنَ الَأفْعَالِ الَّتِي وَرَدَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الَأمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الوُجُوبِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "صَلُّوا كلمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١)، أَمْ هِيَ مِنَ الَأفْعَالِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ؟ وَظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ يُوجِبُ كَوْنَهَا فَرْضًا إِمَّا فِي الجَمَاعَةِ، وَإِمَّا عَلَى المُنْفَرِدِ). الحقيقة: أن هذا التعليل الذي ذكره المؤلِّف بعيد مخالف لظاهر النصِّ. والكلام في الخلاف هنا قد ذكرناه سابقًا وفصلناه في أول مباحث الأذان، وأنه قد وردت أحاديث منها قوله ﷺ لمالك بن حويرث ﵁ في الحديث المتفق عليه: "ليؤذن لكما أحدكما" (٢)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وهو حجة ودليل في المسألة، وكذلك أمر بلال ﵁ ليشفع الأذان، وحديث: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا" (٣)، فهذه حجة الذين قالوا بالفرضية - فرض كفاية - وليس كهذا التعليل الذي ذكره المؤلف. • قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الإِقَامَةِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَمَّا التَّكْبِيرُ الَّذِي فِي أَوَّلِهَا فَمَثْنَى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَرَّةً وَاحِدَةً إِلَّا قَوْلَهُ: قَدْ - قَامَتِ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَرَّتَيْنِ. وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّ الإِقَامَةَ عِنْدَهُمْ مَثْنَى مَثْنَى).

стр. 1227

فصفة الإقامة عند مالك (١) والشافعيِّ (٢) كما ذكره، فالتكبير الذي في أوله مثنى، وأما ما بعد ذلك فمرة واحدة، إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها عند مالك مرة واحدة، وهذا سبق أن تكلمنا عنه، وقلنا: إن هناك التقاء بين الإمامين - الشافعي وأحمد - فيما يتعلَّق بالإقامة، فهي عندهما إحدى عشرة كلمة (٣)، وهناك اتفاق بين الإمامين أبي حنيفة وأحمد في عدد ألفاظ الأذان (٤)، وهي خمس عشرة كلمة، وذهب الشافعي في ألفاظ الأذان إلى أنها تسع عشرة كلمة (٥)، وقد خالفه مالك فيما يتعلَّق بالتكبير الأول، فرأى أن الأذان سبع عشرة كلمة (٦). فنختصر ونقول: إن الإقامة سبع عشرة كلمة عند أبي حنيفة؛ لأنه

стр. 1228

يُثنِّي كلّ الكلمات، وهي إحدى عشرة كلمة عند الإمامين الشافعي وأحمد؛ لأنهما يثنيان كلمة: قد قامت الصلاة، وعشر كلمات عند مالك؛ لأنه يقتصر على مرة واحدة. • قوله: (وَخَيَّرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بَيْنَ الإِفْرَادِ وَالتَّثْنِيَةِ عَلَى رَأْيِهِ فِي التَّخْيِيرِ فِي النِّدَاءِ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: تَعَارُضُ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي هَذَا المَعْنَى وَحَدِيثِ أَبِي لَيْلَى المُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّابتِ "أُمِرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الَأذَانَ، وَبُفْرِدَ الإِقَامَةَ إِلَّا: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ" (١). وَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ ﷺ : "أَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ مَثْنَى، وَأَقَامَ مَثْنَى" (٢). أي: أن مذهب أحمد الجواز، ونقول: إن مذهب أحمد هو الذي ذكرناه، ويلتقي في ذلك مع الشافعي. • قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ، وَلَا إِقَامَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: "إِنْ أَقَمْنَ فَحَسَنٌ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَحَسَن". وَقَالَ إِسْحَاقُ (٣): "إِنَّ عَلَيْهِنَّ الَأذَانَ وَالإِقَامَةَ"). إن العلماء متفقون على أن النساء ليس عليهن أذان ولا إقامة، لكن لو أذن لهن وأقمن فلا بأس (٤)، هذا من حيث الجملة، وبعض العلماء

стр. 1229

يستحسِن لهن الإقامة كمالك (١)، أو الأذان والإقامة كالشافعي، والمقصود: أن للمرأة أن تؤذن ولكن ليس لها أن ترفع صوتها، والحقيقة: أن الاراء كثيرة في مذهب الشافعي لكن المؤلف اختار واحدًا منها (٢). وإذا أطلق المؤلف "إسحاق"؛ فالمراد به إسحاق ابن راهويه قرين الإمام أحمد وصاحبه. • قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ فِيمَا ذَكرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ). روى ذلك عنها أيضًا الحاكم والبيهقي (٣). • قوله: (وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى هَلْ تَؤُمُّ المَرْأَةُ أَوْ لَا تَؤُمُّ؟ وَقِيلَ: الَأصْلُ أَنَّهَا فِي مَعْنَى الرَّجُلِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهَا، أَمْ فِي بَعْضِهَا هِيَ كَذَلِكَ وَفِي بَعْضِهَا يُطْلَبُ الدَّلِيلُ؟). إن سبب الخلاف ما ورد عن عائشة ﵄، وكذلك أيضًا ما ورد عن

стр. 1230

أمِّ ورقة أنها استأذنت رسول الله ﷺ أن يؤذن ويقام لها فأذن لها (١)، والحديث فيه كلام عند العلماء (٢)، وقيل: الأصل أنها في معنى الرجل في كلِّ عبادة إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها، فكما هو معروف أن الأصل في الخطاب أنه يتوجه إلى الرجال والنساء، لكن النساء انفردن بأحكام كثيرة، منها ما يتعلَّق بالطهارة كأحكام الحيض والنفاس، ومنها ما يتعلَّق باللباس فلها أن تلبس الذهب والحرير ولا يجوز ذلك للرجل، وهذا أمر معلوم، فكل من درس الفقه وتعمق فيه يندر أن يمر به باب من أبوابه إلا ويجد فرقًا أو فروقًا بين المرأة والرجل، ومن يعرف الفروق الفقهية يعرف مثل هذه المسائل. قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّالِثُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ: فِي القِبْلَةِ) (اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ البَيْتِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾). انتقل المؤلف إلى بيان حكم استقبال القبلة، والعلماء مجمعون على أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة (٣)، وأن التوجه إلى الكعبة أمر لازم، لا

