← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فقد كانوا فيما مضى يبصقون في ثيابهم (١)، فلو كان نجسًا لما فعلوه (٢)، ومع ذلك فقد نَهى النبيُّ أن يبصق في المسجد عنايةً به (٣)، لا أن البصاق نجش، فقد يكون أنَّ ما كان في النعلين شيءٌ يسيرٌ، كدمٍ أو نحوه (٤)، وليكن ما يكون، فإنَّ هذا في نظري يُحْمَل على مَنْ لم يكن عَالمًا.

стр. 1332

فإذا كان الإنسان قَدْ صلَّى صلاةً وهو متلبس بنجاسة لا يعلم بها إلا بعد فراغ الصلاة؛ فنرَى أنَّ هذا الدليل وغيره من الأدلة حُجَّة للذين يقولون بأن الصلاة صحيحة، وأنه لا تلزمه الإعَادَة (١). * قوله: (وَالقَوْلُ الآخَرُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا، وَالَّذِي حَكَاهُ مِنْ أَنَّهَا شَرْطٌ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى مَشْهُورِ المَذْهَبِ مِنْ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ سُنَّة مُؤَكدَةٌ (٢). القَوْلُ هنا على مَشْهور المذهب، لكنه ليسَ صحيح المذهب (٣). ويَخْتلف المشهور عن الصحيح، فلو قلنا: مشهور مذهب الشافعية أو الحنابلة أو الحنفية قَدْ لا يكون هو الصحيح، وقد يكون الصحيحُ هو غير المشهور؛ لأن الصحيح في المذهب هو الذي يلتقي مع الأدلة الصحيحة، أما الرأي -وَإِن اشتهر واستفاض في المذهب- فهو رأيٌ قد يستند إلى أدلةٍ أَوْ لا، فالاشتهار لا يُعْتبر حُجَّةً.

стр. 1333

* قوله: (وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى القَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالقُدْرَةِ). بَيَّنَّا هذه القضيَّة من قبل، وأنها لا ينبغي أن تُتَّخذ أصلًا، وإنَّما هي فرعٌ، لأننا نتكلَّم عن شرطية إزالة النجاسة في صحة الصلاة بالنسبة للمصلِّي، فلما نأتي إلى مسألة فرعية كإنسان صلى وهو لا يعلم أنه متلبسٌ بنجاسة، ثم فرغ من صلاته أو حتى تذكَّر فأزالها" وحينها صار متصلًا بنجاسةٍ؛ فهذه الصورة تختلف؛ لأنها فرعٌ عن تلك، وهذا هو رأي الجمهور (١). * قوله: (وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ فِي كتَابِ الطَّهَارَةِ). مَضَتْ مُفصَّلةً بالنسبة للمؤلف، وقد زِدْنَاها تفصيلًا فيما مَضَى. * قوله: (وَعُرِفَ هُنَاكَ أَسْبَابُ الخِلَافِ فِيهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ هَاهُنَا الكَلَامُ مِنْ ذَلِكَ هَلْ مَا هُوَ فَرْضٌ مُطْلَقٌ مِمَّا يَقَعُ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؟ وَالحَقُّ أَنَّ الشَّيْءَ المَأْمُورَ بِهِ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا آخَرَ مَأْمُورٍ بِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ، وَكذَلِكَ الأَمْرُ فِي الشَّيْءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ). لَكن هَذَا التعليل الذي ذَكَره المؤلف تعليل مجمل، لكننا إذا رجعنا إلى حديث أسماء: إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض، كيف تصنع أو ما تصنع؟ يقول ﷺ : "تَحتُّه ثم تَقْرصه بالمَاء، ثم تنضحه ثم تُصلِّي فيه " (٢)، نجد أنه رتَّب الصلاة فيه بعد التطهير؛ فدلَّ ذلك على أن طهارة ذلك مطلوبة.

стр. 1334

" قوله: (وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي الشَّيْءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى الإِطْلَاقِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ شَيْءٍ مَا إِلَّا بِأَمْرٍ آخَرَ). هَذَا صَحيحٌ، لكن نحن عندنا أدلةٌ تدلُّ على أن الطهارة من النجاسة مطلوبة. [الباب السادس: المواضع التي لا يصلى فيها] قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ السَّادِسُ، وَأَمَّا المَوَاضِعُ الَّتِي لا يُصَلَّى فِيهَا). مَوَاضعُ أداء الصلاة جاءت فيها أحاديث عن رسول الله ﷺ ، مثل قوله: "أُعْطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي من الأنبياء … " (١)، وهذه من خَصَائصه ﷺ الَّتي خصَّه الله بها. وفي رِوَاياتٍ: "أُعْطيت … "، أكثر من خمس (٢). وَالشَّاهد قَوْله: "وَجُعلَتْ لي الأَرْض مسجدًا وطهورا، فأيما رَجُلٍ من

стр. 1335

أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ فإنه مسجدٌ"، والحديث في "الصحيحين" (١). وفي رِوَايةٍ في "الصحيحين" أيضًا: "وتربتها طهورًا" (٢). وهذه أصرح من الرواية الأولى؛ فالإنسان يصلي في أيِّ مكانٍ، وجُعِلَتْ تربتها طهورًا، فإذا عدم الماء تيَمَّم. وفي روايةٍ أُخرى: "فأَيْنَما أدركته الصلاة فليُصلِّ" (٣)، و"أين" ظرف زمان (٤). وفي بعض الرِّوايات: "فحيثما أدركته الصلاة … " (٥)، و"حيث" ظرف مكان (٦).

