← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وَتَكلَّم العلماء عن لبس الحرير والذَّهب في الصلاة لغير حاجةٍ، وأَلْحَقوه بالمغصوب؛ كما عند جماهير الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهي روايةٌ للإمام أحمد وليست المشهورة؛ فيَرون أن الجهة منفكة، فالصلاة صحيحة، ويأثم لِلُبْسه (١). * قوله: (أَمَّا اللِّبَاسُ، فَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]). لا شكَّ أن هذا اللباس نعمةٌ من نِعَمِ الله على عباده، وقد استدلَّ بعض العلماء بهذه بالآية على وُجُوب ستر العورة، ومنهم مَنْ قصَرَ ذلك على الإنعام (٢)، وعلَّق عليه آخرون بأنه لا تعارض بين الإنعام والستر؛ فستر العورة يأتي في مُقدِّمة الإنعام؛ لأن من الإنعام أن يلبس الإنسان ملابس طيبة، بل هو مُطَالب بهذا (٣).

стр. 1297

ولَيْسَ معنى ذلك أن يأتي أَحَدٌ إلى حديث مثل: "البَذَاذة من الإيمان " (١)، ويفهمه على أن الثياب المقطعة أو المُتَّسخة من الإيمان، لكن المقصود أن الإنسان يَتَواضع في لباسه (٢). وَسَوْف يأتي معنا في "باب الجُمُعة" أن الذين كانوا يشتغلون في الحدادة وغيرها، كانوا يؤمرون بالنظافة وتغيير الملابس؛ ولذلك لمَّا اختلف العلماء في حكم غسل الجمعة، قال أهل الظاهر بوجوبه، وقال الأئمة الأربعة وغيرهم بعدم وجوبه (٣)، ثم وجدنا أن حديث عائشة حسم الخلاف، فقالت: "كان الناس عمال أنفسهم، فيأتون من أعمالهم بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم" (٤). والعمال منهم الجزار، فيأتي والدماء في ثوبه، ويأتي الحداد وريح الكير تملؤه … وهكذا؛ لأن المُصلِّين يتأذّون من ذلك. ولذلك، قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا" (٥)، مع ما فيها من فوائدَ، فما بالك بشرب الدخان الذي

стр. 1298

يُولَع (١) به عددٌ من المسلمين اليوم، ويُقلِّدون غيرهم، ومع ذلك لا فائدة لمحيه، بل هو داخلٌ في قول الله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فهو خبيث في رائحته، وفي أضراره على صحة الإنسان، وعلى ماله، هذا المال الذي مِنَ الأَوْلَى أن يُنْفق على الزوجة والأولاد، أو في سبيل ما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، لأن الإنسان يؤجَر على هذه النفقات، كما قال الرسول ﷺ : "إنك لا تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله حتى اللقمة تضعها فِي فيِّ امرأتك إلا وأُجِرْتَ عليها" (٢)، لأن ذلك عبادة يُثَاب الإنسان على أدائها. فكلُّ عادةٍ قُصِدَ بها وجه الله، أُجر الإنسان عليها. من أمثلة ذلك: الزواج بنية تكثير الأولاد، كما ثَبتَ في الحديث: "تناكحوا تَكْثُروا، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة" (٣)، وقال: "تزوَّجوا الولود الودود" (٤)، وكذلك قال: "النكاح سُنَّتي، فمَنْ رغب عن سنتي فليس مني" (٥).

стр. 1299

وكذلك طاف سليمان على نسائه بغية الولد، والتماس الأجر بذلك (١). فلهذا كله، حضَّ الرسول ﷺ على النكاح؛ لِمَا فيه من التوالد، وتكثير المسلمين الذين يجاهدون في سبيل الله، والدعوة إليه، وغير ذلك من نوايا الطاعة، وخدمة المجتمع المسلم. ومن الأمثلة أيضًا: البيع والشراء، فإذا صدق الإنسان فيه وأحسن إلى الناس، وصدق في البيع؛ بُورِكَ له، وإن كذب وكتم العيوب؛ مُحِقَتِ البركة (٢). فَعَلى الإنسان أنْ يَصْدُق، ويقصد بأعماله وجه الله، ليُثَاب عليها. * قوله: (وَالنَّهْيُ الوَارِدُ عَنْ هَيْئَاتِ بَعْضِ المَلَابِسِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ عَلَى أَنَّ الهَيْئَاتِ مِنَ اللِّبَاسِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا مِثْلَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ). وَرَدَ في تفسير (اشتمال الصماء) عدة أقوال، منها: قول أهل اللغة: أنْ يلتف بثوبٍ واحدٍ، ولا يخرج يديه منه أي: كأنه مطوَّق به (٣).

стр. 1300

وَقَدْ كَره بعض أهل العلم هذه الهيئة لأمرين (١): الأوَّل: أن الإنسان قد يفاجأ بما يتطلب منه الإسراع بدَفْعه عن نفسه، وإخراج يده أو كليهما؛ فهو بهذا قد قيَّدَ نفسه. الضاني: قَدْ يلحقه أذًى، فلو أسرع بإخراج اليد أو كليهما؛ ربما تنكشف عورته، وهو منهِيٌّ عن ذلك (٢).