стр. 1231

فرق في ذلك بين الفرض والنفل، ومن الأدلة على ذلك: الأول: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]. فقوله: (ومن حيث)، أي: حيثما كنتم في سفر أو حضر، في بر أو بحر، غربًا أو شرقًا. وقوله: (شطره)، الشطر يطلق في اللغة على معان منها: - الناحية والجهة (١): يقال: توجهت شطره، أي: ناحيته أو جهته. - القصد (٢): يقال: شطرت شطره، أي: قصدت قصده. - النصف (٣): يقال: وضعت عليه شطره، أي: نصفه. والمراد بالشطر هنا: المعنى الأول، أي: ولِّ وجهك ناحية أو جهة المسجد الحرام. الثاني: حديث عبد الله ابن عباس ﵁ عن أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصلِّ فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين وقال: "هذه القبلة" (٤). ويستثنى من وجوب اسقبال القبلة في الصلاة حالتان لم يتعرض المؤلف لهما بالذكر؛ لأنهما سيأتيان تفصيلًا:

стр. 1232

أما الحالة الأولى: فهي حالة اشتداد الخوف، كخوف العدو أو السبع، أو خشية الهلاك بالحريق أو السيل أو غير ذلك، فإنه في مثل هذه الأحوال يصلي إلى القبلة وغيرها يومئ إيماءً. وأما الحالة الثانية: فصلاة المسافر تطوعًا على الراحلة أو في السيارة أو السفينة أو الطائرة. وهاتان المسألتان محلُّ اتفاقٍ بين العلماء من حيث الجملة، وإن وقع الخلاف بينهم في بعض فروعها، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في محلِّها. والكلام عن القبلة مرتبط بعدة مسائل نذكر منها: الأولى: ذكر العلماء أن أول نسخ في القرآن كان في حكم القبلة (١)؛ إذ أن القبلة كانت في أول الأمر إلى بيت المقدس حين فرضت الصلاة بمكة، وظل الرسول ﷺ والمسلمون معه على ذلك ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا كما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁ المتفق عليه (٢)، على أن من العلماء مَن يرى أن صلاة رسول الله ﷺ كانت بمكة إلى الكعبة (٣)، وكانت هي قبلة إبراهيم وإسماعيل ﵉، وأن الرسول ﷺ تحوَّل إلى بيت المقدس ليتألف اليهود رغبة في دخولهم في الإسلام، لكنهم لما بقوا على عنادهم وأسروا على كفرهم أخذ رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء، وكان يحب أن يُحولَ إلى الكعبة، فحصل ذلك كما هو معلوم من الأخبار الصحيحة الثابتة (٤).

стр. 1233

الثانية: اختلف أهل العلم في مسألة التوجه إلى بيت المقدس؛ فقيل: إنه كان باجتهاد من الرسول ﷺ (١)، ومنهم من قال: إنه خُيِّر بين أن يتوجه إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة (٢)، وقيل: إن ذلك كان بأمر من الله ، وأشهر تلك الأقوال وأقواها أن ذلك بأمر من الله ، ودليل ذلك: - قوله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. فقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ دليل على أن التوجه إلى القبلة الأولى كان بأمر من الله . - حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ صلى نحو

стр. 1234

بيت المقدس، ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة (١)، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد: أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة، فتحرف القوم، حتى توجهوا نحو الكعبة. - حديث ابن عمر ﵁ وفيه: قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: "إن رسول الله ﷺ قد أُنزِلَ عليه الليلة، وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (٢). وذكر غير واحد من المفسِّرين أن تحويل القبلة نزل على رسول الله ﷺ ، وقد صلى ركعتين من الظهر وذلك في مسجد بني سلمة المعروف بمسجد القبلتين، وأنهم كانوا في الركوع فلما جاءهم الشاهد وأخبرهم تحوَّلُوا. كما يشار إلى أن مسألة تحويل القبلة تنبني عليها أحكام كثيرة، ومن أهمِّها حكم قبول خبر الواحد وروايته. الثالثة: الآية التي يستدلّ بها العلماء على نسخ القبلة، وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] مع أنها متأخرة في النسق عن قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢] إلا أنها متقدِّمة في النزول عليها،

стр. 1235

وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ وإن كان ظاهره للمستقبل إلا أنه في هذا الموضع مُستعمل للماضي؛ لأن الآية نزلت والسفهاء قد قالوا ذلك، وفائدة الإتيان بالمستقبل موضع الماضي للدلالة على استدامة ذلك، وأنهم سيستمرون على ذلك القول، وهذا المعنى معروف في كلام العرب. واختُلف في السفهاء على أقوال: - قيل: هم اليهود، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا قد التبس أمره وتحيَّر. - وقيل: هم مشركو قريش لما أنكروا تحويل القبلة، وقالوا: قد اشتاق محمد إلى مولده وأبى إلا الرجوع إلى موافقتنا. - وقيل: هم المنافقون، لحرصهم على الطعن والاستهزاء (١). و"السفهاء": جمع سفيه وهو خفيف العقل، يقال: ثوب سفيه إذا كان نسجه خفيفًا (٢)، وإنما سماهم الله سفهاء؛ لأنهم اعترضوا على حكمه، ولذلك قال الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، فإذا كان هو الذي يملك المشرق والمغرب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أيِّ جهة شاء؛ لأنه هو المتصرف في ذلك وهو الحاكم والمهيمن عليه. الرابعة: أنه إذا أطلق المسجد الحرام في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية؛ فالصحيح أنه لا يخرج إطلاقه عن واحد من معان أربعة:

стр. 1236

المعنى الأول: الكعبة: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فالمراد بالمسجد الحرام هنا: الكعبة. المعنى الثاني: الكعبة وما حولها، ومن ذلك قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (١)، والمراد بالمسجد الحرام هنا: هو الكعبة وما حولها، وكذلك قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (٢). المعنى الثالث: مكة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فقد ذكر العلماء أن الإسراء بالنبي ﷺ كان من دور مكة، فالمراد بالمسجد الحرام هنا هو مكة. المعنى الرابع: عموم الحرم المكي: ومن ذلك قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، أي: لا يدخلوا الحرم. قوله: (أَمَّا إِذَا أَبْصَرَ البَيْتَ، فَالفَرْضُ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى عَيْنِ البَيْتِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ). الكعبة بالنسبة للمصلي لا تخلو من حالين؛ فإما أن يعاين الكعبة ببصره، وإما ألا يعاينها ولكن يوجد بينه وبينها حائل - يمكن إزالته أو لا - يمنعه من رؤية البيت. فإذا كان المصلي يعاين الكعبة، فإن واجبه بإجماع العلماء التوجه بجميع بدنه إلى عينها (٣) ولو كان على مكان مرتفع، فلو أن المصلي