стр. 1336

إذن، يَتبيَّن لنا مِنْ هذا أن الأرض كلها مسجد، لكن متى أدركتك الصلاة فَصلِّ؛ هل يكون هذا على إطلاقه أو أن هناك أدلة أُخرى خصت مواضع بعَدَم الصلاة فيها كالمقبرة، والحمام، والمجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق التي يُسمِّيها بعض الفقهاء حجة الطريق، وسطح الكعبة، ومعاطن الإبل … ؟ الجواب: وَقَعَ خلافٌ بين العلماء، فمنهم مَنْ تمسك بهذا الحديث ورواياته الصحيحة، وهي كلها أدلة عامة على أن الأرض كلها مسجد، ومنهم مَنْ خصص مواضع بعدم الصلاة؛ لورود النهي عن ذلك. وَسَوْف يعرض المؤلف لاحقًا كل هذا إن شاء الله، وهل كان النهي تعبديًا، والعبادة غير معقولة المعنى كالنية مثلًا؛ فلَا يُبْحث عن العلة، وسوف يأتي كل هذا. والفقهاء أحيانًا يلتقون عند مسألةٍ على أنها عبادة توقيفية، أي: غير معقولة المعنى، وأحيانًا يقولون: مُعلَّلة المعنى، أَيْ: مُدرَكة، وأحيانًا يختلفون: منهم مَنْ يقول: معقولة، ومنهم مَن لا يقول (١)، ومن ذلك بعض المسائل التي معنا؛ باستثناء هذه المسائل السبع، سوى مسألة واحدة، وهي: الصلاة على بيت الله (الكعبة)، إذْ بقية المسائل في الجملة أكثر الفقهاء يعللون مَنْع الصلاة فيها لكونها مظنَّة النجاسة، أما بيت الله فلا (٢).

стр. 1337

أمَّا عن المَوَاضع الست: فأولها: المقبرة: تعريفها: مكان يُدْفن فيه الموتى (١)، ومعلوم أن الميت له صديد (٢)، ولحم، ودم، وقد تُنْبش (٣) المقبرة، فيختلط الدم بعظام موتى وصديدهم، وغير ذلك؛ فيُؤثِّر هذا في الأرض، أو نحو ذلك (٤). ثانيها: الحَمَّام: ويُقصد به المواضع التي تُغسَل فيها النجاسات وغيرها، لا الذي تُقضى فيه الحاجة من بولٍ وغائطٍ؛ لذلك لم يرد فيه كلام؛ لأن حاله معروف (٥). ثالثها: المجزرة، وهي محل الذبح، وفيها دماء (٦).

стр. 1338

رابعها: المزبلة، وهي محل تُرمَى فيه القمامة وغيرها، وهي مظنة النجاسة (١). خامسها: قارعة الطريق، وسُمي الطريق قارعةً؛ لأنه يُقرع ويوطأ بالأقدام (٢)، ويقال أيضًا: محجة الطريق، أي: الطريق السَّابل التي يُمَر فيها (٣). ومُنِعَ مِنَ الصلاة فيها؛ لأنها عرضة للنجاسة، ومرور الدواب وإلقاء النجاسات، أو لأن المصلي يقف في طريق الناس، فيعطل حركتهم، وهذا نوعٌ مِن الأذى، والمؤمن منهي عن ذلك عامة؛ فكيف في وقت الصلاة! أو منع من ذلك لأنه لو صلى في طريق الناس مقبلين مدبرين؛ فيشوشون عليه، ويذهب خشوعه وثواب صلاته، ويفكر في أمور الدنيا (٤)، وقَدْ كان عمر ﵁ يقول: "كنت أجهز الجيش وأنا في الصلاة" (٥)، فما بالك بإنسان عادي، وقد يفكر في أمورٍ مذمومةٍ؛ فهذا لا يجوز. سَادسُهَا: معاطن الإبل، وَقَد اختلفوا: هَلْ هي الأماكن التي تأوي إليها، مقابل مراح الغنم (٦)؛ لأن الرسول ﷺ قال: "صلُّوا في مرابض

стр. 1339

الغنم (١)، ولا تصلُّوا في أعطان (٢) الإبل" (٣)، وفي بعض الروايات: "لأنَّهَا خُلقَت من الشيطان" (٤). وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر بن سمرة: "أن رجلًا سأل رَسُولَ الله ﷺ : أنُصلِّي في مَرَابض الغنم؟ قال: "نعم". قال: أنصلي في معاطن الإبل؟ قال: "لا" (٥). أَمْ هي الأماكن التي إذا ذهبت عادة وأراحت فيها، ثم ارتدت مرةً أُخرى؟ فالعُلَماء يَخْتلفون في تفسيرها (٦)، ومهما يَكُنْ من أمرٍ؛ فبَعْضهم يذكر

стр. 1340

أن علة النهي لكونها خُلِقَتْ من الشياطين، وليسَ هذا على الحقيقة، إنما المقصود أنَّ لها نفورًا وَحركةً، لا كالأغنام في هُدُوئها وَسَكينتها (١)؛ ولذلك وَرَد في الحديث الصحيح: "ما من نبيٍّ إلا رَعَى الغنم" (٢). وَبَعْضهم يذكر أن علة النهي لكون البعير إذا برك صار كالجدار