стр. 1301

يقول الفقهاء، ولهم عدة تفسيرات: أوَّلها: الاضطباع. ولا يَقْصدون اضطباع الحج الذي يكون برِدَاءٍ فوق يضطبع به، وإزار بالأسفل لستر العورة (١)، إنما يقصدون الاضطباع بثوبٍ واحدٍ، وصفته: أن يجعل طرف الرداء الأيمن تحت عاتقه الأيمن، ثم رد الطرفين على العاتق الأيسر (٢). وقد حظَر بعض العلماء هذا أيضًا؛ لأنه لو سجد أو تحرك ستنكشف عورته (٣)، وكرهه بعضهم وإنْ لم تنكشف العورة (٤).

стр. 1302

ثَانيها: أن يَلْتحفَ بالثوب، ويُخْرج يده مِن قِبَلِ صَدْره (١). وهذا أيضًا نُهِيَ عنه؛ لأن فيه تضييقًا عليه، وقد يحتبي فتنكشف عورته؛ فيدخل لباسه في اللباس المُحَرَّم (٢). وَ"يَحْتبي ": فِعْلٌ من الاحتباء، وسيأتي معناه (٣). وقَدْ وَرَد في حديثٍ متفقٍ عليه من حديث أبي هُرَيرة، قال: "نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء، وأن يشتمل الصماء بثوبٍ واحدٍ ليس على أحد شقَّيه منه شيء (٤) " (٥). كَذَلك ليس للإنسان أن يتلثم، ولا أن يسدل ويرخي رداءه من على عاتقه؛ فينكشف العاتق مع صدره، كما يُرَى من بعض المُحْرِمين؛ فهذا كله كرهه العلماء.

стр. 1303

وبعضهم لم يكره السدل، ففيه أقوالٌ للسَّلَف والفُقَهاء لم يذكرها المؤلف (١). * قوله: (وَهُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ). " الاحتبَاء": أَنْ يضعَ الإنسان أَلْيَتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ثم يجمعهما بيديه أو يأتي بما يجمعهما ناحية صدره بحبل أو شماغ، ونحوه (٢). * قوله: (لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ). وإذا كان ليس على فرجه منه شيءٌ، فستبدو عورته إذا تحرك. فالعلة هنا: "إِنْ لم يكن على فَرْجه شيءٌ"، فهذا ممنوع، أمَّا إن كان على فرجه شيءٌ؛ فهو مكروهٌ (٣). * قوله: (وَسَائِرِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ كلَّهُ سَدُّ ذَرِيعَةِ أَلَّا تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ). وهنا يُشير إلى قضية مهمة، وهي قضية: (سدُّ الذَّرَائع)، التي تُعَدُّ من المباحث الأصولية المعروفة، فهناك أمور ينصُّ عليها الفقهاء، وَيمْنعونها سَدًّا للذريعة. إذًا، المؤلف نهَى عن اشتمال الصماء بجميع أوصافها، والاحتباء؛ لأنها عُرْضةٌ لانكشاف العورة، والمسلم مأمور بسَتْر عورته؛ فيكون النهي هنا من باب سد الذرائع عنده (٤)، وعند مَنْ لا يرى ذلك مكروهًا (٥).

стр. 1304

* قوله: (وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ: لَا تَجُوزُ صَلَاةٌ عَلَى إِحْدَى هَذِهِ الهَيْئَاتِ إِنْ لَمْ تَنْكَشِفْ عَوْرَتُهُ). وَهَذَا صحيحٌ، فلم يقل أحدٌ من إهل العلم والفقهاء: إنَّ الإنسانَ لو صلَّى على إحدى الهيئتين ولم تَنْكشف عورته، فصلاتُهُ باطلةٌ (١). (وَقَدْ كَانَ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ ذَلِكَ (٢)، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الرَّجُلَ مِنَ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الثَّوْبُ الوَاحِدُ). إذَنْ، تكلَّمنا عن أنه مجزئ، ولكن قرَّرنا أنَّ انفضيلة ثوبان: ثوب ورداء، أو ثوب وإزار، أو ثوب وسروال (٣)، وليس معنى هذا ألَّا يقال بتغطية الإنسان رأسه، فقد يغطي لا سيما أن الثياب تَخْتلف عن الرداء الذي يمكِّنه من تغطية الرأس والعاتقين، وسيأتي الكلام عن هذه المسألة. * قول: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَ لِكُلِّكُمْ ثَوْبَانٍ؟ " (٤)). الحديث الآخر الذي ذكرتُ قبل حديث جابر، وهو متفق عليه، قال: "صلى رسول الله ﷺ في ثوبٍ واحدٍ متوشحًا به " (٥).

стр. 1305

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي مَكْشُوفَ الظَّهْرِ وَالبَطْنِ، فَالجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ صَلَاتِهِ؛ لِكَوْنِ الظَّهْرِ وَالبَطْنِ مِنَ الرَّجُلِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ (١)). إذن، تكلم المؤلف عن قضية، واعتبر هذا شاذًّا. * قوله: (وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ "لِنَهْيِهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ"). مثل: الطبري، وابن وهب، وغيرهما ممن شذَّ (٢).

