← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الرَّابعُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ) (وَهَذَا البَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى فَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي سَتْرِ العَوْرَةِ. وَالثَّانِي: فِيمَا يُجْزِئُ مِنَ اللّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ). إن ستر العورة والمجزئ من اللباس في الصلاة أمران متلازمان، أما العورة: فلا تخلو أن تكون عورة رجل أو امرأة، ثم لا تخلو المرأة أن تكون حرة أو أمة، ولكلِّ واحد من هذه الأقسام حكم يخصه. [الفصل الأول: في ستر العورة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ فَرْضق بِإِطْلَاقٍ). يقول العلماء: إن العورة مأخوذة من العور، وهو النقص والعيب، ومن ذلك قولهم عن الكلمة القبيحة: عورة؛ لما فيها من القبح والعيب، و"العورة" هي كل ما يسوء إخراجه ويمنع النظر إليه لقبحه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب (١)، ولذلك كان ستر العورة مطلوبًا.

стр. 1262

ثم إن ستر العورة -من حيث الجملة- لا يخلو من حالين: ستر الحورة عمومًا، وسترها في الصلاة خاصة، ثم لا يخلو ستر العورة مطلقًا أن يكون في خلوة أو في حضور الناس خلا الزوج مع زوجته؛ لأن لهما حكمًا خاصًّا في المسألة، والمؤلف هنا لم يتعرض بالتفصيل إلا لستر العورة في الصلاة خاصة. أما بالنسبة لستر العورة عمومًا فالإجماع حاصل -كما أشار المؤلف- على أن الإنسان يجب عليه أن يستر عورته في الصلاة وفي غيرها، يقول الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، ويقول سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. إلا أن العلماء يختلفون في حال الخلوة، وأكثرهم على أنه لا فرق بين كون الإنسان خاليًا بنفسه أو يحضر معه غيره (١)، والدليل: ما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ -حبه قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملعت يمينك"، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها"، قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال:

стр. 1263

"فالله ﵎ أحقّ أن يُستحْيَا منه" (١). فالواجب إذن على المرء: أن يستر عورته في جميع الأحيان والأحوال، وسواء كان خاليًا بنفسه أو في حضرة الناس، ويستثنى من ذلك بعض الحالات، كحال الضرورة أو إذا كان الإنسان مع أهله. قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ العَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّهَا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ). ذكر المؤلِّف هنا خلاف العلماء في حكم ستر العورة في الصلاة، وجماهير العلماء على أن ستر العورة في الصلاة شرط من شروط صحتها، وأنه لا يجوز لمسلم قادر على ستر العورة أن يصلي دون القيام بذلك، وهذا مذهب الأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد (٢)، أما المالكية فتعددت الأقوال في مذهبهم فصارت أقرب إلى الاضطراب، فقيل: إنه واجب مع الذِّكْر والقدرة، ساقط مع النسيان والعجز، وقيل: إنه فرض، وقيل: إنه سنَّة، وهو الذي اقتصر عليه المؤلف، والأول هو المعروف من مذهبهم (٣).

стр. 1264

والحق في المسألة: ما ذهب إليه الجمهور من أن ستر العورة -على الجملة- شرط من شروط صحة الصلاة، وإن كانوا مختلفين في تفصيل ذلك، وسيأتي بيان أدلة الفريقين، وتفصيلات المذاهب في ذلك. قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: تَعَارُضُ الآثَارِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي مَمهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، هَلِ الأَمْرُ بِذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الوُجُوبِ قَالَ: المُرَادُ بِهِ سَتْرُ العَوْرَةِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ كَانَ أَنَّ المَرْأَةَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانَةً، وَتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامٍ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْب قَالَ: المُرَادُ بِذلِكَ الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الرِّدَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَلَابِسِ الًّتِي هِيَ ؤِينَة، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ "كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﵊ عَاقِدِي أُزُرِهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: لَا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا" (١). انتقل المؤلف ﵀ إلى بيان سبب الخلاف في المسألة، وذكر شيئًا من الأدلة التي استدلَّ بها كل فريق، وما وقع من اختلاف الأنظار في توجيه تلك الأدلة، وفيما يلي بيان لكل ذلك: أما الجمهور -وهم القائلون بأن ستر العورة شرط صحَّة في الصلاة- فاستدلوا بما يلي: أولًا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦].

стр. 1265

وقالوا: إن الآية فيها دليل على وجوب ستر العورة على سبيل العموم سواء كان ذلك في الصلاة أو في خارجها. وبقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقالوا: إن الآية نصٌّ في وجوب ستر العورة في الصلاة؛ لأنهم حملوا الأمر في قوله: (خذوا) على الوجوب، ومما يؤيِّد هذا المعنى ما ورد في سبب نزولها، وهو أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة رجالًا ونساء، لا رغبة في ذلك، بل لأنهم يرون أن الطواف قربة لله ، وأنه لا يصلح لأحدهم أن يطوف في ثياب ارتكب فيها الذنوب، فكانوا إذا طافوا بالبيت ألقوا ثيابهم وطافوا عراة إلا أن تعيرهم الحمس ما يطوفون به، وكانت المرأة إذا أرادت الطواف تقول: من يعيرني تِطْوافًا؟ أي: ثوبًا أو غطاءً، تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أوكله … وما بدا منه فلا أحله فنزلت الآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ثانيًا: من السُّنة: عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة ﵁ قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيلٍ، وعليَّ إزار خفيف، قال: فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ، ولم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة" (١). فقوله: "لا تمشوا عراة"، نصٌّ في وجوب ستر العورة. وعن جرهد بن رِزاح ﵁ أنه قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا كاشف فخذي فقال النبي ﷺ : "غطِّها فإنها من العورة" (٢).