стр. 1341

لطوله؛ فَكَان بعض الناس يَسْتتر به ليتبول (١)، وهذا حَصَل لعبد الله بن عمر ﵁ حيث استظلَّ ببعيره وبال (٢). فكلُّ هذه عللٌ سيأتي الكلام عنها في سياق كلام المؤلف. قوله: (وَأَمَّا المَوَاضِعُ الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا). إذن، نُقرِّر باختصارٍ أن الأئمة -ومنهم: الشافعيُّ، ورواية للإمامين مالك وأحمد (٣) - يَقُولُون بصحَّة الصلاة في هَذِهِ المواضع شريطة أن تَخْلو من النجاسة؛ لأنَّ الأصلَ فيها الطهارة، ومن الحنابلة مَنْ قال بالحرمة، وبطلان الصلاة، ويلتقي معهم بعض العلماء إلا أنهم يستثنون من ذلك المقبرة والحمام (٤)، ويستدلون بحديث: "جُعلَتْ لي الأرض كلها مسجدًا

стр. 1342

إلا المقبرة والحمام" (١)، وهذا حديثٌ فيه نزاعٌ (٢)، وله طرق وشواهد؛

стр. 1343

فيُمكن الاحتجاج به إلا أن الأَوْلَى الاحتجاج بغيره ما دام أصح: منها: قوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" (١). وقوله: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢). وقوله في الحديث المتفق عليه: "إن مَنْ كان قبلكم كانوا يَتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تَتَّخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٣). ولذلك، يفرق أهل العلم عند مسألة الصلاة في مسجدٍ فيه قبر بين مسجد يقام على قبر، أو مسجد يقام، فيدخل فيه قبر (٤)، ويتكلمون في حكم الصلاة إن كان القبر أمام المصلي، أو خلفه، أو عن يمينه أو يساره (٥).

стр. 1344

هذه مسألة عارضة أحببنا الإشارة إليها، ولعلنا نفصلها -إن شاء الله- لا سيما أن هذه صور تتشابه مع صلوات الكفار والمشركين، فهم الذين يرتادون القبور، ويأتون إلى الموتى، ويتقربون إليهم، ومع الأسف فكثير من المسلمين في هذا الزمان يسلكون هذا المسلك. قوله: (فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا تَكُونُ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ سَبْعَةَ مَوَاضِعَ).

стр. 1345

الَّذين استثنوا هذه السبعة مواضع استدلوا بحديثين: أَحَدُهُما: حديث عمر بن الخطاب ﵁ (١). وثانيهما: حديث ابن عبد الله (٢). وكلاهما فيه مقالٌ -بلا شكٍّ- إلا أننا نستثني المقبرة والحمام؛ وذلك لوُرُود دليلٍ خاصٍّ (٣)، ولخطر ما يُلْحق بذلك، وقَدْ سبق البيان. قوله: (المَزْبَلَةَ). سبق تعريف المزبلة، وليس سبب المنع من الصلاة فيها مظنة النجاسة فحسب، بل لأنها أيضًا غير لائقة بصلاة المسلم (٤)، ولكن قد يُقدَّر لإنسانٍ الصلاة فيها لأي سببٍ أو عارضٍ، أو قد يصلي في مسجد بُنِيَ بالطين، وخالط الطينَ نجاسةٌ، أو خُلط بماء خالطته نجاسة؛ فتصح صلاته لأسباب ذكرها العلماء، ولا تزال هناك بحوثٌ وكلامٌ في كلِّ هذه المسائل، ومع ذلك، فالمؤلف مقتصِرٌ ومُختصِرٌ (٥). قوله: (وَالمَجْزَرَةَ وَالمَقْبَرَةَ). سَبَق تعريفهما، وعلة المنع أنها مأوًى للشياطين؛ لأن الإنسان يتعرى في هذه الأماكن، والشياطين تَأْوي إليها أيضًا (٦).

стр. 1346

قوله: (وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ). الفُقَهاء اختلَفوا فيما لو صلى إنسانٌ على ما ارتفع من الطريق، والصحيح من أقوالهم صحة الصلاة ما لم تكن فيه نجاسةٌ، وهذا رأي من يعللون المنع بوجود نجاسةٍ، ولا يعتبرون بمرور الناس مقبلين أو مدبرين؛ لأنَّ هذا لا يضرُّ الناس أو يَمْنعهم من المرور (١). قوله: (وَالحَمَّامَ، وَمَعَاطِنَ الإِبِلِ). سَبَق الكلام عن الحمام، أما معاطن الإبل فعلَّة النهي عن الصلاة فيها لَيْسَت لنجاستها (٢)؛ لأن الرسول ﷺ أذِنَ للعرنيين أن يشربوا أبوالها وألبانها؛ فدلَّ على طَهَارتها (٣)، والمسألة فيها خلاف معروفٌ بين نجاستها أو طهارتها (٤).

стр. 1347

لكن العلة أكثر من واحدة: منها: أنها مأوى للشياطين؛ فالشياطين تأوي إلى هذه الأماكن؛ لأن الإبلَ خُلقَت منها. ومنها: أنها تُعرَف بالنفور والشرود، وهذا يُؤثِّر على المصلي. ومنها: أنها يرتادها بعض الناس لقضاء الحاجة؛ لأنهم يستترون بطول الإبل إنْ لم يكن هناك جدار (١)، كما فعل ابن عمر (٢)؛ لأن الرسول ﷺ قال: "احفظ عَوْرتَك إلا من زوجتك، وما ملكت يمينك" (٣)، ونهى ﷺ أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وأن تنظر المرأة على عورة المرأة (٤). وَهُنَا يَتفرّع الفقهاء إلى جواز نظر المرأة إلى عورة المرأة (٥)،