стр. 1306

وهَذِهِ الصِّفة تحصل إذا صلى الإنسان في سراويل أو إزار فقط؛ فهو لا شكَّ مكشوف الظهر والبطن والعاتقين، واعتبر المؤلف القول بالجواز هو الصحيح، قياسًا على أنَّ الجمهورَ اتفقوا على حدِّ العورة ما بين السُّرَّة والركبة، وبعضهم أدخل الركبة (١)؛ فيكون غير ذلك ليس بعورةٍ، وكشفه لا يضرُّ. وفي نظري أن القول الشاذ عنده هو الصحيح عندنا، لأنه شهد له النص الصحيح الصريح المتفق عليه، وهو قوله ﷺ : "لا يصلي الرجل في

стр. 1307

الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (١). و"لا" ناهية، والنهي يعمُّ، ويقتضي فساد وحُرمة ارتكاب المنهي عنه (٢). وَمَعَ ذلك نقول بصحة صلاة مَنْ صلى على هذه الحالة، ولم يجد ما يستر به عاتقيه " لأنه عجز عما يستر به، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لكن الإنسان القادر على التَّستُّر كيف يقف بين يدي الله مكشوفًا؟! فإذا كان يَسْتحي من الناس أن يظهر أَمَامهم هكذا، فاللّه أحقُّ أن يُسْتحيى منه، خصوصًا في أهمِّ رُكْنٍ من أركان الإسلام بعد الشَّهادتين ألا وهو الصلاة، بل ينبغي أن يَكُون الإنسَان على أحْسَن حَالَةٍ، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. فَالحُجَّة ليست مع الأكثرية ولا الجمهور، ما دام هناك نصٌّ، والفقيه المتدبر ينظر إلى الدليل، ويُقدمه على أيِّ رأيٍ، فمعنا حديث رسول الله الذي فيه نهي، ومَنْ خالف نَهْي رسول الله يكون مخالفًا. وأقلُّ ما يُقَال في ذلك أيضًا أنَّ الخروج من الخلاف مستحبٌّ، كمَا هو معروف في القواعد الفقهية إلا الخلاف الباطل (٣)، ومَنْ لا يُعتَد

стр. 1308

بخلافهم كالأصم وابن عُليَّة (١). * قوله: (وَتَمَسَّكَ بِوُجُوبِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]). يقصد الذين أوجبوا ستر العاتق استدلوا بهذه الآية (٢)، وهُمْ أكثر الفقهاء (٣)، أما الجمهور فقد نَازَعوا فيها، لأنها دليلٌ عامٌّ، والصحيح أنها نصٌّ في إيجاب ستر العورة (٤).

стр. 1309

لكن البعض يقولون: إنها تنزل على ستر العورة في غير الصلاة (١)، لأنها نَزَلتْ في العُرَاة الذين كانوا يطوفون البيت، وهو مسجدٌ واحدٌ، والآية تقول: ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وقد رد على أمثال هؤلاء بعض المفسرين، وقالوا: إن هؤلاء لا يُدْركون مثل هذه الأمور! (٢). * قوله: (وَاتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ اللِّبَاسَ المُجْزِئَ لِلْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ هُوَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ). هَذَا بالنِّسبة للمجزئ، أما الأفضل فيكون بإضافة رداء تَلْتَحف به على ثيابها (٣).

стр. 1310

* قوله: (لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ "أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ المَرْأَةُ؟ فَقَالَ: فِي الخِمَارِ (١)، وَالدِّرْعِ السَّابغِ (٢) إِذَا غَيّبَتْ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا"). هذا الحديث جاء مرفوعًا (٣) وموقوفًا (٤)، أما وَقْفه فهو صحيحٌ (٥)، وقد نُقِل عن عائشة أيضًا، وغيرهما (٦). * قوله: (وَلِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ") (٧). " الخمار": هو ما تخمر (أي: تغطي) به رأسها وعنقها. ثم يُضَاف القميص الذي سمَّاه درعًا، ويشترط أن يكون طويلًا (٨)، لأن أُمَّ سلمة لمَّا سَمِعَتْ تحذيرَ رسول الله ﷺ من إسبال الإزار، سألته عن إسبال المرأة، فقال: "يُرْخين شبرًا"، قالت: "تَنْكَشف عورتهن "، لأنه إذا

стр. 1311

سجدت ستخرج بطون قَدَميها، فقال: "يُرْخينه ذراعًا، ولا يزدن" (١). * قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ (٢)، وَمَيْمُونَةَ (٣)، وَأُمِّ سَلَمَةَ (٤) أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ بِذَلِكَ). هنا قال المؤلف: "أنَّهم "، والصَّحيح: "أنَّهنَّ "، والصَّواب أيضًا قَوْل: يُفْتين. * قوله: (وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّهَا إِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةً). يقصد بـ "كل هؤلاء": العلماء. * قوله: (أَعَادَتْ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَهُ). وما استُثْنِيَ من ذلك، فالوَجْه والكَفَّان (٥).

