و"الطنافس": جمع طنفسة، وهي نوعٌ من المنسوجات أو الأقمشة يُفْرش بها (١).
وَللفائدة نَذْكر ما حَصَل زمن مالك ﵀، حيث قَدِمَ عليه من العراق المُحدِّث الكبير والعالم الجليل عبد الرحمن بن مهدي ﵀، فَدَخل مسجد رسول الله ﷺ ، وافترش سجادةً ليصلي عليها، فبلغ الأمر مالكًا؛ فأمر بحبسه، فقيل لمالكٍ: إنه عبد الرحمن بن مهدي! فقال: إنه ابتدع في مسجدنا (٢).
نقول: يصح أن نصلي على الصوف، والقطن، والوبر، وسائر ما تُنبته الأرض ويصير منسوجًا، وتصحُّ الصلاة أيضًا على جلود الحيوانات إذا طهرت، ونُقِلَ "أن جابرًا ﵁ كان يَكْره أن يُصلِّي على شيءٍ من الحيوان، ويحب أن يصلي على ما تنبته الأرض" (٣)، وهذا رأيٌ له، لكن عامة الصحابة والعلماء لا يرون بأسًا في ذلك (٤).
(وَاتَّفَقُوا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الأَرْضِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطَّنَافِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ).
стр. 1367
وَالخلَافُ ليس على الصحَّة إنما على الكراهة.
وقَدْ ذكرنا ما مَنَّ الله به علينا من نعمة هذه الفُرُش الناعمة التي نُصلِّي عليها، وهي تَسْتوجب منا الشكر، لكن نُهِينَا عن الخُيَلاء، فلا ينبغي أن نُغَالي فيها، كما لا نغالي في حياتنا، سواء في مشينا أو ملبسنا؛ لذلك صح أن "مَنْ جرَّ ثَوْبَه خُيَلاء، فهو في النار" (١).
وفي حديثٍ آخَرَ: من الثلاثة الَّذين لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ: الرجل الذي جرَّ ثوبه خيلاء (٢).
فَعَلى المسلمين أن يتواضعوا في مساجدهم وأبنيتهم، كما يتواضعون في أنفسهم، ولذلك وَرَد في الحديث الصحيح: "البذَاذَة من الإيمان" (٣)، حتى وإنْ كان لابسًا ثيابًا حسنةً؛ لأنه ثَبتَ في الحديث الصحيح: "إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال" (٤).
إذًا، الإسلام لا يَمْنع من النظافة والجمال وحُسْن الملبس، ولكنه يُحرم الكِبْرَ والخيلاء، ويحث على التواضع، وقَدْ قال رسول الله ﷺ :
стр. 1368
"إن الله يحب أن يُرَى أثر نعمتِهِ على عبده" (١).
فالعبرة بمَا وَقَر في القلب، وصدَّقه اللسان، وكانت الجوارح دليلًا على ذلك.
قوله: (مِمَّا يُقْعَدُ عَلَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، وَالجُمْهُورُ عَلَى إِبَاحَةِ السُّجُودِ عَلَى الحَصِيرِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ، وَالكَرَاهِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) (٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 1369
(البَابُ السَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ التُّرُوكِ التِي هِيَ شُرُوطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ)
(وَأَمَّا التُّرُوكُ المُشْتَرَطَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مِنْهَا قَوْلًا، وَمِنْهَا فِعْلًا).
التُّرُوك في الصلاة، منها أفعالٌ يجب على الإنسان أن يَتْركها؛ كالأَكْل، والشُّرْب، ومنها أقوالٌ كالكلام والضحك (١)، وهناك أشياء أخرى تَعْرض للمصلِّي، منها قولٌ، ومنها فعلٌ، ومنها ما يُبْطل الصلاة، ومنها ما لايُبْطلها، مثل:
١ - الأكل والشرب؛ فإنهما يبطلان الصلاة (٢).
٢ - الكلام، ومنه العَمْد لمصلحةٍ أو لغير مصلحةٍ، أو لما له علاقة بالصلاة (٣)، وقَدْ يكون ناسيًا أنه في صلاةٍ، وقَدْ يكون ظانًّا أن الصلاة قد انتهت، وقد يغلبه الكلام في الصلاة بدون قصدٍ لا سيما إذا كان بَكَّاءً، فَتأوَّه أو قال: "آه"، ونحو ذلك، وقد يكون مُكرَهًا على الكلام بأن يُهدَّد وهو يصلي، وقد ينعس فيتفوَّه بتمتماتٍ (٤).