стр. 1348

ويَخْتلفون في نظر المرأة غير المسلمة إلى عورة المسلمة (١)، ثم يستدل

стр. 1349

المجيزون بقصة عائشة: "أن غير المسلمات كُنَّ ينظرن إليها" (١)، فهذه مسألة فرعية يتعرض لها الفقهاء، وغابت عن المؤلف. قوله: (وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّه). لَيْسَت القضية هنا تتعلَّق بالنجاسة، بَلْ هي مسألة يخرجها العلماء من السبعة إجماعًا (٢)، لكنهم يختلفون أنَّ مَن يصلِّي فوق البيت الحرام، هل

стр. 1350

يولِّي وجهه نحو البيت أم جهة أُخرى؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٥٠]، أيْ: جهته (١). هَذَا هو سبب الخلاف في الأصل. (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ المَقْبَرَةَ فَقَطْ). لَا يَجُوز للمسلم أن يصلي في المقابر، لكن بعض العلماء أجاز ذلك، بشروط: منها: إذا أَمِنَ أن تكون قد نُبِشَتْ. ومنها: ألا يرتادها بقصد الصلاة؛ لأن فيها الموتى لا يضرون، ولا ينفعون (٢).

стр. 1351

ومُرْتادو تلك المقابر تحصل منهم مخالفات عظيمة، فيطلبون من الموتى الشفاعَةَ، وشفاءَ المرضى، وفَكَّ الكَرْب، وَبَعْضهم يذبح له، وكلُّ هذه من أعمال التوحيد التي لا تَجُوز إلا لله وَحْده، وصَرْفها لغير الله شركٌ أكبَر، وبعضهم تحصل منهم مخالفاتٌ تُعَدُّ شركًا أصغر. فَابْتَعِدْ عن هذا كله، واتجه في أمورك إلى الله بطلب العون والتوفيق؛ فهو الذي يشفى المريض، ويفك الكرب، ويَهَب المُلْكَ لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء، وبيده كل شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. أما الرسل والأنبياء فهم عَبِيدُ الله، لا يختلفون عن غيرهم إلَّا أن الله شرفهم وميزهم بالرسالة والنبوة، فلا يُصْرف لهم نوعٌ مِنْ أنواع العبادة التي لا تجوز إلا لله. كَذَلك الصالحون، لا نغلو فيهم، ولا نجعلهم واسطةً بيننا وبين الله (١). فعلينا أن نتنبه ونحذر، وننبه إخواننا المسلمين، فما أكثرَ ما يقَع المسلمون في ذلك! وربما نجد أن بعض الذين يَقُودونهم على عِلْمٍ، ولكن قد أغلقت قلوبهم وَتَحجَّرَت، والمخدوعون لو أعملوا أفكارهم، ودقَّقُوا لأدركوا حقيقة الأمر ووضوحه في كتاب الله ، وسُنَّة رسوله ﷺ ؛ كقَوْل الرسول ﷺ : "لَعْنة الله على اليهود والنَّصَارى، اتَّخذوا قبور أنبيائهم مَسَاجد" (٢)، واللعنُ طردٌ من رحمة الله (٣)؛ لأنهم اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

стр. 1352

وقوله: "اللَّهمَّ لا تَجْعل قبري وثنًا يُعْبد" (١). وَمِنْ مَخاطِر الصَّلاة في القُبور أيضًا: التشبُّه بالكفار، فالرسول ﷺ نهانا عن ذلك، فقال: "مَنْ تشبه بقومٍ، فَهو منهم" (٢). إذًا، الإنسان في باب التوحيد يَنْبغي أن يحمل كلَّ جَانِبٍ من جوانبه، وكل أمر قَدْ تكون فيه وسيلةٌ للشرك؛ فيجب غلقها حتى لا تجرَّه. قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ المَوَاضِعِ المَنْهِيِّ عَنْهَا وَلَمْ يُبْطِلْهَا، وَهُوَ أَحَدُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ) (٤). شَريطة أَنْ يأْمَنَ جانب النجاسة، وألَّا يكون قاصدًا المَقْبرة لذَاتها، وأن يكون في صَلَاتِهِ بعيدًا عن كلِّ ما يوقع في الشِّرْك. وإذا كانت الصَّلاة في المسجد إذا كان فيه قبرٌ لا تصح؛ فما ظنك بالمقبرة؟! قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ الجَوَازُ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ (٥)، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَاهُنَا

стр. 1353

حَدِيثَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِمَا، وَحَدِيثَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا، فَأَمَّا المُتَّفَقُ عَلَيْهِمَا فَقَوْلُهُ ﵊: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي -وَذَكَرَ فِيهَا- وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ صَلَّيْتُ" (١). هَذِهِ الأَحَاديثُ لَهَا ألفاظٌ عدة، منها في "الصحيحين"، ومنها في غيرهما. قوله: (وَقَوْلُهُ ﵊: "اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تتَخِذُوهَا قُبُورًا" (٢). هَذَا الحديث في "الصَّحيحَين"، وهو دليل على إقامة الجماعة في المساجد، ولكن قد يفهم منه بعض الناس أن الإنسان يُعْذر في ألا يحضر صلاة الجماعة، وهذا فهمٌ خاطئٌ، والصحيحِ: أنَّ المُراد النوافل غير المكتوبات، وصلوات التطوع، أما المفروضة فتُؤدَّى في المساجد؛ لأنها عُدَّت لإقامة الصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله . ووَجْه الدلالة من الحديث: أن الإنسان لو لم يُصلِّ في بيته؛ كان البيت أشْبَه بالمَقْبرة، ودل ذلك على أن المقابر لا يُصلَّى فيها. قوله: (وَأَمَّا غَيْرُ المُتَّفَقِ عَلَيْهِمَا، فَأَحَدُهُمَا مَا رُوِيَ "أَنَّهُ ﵊ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ، وَالمَجْزَرَةِ، وَالمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ"، خَرَّجَهُ التّرْمِذِيُّ (٣). بخُصُوص معاطن الإبل قَدْ ذكرنا مِن العلل أن الأمر تعبدي، وأنها