стр. 1266

وعن أبي هريرة ﵁ قال: بعثني أبو بكر الصديق ﵁ في الحجة التي أمَّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: "لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (١). وأما القائلون بعدم الوجوب فاستدلُّوا بما يلي: أولًا: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [لأعراف: ٢٦] قالوا: إن هذه الآية وردت مورد الإنعام والتفضل من الله على عباده بأن أنزل عليهم لباسًا يغظَي عوراتهم، ونبَّههم على المنة العظيمة بذلك. وأجيب عنه: بأن من إنعام الله على عباده أيضًا أن وجههم إلى ستر عوراتهم وأنزل عليهم لباسًا لذلك. وفي قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ تأويلان: فيحتمل أن يراد به: خلقنا لكم لباسًا، ويحتمل التدرج، أي: أن الله أنزل المطر فنبت الزرع والكلأ فتغذت منه الأنعام فنبت منه الصوف والوبر وغير ذلك فنتج عنه جميع اللباس. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قالوا: إن المراد بالزينة في الآية هي الزينة الظاهرة من الرداء والنعال والطيب، ولذلك حملوا الأمر في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ على الندب لا على الوجوب. ثانيًا: من السُّنة: عن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ يوم خيبر حسر عن فخذه كأني أنظر إلى بياض فخذه" (٢).

стр. 1267

وأجيب عنه: بأنه قد ورد في رواية مسلم لفظ: (وانحسر) (١) بد ﵁: (حسر)، والفرق ظاهر بين اللفظتين، أي: أن ذلك كان عن غير قصد منه ﷺ ، ولذلك قال الجمهور: إن حديث أنس قضية عين لا يمكن أن يقاس عليها (٢). ومما استدلَّ به القائلون بعدم الوجوب كذلك ما جاء في "الصحيحين" من حديث سهل ﵁ -وقد أورده المؤلف ﵀ أنه قال: "كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويُقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا" (٣). قالوا: فقوله: (لا ترفعن رؤوسكن إلخ)، أي: لا تعجلن برفع رؤوسكن لأجل أن لا تقع أبصاركن على عورات الرجال التي قد تبدو بسبب أنهم كانوا يصلون في أثواب يلتفون بها ويربطونها في أعناقهم، فالحديث إذن دليل على أنه لا يجب ستر العورة، والحديث أيضًا دليل للذين يقولون بالتجاوز عن خروج بعض العورة. وأصرح منه في الدلالة على عدم وجوب الستر حديث عمرو بن سلمة ﵁ وفيه أنه قال: كنا بماء مَمَرِّ الناس، وكان يمرُّ بنا الركبان فنسألهم: ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلمَّا كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال:

стр. 1268

جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًّا، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كلذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا". فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا منِّي، لِما كنت أتلقَّى من الركبان، فَقَدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بُردة كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحيِّ: ألَّا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا في قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١). قوله: (قَالُوا: وَلِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا بِهِ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ يُصَلِّي، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عَدِمَ الطَّهَارَةَ، هَلْ يُصَلِّي أَمْ لَا؟). أما مسألة عادم الطهارة فقد تقدم الكلام عنها في أبواب الطهارة، وأن الصحيح في ذلك وجوب الصلاة عليه؛ لأنه فاقد للطهورين وليس في استطاعته تحصيل أحدهما، والله يقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ويقول سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ثم اختلف العلماءُ بعد ذلك في إعادته إن هو وجد الطهور بعد أن صلى على أقوال، وأما بالنسبة لمن لم يجد ما يستر به عورته مطلقًا فإنه يصلي على حاله، على خلاف بين العلماء في هيئة صلاته، فبعض العلماء - ومنهم الحنابلة -يرى أنه يصلي قاعدًا حتى لا تبدو عورته (٢)، وأكثر الفقهاء على أنه يصلي قائمًا؛ لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: "صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (٣)، ولأن القيام ركن في الصلاة فلا يسقط بالعجز عن ستر العورة،