стр. 1370
ولا يمكن أن نعطي حكمًا واحدًا على كل هذه المسائل؛ لأنها محل خلافٍ بين العلماء، لكن المسألة المجمَع عليها: بُطْلان صلاة مَنْ تكلَّم عامدًا عالمًا بالتحريم (١)؛ لحديث مُعَاوية بن الحكم السُّلمي ﵁ قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فَرَماني القوم بأَبْصَارهم، فقلت: أمياه -وَفِي بعض الروايات: أبياه (٢) - مَا شأنكم؟ فأخذوا يَضْربون بأيديهم على أفخاذهم، يريدون أن أسكت فَسَكت، فلما انصرَف رسول الله ﷺ من صلاته، بأبي وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: "إنَّ هَذِهِ الصَّلاة لا يَصْلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (٤)، فكان معاوية لا يعلم أن الكلام في الصلاة قد حُرِّم؛ لأنه كان جائزًا عندما فُرِضَتْ، ولذلك لم يأمره بإعادة الصلاة.
وقَدْ أشار المؤلف إلى حديث زيد بن أرقم ﵁ الذي قال فيه: كنَّا نتكلم في الصلاة حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾.
وفي رِوَايةٍ في "الصَّحيحين": "أُمِرْنا بالسُّكوت" (٥)، وزاد مسلم: "ونُهِينَا عن الكلام" (٦).
стр. 1371
وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: "كنا نسلِّم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا السلام"، وهذا كان بمكة، قال: "فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: كنا نسلم عليك يا رسول الله فكنتَ ترد علينا. فقال: "إنَّ فِي الصَّلاة لشغلًا" (١).
وفي روايةٍ: "إِنَّ اللهَ يحدث من أمره ما يشاء، وإن اللّه أحدث ألَّا تكلموا في الصلاة" (٢).
إذًا، المقصود من الكلام في الصلاة هو الكلام العام، أما الكلام بالقراءة والذكر والتسابيح التي هي من الصلاة، فلا تَدْخل في الكلام المنهيِّ عنه؛ ولهذا ثَبتَ أنَّ الرسول ﷺ قال: "مَنْ نابه شيءٌ في صلاتِهِ، فليسبِّح الرجالُ، ولتُصفِّق النِّساءُ" (٣).
• مسألة:
لو انعكس الأمر، فصفق الرجال، وسبحت النساء، لم تبطل الصلاة، لكنه خلاف الصحيح (٤).
стр. 1372
ثم يرى الحنفية (أبو يوسف وغيره) أن أيَّ متكلم في الصلاة، سواء عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، أو لمصلحة الصلاةً أو غيرها؛ فصلاتُهُ باطلةٌ إلا أنْ يُسبِّح، فَحِينَئذٍ يفصلون الحكم (١).
وَيجُوز ردُّ السلام إشارةً باليد (٢)، ويجوز الانتظار والرد بعد الفراغ
стр. 1373
منها؛ فقد سلم رَسُولُ الله ﷺ على أُبيِّ بن كعب، فلم يرد، وأسرع في صلاته، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فَسَأله الرسول ﷺ : "سلمتُ عليك فلم تجبني؟! "، فقال: إنني كنت أصلي، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "ألَيْسَ فيما أوحي إليَّ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " (١)،
أما مَنْ تكلَّم في الصلاة ناسيًا، فيأخذ حكم الجاهل في عدَم بطلان صلاتِهِ، ومن العلماء مَنْ قال بإعادة صلاة الجاهل، لا سيما الحنفية الَّذين تشدَّدوا في هذه المسألة، أما الشافعية (٢) والحنابلة، فَلَهم روايتان في
стр. 1374
المسألة (١).
أما مَنْ ظنَّ أن الصلاة تمت فتكلم، فهنا فصَّل العلماء الحكمَ (٢).