стр. 1354

ليست نجسة (١)، وذلك بناءً على اختلافهم أصلًا في تعريف معاطن الإبل، كمَن اعتبروها أماكن إقامتها التي تَأْوي إليها ليلًا، وتبقى ذاهبةً فيها وعائدةً عندما تشرب … إلى آخر العلل التي ذكرها الفقهاء (٢). قوله: (وَالثَّانِي مَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ" (٣). إذًا، هذا نصٌّ صريحٌ في جواز الصلاة في مرابض الغنم، ومنعها في معاطن الإبل. قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ). الناسُ منهم الجاهل بالشَّريعة، ومنهم مَنْ يَحمِل فكرًا سيئًا، أو حاقدًا على هذه الشَّريعة، فيُعارض الأحاديث، ويستنكر قولَ الرسول ﷺ بجواز الصَّلاة فِي مَرابض الغنم؛ لأنها تَحْمل الأوساخ والعفن، وغير ذلك، وَهَذا يُؤْتى من الجهل؛ فالرسول ﷺ لم يأمر بإقامة مَسَاجد في هذه المَواضع، ولا حضَّ علَى الصَّلاة فيها، وَلَكن المراد أنَّ الإنسان لو صلَّى فيها؛ صحت صلاته. أمَّا الخِلَافُ فِي معَاطِن الإبِل؛ فلأنَّها فيها نجاساتٌ وروائحُ كريهةٌ، ولذَلكَ نجد أن الرسول ﷺ أمرَ مَنْ أكل ثومًا أو بصلًا أن يعتزلَ المسجد، فَقَال: "مَنْ أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا" (٤). وفي روايةٍ: "فَلْيَعْتزل مُصلَّانا" (٥).

стр. 1355

وهذا يعمُّ كل رائحة كريهة، حتى رائحة الإبط في الإنسان إذا كانت تؤذي الناس، فيَدْخل صاحبها في النهي عن إتيان المسجد في هذه الحال، ولا ينبغي للإنسان أن يأكل ليتخذ الأكل ذريعةً لاعتزال المسجد، لكن هذا قد يُقدَّر عليه، ولا يجد أكلًا غيره، وهذا كلام النبي عن المباح، فما بالك بما حَرُم كالدخان، مع ما فيه من إضَاعة النَّفْس والمَال؛ فلا ينبغي على المؤمن أن يكون مؤذيًا. كلُّ هذه أحكام عامة وضعها الفقهاء، وعمَّموا بها كل ما يؤذي ويضر؛ انطلاقًا من حديث: "لا ضررَ، ولَا ضرارَ" (١). قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ). نتعرف مِن خلال هذه النصوص والمذاهب -في جواز أو النهي عن الصلاة في بعض الأماكن- على سماحة الشريعة التي قامت علَى اليُسْر؛ فكل شيءٍ لا يترتب عليه مخالفة لشرع الله في أمر عقدي أو تعبُّدي، فإن الشريعة أَجَازته، وحتى بعض الأمور التي هي من أنوَاع الحبادة إذا ترتَّب عليها ضررٌ يلحق المخلوق؛ فإنَّ الله ، يُخفِّف عنه ذلك الحكم، ويَنْقله إلَى ما هو أيسر منه. قوله: (أَحَدُهَا: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ، وَالنَّسْخِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ البِنَاءِ، أَعْنِي: بَنَى الخَاصَّ عَلَى العَامِّ). مَذْهب الترجيح أو النسخ يعني: الأخذ بالأحاديث التي في "الصَّحيحَين"؛ دون النظر إلى غيرها؛ لأنها نُسخَت بما في "الصَّحيحَين"، فَنَقول: تصحُّ الصلاة في كلِّ مكانٍ، هَذَا قولٌ (٢).

стр. 1356

أمَّا مَذْهب البناء، فَهو بناء الخاصِّ على العامِّ، ويعني: تَخْصيص الدليل العام بالدليل الخاص؛ فالأَحَاديثُ التي فيها أن الأرضَ مسجدٌ وطهورٌ عامة، وتُخصَّص بغيرها (١). قوله: (وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الجَمْعِ (٢)، فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ وَالنَّسْخِ). لا شكَّ أنَّ منهجَ النسخ أوْلَى؛ لأن الجمع عادةً تلتقي حوله الأدلة، لكن لا يُجمَع بين نصوصٍ صحيحةٍ صريحةٍ، ونصوصٍ أُخرى ضعيفةٍ واهيةٍ، بل شرط الجمع صحة النصوص وإن اختلفت دَرَجاتُها، كأن يكون بعضها في "الصحيحين"، والأخرى في السنن، أو مشكل الآثار أو التمهيد أَوْ غير ذلك من الكتب دون "الصحيحين"، حتى وإنْ كَانَت كتب الأدب، أو التاريخ، كـ "تاريخ دمشق"، و"تاريخ بغداد"، و"تاريخ الإسلام" للذهبي، و"سير أعلام النبلاء"، وغيرها، ما دام الحديث له سند متصل، وكتب التاريخ مليئة بهذا (٣)، وقَدْ جَمَع الإمام السيوطي ﵀ بعضًا في كتاب "جمع الجوامع" من تاريخ ابن عسافة (٤)، وقد نجد بعض الأحاديث أيضًا في كتب الضعفاء، وإن كانت قليلة الطرق إلا أن هناك طرقًا أُخرى تُقوِّيها فتحسِّنها.