стр. 1312

(إِلَّا مَالِكًا، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تُعِيدُ فِي الوَقْتِ فَقَطْ (١)، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الخَادِمَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَالقَدَمَيْنِ (٢)، وَكَانَ الحَسَنُ

стр. 1313

البَصْرِيُّ يُوجِبُ عَلَيْهَا الخِمَارَ) (١). المؤلف هنا لم يذكر دليلًا، تبعًا لكثيرٍ من الفقهاء علَى أنَّ عورة الأَمَة ما بين السُّرة والركبة، وغاية ما عندهم أثران: الأوَّل: عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قام على المنبر، فقال: لا أعرفن أحدًا أراد أن يشتري جاريةً ينظر، فلينظر إلى ما فوق ركبتها، وما تحت سُرَّتها، لا أعرف ذلك منه إلا عاقبته (٢). فيكون المنصوص عندهم أن النظر إلى ما فوق الركبة، وما دون السُّرَّة المنع. الثَّانِي: عن عمر ﵁ "أنه كان يمنع الإماءَ من تغطية رؤوسهنَّ حتى لا يلتبسن بالحرائر" (٣). فقالوا: ما دام أنَّ رأسها غير عَوْرةٍ، فَكَذلك بقية البدن، سوى الموضع الذي بين السُّرَّة والرُّكبة (٤). * قوله: (وَكَانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يُوجِبُ عَلَيْهَا الخِمَارَ (٥)، وَاسْتَحَبَّهُ

стр. 1314

عَطَاءٌ (١)، وَسَبَبُ الخِلَافِ: الخِطَابُ المُوَجَّهُ إِلَى الجِنْسِ الوَاحِدِ). الكَلامُ هنا عن حَدِّ العورة، وليس معنى أنَّ حد العورة من كذا إلى كذا أنَّ الصَّلاة تصحُّ على كل حالٍ؛ فقد مر بنا قوله ﷺ : "نهي أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (٢)، وبعض العلماء اقتصر على وَضْع شيءٍ على العاتق؛ سواء على المنكبين أو أحدهما (٣)، المهم أن يطبق ذلك الحديث، والعاتقان خارجان عن العورة بشكلٍ عامٍّ. ولذَلكَ، قلنا بأنَّ الذين يستدلُّون بأن تغطية المنكبين بين العاتقين ليس بِوَاجِبٍ، يقولون بأنه ليس من العَوْرة (٤). والصَّحيح أنه ليس كل ما خَرَج عن العورة لا يلزم تغطيته أو بعضه في الصلاة" فهناك أمورٌ هي عورةٌ في الصلاة، وعورةٌ في غيرها، ونجد أنها تظهر في الصلاة، وكذلك العكس (٥).

стр. 1315

إذًا، هُنا تغطِيَة المنكبين بوضع شيءٍ على العاتقين لا يدخل في كشف العورة، ولذلك، للرجل أن يُخْرج عاتقيه أمام الرجال، ولا يكون كاشفًا لعورته، لكنه في الصلاة مطالب بأن يغطيهما، أو أحدهما على رأي البعض. كذلك المرأة منهيةٌ عن أن تكشف وجهها للأجانب في الصلاة، ولكنها تكشف أمام مَنْ ليسوا أجانب، وَهَكَذا بالنسبة للعقبين (١)، وغَيْرهما (٢).

стр. 1316

وبَعْدَ هذا كله، نريد أن نصلَ إلى نَتِيجَةٍ، وهي: أنه ليس واجبًا تغطية ما هو عورةٌ في الصلاة فقط، بل قَدْ يلزم تغطية ما زاد عن العورة. * قوله: (هَلْ يَتَنَاوَلُ الأَحْرَارَ وَالعَبِيدَ مَعًا). يقصد بـ (الجنس الواحد) النساء، فإذا قيل: (امرأة) يدخل في ذلك الحرة دون الأَمَة؛ وعلى سبيل المثال حديث: "لا يَقْبل الله صلاة حائض إلَّا بخمارٍ" (١)، هذا يشمل الحُرَّة والأمة من حيث الإطلاق، لكن العلماء خصُّوا ذلك بالحرة؛ لوجود آثارٍ تختص بها الأَمَة، ولأن الأمَة تُبَاع وتُشْترى؛ فيحتاج المشتري إلى أن ينظر إلى وَجْهها ورأسها، ومواضع من بدنها. ولذلك، وجدنا أنا أبا موسى ﵁ حدَّد الموضع الذي لا يجوز النظر إليه، وما عداه فيُنظَر إليه، وكونه حدد ذلك؛ فالعلماء فَهمُوا منه أن هذه هي العورة، وما عَدَاه -علَا أو سَفُل- فليس من العَوْرة (٢). * قوله: (أَمِ الأَحْرَارَ فَقَطْ دُونَ العَبِيدِ؟ (٣)، وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الحَرِيرِ).