стр. 1269

ولكن يسقط عنه وجوب ستر العورة لتعذر ذلك عليه، فإن وجد ما يستر به بعض العورة فإنه يبدأ بالأهمِّ فالأهم وهكذا. ولو كانوا جماعة فيهم رجل معه ثوب ساتر، فالعلماء مختلفون أيصلي كلُّ واحد منهم في هذا الثوب بمعنى يصلون فرادى واحدًا بعد واحد؟ وإذا لم يكن مع أحد منهم ثوب، فهل يصلون فرادى، أو يصلون جماعة يتوسطهم إمام حتى لا ينظر بعضهم إلى عورة بعض؟ هذه كلها مسائل اختلف فيها العلماء، وأشار إليها المؤلف إشارة بسيطة دون أن يذكر شيئًا منها. قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ حَدُّ العَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ حَدَّ العَوْرَةِ مِنْهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ قَوْئم: العَوْرَةُ هُمَا السَّوْءتَان فَقَطْ مِنَ الرَّجُلِ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ مُتَعَارِضَان كِلَاهُمَا ثَابِتٌ، أَحَدُهُمَا: حَدِيتُ جُرْهُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الفَخِذُ عَوْرَةٌ". وَالثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ- ﷺ حَسَرَ عَنْ فَخِذِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ". قَالَ البُخَارِيُّ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيتُ جُرْهُدٍ أَحْوَطُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: العَوْرَةُ الدُّبُرُ، وَالفَرْجُ وَالفَخِذُ). اختلف العلماء في حدِّ العورة من الرجل والمرأة، فأما بالنسبة للرجل قد اختلفوا فيها على أقوال: الأول: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وليست السرة والركبة من العورة، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (١). ومن أدلتهم على ذلك:

стр. 1270

قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. وعن جرهد بن رِزاح ﵁ أنه قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا كاشف فخذي فقال النبي ﷺ : "غطِّها فإنها من العورة" (١). وعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَة ﵁ قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيلٍ، وعليَّ إزار خفيف، قال: فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ، ولم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تمشوا عراة" (٢). الثاني: أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، فتكون الركبة داخلة في العورة، وهو مذهب الحنفية (٣)، ومن أدلتهم على ذلك: ما جاء في "سنن الدارقطني" عن عليّ بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الركبة عورة" (٤)، وأجيب: بأن الحديث ضعيف، كما استدلّوا بأحاديث أُخرى لا تخلو من مقال. الثالث: أن السُرَّة من العورة، وهى رواية للمالكية ووجه عند الشافعية (٥).

стр. 1271

ورُدَّ عليه بما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال للحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵄: "اكشف عن سرتك"، فكشف عنها فقبلها، وقال: "إنما قبلتها لأني رأيت رسول الله- ﷺ يقبِّلُها" (١)، قالوا: فلو كانت السرة من العورة لما قبَّلها أبو هريرة ﵁، ولما مكَّنه الحسن ﵁ من أن يقبلها، فد ﵁ ذلك على أنها خارجة عن مسمى العورة. الرابع: أن العورة السوءتان فقط، وهو مذهب الظاهرية (٢)، ورواية عند المالكية (٣). قَالَ: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ حَدُّ العَوْرَةِ مِنَ الرَّجُلِ). حَدُّ العَوْرة من الرجل: ما بين السُّرة والرُّكبة، وَلَكن العلماء يختلفون في الرُّكبة؟ فبَعْضهم يجعل الركبة من العورة، وهو قول أبي حَنيفَة (٤)، ويَسْتدل بدليل: "الرُّكبة عورةٌ" (٥). وَبينَّا أنَّ هذا الحَديثَ الذي استدلَّ به ضعيف، وَردَّ الجمهور عليه بأن الرسول ﷺ قال: "غطِّ فخذَكَ؛ فإنَّ الفخْذَ عورةٌ" (٦)، ولَمْ يذكر الرُّكبة، فَعَدم ذكره لها دليلٌ على أنها ليست من العورة.

стр. 1272

وأما فيما يتعلَّق بالسرة، ففيه قصة أبي هريرة مع الحسن عندما قبَّل سرته، وقال: رأيت رسولَ الله ﷺ يَفْعَل ذلك (١)، وَوَردتْ في ذلك عدة أحاديث، ولكنها لا تَخْلو من مقالٍ، ومنها حديث أبي سَعِيدٍ الخدريِّ: "عَوْرة الرَّجل ما بين السُّرة والرُّكبة" (٢)، ولمَّا كانت هذه أحاديث مُتكلمًا فيها، لم نعرض لها. قَالَ: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) إِلَى أَنَّ حَدَّ العَوْرَةِ مِنْهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)). فَذَهبَ مالكٌ والشافعيُّ، وَكَذلك أحمد (٦)، وأبو حنيفة وَافَقهم إلا في جزئية أنه اعتبر الرُّكْبَتين من العورة، وأخرج السُّرَّة، وبذلك خَالَفهم، وَهَذَا ليس قولًا واحدًا، فمثلًا في مذهب الشافعية نجد خمسة أقْوَالٍ في المسألة (٧)، ونحن لا نتتبع الجزئيات، وَلَكن هذه هي الأقوال الثابتة المستقرة عنه.

стр. 1273

(وَقَالَ قَوْمٌ: العَوْرَةُ هُمَا السَّوْءتَانِ فَقَطْ مِنَ الرَّجُلِ). وهذه أيضًا روايةٌ للإمام أحمد (١)، نُقِلَ ذلك عن ابن جريرٍ (٢). وَعَنْ بعصْ أهل الظاهر (٣)، ويستدلُّون بقول الله : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ [الأعراف: ٢٦]. وفي آيةٍ أُخْرَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأَعْرَاف: ٢٧]. فَقَالوا: هي الَّتي وَرَد عليها النَّصُّ، ويُؤيِّدون ذلك بأنَّ الرسول ﷺ حَسَر عن فخذِهِ وهو جَالسٌ مع أصحابِهِ (٤) فَقَالوا: دل ذلك على أنه ليس