стр. 1237

استقبل الكعبة في آخر ركن من أركانها وكان بعض بدنه قد خرج عن الكعبة، فأكثر العلماء على بطلان صلاته (١)؛ لأن بعض بدنه ليس إلى القبلة، والمطلوب في حالة المعاينة إنما هو الاتجاه إلى عين القبلة. إلا أن بعض العلماء يفصل في حال المعاينة بين حالة القرب والبعد من الكعبة، فإذا كانوا قريبين منها فلا بدَّ مع امتداد الصفوف أن تقوس حولها، وإن تباعدوا فلا مانع أن تمتدَّ الصفوف (٢). قوله: (وَأَمَّا إِذَا غَابَتِ الكَعْبَةُ عَنِ الأَبْصَارِ، فَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلِ الفَرْضُ هُوَ العَيْنُ أَوِ الجِهَةُ؟ وَالثَّانِي: هَلْ فَرْضُهُ الإِصَابَةُ أَوْ الِاجْتِهَادُ: أَعْنِي إِصَابَةَ الجِهَةِ أَوِ العَيْنِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ العَيْنَ؟). إن غياب الكعبة عن الأبصار لا يختص بمن كان بعيدًا عنها، بل يعمُّ كل مَن تعذَّر عليه مشاهدتها ببصره وإن كان قريبًا منها، لكن لو وجد حائل طارئ كجدار أو نحوه فاعتبار ذلك حائلًا وأن حكم هذا الإنسان في حكم غير المعاين فيه خلاف بين العلماء (٣).

стр. 1238

كما اختلفوا في حال غياب الكعبة عن الأبصار: هل المصلي مطالب بأن يصيب عين الكعبة أو جهتها فقط؟ ثم هل الواجب في حقِّه هو الاجتهاد فقط في التوجه إلى عين الكعبة أو جهتها؟ أم يجب عليه أن يصيب عينها أو جهتها؟ وليس المقصود بالمجتهد هنا مَن حاز آلة الاجتهاد الفقهي، بل المقصود مَن له علم بالأدلة التي تعرف بها القبلة كحركة الشمس والقمر وهبوب الرياح وجهة القطب الشمالي وغير ذلك، فإذا وُجِد من هذا وصفه وجب عليه أن يجتهد في معرفة القبلة، وأما غيره فالواجب عليه تقليد المجتهد، لكن إن وُجِد اثنان أحدهما أوثق من الآخر في دينه ورأيه وإدراكه فالواجب متابعة الأوثق؛ لأنه الأحوط. قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الفَرْضَ هُوَ العَيْنُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ الجِهَةُ). المقصود بالقوم: الشافعية (١)، فالرواية الصحيحة عندهم أن الفرض هو التوجه إلى عين الكعبة، أما مذهب الأئمة (أبي حنيفة ومالك وأحمد)، أن الفرض هو الجهة وليست العين (٢)، وهي كذلك رواية مشهورة عن الإمام الشافعي.

стр. 1239

قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مَحْذُوفٌ حَتَّى يَكُونَ تَقْدِير: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ جِهَةَ شَطْرِ المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ أَمْ لَيْسَ هَاهُنَا مَحْذُوفٌ أَصْلًا، وَأَنَّ الكَلَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؟ فَمَنْ قَدَّرَ هُنَالِكَ مَحْذُوفًا قَالَ: الفَرْضُ الجِهَةُ، وَمَنْ لَمْ يُقَدِّرْ هُنَالِكَ مَحْذُوفًا قَالَ: الفَرْضُ العَيْنُ، وَالوَاجِبُ حَمْلُ الكَلَامِ عَلَى الحَقِيقَةِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى المَجَازِ). ما ذكره المؤلف من سبب الخلافِ لم أقفْ عليه، ولعلَّ بعض المفسرين قد ذكره. أمَّا الشافعية فاستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بما يلي: الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] ثم قال بعده: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فسوَّى بين الأول والثالث. الثاني: حديث ابن عباس عن أسامة ﵄ المتفق عليه: أن

стр. 1240

الرسول ﷺ دخل الكعبة وخرج ولم يصلِّ، ثمَّ صلى ركعتين قبل الكعبة، ثم قال: "هذه القبلة" (١). قالوا: إن الإشارة في قوله: "هذه القبلة" دليل على أن عين الكعبة هي المطلوبة في الصلاة، وهي القبلة التي ستبقى إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومَن عليها. قالوا: إنه مع البُعد تحصل المسامتة، وأجيب: بأن هذه حقيقة غير مسلم بها، نعم تحصل المسامتة إذا حصل تقوُّس في الصَّف، لكن إذا كانوا كلهم على خطٍّ ونسقٍ واحد فلا يمكن أن تحصل. وأما جمهور العلماء فيقولون إنَّ هذه الآية فيها دلالة على أن المطلوب هي الجهة؛ لأن الله قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ثم قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فالمقصود من الشطر في الآية الأولى هو الشطر في الآية الثانية وهو الجهة، ولم يرد ذكر للعين. واستدلُّوا على ذلك بعدة أمور منها: - أن الممكن في استقبال القبلة إنما هو الجهة، أمَّا استقبال العين فأمر يصعب الوصول إليه - كما ذكر المؤلف - إلا أن يحصل صدفة أو أن يكون في مسجد رسول الله ﷺ ؛ لأنه يأتيه الوحي فلا يقاس غيره عليه، أو أيضًا مواضع يقولون صلى فيها رسول الله ﷺ كما هو رأي لبعض العلماء. - أن الصف الطويل قد يمتدّ لمئات الأمتار، وكلُّهم يتجهون نحو جهة واحدة، ولا يمكن أن يصيب كلهم عين القبلة، ومع ذلك فصلاتهم صحيحة بالإجماع (٢).