стр. 1317

هذه مسألةٌ سَبَق الكلام عنها إجمالًا، ونعيدها بشيءٍ من التفصيل: كثيرًا ما يرى الفُقَهاء بمَنْع صلاة الرجل في ثوب حرير، ويضيف بعضهم ألَّا يصلِّي عليه وقوفًا وركوعًا وسجودًا، وغير ذلك، إذْ لا يكفي عندهم أن يكون النهي مختضًا بالصلاة فيه، بل وعليه (١)؛ لأن الرسول ﷺ

стр. 1318

قال: "مَنْ لَبسَه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (١)، والقصد بذلك الرجال. وقال ﷺ في الذهب والحرير: "حرام على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثها " (٢). ولكنهم مُجمِعون على أن لبس ثوب الحرير حرام؛ سواء كان ذلك خارج الصلاة أو داخلها (٣)، لكن محل الخلاف بينهم فيمن صلَّى في ثوب حرير، أو دار مغصوبة، أو ثوب مغصوب، إذْ إنَّ المصلي في هذه الحال جمع بين أمرين: ١ - تأدية الواجب، لأنه فرض متعين عليه. ٢ - تلبُّسه بمعصية. فَالأَئمَّة الثلاثة، ورواية لأحمد ليست مَشْهورةً يرون جواز صحة صلاتِهِ، ولأحمد رواية أخرى، وأقوال آخرين يَرَوْن بعدم صحَّتها؛ لأنه متلبسٌ بمَعْصيةٍ، فكيف يؤدِّي فرضًا حال ذلك (٤). وكَي نخرج من الخلاف، علينا الرجوع إلى القاعدة الأصولية، وهي: "انفكاك الجهة"، فهذا أمر، وهذا أمرٌ آخر، فقد أدَّى واجبًا يثاب عليه، وارتكب معصيةً يُعاقَب عليها.

стр. 1319

وهنا مسألة أُخرى: أنَّ النهي عن ثوب الحرير ليس مُطلقًا، فهناك أثواب ليست حريرًا، لكن فيها شيءٌ من الحرير، وهذه مستثناة في حديث عمر: "إلا موضع إصبع أو ثلاثة أو أربع" (١). وَعَلَيه، استثنى العلماء مَنْ فيه حَكَّةٌ أو مرضٌ من الأمراض التي تتطلب لبس ثوب ناعم رقيق (٢)، أو كان في حرب (٣)، ونحو ذلك؛ لأننا نجد أن الرسول ﷺ رخَّص للزُّبير وعبد الرحمن بن عوف أن يلبسا الحرير، وهذا لا يخصهما، بل على إطلاقه (٤). تبقى معنا قضية أُخرى فرع عن هذه المسألة، وهي: لو أن حائكًا (٥) (خياطًا) خاط خيطًا حريرًا لإنسان لا يجوز له لُبْسه، ولا عُذر لذلك الإنسان؟

стр. 1320

الجواب: أن الحائك يأثم إذا كان عالمًا بالحُكْم، وعالمًا بأن ذلك الإنسان لا يجوز له لُبْسه؛ لأنه أعان على معصية، ومن أعان على معصية كان مشاركًا فيها (١). وذلك قياسًا على حامل الخمر، وعاصرها، وبائعها (٢)، وكذلك قياسًا على ما يتعلَّق بالربا، "لعن الله آكل الربا وموكله، وكاتبه وشاهديه" (٣).

стр. 1321

والبعض يُفَصِّلون في حكم الأجرة التي أَخَذها؛ فيقولون: إنها مِنَ الكسب الخبيث، وعليه أنْ يتصدَّق به، ويكون تَصدُّقه عمَّا وقَع فيه مِنْ خَطَإٍ (١). فتأمَّل دقة العلماء في مثل هذه المسائل، إذْ لم يقف الأمر عندهم على اللباس، بل تعَدَّى إلى غير ذلك مما يتعلَّق به. مَسْأَلة أُخرى: لَوْ أنَّ حائكًا حاك ثوبًا حريرًا لمَنْ يلبسه (أي: لامرأة أو لرجل صاحب عُذر)؛ فلَا شيء عليه. يدخل في هذا أيضًا الثياب المُحَلَّاة بالذهب، وما أشبه ذلك مِنَ الممنوعات، إذن، تختلف الأمور باختلاف مقاصدها، وهذه قاعدةٌ فقهيةٌ. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: تَجُوزُ صَلَاتُهُ فِيهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَجُوزُ) (٢). سبق بيان هذا. * قوله: (وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا لَهُ الإِعَادَةَ فِي الوَقْتِ). وهذا عند مَالِكٍ (٣). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هَلِ الشَّيْءُ المَنْهِيُّ عَنْهُ مُطْلَقًا اجْتِنَابُهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟). مُرَاد المؤلف أنَّ النهي جاء عن لبس ثوب الحرير: "لَا تَلْبسوا

стр. 1322

الحرير؛ فإنَّ مَنْ لبسه في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة" (١)، وفي الذهب والحرير قال: "حَرَامٌ على ذكور أُمَّتي، حِلٌّ لإنَاثِهِم " (٢). إذًا، هذا نهيٌ عامٌّ مُطلقٌ، فهل يبقى عامًّا يشمل الصلاة وغيرها؟ لأنَّ القائلين بالمنع يقولون: إذا مُنِعَ الإنسان مِنْ لبس الحرير خارج الصلاة، فلا يُمْنع منه (٣) داخل الصلاة؛ فينبغي في التحريم إنْ لم يكن مساويًا على الأقل؛ فهو أَوْلَى داخل الصلاة. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ شَرْطٌ، قَالَ: إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ بِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ بِلِبَاسِهِ مَأْثُومًا، وَالصلَاةُ جَائِزَةٌ، قَالَ: لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ كَالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ (٤)، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ نَؤعٌ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ المَغْصُوبَةِ، وَالخِلَافُ فِيهَا مَشْهُورٌ) (٥).