стр. 1274

بعورةٍ، إذًا العورة هما السوءتان، هذا -ولا شك- قول ضعيف. قَالَ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ مُتَعَارِضَانِ كلَاهُمَا ثَابِتُ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ جُرْهُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "الفَخِذُ عَوْرَةٌ" (١). يَجْعل المؤلِّف سببَ الخلاف في هذه المسألة وُجُود أثرين: الأوَّل: ليس في "الصَّحيحين"، وإنما ذكره البخاري تعليقًا، ومعنى "ذَكَره تعليقًا"، أَيْ: أشَار إليه في تراجمه بمعنى أنه سَاقَه دون سندٍ، أمَّا الأحاديث غير المعلقة التي يرويها فهي المسندة. وأيضًا ذَكَره غير البخاريِّ، وهُوَ حَديثٌ صحيحٌ، وهو حديث جُرْهدٍ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الفَخِذُ عَوْرةٌ". الثانى: حديث متفق عليه، وهو حديث أنسٍ أن النبي ﷺ قال: "غَطِّ فَخِذَك، فَإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ" (٢). قالوا: هَذَا أمرٌ، والأمرُ يَقْتضى الوجوب، فدل ذلك على وجوب تغطية الفخذ، وكونه أمرًا، فهو دليل على الوجوب، إذًا الأمر فيه إيجابُ تغطية الفخذين، فدلَّ ذلك على أن عورةَ الرجل ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وأيَّدوا ذلك بما وَرَد من آثارٍ وأَحَاديثَ فيها كلامٌ للعُلَماء. قَالَ: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَسَرَ عَنْ فَخِذهِ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ" (٣)). هَذَا في يوم خَيْبر، وأن الرَّسول ﷺ حَسَر عن فَخذهِ، وهذا الذي

стр. 1275

يُشير إليه المؤلف حديث آخر غير حديث أنسٍ (١). الذي ورد فى حديث عائشة: "أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كان قَدْ حَسَر عن فخذِهِ، فَدَخل أبو بكرٍ وهو كذلك، ثم عمر"، وَجَاء في حديثٍ آخر أنه غطاه لما دخل عثمان وقال: "ألَا أسْتَحِي من رَجُلِ تَسْتحي منهُ المَلَائكةُ" (٢). قَالوا: فيه دَليل على أن الفخذ ليس بعورة، ولكن جَاءَ في بعض روايات "الصحيحين" ليس الرسول هو الذي حسر عن فخذه، وإنما انحسر إزاره عن فخذِهِ (٣)، وبذلك استدلَّ العلماء بهذه الرواية على الرواية الأخرى، وهو أن الرداء قد انحسر (٤)، أي: هو انكشف دون أن يفعل ذلك الرَّسُولُ ﷺ (٥).

стр. 1276

قَالَ: (قَالَ البُخَارِيُّ: وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جُرْهُدٍ أَحْوَطُ). " حَديث أَنَسٍ أَسْند": أَيْ: أقوَى من حيث السَّند، لأنه ثَابتٌ في "الصَّحيحَين"، وفِي غَيْرهما، "وَحَديث جرهد أحوط"؛ لا شك أن ما ذكره البخاري هو القول الحق؛ لأن حديث جرهد فيه احتياطٌ، أن الفخذ عورة، والآخَر يُفْهم منه أن الفخذَ ليس بعَوْرةٍ، ولا شكَّ أن المسلم في هذا المقام يأخذ بالأحوط، وهو حديث جُرهد. وسيأتي بعد ذلك تفسيرات العلماء لاشتمال الصماء (١).

стр. 1277

وكذلك أيضًا اختلاف العلماء في صلاة الرجل كاشفًا عن عَاتقَيه، أيْ: يُصلي ليس على عاتقه شيءٌ، هل يجوز ذلك؟ أَمْ لا (١). وَقَد اعتبَر المُؤلِّف ذلك شاذًّا، وَهَذَا الَّذي اعْتَبره شاذًّا في نَظَرنا هو الصَّحيح، وَهَذَا سيأتي قريبًا إن شاء الله. قَالَ: (وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: العَوْرَةُ: الدُّبُرُ، وَالفَرْجُ، وَالفَخِذُ) (٢).

стр. 1278

هَذِهِ كلُّها أقوالٌ في المذاهب، لكن ما ذكرَ هىَ الأقوَال الثَّابتة المَشْهورة. (المَسْأَلَةُ الثَّالِتَةُ: وَهِيَ حَدُّ العَوْرَةِ مِنَ المَرْأَةِ). لَا شكَّ أنَّ المرأةَ الاحتياطُ في عورتها أكثر من غيرها، وخاصة الحرة، أما الأَمَة فسيأتي الكلام فيها، هل هي كالرجل؟ أم هي كالحرة؟ أو هي وسط بينهما؟ فيه كلام للعلماء في ذلك، وإن كان أقواها وأَصْرَحها أن الأَمَة كالرجل، لأنَّ الأَمَة تَخْتلف عن الحُرَّة، وَسنُورِدُ عدَّة آثارٍ وَرَدتْ فيما يتعلَّق بالأَمَة. قَالَ: (فَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَدَنَهَا كلَّهُ عَوْرَى مَا خَلَا الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ). لَا خلَاف بين العلماء على أنَّ بدن المرأة كله عورة عدا أجزاء ثلاثة: • الوجه. • الكفان. • القدمان. وَأمَّا الخلافُ في القَدَمين فهو ضَعيفٌ، ويردُّه حديث أم سلمة مرفوعًا أو موقوفًا، والموقوف هو الصحيح، وسيُوردُهُ المؤلف. وهناك من العلماء مَنْ يقول بأن المرأة كلها عورة حتى الظفر، ونُقِلَ ذلك عن التابعي أبي بكر بن عبد الرحمن (١) كما ذكر المؤلف، وهي رواية للإمام أحمد (٢)، وهي قولٌ لبَعْض السلف (٣).