стр. 1241

- لو أنَّ رجلين قاما إلى الصلاة على خطٍّ متساوٍ، أحدهما في أقصى طرف، والآخر في أقصى الطرف الآخر، وكانت اتجاههم إلى جهة القبلة لكان صلاتهما معًا صحيحة، فدلَّ ذلك على أن المطلوب إنما هي الجهة وليست العين. أما قوله: (محذوف حتى يكون تقديره إلخ) فهذه المسألة مبنية على وجود المجاز في القرآن، والصحيح: أنه لا مجاز في القرآن، ثم إنه لا حاجة لتقدير محذوف في الآية إذا كان العلماء قد فسَّروا الشطر بالجهة، والمقرر في علم الأصول: أن حمل الكلام على حقيقته أولى، لأنه الأصل عند الإطلاق (١). قوله: (وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى تَقْدِيرِ هَذَا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ ﵊: "مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَة إِذَا تَوَجَّهَ نَحْوَ البَيْتِ"). هذا الحديثُ أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي، وقال عنه الترمذي:

стр. 1242

"إنه حديث حسن صحيح" (١)، إلا أن العلماء حكموا عليه بالضعف (٢)، والحاصل: أن الحديث شاهد للآية. قوله: (قَالُوا: وَاتِّفَاقُ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّفِّ الطَّوِيلِ خَارِجَ الكَعْبَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الفَرْضَ لَيْسَ هُوَ العَيْنَ، أَعْنِي: إِذَا لَمْ تَكُنِ الكَعْبَةُ مُبْصَرَةً). وهذا من أدلة الجمهور على أن الفرض استقبال الجهة وهو حجة على الشافعية؛ إذ الجميع متفقون على صحَّة صلاة الصف الطويل، ولو كان الفرض عين الكعبة لما صحَّت صلاتهم، ولا يمكن أن يقال: إنهم أصابوا عين الكعبة كلهم (٣). قوله: (وَالَّذِي أَقُولُهُ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا قَصْدُ العَيْنِ، لَكَانَ حَرَجًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]). هذا بيانٌ من المؤلِّف لرأيه وهو مذهب الجمهور، والأمر كما قال؛ إذ لو كانت إصابة العين مطلوبة لكان في ذلك حرج ومشقة، وذلك أمر نفته النصوص الشرعية والقواعد الكلية، يقول : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ويقول : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ

стр. 1243

وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]، ويقول النبي ﷺ : "يسِّروا ولا تعسِّروا، بشِّروا ولا تنفِّروا" (١)، ومن القواعد الكلية التي قامت عليها الأحكام الشرعية: قاعدة رفع الحرج، وقاعدة التيسير، وقاعدة مراعاة المصالح، ولذلك كان مذهب الجمهور هو المذهمب الصحيح؛ لأنه الذي يلتقي مع روح الشريعة وقاعدتها الكلية. قوله: (فَإِنَّ إِصَابَةَ العَيْنِ شَيْءٌ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِتَقْرِيبٍ وَتَسَامُحٍ بِطَرِيقِ الهَنْدَسَةِ، وَاسْتِعْمَالِ الأَرْصَادِ فِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِ ذَلِك مِنْ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ وَنَحْنُ لَمْ نُكَلَّفْ الِاجْتِهَادَ فِيهِ بِطَرِيقِ الهَنْدَسَةِ المَبْنِيِّ عَلَى الأَرْصَادِ المُسْتَنْبَطِ مِنْهَا طُولُ البِلَادِ وَعَرْضُهَا). ما ذكره المؤلف من أن المصلي غير مكلَّف بالاجتهاد في معرفة القبلة بواسطة الهندسة والأرصاد هو الصواب، إذ لا دليل على التكليف بذلك، على أنه إن أمكنه التوجّه إلى عين الكعبة بواسطة ذلك فذلك أفضل. ويجدر بنا التنبيه لمسألة بطلان الصلاة أو صحتها لمن اجتهد في معرفة القبلة فصلَّى ثم تبيَّن لى وهو يصلي أنه قد أخطأ القبلة، فأما على مذهب الجمهور فلا تبطل صلاته (٢)، وإنما يتحوَّل إلى القبلة قياسًا على الذين تحوَّلُوا في مسجد قباء وفي مسجد القبلتين؛ لأن أولئك نزل تحويل القبلة قبل أن يصلوا هذه الصلاة ومع ذلك لم يأمرهم رسول الله ﷺ بإعادة

стр. 1244

الصلاة، وإنما أتمُّوا صلاتهم إلى القبلة، وأمَّا على مذهب الشافعية فتبطل الصلاة في هذه الحالة (١). قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ هَلْ فَرْضُ المُجْتَهِدِ فِي القِبْلَةِ الإِصَابَةُ، أَوْ الِاجْتِهَادُ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ؟ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ فَرْضَهُ الإِصَابَةُ، مَتَى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَخْطَأَ، أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَمَتَى قُلْنَا: إِنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ، لَمْ يجِبْ أَنْ يُعِيدَ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى قَبْلَ اجْتِهَادِهِ). وثمرة الخلاف هنا هي في معرفة الفرق بين مَن يقول: إن الفرض إصابة العين أو الجهة، فمَن يقول إن الفرض إصابة العين لو أخطأ إنسان في القبلة ونبَّه، أو صلى صلاته ثم تبيَّن أنه أخطأ، فصلاته غير صحيحة وعليه إعادتها. وأمَّا الذين يقولون إن المطلوب إصابة الجهة، فلو أخطأ لا يعيد، لكن بعضهم يقول يعيد ما دام في الوقت. قوله: (أَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَزَعَمَ أَنَّ فَرْضَهُ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِذَا تبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَخْطَأَ، أَعَادَ أَبَدًا). وهنا يظهر الخلاف بين مذهب الجمهور (٢) والرواية في الصحيح عند

стр. 1245

الشافعية (١). وعلينا التنبيه هنا بأنه لا يُفهم من كلمة زعم بأنها للذَّمِّ؛ لأنها تأتي بمعنى ظنَّ أو بمعنى حسب أو رأى (٢). قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعِيدُ، وَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، أَوْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ لَهُ الإِعَادَةَ فِي الوَقْتِ). وجماهير العلماء على ذلك، ومنهم الإمام أحمد (٣)، وزاد مالك أنه يستحب له أن يعيد في الوقت (٤)، لكن الذي يتعمَّد ويتلاعب في الصلاة كأن يتساهل في الطهارة أو في القبلة، فهذا لا يدخل في مسألتنا. فلو أتى إنسان مثلًا في الحضر فصلَّى في بيته إلى أيِّ جهة دون التأكُّدِ من مكان القبلة، فهذا لا يعذر، لأن القبلة غالبًا تكون معروفة، والمساجد موجودة وفي إمكانه أن يسألَ غيره، لكن الكلام عمَّن اجتهد وبدل الوسع والطاقة وسأل غيره فصلَّى ثم تبيَّن خطأه، أو أنه أخطأ في بعض الصلاة فنُبِّه؛ وهذا هو الذي يُنزل فيه الحديث.