стр. 1323

قياسُهُ ثوب الحرير على الطهارة قياسٌ مع الفارق، لأن الطَّهارةَ بنَوْعيها طهارةٌ من الحدث بنوعيه الأصغر والأكبر، وسيأتي الكلام -إن شاء الله- عن اشتراط الطهارة من النجس في الصلاة. [الباب الخامس: اشتراط الطهارة للصلاة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الخَامِسُ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَسِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ: مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا). دَخَلَ المؤلِّف هنا في بَاب سَبَقَ أنْ تَعرَّضنا له، فقَدْ تكلَّمنا عن أبواب الطهارة بقِسْمَيْهَا: طهارةً مِن الحدَث، وطهارة مِن الخبَث، وقلنا: إن الطهارة من الحدث على نوعين: ١ - طهارة من الخدث الأصغر: كخروج بول، أو غائط، أو دَم، ومتى يكون خروج الدم ناقضًا للوضوء أو غير ناقض. ٢ - وطهارة من الحدث الأكبر: وهو ما يُوجِبُ الاغتسالَ. وَمَرَّ أيضًا ما يتعلَّق بالطَّهارة مِنَ الخبَث، وهي: الطهارة من النجاسة. وَبيَّنا أقوال العلماء إذا ما كانت الطَّهارةُ مُعَلَّلةً أو غير معللة، أو معقولة. وَسَيَعُود مرَّةً أُخرى في بحث بعض المسَائل كالصَّلاة في المقبرة، ومعاطن الإبل، وحكم ذلك.

стр. 1324

ومرَّتْ بِنَا عِدَّة أدلَّة عرَفنا منها أنه يُشْترط في المصلي خلُوُّ بدنه وثوبه وموضع صلاته من النجاسة، وذكرنا من الأدلة: * قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، وفيها عدة تفسيرات ذكرنا بَعْضها (١). * وقَوْل رسول ﷺ للحائض: "إذا أَقْبَلَت الحَيْضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهبت فاغسِلي عنك الدم، وصَلِّي " (٢)، ومعروفٌ نجاسة دم الحيض (٣). كذلك لمَّا سُئِلَ ﷺ عن الثوب يصيبه دم الحيض؟ قال: "تَحتُّه (٤)، ثمَّ تَقْرصه (٥) بالمَاء، ثم تَنْضحه (٦) ثم تصلي فيه" (٧). وأيضًا ثبت عنه ﷺ أنه قال في صاحبي القبر: "إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ" (٨)، أي: ليس كبيرًا عند الناس، ثم قال: "أمَّا أحدُهُما

стр. 1325

فكان لا يَسْتبرئ من البول" (١)، وفي بعض الروايات: "لَا يَسْتنزه من البول " (٢)، متفق عليه. وقال في حديث آخر: "تَنزَّهوا من البول، فإن عامَّة عذاب القبر منه " (٣)، وهذا فيه كلامٌ (٤)، وهناك أحاديث كثيرة فيما يتعلَّق بالطهارة من النجس. وكذلك فصَّلنا في حكم ما يخرج من السبيلين من بول أو غائط أو دم، وذكرنا أدلة نجاسته، وَوَقع معنا خلافٌ يسيرٌ فيما يتعلَّق بخروج الحَصَا عند المالكية، فَإنَّهم في رِوَايةٍ: لا يرون نجاسة ذلك، وذكرنا أن الشافعية يَقْصرون بعض الأمور على ما يتعلَّق بالسبيلين، ومر معنا اختلافهم في الدم ومقداره، واختلافهم في نجاسات الحيوانات، ومرَّت معنا مسألة طهارة ريق الإنسان وعرقه، واختلافهم في بقية أجزائه بعد إجماعهم على أدلة نجاسة ما يخرج من السبيلين عند الإنسان، أما عند الحيوانات فهي أقسام: * - مأكول اللحم، وهذا قَسَّمه العلماء إلى ثلاثة أقسامٍ: ١ - ريقه وما أشبه ذلك؛ وهذا طاهر. ٢ - بوله وروثه؛ على الصحيح أنه طاهر. ٣ - دمه؛ وهذا اختلفوا فيه.