стр. 1375
ومعنا دليلٌ قويٌّ وعمدةٌ في هذه المسألة، وهو قصة ذي اليدين: "أنه عندما صلى رسول الله صلاة الرباعية، سلَّم من اثنتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فقال: "لم تقصر، ولَمْ أنسَ"، ثم اتجه رسول الله ﷺ يسأل الصحابة: "أصدق ذو اليدين؟ "، قالوا: نعم، فقال: فصلى ركعتين ثم سلم، وسجد للسهو" (١).
فتكلم ذو اليدين وهو مأمومٌ، وتكلم رسول الله ﷺ مع القوم، وردوا
стр. 1376
عليه؛ ومع ذلك لم يستأنف الرسول ﷺ صلاته، إنما بنَى على ما مضى.
فمن هنا نقول: إن النَّاسي يدخل في ذلك.
وقَدْ فصَّل بعض العلماء، فقالوا: إن كان الذي يظن أن الصلاة قد تمت ولم يحصل موافقة إلا التسليم من الصلاة، فهذا لا يضر، لأنه موافق للنص، أما إن كان كلامه خارجًا عن أمر الصلاة كأن يقول: "ناولني كذا"، أو نحو ما يخرج عن أمور الصلاة؛ فأكثر العلماء على بطلان صلاتِهِ (١) إلا قليلًا يُجَوِّزون (٢).
وبَعْضُهُم يقولون بأن حديث ذي اليدين منسوخٌ (٣)، لأنهم قالوا: إنَّ ذي اليدين مات يوم بدرٍ، ولعله التبس على البعض وإلا فالصحيح الذي حققه العلماء أن الذي تُوفِّي يوم بدرٍ إنما هو الشمالين غير ذي اليدين، فهذا اسمه عمر بن عمر، والآخر الخرباق بن عمر (٤)، فيلتقيان في اسم الأب، ولذلك سنرى أن الذي روى إنَّما هو أبو هريرة الذي أسلم في السنة السابعة يوم خَيْبَر، وللعلماء كلام طويل في هذه المسألة (٥).
стр. 1377
أما حديث عبد الله بن مسعود إنما كان بمكة؛ لأنه بعد أن هاجر إلى الحبشة، فهو حديث ناسخٌ، ومعه حديث زيد بن الأرقم (١).
قوله: (فَأَمَّا الأَفْعَالُ، فَجَمِيعُ الأَفْعَالِ المُبَاحَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إِلَّا قَتْلَ العَقْرَبِ وَالحَيَّةِ فِي الصَّلَاةِ).
وَرَد في ذلك عن الرسول ﷺ "أنه أمر بقتل الأسودين؛ الحية والعقرب" (٢)، فهذا دليل للعلماء، وهناك مَنْ ينازع إلا أن دليلَه ضعيف.
قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِمُعَارَضَةِ الأَثَرِ فِي ذَلِكَ لِلْقِيَاسِ، وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ عَلَى جَوَازِ الفِعْلِ الخَفِيفِ).
الفعل الخفيف الذي لا يؤثر في هيئة الصلاة، كما فتح الرسول البابَ لأُمَامة (٣)، وكما حمل الحسن والحسين على ظهره، إذ كانا يصعدان وينزلان وهما صغيران (٤)؛ فعلى هذا، الحركة اليسيرة لا تؤثر في الصلاة، أما إذا كَثُرت وتَجَاوزت الحد، فإنها -بِلَا شكٍّ- تؤثر على الصلاة، وأكثر
стр. 1378
مَنْ يتشدَّد من الفقهاء في هذه المسألة الحنفية، ولعله تأتى زيادةُ بَيَانٍ وتفصيلٍ في هذه المسألة (١).
قوله: (وَأَمَّا الأَقْوَالُ، فَهِيَ أَيْضًا الأَقْوَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ أَقَاوِيلِ الصَّلَاةِ، وَهَذِهِ أَيْضًا لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا (٢)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]).
فالآية فيها بيان كلام زيد بن الأرقم: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (٣).
قوله: (وَلِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِي أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَمِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ" (٤)، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: "كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]) (٥).
رواية: "كنَّا نتكلم في الصلاة لا يكلم أحدنا صاحبه إلى جنبه … "، متفق عليها، وجاءت زيادة في مسلمٍ: "نهينا عن الكلام"، وهي تؤكد الأولى، وإلا فالأُولَى كافيةٌ (٦).