стр. 1246

قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ مُعَارَضَةُ الأَثَرِ لِلْقِيَاسِ مَعَ الِاخْتِلَافِ أَيْضًا فِي تَصْحِيحِ الأَثَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ، أَمَّا القِيَاسُ فَهُوَ تَشْبِيهُ الجِهَةِ بِالوَقْتِ: (أَعْنِي: بِوَقْتِ الصَّلَاةِ)، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الفَرْضَ فِيهِ هُوَ الإِصَابَةُ، وَأَنَّهُ إِفي انْكَشَفَ لِلْمُكَلَّفِ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الوَقْتِ أَعَادَ أَبَدًا إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا جَهِلَ، فَصَلَّى العِشَاءَ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ أَنَّهُ قَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ). والقصد: أن الفرض في الوقت هو الإصابة فلو صلَّى أحدهم قبل الوقت تلزمه الإعادة ولا يعذر بكونه أخطأ. ومعلوم: إجماع العلماء على أنَّ الصلاة لا تصح قبل الوقت (١)، عدا خلاف عند الحنابلة فيما يتعلَّق بالجمعة قبل الزوال (٢)، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وهناك خلاف نُقِل عن ابن عباس ﵁ (٣)، كما نقل أيضًا عن الإمام مالك (٤) كما ذكره المؤلف.

стр. 1247

قوله: (وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا مِيقَاتُ وَقْتٍ، وَهَذَا مِيقَاتُ جِهَةٍ). أي: أنَّ هذا ميقات وقت، وهو ظرف زمان، وذاك ظرف مكان فالتقيا من هذه الناحية. قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ، فَحَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ فِي سَفَرٍ فَخَفِيَتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلَّى كل وَاحِدٍ مِنَّا إِلَى وَجْهٍ، وَعَلَّمْنَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، فَإِذَا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَضَتْ صَلَاتُكُمْ"، وَنَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] " (١)، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةً، وَتَكُونُ فِيمَنْ صَلَّى فَانْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، فَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الأَثَرُ، قَاسَ مِيقَاتَ الجِهَةِ عَلَى مِيقَاتِ الزَّمَانِ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الأَثَرِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ). في هذه الرواية قال: "ليلة ظلماء"، وفي بعضها: "مظلمة" (٢)، والحديث تقدم فيه كلام للعلماء والمؤلف قد أشار إليه. ومن هذا الحديث أخذ العلماء على أنه إذا وجد عدد من المجتهدين فليس لأحدهم أن يقلِّد الآخر ما دام ليست له مزايا يختص بها، وعلى كلٍّ

стр. 1248

منهم أن يجتهد، ولذلك اجتهد الصحابة ﵃ وتحروا، ثم صلى كل واحد منهم إلى وجهة. وقوله: "وعلَّمنا"، يعني: وضعنا علامة أو علامات، فكلّ واحد منهم وضع علامة ليعرف الجهة التي صلى إليها؛ لأنه إذا ظهر الصبح فستظهر الأدلة والعلامات التي يعرفون بها القبلة. وأما قوله ﷺ : "مضت صلاتكم" (١)، يعني: صحت صلاتكم ووقعت، وهو حجة للجمهور. وقيل (٢): إن الآية نزلت في النافلة، ولكن أيضًا ورد أنها نزلت بهذه المناسبة. قوله: (وَفِي هَذَا البَابِ مَسْأَلَة مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي دَاخِلِ الكَعْبَةِ). إن العلماء عادة يتكلَّمون عن الصلاة داخل الكعبة وعن الصلاة على ظهرها، لكن المؤلِّف علَّق على هذه المسألة فقال: لأنها أشهرها، واعتبر الأخرى فرعية، وإلا فإنهم يتكلمون في الصلاة فوق ظهر الكعبة ويختلفون فيما إذا كان هناك شاخص أمام المصلي أو لا. قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّفْلِ فِي ذَلِكَ وَالفَرْضِ). ذكر المؤلِّف أن منهم مَن منعه على الإطلاق، ولم يذكر المانع، وقد

стр. 1249

نُسِب إلى ابن جرير المفسر العالم المشهور الذي قال عنه الفقهاء: إن باب الاجتهاد أغلق به، وإن كانت هذه الدعوة غير مسلمة، وقد سبق أن نبَّهنا عليها وقلنا: إن الاجتهاد لا ينتهي في وقت؛ لأن الحوادث تجِد والنوازل تتكرر، والمسلمون لا يزالون بحاجة إلى الاجتهاد، وكتاب الله لا يزال بين أيدينا غضًّا طريًّا، وكذلك سُنَّة رسوله ﷺ ، وإن الحاجة تقتضي ذلك، لكن هناك أسباب ذكرها أهل الأصول والذين كتبوا في تاريخ التشريع. فابن جرير (١) ومعه أصبغ أيضًا من المالكية (٢)، وبعض الظاهرية (٣)، وحُكِي أيضًا عن عبد الله بن عباس ﵄ أنهم قالوا: لا تُصلَّى صلاة داخل الكعبة، ولا فرق بين النفل وبين الفرض (٤)، ودليل هؤلاء قول الله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقالوا: مَن يصلِّي داخل الكعبة إنما يصلِّي إلى حائط من حيطانها لا إلى جهة الكعبة، فلا ينبغي أن يصلي داخل الكعبة. وفريق آخر أجازوا ذلك مطلقًا وهم كما ذكر المؤلف: الحنفية (٥)، والشافعية (٦) وهؤلاء استدلُّوا أن الرسول ﷺ كما جاء في حديث عبد الله بن

стр. 1250

عمر ﵁ عن بلال ﵁: أن الرسول ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وطلحة وأنه صلى ركعتين (١). وقالوا: إن هذا يدلُّ على أنه ﵊ صلى داخلها، ولا فرق بين الفرض والنفل، وفيه زيادة على ما ورد في حديث عبد الله بن عباس ﵁ عن أسامة ﵁، لأن حديث أسامة ﵁ فيه أن الرسول ﷺ دخل الكعبة ولم يصلِّ، ثم خرج فوقف قبل الكعبة وصلى ركعتين، وقال: هذه القبلة (٢)، يعني: وقف مواجهًا الكعبة. وردَّ أصحابُ القول الآخر بأن معنى قوله: لم يصلِّ، أي: لم أره صلى، كما أن حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن بلال ﵁ -عبه فيه زيادة، وهي زيادة ثقة ثابتة، وأنه مَن حفظ حجة على من لم يحفظ، ومنه فينبغي الأخذ بهذه الزيادة. وأما القول الثالث فقال به مالك (٣)، وأحمد (٤)، وقد فرَّقوا بين النفل وبين الفرض فقالوا: إنه ثبت أن الرسول ﷺ صلى لكنه أيضًا خرج وصلى ركعتين خارج الكعبة، وقال: "هذه الكعبة"، فإن إشارته دليل على أن هذه هي القبلة، واستدلُّوا أيضًا بما استدلَّ به الأولون وهو قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: جهته، وأما النافلة: فمبناها على التخفيف، ولذلك تُصلى النافلة داخل الكعبة، فإنه يجوز أن يصليها المرء قاعدًا أو يصليها على الراحلة في السفر وقد وردت في ذلك أحاديث.