стр. 1326

* واختلفوا أيضًا في دم ما لا نفس له سائلة، مثل: البراغيث والذباب، وما أشبه ذلك، على خلاف بينهم أيضًا في الذباب. *واختلفوا في السباع، فهم يقسمونها إلى أقسام بعد إجماعهم أيضًا -ما عدا المالكية- على نجاسة الكلب والخنزير، ومر معنا أثر: "يا صاحب الحوض، لا تخبرنا فإننا نرد على السباع" (١). والكلامُ في كل هذا طويلٌ، لكن المؤلف عرَّج عليه، شأنُهُ شأن الفقهاء عامة في ذكرهم أبواب الطهارة مفصلة، ثمَّ العودة إليها، لينبهوا على أن المصلي ينبغي عليه أن يكون طاهر الثياب، والبدن، والبقعة التي يصلي فيها، لأن الرسول ﷺ قال: "صُبُّوا على بَوْل الأعرابي ذَنوبًا (٢) من ماءٍ" (٣). إذًا، هي أشياء لا بُدَّ منها، والجمهور مُتَّفقون (الحنفية والشافعية والحنابلة) على أن الطهارة من النجس شرط في صحة الصلاة، وخالف في ذلك المالكية في روايتين عنهم، ووافقوا الجمهور في الرواية الثالثة، وللكلام تفاصيل طويلة، ولبعض السلف أيضًا نقاشات في هذا (٤). * قوله: (وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَسِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا سُنَّة مُؤَكَّدَةٌ! فَيَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ أَيْ: مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا). قوله: "إنَّها سُنَّة مؤكدةٌ"، يُشير إلى روايةٍ في مَذْهب المالكية، وهي ليست الرَّاجحة، ولا المشهورة، وإنما الرَّاجح عندهم التَّفريق بين الناسي وغيرهم (٥).

стр. 1327

* قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا فَرْضٌ بِإِطْلَاقٍ (١)، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهَا فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، وَبَجُوزُ أَلَّا يَقُولَ ذَلِكَ (٢)؛ وَحَكَى عَبْدُ الوَهَّاب عَنِ المَذْهَبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ) (٣). قصد بالمذهبِ المالكيةَ. * قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ). هذا مَذْهب بقيَّة الأئمَّة (٤). * قوله: (فِي حَالِ القُدْرَةِ وَالذِّكْرِ). لَكن لَا يُقيِّدونه بالقدرة والذِّكر، وهذه مَسْألةٌ أُخرى لا يَعْتبرها بقية الفُقهَاء أصلًا، وإنما يعتبرون الأصل، أنَّ الطهارة من النجس في الثوب والبدن والبقعة شرط (٥).

стр. 1328

ثمَّ يأتون بعد ذلك في مَسْألةٍ مثل: لو أن إنسانًا صلَّى وثوبه غير طاهرٍ، أو هناك نجاسة في بدنه؛ فبعضهم يفصِّل القول، ويفرِّق بين أن يكون عالمًا أو غير عالمٍ، وبين أن يذكر ذلك في الصلاة أو يعرفه بعد الصلاة، أو يَذكُر ذلك قبلَ خروج الوقت أو بعده (١). والصَّحيح في هذا جملةً: أنَّ مَن صلَّى وعليه نجاسة ولم يعلم بها إلَّا بعد الفراغ من الصلاة؛ فصلاتُهُ صحيحة، هذا هو الرأي الظاهر في المسألة (٢).

стр. 1329

ودليل ذلك: "كان رسول الله ﷺ يصلي بنعليه، إذ خلعهما فوضعهما عن يساره، فرأى الناس رسول الله ﷺ ، فخلعوا نعالهما، فلما قضى رَسُولُ الله ﷺ قال: "ما بالكم خلعتم نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال ﷺ : "أَخْبَرني جبريل أنَّ فيهما قذرًا فَخَلعتهما"" (١).

стр. 1330

إذًا، الرسول ﷺ صلَّى فيهما على أنهما طاهرتان، ولم يَخْلعهما إلا لما أخبره جبريل، فاقتدوا به دون أن يعلموا السَّبب؛ لأنه قدوتهم وأُسوَتهم، وهذا أيضًا مِمَّا يستدل به العلماء علَى أنه لا يُتكَلَّم في الصَّلاة، مع أنه له علاقةٌ بالصَّلاة. ثمَّ أخْبَرهم بعد ذَلكَ بوُجُود قذرٍ فيهما، وهذا عمدة استدلال المالكية فيما يتعلَّق بعدم اشتراط الطهارة من النجاسة، مع أنه دليلٌ يرد عليه اعتراضٌ؛ لأنه في حالة مَنْ لم يعلم؛ ولذلك نجد أن مذهب المالكية طردت في هذا المذهب، فَمرَّةً قالوا: سُنَّة، وَمرَّةً قالوا: شرطًا، وثالثةً فرقوا بين القادر وغيره وبين المتعمد (١). وَتَفْصيل المالكيَّة في استدلالهم بهذا الحديث: أنَّ الطهارَةَ لو كانت شرطًا، لاستأنف الرَّسول ﷺ الصلاة، لكنه بَنَى على ما كان منه واستمرَّ، فكونه لَمْ يقطع صلاته، ولم يبطلها دليلٌ على أنَّ الطهارة مِنَ النجاسة ليست شرطًا، إذْ لو كانت شرطًا لَمَا استمر في صلاته (٢). وناقش الجمهورُ المالكِيَّةَ في أن فيهما قذرًا، والقذر قد يحمل على ما تَسْتقذره النفس، فالبصاق ليس نجسًا، ومع ذلك أيضًا تَسْتقذره النفس (٣)،

стр. 1331

فقد كانوا فيما مضى يبصقون في ثيابهم (١)، فلو كان نجسًا لما فعلوه (٢)، ومع ذلك فقد نَهى النبيُّ أن يبصق في المسجد عنايةً به (٣)، لا أن البصاق نجش، فقد يكون أنَّ ما كان في النعلين شيءٌ يسيرٌ، كدمٍ أو نحوه (٤)، وليكن ما يكون، فإنَّ هذا في نظري يُحْمَل على مَنْ لم يكن عَالمًا.