стр. 1379
قوله: ("فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ"، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ صَلَاتَنَا لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَقِرَاءَةُ القُرْآن") (١).
أتَى المؤلف هنا بجزءٍ من الحديث، وقَدْ سَبَق وأوردناه كاملًا أثناء الشَّرح، وسيأتي مرةً أُخرى ليستدل به وبغيره من هذه الأحاديث على التكبير -إن شاء الله- في مسألةٍ قريبةٍ قادمةٍ.
قوله: (إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِذَا تَكَلَّمَ سَاهِيًا (٢)، وَالآخَرُ إِذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ، وَشَذَّ الأَوْزَاعِيُّ، فَقَالَ: مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ أَوْ لِأَمْرٍ كبِيرٍ، فَإِنَّهُ يَبْنِي) (٣).
" يبني"، أي: يستمر في صلاته، و"إحياء نفس" بأن يرى -مثلًا- إنسانًا أو طفلًا أو أعمًى سيسقط في نارٍ أو بئرٍ، فيُنبِّهه، وبهذا لا تتأثر صلاته، بل يبني ويستمر.
قوله: (وَالمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ التَّكَلُّمَ عَمْدًا عَلَى جِهَةِ الإِصْلَاحِ لَا يُفْسِدُهَا (٤)).
стр. 1380
هذه أيضًا ورد فيها رواياتٌ في مذهبي الشافعية والحنابلة، ويعني المؤلف أن المذهبين يلتقيان مع بعضهما، لكن الحقيقة أنه عند تحرير مذهب الحنابلة نَرَاهم اعتبروا ذلك داخلًا ضمن النسيان، فيرون أن الرسول ﷺ نسي لأنه قال: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت"، لكن الواقع أن الرسول ﷺ وَجَّه لهم ذلك وأجابوا.
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهَا التَّكَلُّمُ كيْفَ كَانَ إِلَّا مَعَ النِّسْيَانِ) (١).
إلا النسيان والجهل (٢)، ويلتقي أحمد مع الشافعيِّ في ذلك (٣).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُفْسِدُهَا التَّكَلُّمُ كَيْفَ كَانَ) (٤).
أَكْثَر المَذَاهب تَشددًّا في هَذِهِ المسألة هم الحنفية، فإنهم حَسَموا القول في ذلك، وَرَأوا أن أي كلامٍ في الصلاة يفسدها؛ سَوَاء كان المتكلم عامدًا أو ساهيًا، وسواء لإصلاحَ الصلاة أو غير ذلك، وَسَواء غلب على أمره أو لم يغلب، حتى وإن كانت الكلمة من حرفين، فإنه يفسد عندهم الصلاة (٥).
стр. 1381
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ المُتَقَدِّمَةَ تَقْتَضِي تَحْرِيمَ الكَلَامِ عَلَى العُمُومِ).
إن حديث: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس" (١) لا ينفي أي كلامٍ، فهو عامٌّ، مَنْ أخذوا به وبغَيْره من الأدلة العامة قالوا بعَدَم جوَاز الكلام مطلقًا، ومَنْ نَظَروا إلى الأدلة الأخرى، وإلى أسباب الكلام، مع أمْرَي النسيان والإكراه؛ اعتبروا بها شرعًا (٢)، وسيأتي حديثٌ في آخِرِ هذه المسَألة يُذْكر أن الشافعي يستدل به.
قوله: (وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ المَشْهُورَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ" (٣). ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ وَالنَّاسُ مَعَهُ).
مثل هذا يَتَرتب عليه مسألة سجود السهو، وللعلماء كلامٌ في هذه المسألة، هل يكون السُّجُود قبل الصلاة أو بعدها، وقَدْ عقد المؤلف بابًا مستقلًّا لهذه المسألة سنعرض له إن شاء الله.
قوله: (وَأَنَّهُمْ بَنَوْا بَعْدَ التَّكَلُّمِ، وَلَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ التَّكَلُّمُ صَلَاتَهُمْ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا الظَّاهِرِ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ الكلَامَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ، اسْتَثْنَى هَذَا مِنْ ذَلِكَ العُمُومِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ).