стр. 1357

قوله: (فَأَخَذَ بِالحَدِيثِ المَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"، وَقَالَ: هَذَا نَاسِخٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ فَضَائِلُ لَهُ ﵊، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ بِنَاءِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ، فَقَالَ: حَدِيثُ الإِبَاحَةِ عَامٌّ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ خَاصٌّ، فَيَجِبُ أَنْ يُبْنَى الخَاصُّ عَلَى العَامِّ). هَذِهِ المَسْألة الأُصُولية فيها خلافٌ، لكنه خلافٌ ضعيفٌ من حيث إبقاء العموم على عمومه، فيؤخذ به، ولا يُنْظر إلى الخاص، أو أنَّ العامَّ يخصَّص، كما أن المطلق يقيده المقيد؛ فالخلاف والنزاع عند ابن حزم، أما جماهير العلماء فيرون التخصيص (١). قوله: (فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اسْتَثْنَى السَّبْعَةَ مَوَاضِعَ (٢)، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى الحَمَّامَ وَالمَقْبَرَةَ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ ﵊.

стр. 1358

ونَذْكر مثالًا ممَّا يضربه الفقهاء، فلو أنَّ إنسانًا ضاق به الأمر، ولَمْ يجد مكانًا إلا الحمام، فَيَجوز له الصلاة فيه شريطة أن يتوقَّى النجاسة، وكذا الحال مع مَعَاطن الإبل، أو أي بقعهٍ أُخرى، ويجوز له أن يفترش حائلًا على مكان النجاسة ليصلي، وسوف يأتي هذا تفصيلًا. قوله: (لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْهُمَا مُفْرَدَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى المَقْبَرَةَ فَقَطْ لِلْحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ). سَبَق الكلام عن نَهْيه ﷺ عن الصلاة في المقابر، وتحريم بناء المساجد عليها. قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ خَاصًّا مِنْ عَامِّ، فَقَالَ: أَحَادِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الكَرَاهَةِ، وَالأَوَّلُ عَلَى الجَوَازِ (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي البِيَعِ وَالكَنَائِسِ). البِيَعُ جَمْعُ بيعةٍ، والكنائس جمع كنيسة، وهي أماكن مُعَدَّة للعبادة (٢)، إلَّا أنها عبادةٌ باطلةٌ يُمَارسها الكفار، مثل اليهود: فقد ضلُّوا الطريق، فسَمَّاهم ربُّ العالمين ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، والنصارى الذين سَمَّاهم الله تعالى: ﴿الضَّالِّينَ﴾ (٣). إذًا، هؤلاء أعدُّوا هذه الأماكنَ لإشراك العبادة مع الله، وبهذا فَهي تضرُّهم ولا تنفعهم، وقد شُرعَ لنا التعامل معهم، وأَكْل ذَبَائحهم والزواج من نِسَائِهِمْ؛ لأنهم يُعدُّون من أهل الكتاب وَإنْ بدَّلوا وأشركوا، لكنهم

стр. 1359

ليسوا كالبوذيين (١) مثلًا، وَسَائر الكفار الآخرين الذين لا كُتُب، ولا شرائع عندهم. إذن، لا ننسى أنَّ هذه البِيَعَ أو الكنائس جزءٌ من الأرض، والرسول ﷺ قَالَ: "جُعلَتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٢)، وَلَكن إشراكهم بالله في عبادتهم جعل للعلماء في صحة صلاتنا أقوالًا ثلاثة: أوَّلها: المنع المطلق؛ لأنها أُعدَّت لعبادة غير الله ، فلا نَأمن النجاسة فيها (٣). ثَانيها: الجَوَاز المطلق؛ لأنها مَوْضعٌ من الأرض كغَيْره من المواضع (٤). ثالثها: التفصيل، حَيْثُ فرَّقوا بين أن تكون فيها صور أو لا، فإن كانت خاليةً من الصور، فَالصَّلاة صحيحة، وإنْ كانت فيها صور فلا،

стр. 1360

وهذا أسلم الأقوال، وقد نُقِلَ ذلك عن عُمَر بن الخطاب (١)، وهو قول ابن عباس (٢)، ومالك (٣)، وأقوى الرِّوايات عن أحمد (٤)، ونقل أيضًا عن

стр. 1361

عُمَر بن عبد العزيز، والحسَن، وَكَثير مِن التابعين (١) إلا أنَّ البعض قرن جواز الصلاة بالكراهة؛ لأن مَن رُئِيَ يتردد على كنيسة، فقَدْ يَرْتَاب الناس من دينِهِ (٢). وإذا كان رَسُولُ الله ﷺ لمَّا مرَّ به بعض أصحابه وهو مع زوجتِهِ؛ بيَّن لهم أنها صفية، خشية أن يتطرَّق إليهم شكٌّ، أو يَتلَاعب بهم الشيطان، فيَظُنوا سوءًا (٣)، فالأَوْلَى مَن دونه أن يتجنب كل موقع تلحقه فيه ريبة أو شبهة أو شك. وَاستدلُّوا بعَدَم جواز الصلاة مع وُجُود الصور بما ثبت عن الرَّسول ﷺ أنه قال: "لَا تَدْخل الملائكةُ بيتًا فيه صورة" (٤). وفي بعض رواياته: "لا تَدْخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ، ولا كلبٌ" (٥). وقَدْ توقَّف الوحي عن رسول الله لمثل هذه الأسباب (٦)، وكذا امتنَع