стр. 1332

فإذا كان الإنسان قَدْ صلَّى صلاةً وهو متلبس بنجاسة لا يعلم بها إلا بعد فراغ الصلاة؛ فنرَى أنَّ هذا الدليل وغيره من الأدلة حُجَّة للذين يقولون بأن الصلاة صحيحة، وأنه لا تلزمه الإعَادَة (١). * قوله: (وَالقَوْلُ الآخَرُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا، وَالَّذِي حَكَاهُ مِنْ أَنَّهَا شَرْطٌ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَشْهُورِ المَذْهَبِ مِنْ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ سُنَّة مُؤَكدَةٌ (٢). القَوْلُ هنا على مَشْهور المذهب، لكنه ليسَ صحيح المذهب (٣). ويَخْتلف المشهور عن الصحيح، فلو قلنا: مشهور مذهب الشافعية أو الحنابلة أو الحنفية قَدْ لا يكون هو الصحيح، وقد يكون الصحيحُ هو غير المشهور؛ لأن الصحيح في المذهب هو الذي يلتقي مع الأدلة الصحيحة، أما الرأي -وَإِن اشتهر واستفاض في المذهب- فهو رأيٌ قد يستند إلى أدلةٍ أَوْ لا، فالاشتهار لا يُعْتبر حُجَّةً.

стр. 1333

* قوله: (وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى القَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالقُدْرَةِ). بَيَّنَّا هذه القضيَّة من قبل، وأنها لا ينبغي أن تُتَّخذ أصلًا، وإنَّما هي فرعٌ، لأننا نتكلَّم عن شرطية إزالة النجاسة في صحة الصلاة بالنسبة للمصلِّي، فلما نأتي إلى مسألة فرعية كإنسان صلى وهو لا يعلم أنه متلبسٌ بنجاسة، ثم فرغ من صلاته أو حتى تذكَّر فأزالها" وحينها صار متصلًا بنجاسةٍ؛ فهذه الصورة تختلف؛ لأنها فرعٌ عن تلك، وهذا هو رأي الجمهور (١). * قوله: (وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ فِي كتَابِ الطَّهَارَةِ). مَضَتْ مُفصَّلةً بالنسبة للمؤلف، وقد زِدْنَاها تفصيلًا فيما مَضَى. * قوله: (وَعُرِفَ هُنَاكَ أَسْبَابُ الخِلَافِ فِيهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ هَاهُنَا الكَلَامُ مِنْ ذَلِكَ هَلْ مَا هُوَ فَرْضٌ مُطْلَقٌ مِمَّا يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَالحَقُّ أَنَّ الشَّيْءَ المَأْمُورَ بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا آخَرَ مَأْمُورٍ بِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ، وَكذَلِكَ الأَمْرُ فِي الشَّيْءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ). لَكن هَذَا التعليل الذي ذَكَره المؤلف تعليل مجمل، لكننا إذا رجعنا إلى حديث أسماء: إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض، كيف تصنع أو ما تصنع؟ يقول ﷺ : "تَحتُّه ثم تَقْرصه بالمَاء، ثم تنضحه ثم تُصلِّي فيه " (٢)، نجد أنه رتَّب الصلاة فيه بعد التطهير؛ فدلَّ ذلك على أن طهارة ذلك مطلوبة.

стр. 1334

" قوله: (وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي الشَّيْءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ). هَذَا صَحيحٌ، لكن نحن عندنا أدلةٌ تدلُّ على أن الطهارة من النجاسة مطلوبة. [الباب السادس: المواضع التي لا يصلى فيها] قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ السَّادِسُ، وَأَمَّا المَوَاضِعُ الَّتِي لا يُصَلَّى فِيهَا). مَوَاضعُ أداء الصلاة جاءت فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ ، مثل قوله: "أُعْطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي من الأنبياء … " (١)، وهذه من خَصَائصه ﷺ الَّتي خصَّه الله بها. وفي رِوَاياتٍ: "أُعْطيت … "، أكثر من خمس (٢). وَالشَّاهد قَوْله: "وَجُعلَتْ لي الأَرْض مسجدًا وطهورا، فأيما رَجُلٍ من

стр. 1335

أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ فإنه مسجدٌ"، والحديث في "الصحيحين" (١). وفي رِوَايةٍ في "الصحيحين" أيضًا: "وتربتها طهورًا" (٢). وهذه أصرح من الرواية الأولى؛ فالإنسان يصلي في أيِّ مكانٍ، وجُعِلَتْ تربتها طهورًا، فإذا عدم الماء تيَمَّم. وفي روايةٍ أُخرى: "فأَيْنَما أدركته الصلاة فليُصلِّ" (٣)، و"أين" ظرف زمان (٤). وفي بعض الرِّوايات: "فحيثما أدركته الصلاة … " (٥)، و"حيث" ظرف مكان (٦).
следующие страницы →