стр. 1279

وَهُنَاك روايةٌ تَقُول: إنَّ المرأةَ كلها عورة إلا الوجه بمَعْنى أن الكفين عورةٌ، وهي رواية أيضًا ثالثة للإمام أحمد، وهي قول داود الظاهري (١). وَالقولُ المشهورُ عند عامة العلماء: أن المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفاها، وهذا هو قول -كما ذكر المؤلف- مالك (٢)، والشافعي (٣)، ورواية للإمام أحمد (٤)، وأبي حنيفة إلا أنه أضاف القدمين في روايةٍ أيضًا، وضعَّفها بعض الحنفية (٥). قَالَ: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ قَدَمَهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ (٦)، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ (٧)، وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ المَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ (٨)). فالإمَامُ أحمدُ هنَا في المسألة له ثَلَاثُ رواياتٍ:

стр. 1280

• الرواية المشهورة مع الجمهور: إلا الوجه والكفين. • الثانية فقط: يستثني الوجه. • الثالثة: كلها عورة (١). قَالَ: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ احْتِمَالُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]). وَرَد في ذلك حديث لكنه ضعيف: "المَرْأةُ عَورةٌ" (٢). وَمن أَصْرَح الأدلة في ذلك أن الرَّسولَ ﷺ قال: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ حَائِضٍ إلا بخِمَارٍ" (٣). وَالمُرَادُ بالحائض هنا الَّتي بَلَغتْ سنَّ الحيض، وَهَذَا أيضًا إطلاق في الغالب، فالمُرَاد بذلك المرأة التي وَصَلتْ سنَّ الحيض، أَيْ: بلَغت، وَأَصْبَحت تَحيض، وَهنا خَرَج ذلك مَخْرج الغالب، فلو أن مميزةً صَلَّتْ، فإنها تُغطي رأسها كما تُغطِّي البالغ، والقَصْد بالخمار هنا ما تُخَمِّرُ بها رأسها وعُنُقها (٤) أي: ما تَضَعه، وَسَنأتِي -إِنْ شَاء الله- إلَى ما تَلْبسه

стр. 1281

المرأة، ما هو جائزٌ، وَمَا هو واجبٌ، أَيْ: ما هو فاضل، وما هو مَكْروه أو محرم. قَالَ: (هَلْ هَذَا المُسْتَثْنَى المَقْصُودُ مِنْهُ أَعْضَاءٌ مَحْدُودَةٌ، أَمْ إِنَّمَا المَقْصُودُ بِهِ مَا لَا يُمْلَكُ ظُهُورُهُ؟). الذين استثنوا الوجه والكفين استدلوا بدليلين: • الدليل الأول: هو قَوْله ﷺ فِي الحديث الصحيح المتفق عليه: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنه قَالَ: "وَلَا تَنْتَقِب المرأةُ المُحْرِمةُ، ولا تَلْبَسِ القُفَّازينِ" (١) قالوا: هذا دليلٌ على أن الوجَهَ والكفَّين ليسا بعَوْرةٍ، لأنهما لو كانا عورة لما نهى الرسول ﷺ أن تنتقب أي: أن تضع النقاب في وجهها، وأن تلبس القفازين. • الدَّليل الثَّانِي: وَهُوَ تَفْسير عبد الله بن عباس لقَوْل الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. قَالَ: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، المراد: الوَجْه والكَفَّان (٢)، ويُخَالفه في هذا التفسير الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود (٣). وهذه من المسائل التي يدور عليها الخلاف (مسألة الحجاب)، أي: وُجُوب تغطية المرأة وجهها، وعدم تغطيته في غير الصلاة، والقصد عن الأجانب، وفي هذا وَرَد حديث عائشة أَنَّ النساءَ كنَّا وَهُنَّ في طريقهنَّ إلَى الحجِّ إذا مرَّ بهنَّ من ركب،

стр. 1282

أرخين الخمار على وجوههن (١)، وكذلك في حديث أسماء بنت عُمَيس (٢). قَالَ: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُمْلَكُ ظُهُورُهُ عِنْدَ الحَرَكَةِ قَالَ: بَدَنُهَا كُلُّهُ عَوْرَةٌ حَتَّى وَجْهُهَا، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [لأحزاب: ٥٩]). " ما لا يملك ظهوره"، أَيْ: ما يَسْتَطيع الإنسانُ إخفاءَه كصوت الخلخال مثلًا، وبروز شَيْءٍ من الثياب وَهي تتحرك، قد يظهر شيء من حركات بدنها، هذه أمور لا تملك هي إخفاءها، هذا معنى ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. التفسير الآخر هو تفسير ابن عباس: هما الوجه والكفان. والَّذين قَالوا: إن المرأة كلها عورة، ليس، جزء منها إلا وهو عورة حتى أظفارها، ويَسْتدلون بقول الله في سورة الأجزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. قَالُوا: هذا فيه دلالةٌ واضحةٌ على أن المرأة كلها عورة (٣). وبحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٥).