стр. 1251

ونقول: لا شكَّ أن الأحوط للإنسان في هذه المسألة هو أن يصلي إلى الكعبة، وليس داخلها، وخاصة فيما يتعلَّق بالفريضة. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَالِاحْتِمَالُ المُتَطَرِّقُ لِمَنِ اسْتَقْبَلَ أَحَدَ حِيطَانِهَا مِنْ دَاخِلٍ، هَلْ يُسَمَّى مُسْتَقْبِلًا لِلْبَيْتِ كمَا يُسَمَّى مَنِ اسْتَقْبَلَهُ مِنْ خَارجٍ أَمْ لَا؟ أَمَّا الأَثَرُ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان مُتَعَارِضَان كلَاهُمَا ثَابِتٌ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ البَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ، رَكَعَ رَكعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ وَقَالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ" (١). وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى") (٢). قد سبق وذكرت أن المؤلف له مصطلح خاص، إذ يقول: الأثر، وأما في زمننا فقد تغير مدلول المصطلح، فإذا قيل: الحديث فهو المرفوع، وأما الأثر: فهو الموقوف على الصحابة ﵃ (٣)، وقد يُطلَق على هذا

стр. 1252

وذاك، وأمَّا المصنف فيقصد بالأثر هنا الحديث، وحديث ابن عباس وابن عمر ﵃ كلاهما متفق عليهما. والتعارض حاصل في قضية واحدة، حيثُ أن أسامة وبلال ﵄ كلاهما كان مع رسول الله ﷺ ، وبلال ذكر أنه صلى ركعتين، بينما أسامة قال: لم يصل، ومن هنا ورد التعارض، والجواب: أن بلالًا ﵁ رأى رسول الله ﷺ يصلي دون صاحبه، ولذلك جاء المؤلف بالرواية التي فيها التفصيل ووصف المكان الذي كان فيه رسول الله ﷺ . قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ أَوِ النَّسْخِ قَالَ إِمَّا بِمَنْعِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِمَّا بِإِجَازَتِهَا مُطْلَقًا إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ). والنسخ هنا لا مكان له؛ لأن القضية وقعت في وقت واحد ويرويها صحابيان، لكن المسألة مسألة ترجيح كما ذكر، فمن رجَّح حديث بلال ﵁ الذي رواه عنه عبد الله بن عمر ﵄، قالوا: لأن فيه زيادة وزيادة الثقة مقبولة، وقد حفظ ذلك وشاهده، وقول أسامة ﵁: "لم أرَ أنه صلى" (١) فهو يحكي الحالة التي رآها. قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا، حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الفَرْضِ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى النَّفْلِ، وَالجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ عُسْرٌ، فَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا ﵊ خَارجَ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: "هَذِهِ قِبْلَةٌ"، هِيَ نَفْلٌ). وهذا على رأي المؤلف، وأما الآخرون الذين فرَّقوا بين النفل

стр. 1253

والفرض فقالوا: إن النافلة مبناها على التخفيف واستدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ورأوا أن الآية تدلُّ على أن المطلوب هو استقبال جهة الكعبة لما ذكره المؤلف هنا. قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ سُقُوطِ الأَثَرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَإِنْ كانَ مِمَّنْ يَقُولُ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الإِجْمَاعِ وَالِاتِّفَاقِ، لَمْ يُجِزِ الصَّلَاةَ دَاخِلَ البَيْتِ أَصْلًا). ومراد المؤلف من قوله: استصحاب حكم الإجماع أن هناك مسألتين: الأولى: مجمعٌ عليها لورود النصّ، وهو أن القبلة إنما هي الجهة التي هي شرط في صحة الصلوات، وقد عرفنا أن الإنسان يلزمه أن يستقبل عينه إذا كان شاهدها أو كان يوجد حائل يمكن زواله عند بعض العلماء، أما إذا كان بعيدًا عنها فالواجب هي الجهة خلافًا للشافعية (١)، إذن استقبال جهة الكعبة مجمع عليه وليس فيه خلاف. والثانية: الصلاة داخل الكعبة، وهي محلّ خلاف (٢)، قال: فمن استصحب حكم الإجماع -وهم الأولون- قالوا: إذن نأخذ بما يجمع عليه ونطرخ الباقي. قوله: (وَإِنْ كانَ مِمَّنْ لَا يَرَى اسْتِصْحَابَ حُكْمِ الإِجْمَاعِ، عَادَ النَّظَرُ فِي انْطِلَاقِ اسْمِ المُسْتَقْبِلِ لِلْبَيْتِ عَلَى مَنْ صَلَّى دَاخِلَ الكَعْبَةِ، فَمَنْ جَوَّزَهُ أَجَازَ الصَّلَاةَ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ -وَهُوَ الأَظْهَرُ- لَمْ يُجِزِ الصَّلَاةَ فِي البَيْتِ). فالمؤلف في النهاية عاد إلى مذهبي المالكية والحنابلة؛ لأنه قال: ومن لم يجوزه وهو الأظهر.

стр. 1254

قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ بِأَجْمَعِهِمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّتْرَةِ بَيْنَ المُصَلِّي وَالقِبْلَةِ إِذَا صَلَّى؛ مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ إِمَامًا (١)، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵊: "إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ" (٢). ولا شكَّ أن الإمام نفسه له سترة، أما المأموم فالإمام يحمل عنه، وهذه قضية مهمة لكن يتساهل فيها الكثير من الناس فيمرون بين يدي المصلي، وحكم اتخاذ السترة فيه تفصيل، وذلك حسب الأماكن والأحوال: أولًا: في الحرم المكي: العلماء في هذه الحالة قالوا يجوز للمصلي ألا يتخذ سترة، واستدلُّوا على ذلك بما يلي: ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁ وغيره من السلف؛ فقد كان يصلي دون سترة (٣).