стр. 1362

رَسُول الله من دخول الكعبة لما كان فيها تماثيلُ وصورٌ (١). وقال عمر فيما صح عنه: "لا يُصلَّى فيها لوجود تماثيلهم" (٢). وثبت في "الصحيحين" أن الرسول ﷺ ذُكِرَت له كنيسة في الحبشَة لمَّا رجَع أصحابه من الهجرة الأولى، وذكروا ما فيها مِن الحسن والتصاوير؛ فقال ﷺ : "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجدًا، أولئك شرار القوم عند الله"، ويكفي هذا القول الشديد: "أولئك شرار القوم عند الله" (٣). وَمِنْ هنا قال بَعْض العلماء بأنَّ الصلاة في الكنيسة ذات الصور تشبه الصلاة في المقبرة، وهي محل ريبة، ولو صلى فيها أحدٌ، فقد يتعلَّق قلبُهُ بغير الله ، أما المساجد الخالصة، فلا شكَّ أنها أوْلَى بتَطْهير القلب، وإخلاصه لربه وَحْده لا شريك له. إذًا، فَالصَّلاةُ جائزةٌ عند الاضطرار إذا خَلَتْ من الصور والتماثيل. قوله: (فَكَرِهَهَا قَوْمٌ، وَأَجَازَهَا قَوْمٌ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا صُوَرٌ أَوْ لَا يَكُونَ). هناك رواياتٌ ثلاثٌ في مذهب أحمد (٤)، أما في مذهب مالك،

стр. 1363

فَالجَواز مع الكراهة، وله روايةٌ أُخرى (١)، أمَّا الشافعية فأَقْوَالهم مُتَعدِّدة في هذه المسألة (٢). قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ) (٣). فهنا لم يورد الأدلة كاملةً، وكان الأَوْلَى أن يأتي بها، لأنها هي التي يستدل بها العلماء لقُوَّتها، لا سيما قوله ﷺ : "لا تَدْخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ، ولَا كلب" (٤)، وتوقفه أيضًا عن دخول الكعبة وفيها صور (٥)؛ فالفقهاء كثيرًا ما يستدلون بهذا. قوله: (وَالعِلَّةُ فِيمَنْ كرِهَهَا لَا مِنْ أَجْلِ التَّصَاوِيرِ). أَيْ: علة مَنْ كرهها لا من أجل التصاوير، ولكن لعلةٍ أُخرى، وهي مظنة النجاسة. قوله: (حَمَلَهَا عَلَى النَّجَاسَةِ). فالقصد أن الأقوال الثلاثة التي ذكرناها أصحها ما كانت علَّته من أجل التصاوير. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الأَرْضِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطَّنَافِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ). عَلَينا أن نُدقِّق النظر، فَفي زَمَن الرَّسُول ﷺ كان الأمر مختلفًا عن زمننا، فالمَسَاجد اليوم ضخمة، ومفروشة بما يُريح المُصلِّين من أفخر

стр. 1364

وأنعم أنواع المَفْروشات، أمَّا مَسْجد رَسُول الله في عهده فكان مبنيًّا مِن اللَّبِنِ، ومَسْقوفًا بالجريد وسعف النخل (١)، وكان إذا جاء المطر، نَزَل الماء على أرض المسجد وداخله، وقَدْ ثبت أن الرسول "سَجَد في الماء والطين" (٢). فَمِنْ هنا تكلم العلماء عَنْ جواز مسح الجبهة والوجه لمَنْ يسجد في ماءٍ وطينٍ، ولكن بعد الصلاة لا خلالها بدليل أن الصحابة لمَّا صلَّى رسول الله ﷺ والتفَتَ، رأوا أثر الطين على جبهته وأنفه (٣). وَوَرد أنهم لما جدَّدوا، وضعوا الحصير، كما ثبت ذلك في حديث إقبال (٤) بن مالك (٥)، وفي حديث أنسٍ في قوله: "فقمت إلى حصيرٍ لنا قد

стр. 1365

اسودَّ من طول ما مكث فنضحته" (١). وكان ﷺ يتَّقي بوجهه حرارة الشمس (٢)، وثبت ذلك عن الصحابة (٣)، وصح أن عمر "صلى على … " يعني: من البسط (٤). وَصحَّ عن عبد الله بن عباس أنه "صلى على الطنفسة (٥) " (٦)، وكل هذا سيَمُر معنا. إذن، لم يَتَّخذوا فُرُشًا مخصوصةً للصلاة، كما يَحْصل اليوم من بعض مَنْ يأتون المسجد، ترَى بعضهم يتأبط سجادةً لا يصلي إلا عليها رغم وجود فُرُش بالمسجد، وَسَلامتها من النجاسة، لكنها العادة التي اعتادوها؛ وهي خاطئة.