стр. 1283

قَالَ: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ بِهِ العَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَرُ وَهُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّان، ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ). * وَخُلَاصَة القَوْل فيما يَتَرجَّح عندي قول مَنْ يقول بأن المرأةَ كلها عورة إلا وَجْهها وكَفَّيها في الصلاة شريطة ألَّا تكون بحضرة أجنبيٍّ، فإن كانت بحضرة أجنبيٍّ، فيَنْبغي أن تُغطِّي وَجْهها وكفَّيها؛ لأنها عَورةٌ، أمَّا إِنْ كانت في خلوة، أو عند محرم، فإنها تكشف وَجْهها وكفَّيها. قَالَ: (وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ المَرْأَةَ لَيْسَتْ تَسْتُرُ وَجْهَهَا فِي الحَجِّ). يشير إلى أن المرأة لا تنتقب، ولا تلبس القُفَّازين في الحجِّ، وسيأتي فيما يكره للمرأة لبسه في الصلاة. (الفَصْلُ الثَّانِي مِنَ البَابِ الرَّابِعِ فِيمَا يُجْزِئُ فِي اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) اختصر المؤلف كلامه اختصارًا مُخِلًّا؛ فلم يستوف. ولكي نقربه، فنقسم اللباس إلى أربعة أقسام: القسم الأول: الجائز، وهو ثوبٌ للرجل، وثوبان للمرأة. دليل لباس الرجل: ١ - أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ: أيصلي الرجل في ثوب واحد؟ فردَّ مستفهمًا: "أو لكم ثوبان؟ " (١). وسبب هذا الاستفهام منه ﷺ : أنَّ أحوالَ الناس في زمنه كانت صعبةً، ولم يَمْتلكوا ألبسةً كثيرةً، ولكن في زماننا لا نضطر -والحمد لله-

стр. 1284

إلى لباس واحد؛ إذًا، فالأصل عندهم هو الثوب الواحد للرجُل. ٢ - حديث جابر الصحيح "أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي بثوب واحد، متوشحًا به" (١)، أي: ملتفًّا به (٢). ودليل لباس المرأة: أنها تصلي في درعٍ وخمارٍ، كما ورد في الحديث (٣)، والدرع بالنسبة للمرأة هو القميص الذي يجب أن يكون ساترًا للقدَمَيْن (٤)، ويُعْرف عند بعض الناس بالثياب؛ لأنه طويل؛ ولذلك لما ورد في أحاديث نَهْي النبيِّ ﷺ عن الإسبال (٥)، سألته أمُّ سلمة ﵂ عما تصنعه النساء بذيولهن؟ فقال: "يُرْخين شبرًا"، فقالت: تنكشف عورتهن، فتظهر الأقدام، فقال: "يرخينه ذراعًا، ولا يَزِدْنَ" (٦). فَتبيَّن من الحديث أن المرأة تصلي في هذا الدرع الذي يستر القدمين مع الخمار الذي تغطي به رأسها، وسُمِّيَ خمارًا، لأنها تخمر وتغطي به رأسها (٧).

стр. 1285

القسم الثاني: المستحب، وُيعرَف عند العلماء بـ "لباس الفضيلة". ووصْفُه للرجُل: أن يكونا ثوبين، قميصًا وإزارًا، أو قميصًا ورداءً، أو قميصًا وسراويل (١).

стр. 1286

تنبيه: كلمة "سراويل" مفرد، جَمْعها: سراويلات (١). أما وَصْفه للمرأة: فثلاثة أثواب: درع، وخمار، ولحاف، وتسميه "ملحفة"، لأنها تَلْتَحف به على جسدها وملابسها (٢)، ويُسمى أيضًا عام (٣)؛ لأنه يعم الجسد، ويُغطِّي الثياب التي عليها. فالدِّرع يغطي القدمين، والخمار يغطي الرأس والعُنُق، واللحاف في الستر. القسم الثالث: المكروه، وهو ما يُكرَه من اللباس. فيُكْره للرجُل أن يَلْتَثِمَ (٤)، كما يُكره له أيضًا عند كثير من العلماء أن ثيابه (٥)، أو يكون ثوبًا مثقوبًا (٦).

стр. 1287

أما المرأة فيُكرَه لها أن تنتقب (١).

стр. 1288

القسم الرابع: المحرم، وهذا لم يذكره المؤلف، ولكن نقول: ينقسم المحرم إلى: ١ - عام للرجال والنساء: كالثياب النجسة، أو المغصوبة (١). ٢ - خاص بالرجال: كالثياب المصنوعة من الحرير، أو المموهة بالذهب، أو المنسوجة منه أيضًا (٢). أما النجسة، فتحرم الصلاة فيها للرجال والنساء (٣)؛ لأن الأئمةَ الثلاثة متفقون على شرطية الطهارة في صحة الصلاة، ولم يُخَالف في ذلك إلَّا المالكيَّة، فهم يَرَون أنها سُنَّة، وذلك على تفصيلٍ عندهم (٤).