стр. 1255

أن المصلي في الحرم المكي يشاهد القبلة. أن المسجد الحرام يختص بوجود الزحام فيه، فيتعذر ويصعب على الناس ألا يتخطوا المصلي. ثانيًا: المسجد النبوي وغير ذلك من المساجد: فإذا كثُرَ الزحام وصعب على الناس المرور إلا بتجاوز المصلي فيجوز ذلك لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ثالثًا: إذا كان المصلي مأمومًا: فسترة الإمام سترة له، والإمام يتحمَّل عن المأموم أشياء كثيرة من بينها السترة لقوله ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (١). رابعًا: إذا كان المصلي منفردًا: سواء كانت الصلاة التي يصليها فرضًا أو نافلة، يستحب له أن يتخذ سترة بينه وبين قبلته حتى تكون كحماية له من مرور بعض الناس بين يديه، والسترة تكون إما عمودًا أو سارية أو أمرًا ينصبه بين يديه، فإن لم يجد فعصًا، ودليل ذلك ما ورد عنه ﷺ أنه "كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ، فَيُصَلِّي إِلَيهَا" (٢)، وما ورد عن أبي جحيفة ﷺ قال: "ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الحِمَارُ وَالكَلْبُ" (٣)، والعَنَزَة: عصا تشبه الرمح في أسفلها (٤)، وقد ورد عن الصحابة ﵁ فعل ذلك أيضًا (٥). ولمسألة السترة جزئيات مهمَّة منها: الأولى: المقدار الذي ينبغي أن يكون بين المصلي وبين سترته، فعن

стр. 1256

سهل بن سعد، قال: "كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممرُّ الشاة" (١)، وقد قدَّره العلماء بثلاثة أذرع (٢)، وعلى المصلي أن لا يجعل مسافة كبيرة بينه وبين سترته مصداقًا لقوله ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا" (٣). الثانية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يمرَّ بين المصلي وسترته، فإن فعل فإنه يقع في التحذير الذي أشار إليه الرسول ﷺ بقوله: "لَوُ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَان أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٤). وفي حديث آخر: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان" (٥). وأما قولُه ﷺ : "تَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرْأَةُ، وَالكَلْبُ، وَالحِمَارُ" (٦)، فاختلف العلماء في هذا الحديث، منهم مَن حمله على حقيقته، ومنهم من تأولَّه (٧)، وظاهر الحديث أن هذه الأشياء تقطع.

стр. 1257

التالثة: القول في حكم السترة، فالبعض يقول: السترة غير واجبة لأدلة عدة، من بينها: ١ - أن الرسول ﷺ كان إذا لم يجد سترة اتَّخذ عصا هي العَنَزَة. ٢ - ولقوله ﷺ : "يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ ثُمَّ يُصَلِّي" (١). ٣ - وقوله أيضًا ﵊: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا، فَلْيَخُطَّ خَظا، وَلَا يَضُرُّه مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" (٢)، ولقد تكلَّم العلماء حول شكل الخط هل يكون على شكل محراب؟ أم يضعه مستقيمًا أمامه؟ أم يجعله عن يمينه وشماله؟ لكن المؤلِّف لم يتكلم عن هذه المسائل الجزئية، لأن مقصده أمهات المسائل. ٤ - بالإضافة إلى ما ورد عن الفَضلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "زَارَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ عبَّاسًا، وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا، فَقَامَ يُصَلِّي، قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: العَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ كُلَيْبَةٌ لَنَا، وَحِمَارٌ يَرْعَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ، يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا" (٣). الرابعة: وهي جزئية تدخل ضمن المسائل التي يجتهد العلماء في تقديرها، لأنه- في الحديث وردت مطلقة ولم تحدد، قال رسول الله ﷺ : "يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخّرَةِ الرَّحْلِ ثُمَّ يُصَلِّي" (٤)، وفي الحديث: "رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ" (٥)، و"العَنَزَة" على شكل رمح قدرت بنصف رمح، فقدر

стр. 1258

بعض العلماء عرض السترة بذراع، وبعضهم بثلثي ذراع (١)، وعليه فإنه لم يُحَدَّد العرض، والمهمّ: أن يضع المصلي أمامه شيئًا، أما الطول فبعض العلماء حدده، والبعض الآخر تركه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الخَطِّ إِذَا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخُطَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٢) "يَخُطُّ خَطًّا بَيْنَ يَدَيْهِ"). إن المصلي إذا لم يكن أمامه سترة -كالأعمدة والسواري أو الحائط- فعليه أن يضع عصًا أو نحوها، أما أن يخطَّ خطًّا فأكثر العلماء من الحنفية والمالكية والشافعي في الجديد يرون ألا يفعل ذلك (٣)؛ لأن الحديث الوارد فيه ضعيف. وأما المحقِّقون من الشافعية فإنهم يرجِّحون قول الإمام الشافعي القديم، ويأخذون بمذهب الحنابلة (٤) الذي يقوم على الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال (٥) مع أنه يُرَجَّح أن الحديث حسن، فإنه قد

стр. 1259

تتبعه الحافظ ابن حجر -وهو الذي يضرب به المثل في الدقة في تصحيح الأحاديث وتضعيفها- وحسن إسناده (١). والإمام الشافعي قد وضع قاعدة مهمة، إذ يقول: "إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط" (٢)، فأيّ مسألة يخالف فيها الشافعي ويصح فيها حديث لم يبلغه أو بلغه ولم يصحّ عنده، فإن ما تقرر في هذا الحديث هو مذهب الشافعي، وبذلك يتبين أن العلماء رحمهم الله تعالى كانت غايتهم هي الوصول إلى الحق، وذلك بمعرفة شرع الله تعالى وما جاء فيه من أحكام. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ الأَثَرِ الوَارِدِ فِي الخَطِّ، وَالأَثَرُ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَصًا، فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنبلٍ يُصَحِّحُهُ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يُصَحِّحُهُ). وقول الإمام أحمد نُقل عن بعض التابعين كسعيد بن الزبير، وكما مرَّ قال به الإمام الشافعي في القديم. والخلاف بين الإمامين هو في تصحيح وتضعيف الحديث، فأحمد صحَّ عنده والشافعي لم يصحَّ عنده، ثم جاء المحققون فحققوا في سند الحديث وانتهوا إلى أنه حديث حسن، وإذا ثبتَ حُسنه عُمِل به، وما دام

стр. 1260

يعمل به فينبغي أن ينسب إلى الإمام الشافعي، ويقال: إنه مذهبه؛ لأنه قال: "إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي الحائط" (١). وقد وُجد للحديث طرق صحَّ بها، وهذا هو شأن المحقق في أيِّ مسألة من مسائل العلم فلا ينبغي أن يدفعه التعصب فيقول: إن مذهب الشافعي هو الجديد، فكم من المسائل رجَّحها الشافعية على المذهب الجديد ورأوها صوابًا؛ لأن الأحاديث جاءت فعضدتها، أو أن بعضها لم يبلغ الإمام الشافعي. والمقصود: أن الأئمة بشَرٌ فقد يبلغ بعضَهم ما لم يبلغ البعض الآخر، فأكثر الأئمة إحاطة وعناية بالأحاديث -كالإمام أحمد والإمام مالك- لا يستطيع أن يدعي أنه قد بلغه كلُّ الأحاديث والآثار، وحتى قبلهم من الصحابة لم يكن يبلغهم كلهم الحديث، ومن ذلك ما وقع لأبي بكر الصديق ﵁ في مسألة توريث الجدة حيث لم يبلغه الحديث، لكنه بلغ غيره ممن هو أصغر منه من الصحابة (٢). قوله: (وَقَدْ رُوِيَ "أَنَّهُ ﷺ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ" (٣)، وَالحَدِيثُ الثَّابِتُ "أَنَّهُ كَانَ يُخْرَجُ لَهُ العَنَزَةُ" (٤). فَهَذ جُمْلَةُ قَوَاعِدِ هَذَا البَابِ، وَهِيَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ). وهو حديث الفضل بن عباس ﵁، وقد سبق ذكره.