стр. 1366

و"الطنافس": جمع طنفسة، وهي نوعٌ من المنسوجات أو الأقمشة يُفْرش بها (١). وَللفائدة نَذْكر ما حَصَل زمن مالك ﵀، حيث قَدِمَ عليه من العراق المُحدِّث الكبير والعالم الجليل عبد الرحمن بن مهدي ﵀، فَدَخل مسجد رسول الله ﷺ ، وافترش سجادةً ليصلي عليها، فبلغ الأمر مالكًا؛ فأمر بحبسه، فقيل لمالكٍ: إنه عبد الرحمن بن مهدي! فقال: إنه ابتدع في مسجدنا (٢). نقول: يصح أن نصلي على الصوف، والقطن، والوبر، وسائر ما تُنبته الأرض ويصير منسوجًا، وتصحُّ الصلاة أيضًا على جلود الحيوانات إذا طهرت، ونُقِلَ "أن جابرًا ﵁ كان يَكْره أن يُصلِّي على شيءٍ من الحيوان، ويحب أن يصلي على ما تنبته الأرض" (٣)، وهذا رأيٌ له، لكن عامة الصحابة والعلماء لا يرون بأسًا في ذلك (٤). (وَاتَّفَقُوا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الأَرْضِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطَّنَافِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ).

стр. 1367

وَالخلَافُ ليس على الصحَّة إنما على الكراهة. وقَدْ ذكرنا ما مَنَّ الله به علينا من نعمة هذه الفُرُش الناعمة التي نُصلِّي عليها، وهي تَسْتوجب منا الشكر، لكن نُهِينَا عن الخُيَلاء، فلا ينبغي أن نُغَالي فيها، كما لا نغالي في حياتنا، سواء في مشينا أو ملبسنا؛ لذلك صح أن "مَنْ جرَّ ثَوْبَه خُيَلاء، فهو في النار" (١). وفي حديثٍ آخَرَ: من الثلاثة الَّذين لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ: الرجل الذي جرَّ ثوبه خيلاء (٢). فَعَلى المسلمين أن يتواضعوا في مساجدهم وأبنيتهم، كما يتواضعون في أنفسهم، ولذلك وَرَد في الحديث الصحيح: "البذَاذَة من الإيمان" (٣)، حتى وإنْ كان لابسًا ثيابًا حسنةً؛ لأنه ثَبتَ في الحديث الصحيح: "إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال" (٤). إذًا، الإسلام لا يَمْنع من النظافة والجمال وحُسْن الملبس، ولكنه يُحرم الكِبْرَ والخيلاء، ويحث على التواضع، وقَدْ قال رسول الله ﷺ :

стр. 1368

"إن الله يحب أن يُرَى أثر نعمتِهِ على عبده" (١). فالعبرة بمَا وَقَر في القلب، وصدَّقه اللسان، وكانت الجوارح دليلًا على ذلك. قوله: (مِمَّا يُقْعَدُ عَلَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، وَالجُمْهُورُ عَلَى إِبَاحَةِ السُّجُودِ عَلَى الحَصِيرِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ، وَالكَرَاهِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 1369

(البَابُ السَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ التُّرُوكِ التِي هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ) (وَأَمَّا التُّرُوكُ المُشْتَرَطَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مِنْهَا قَوْلًا، وَمِنْهَا فِعْلًا). التُّرُوك في الصلاة، منها أفعالٌ يجب على الإنسان أن يَتْركها؛ كالأَكْل، والشُّرْب، ومنها أقوالٌ كالكلام والضحك (١)، وهناك أشياء أخرى تَعْرض للمصلِّي، منها قولٌ، ومنها فعلٌ، ومنها ما يُبْطل الصلاة، ومنها ما لايُبْطلها، مثل: ١ - الأكل والشرب؛ فإنهما يبطلان الصلاة (٢). ٢ - الكلام، ومنه العَمْد لمصلحةٍ أو لغير مصلحةٍ، أو لما له علاقة بالصلاة (٣)، وقَدْ يكون ناسيًا أنه في صلاةٍ، وقَدْ يكون ظانًّا أن الصلاة قد انتهت، وقد يغلبه الكلام في الصلاة بدون قصدٍ لا سيما إذا كان بَكَّاءً، فَتأوَّه أو قال: "آه"، ونحو ذلك، وقد يكون مُكرَهًا على الكلام بأن يُهدَّد وهو يصلي، وقد ينعس فيتفوَّه بتمتماتٍ (٤).

стр. 1370

ولا يمكن أن نعطي حكمًا واحدًا على كل هذه المسائل؛ لأنها محل خلافٍ بين العلماء، لكن المسألة المجمَع عليها: بُطْلان صلاة مَنْ تكلَّم عامدًا عالمًا بالتحريم (١)؛ لحديث مُعَاوية بن الحكم السُّلمي ﵁ قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فَرَماني القوم بأَبْصَارهم، فقلت: أمياه -وَفِي بعض الروايات: أبياه (٢) - مَا شأنكم؟ فأخذوا يَضْربون بأيديهم على أفخاذهم، يريدون أن أسكت فَسَكت، فلما انصرَف رسول الله ﷺ من صلاته، بأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: "إنَّ هَذِهِ الصَّلاة لا يَصْلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٤)، فكان معاوية لا يعلم أن الكلام في الصلاة قد حُرِّم؛ لأنه كان جائزًا عندما فُرِضَتْ، ولذلك لم يأمره بإعادة الصلاة. وقَدْ أشار المؤلف إلى حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي قال فيه: كنَّا نتكلم في الصلاة حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾. وفي رِوَايةٍ في "الصَّحيحين": "أُمِرْنا بالسُّكوت" (٥)، وزاد مسلم: "ونُهِينَا عن الكلام" (٦).
следующие страницы →