стр. 1289

وهنا تأتي معنا مسألة، وهي: ماذا إنْ لم يجد إلَّا ثوبًا نجسًا وكان عريانًا؟ الجواب: أن هذه مسألة اختلف فيها العلماء، والصحيحُ أنْ يصلي الرجل أو المرأة بالثوب النجس؛ لأن ستر العورة مطلوبٌ ومُتعَينٌ (١)،

стр. 1290

واختلفوا في قضاء تلك الصلاة بعد ذلك (١). أما الثياب المغصوبة، فهي ما أُخِذَتْ غصبًا (٢). والغَصبُ ذاته مُحرَّمٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. ولقوله أيضًا: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، [المائدة: ٨٧]. ولقول الرسول ﷺ : "مَن اقْتطَعَ شِبرًا من الأرض؛ طوقه الله به سبع أرضين يوم القيامة" (٣). ولقوله أيضًا: " (إن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بينكم محرمًا" (٤). لأنه ظلمٌ للغير، واعتداء على حقه، وقد يضطر الإنسان إذا كان في فلاة (٥) أو غير ذلك من الضرورات، وأراد النجاة بأي وسيلةٍ؛ فيطلب من

стр. 1291

أخيه وسيلة فيأبى، فيَطْلبها بقيمتها فيأبى، إذًا في هذه الحال إذا لم تكن إلَّا الأسنة مَرْكبًا … فما حيلة المضطر إلا ركوبها (١) والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وهو يكاد أن يهلك، فلذلك له أن يأخذ ما يُنجيه حتى ولو بالقوة أو المقاتلة. وكذلك لا يَجُوز للمسلم أن يمنع أخاه من ذلك إلا إذا كان هو بحاجةٍ إليه مثله، حينئذ ليسر له أن يعتدي عليه، لأن هذه حاجة تساوي حاجة الآخَر، وهو صاحب الحق. وقد عرفنا من أمثلة الصحابة -رضوان الله عليهم- في معركة أحُد معنى الإيثار، وكيف كان كل واحد منهم يحيل الماء على صاحبه، وهذا ما جاءت به هذه الشريعة؛ لذلك يقول الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. أما حكم الصلاة في الثياب المغصوبة، فاختلف العلماء في حكمها كما اختلفوا في حكم الصلاة في الدار المغصوبة. فالصَّلاة في ثوب مغصوب للرجال والنساء صحيحة على قول جماهير العلماء، حيث يرَوْن أنَّ الجهة هنا منفكة، فيقولون: إنه ارتكب محرمًا؛ فهو آثم به، لكن الصلاة أمرٌ آخَر؛ لأنه مُطَالب بها، وهي ركن من أركان الإسلام من جانبٍ آخر، وقد أدى ما وَجَب عليه، وارتكب ما نُهِيَ عنه؛ فيعاقب من حيث الغصب، أما الصلاة، فقد أدَّى ما وَجَب عليه (٢).

стр. 1292

وهناك علماء دَقَّقوا في أمر الغصب، فقالوا: لو أن إنسانًا غصب أرضًا، ثم بعد ذلك أراد التوبة، وتذكر قول الرسول ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض، طوقه الله بسبع أرضين يوم القيامة"؛ وأراد أن يخرج منها؟ الجواب: بعضهم يتشدد، ويقول: هو آثم، رغم هذه الخطوات التي يمضيها تائبًا عائدًا إلى الله، وهذا قول ضعيف .. والصحيح قول عامة العلماء أنه لا يأثم، لأنه تاب، وبتوبته سيرد الحق لصاحبه. ويقول بعضهم أيضًا: لو غصب شيئًا، وحمَلَه على رأسه حتى يوصله إلى صاحبه، فهو آثم؛ لأنه قدر أن يوصله، وهذا أيضًا رأي ضعيف (١).

стр. 1293

أما الصلاة في ثياب حرير أو فيها ذهب؛ فتَحِل للمرأة إذا فعلَتْه، وتَحرُم على الرجال (١)، ولذلك قال الرسول ﷺ في الذهب والحرير:

стр. 1294

"حَرَامٌ على ذكور أُمَّتي، حلٌّ لإنَاثها" (١). وقال في حديث عمر المتفق عليه: "لا تلبسوا الحرير؛ فمانَّ مَنْ لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٢). ويُسْتثنى الحرير للرَّجُل إذا كان لضرورةٍ، كما وَرَد في حديث عمر بن الخطاب: "أن الرسول ﷺ نَهَى عن لبس الحرير إلا موضع إصبع أو ثلاثة أو أربع" (٣).

стр. 1295

كذلك يُسْتثنى منه مَنْ كان بحاجةٍ إلى لبسه لمرضٍ في جلده "حساسية"، أو قُمَّل ونحو ذلك، لأنه أملس، ومفيد في بعض الحالات؛ وذلك لأن الرسول ﷺ رخَّص للصحابِيَّين الجليلين المشهود لهما بالجنة، عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام (١). واختلف العلماء فيما لو كان هذا خاصًّا بهما أو عامًّا لغيرهما؟ والصحيح أنه لهما ولغيرهما، لأنه لم يَرِدْ ما يدل على اختصاصهما (٢).