стр. 1261

قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الرَّابعُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ) (وَهَذَا البَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى فَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي سَتْرِ العَوْرَةِ. وَالثَّانِي: فِيمَا يُجْزِئُ مِنَ اللّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ). إن ستر العورة والمجزئ من اللباس في الصلاة أمران متلازمان، أما العورة: فلا تخلو أن تكون عورة رجل أو امرأة، ثم لا تخلو المرأة أن تكون حرة أو أمة، ولكلِّ واحد من هذه الأقسام حكم يخصه. [الفصل الأول: في ستر العورة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ فَرْضق بِإِطْلَاقٍ). يقول العلماء: إن العورة مأخوذة من العور، وهو النقص والعيب، ومن ذلك قولهم عن الكلمة القبيحة: عورة؛ لما فيها من القبح والعيب، و"العورة" هي كل ما يسوء إخراجه ويمنع النظر إليه لقبحه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب (١)، ولذلك كان ستر العورة مطلوبًا.

стр. 1262

ثم إن ستر العورة -من حيث الجملة- لا يخلو من حالين: ستر الحورة عمومًا، وسترها في الصلاة خاصة، ثم لا يخلو ستر العورة مطلقًا أن يكون في خلوة أو في حضور الناس خلا الزوج مع زوجته؛ لأن لهما حكمًا خاصًّا في المسألة، والمؤلف هنا لم يتعرض بالتفصيل إلا لستر العورة في الصلاة خاصة. أما بالنسبة لستر العورة عمومًا فالإجماع حاصل -كما أشار المؤلف- على أن الإنسان يجب عليه أن يستر عورته في الصلاة وفي غيرها، يقول الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، ويقول سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. إلا أن العلماء يختلفون في حال الخلوة، وأكثرهم على أنه لا فرق بين كون الإنسان خاليًا بنفسه أو يحضر معه غيره (١)، والدليل: ما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ -حبه قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملعت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال:

стр. 1263

"فالله ﵎ أحقّ أن يُستحْيَا منه" (١). فالواجب إذن على المرء: أن يستر عورته في جميع الأحيان والأحوال، وسواء كان خاليًا بنفسه أو في حضرة الناس، ويستثنى من ذلك بعض الحالات، كحال الضرورة أو إذا كان الإنسان مع أهله. قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ العَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ). ذكر المؤلِّف هنا خلاف العلماء في حكم ستر العورة في الصلاة، وجماهير العلماء على أن ستر العورة في الصلاة شرط من شروط صحتها، وأنه لا يجوز لمسلم قادر على ستر العورة أن يصلي دون القيام بذلك، وهذا مذهب الأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد (٢)، أما المالكية فتعددت الأقوال في مذهبهم فصارت أقرب إلى الاضطراب، فقيل: إنه واجب مع الذِّكْر والقدرة، ساقط مع النسيان والعجز، وقيل: إنه فرض، وقيل: إنه سنَّة، وهو الذي اقتصر عليه المؤلف، والأول هو المعروف من مذهبهم (٣).

стр. 1264

والحق في المسألة: ما ذهب إليه الجمهور من أن ستر العورة -على الجملة- شرط من شروط صحة الصلاة، وإن كانوا مختلفين في تفصيل ذلك، وسيأتي بيان أدلة الفريقين، وتفصيلات المذاهب في ذلك. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: تَعَارُضُ الآثَارِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي مَمهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، هَلِ الأَمْرُ بِذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الوُجُوبِ قَالَ: المُرَادُ بِهِ سَتْرُ العَوْرَةِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَانَ أَنَّ المَرْأَةَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانَةً، وَتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامٍ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْب قَالَ: المُرَادُ بِذلِكَ الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الرِّدَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلَابِسِ الًّتِي هِيَ ؤِينَة، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ "كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﵊ عَاقِدِي أُزُرِهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا" (١). انتقل المؤلف ﵀ إلى بيان سبب الخلاف في المسألة، وذكر شيئًا من الأدلة التي استدلَّ بها كل فريق، وما وقع من اختلاف الأنظار في توجيه تلك الأدلة، وفيما يلي بيان لكل ذلك: أما الجمهور -وهم القائلون بأن ستر العورة شرط صحَّة في الصلاة- فاستدلوا بما يلي: أولًا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦].

стр. 1265

وقالوا: إن الآية فيها دليل على وجوب ستر العورة على سبيل العموم سواء كان ذلك في الصلاة أو في خارجها. وبقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقالوا: إن الآية نصٌّ في وجوب ستر العورة في الصلاة؛ لأنهم حملوا الأمر في قوله: (خذوا) على الوجوب، ومما يؤيِّد هذا المعنى ما ورد في سبب نزولها، وهو أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة رجالًا ونساء، لا رغبة في ذلك، بل لأنهم يرون أن الطواف قربة لله ، وأنه لا يصلح لأحدهم أن يطوف في ثياب ارتكب فيها الذنوب، فكانوا إذا طافوا بالبيت ألقوا ثيابهم وطافوا عراة إلا أن تعيرهم الحمس ما يطوفون به، وكانت المرأة إذا أرادت الطواف تقول: من يعيرني تِطْوافًا؟ أي: ثوبًا أو غطاءً، تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أوكله … وما بدا منه فلا أحله فنزلت الآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ثانيًا: من السُّنة: عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة ﵁ قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيلٍ، وعليَّ إزار خفيف، قال: فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ، ولم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة" (١). فقوله: "لا تمشوا عراة"، نصٌّ في وجوب ستر العورة. وعن جرهد بن رِزاح ﵁ أنه قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا كاشف فخذي فقال النبي ﷺ : "غطِّها فإنها من العورة" (٢).
следующие страницы →