стр. 1296

وَتَكلَّم العلماء عن لبس الحرير والذَّهب في الصلاة لغير حاجةٍ، وأَلْحَقوه بالمغصوب؛ كما عند جماهير الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهي روايةٌ للإمام أحمد وليست المشهورة؛ فيَرون أن الجهة منفكة، فالصلاة صحيحة، ويأثم لِلُبْسه (١). * قوله: (أَمَّا اللِّبَاسُ، فَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]). لا شكَّ أن هذا اللباس نعمةٌ من نِعَمِ الله على عباده، وقد استدلَّ بعض العلماء بهذه بالآية على وُجُوب ستر العورة، ومنهم مَنْ قصَرَ ذلك على الإنعام (٢)، وعلَّق عليه آخرون بأنه لا تعارض بين الإنعام والستر؛ فستر العورة يأتي في مُقدِّمة الإنعام؛ لأن من الإنعام أن يلبس الإنسان ملابس طيبة، بل هو مُطَالب بهذا (٣).

стр. 1297

ولَيْسَ معنى ذلك أن يأتي أَحَدٌ إلى حديث مثل: "البَذَاذة من الإيمان " (١)، ويفهمه على أن الثياب المقطعة أو المُتَّسخة من الإيمان، لكن المقصود أن الإنسان يَتَواضع في لباسه (٢). وَسَوْف يأتي معنا في "باب الجُمُعة" أن الذين كانوا يشتغلون في الحدادة وغيرها، كانوا يؤمرون بالنظافة وتغيير الملابس؛ ولذلك لمَّا اختلف العلماء في حكم غسل الجمعة، قال أهل الظاهر بوجوبه، وقال الأئمة الأربعة وغيرهم بعدم وجوبه (٣)، ثم وجدنا أن حديث عائشة حسم الخلاف، فقالت: "كان الناس عمال أنفسهم، فيأتون من أعمالهم بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم" (٤). والعمال منهم الجزار، فيأتي والدماء في ثوبه، ويأتي الحداد وريح الكير تملؤه … وهكذا؛ لأن المُصلِّين يتأذّون من ذلك. ولذلك، قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا" (٥)، مع ما فيها من فوائدَ، فما بالك بشرب الدخان الذي

стр. 1298

يُولَع (١) به عددٌ من المسلمين اليوم، ويُقلِّدون غيرهم، ومع ذلك لا فائدة لمحيه، بل هو داخلٌ في قول الله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فهو خبيث في رائحته، وفي أضراره على صحة الإنسان، وعلى ماله، هذا المال الذي مِنَ الأَوْلَى أن يُنْفق على الزوجة والأولاد، أو في سبيل ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، لأن الإنسان يؤجَر على هذه النفقات، كما قال الرسول ﷺ : "إنك لا تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله حتى اللقمة تضعها فِي فيِّ امرأتك إلا وأُجِرْتَ عليها" (٢)، لأن ذلك عبادة يُثَاب الإنسان على أدائها. فكلُّ عادةٍ قُصِدَ بها وجه الله، أُجر الإنسان عليها. من أمثلة ذلك: الزواج بنية تكثير الأولاد، كما ثَبتَ في الحديث: "تناكحوا تَكْثُروا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة" (٣)، وقال: "تزوَّجوا الولود الودود" (٤)، وكذلك قال: "النكاح سُنَّتي، فمَنْ رغب عن سنتي فليس مني" (٥).

стр. 1299

وكذلك طاف سليمان على نسائه بغية الولد، والتماس الأجر بذلك (١). فلهذا كله، حضَّ الرسول ﷺ على النكاح؛ لِمَا فيه من التوالد، وتكثير المسلمين الذين يجاهدون في سبيل الله، والدعوة إليه، وغير ذلك من نوايا الطاعة، وخدمة المجتمع المسلم. ومن الأمثلة أيضًا: البيع والشراء، فإذا صدق الإنسان فيه وأحسن إلى الناس، وصدق في البيع؛ بُورِكَ له، وإن كذب وكتم العيوب؛ مُحِقَتِ البركة (٢). فَعَلى الإنسان أنْ يَصْدُق، ويقصد بأعماله وجه الله، ليُثَاب عليها. * قوله: (وَالنَّهْيُ الوَارِدُ عَنْ هَيْئَاتِ بَعْضِ المَلَابِسِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ عَلَى أَنَّ الهَيْئَاتِ مِنَ اللِّبَاسِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا مِثْلَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ). وَرَدَ في تفسير (اشتمال الصماء) عدة أقوال، منها: قول أهل اللغة: أنْ يلتف بثوبٍ واحدٍ، ولا يخرج يديه منه أي: كأنه مطوَّق به (٣).

стр. 1300

وَقَدْ كَره بعض أهل العلم هذه الهيئة لأمرين (١): الأوَّل: أن الإنسان قد يفاجأ بما يتطلب منه الإسراع بدَفْعه عن نفسه، وإخراج يده أو كليهما؛ فهو بهذا قد قيَّدَ نفسه. الضاني: قَدْ يلحقه أذًى، فلو أسرع بإخراج اليد أو كليهما؛ ربما تنكشف عورته، وهو منهِيٌّ عن ذلك (٢).
следующие страницы →