اختلَف أهل العلم في هذا الكلام على ما إذا كان يدخل في باب التعمُّد لمصلحة الصلاة أو في باب النسيان؛ فالذين اقتصروا على الجهل
стр. 1382
والنسيان، حملوا الحديث عليه، والذين قالوا بالعمد لمصلحة الصلاة كالمالكية حملوا ذلك أيضًا عليه (١).
قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَمْدًا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ، وَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﵊ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَمَّتْ).
إذًا، فعلَى تَأْويل المؤلف: منهم مَنْ ظنَّ أن الصلاة قَدْ قصرت، ومنهم من ظنَّ أن الصلاةَ تامةٌ.
قوله: (وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ تَكَلَّمُوا بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَمَا نَسِيتُ"، قَالَ: إِنَّ المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ إِجَازَةُ الكَلَامِ لِغَيْرِ العَامِدِ).
كلما تكلم المؤلف عن الشافعي، فأحمد معه؛ لأن رأيهما واحدٌ فيها من حَيْث الجُمْلة (٢).
قوله: (فَإِذًا، السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي المُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ العُمُومِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ هَذَا الحَدِيثِ).
المَالكيَّة يَحْملون ذلك على العمد، ولا تبطل الصَّلاة إذا كان
لإصلاحها؛ لأنَّ الرسول ﷺ بنَى على ما مضى، أما الآخرون فيعدون كلام ذي اليدين سؤالًا وظنًّا أن الصلاة قد قصرت، أو أن الرسول ﷺ نسي؛ فهو يريد أن يتتبع، والمسلمون تكلموا لمَّا سألهم الرسول ﷺ ، وهم مطالبون بأن يجيبوا في هذه المسألة.
стр. 1383
قوله: (مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَمَدَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَصْلًا عَامًّا، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ .. ") (١).
هذا الحديث (٢) من الأحاديث المهمة في الشريعة، وَقَد اشتمل على أمورٍ ثلاثةٍ: أن اللهَ رَفَع عن الأمة الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكرهوا عليه، وَهَذه الثلاثة أمور يَذْكرها العلماء ضمن أمورٍ سبعةٍ، وهي أسباب التخفيف، مثل:
• المرض؛ فالشريعة راعت المريض، وخففت عنه كثيرًا من الأحكام في حال مرضه.
• السفر؛ فالمسافر يقصر الصلاة، ويجمع بين الصلاتين، ولا تلزمه الجمعة، ويمسح ثلاثة أيام بلياليهن، وغير ذلك من الأحكام التي تخصه.
• النقص؛ فهنالك من الناس مَنْ هو أقل من بعض، فالمملوك أقل من الحر، ولذلك نجد أن الحد بالنسبة للعبيد على النصف من الأحرار، ونجد أن المرأة لا تجب عليها جمعة، ولا جماعة.
• عُمُومُ البلوى؛ فنرى ذلك في الاستحاضة، وَسَلس البول.
стр. 1384
وغير ذلك من أسباب التخفيف التي وردت، وقد عقد لها العلماء أبوابًا خاصة في كتبهم، وأكثروا من ذِكْرِهَا في كتب الفقه، وخَصَّصوا لها في الأشباه والنظائر حَيِّزًا كبيرًا (١).
إذًا، الناسي والمُكرَه والمخطئ لكلٍّ منهم أحكامه التي تخصُّهُ؛ لأنَّ الشريعة نَظَرتْ إليهم نظرةً خاصةً، والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وَكَذلك الجاهل أيضًا له أحكامه التي تخصه.
وليس الجهل أو النسيان في كل حالة على إطلاقها، فلو أن إنسانًا نسي أو جَهِلَ ركنًا من أركان الصلاة؛ لَما سقط عنه ذلك الركنُ؛ فهناك قضايا مستثناة (٢).
قوله: (مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَمَدَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ أَصْلًا عَامًّا).
قد مر بنا الكلام عن هذا في أحكام الطهارة.
قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَحَمَلَ أَحَادِيثَ النَّهْي عَلَى عُمُومِهَا، وَرَأَى أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِحَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ، وَأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا) (٣).
يَتبيَّن لنا أن حَمْل أحاديث النهي على عمومها هو رأي الحنفية، وبقية العلماء خَصَّصوا، وَهُنَاك مَنْ يُوَافق الحنفية أن حديث ذي اليدين منسوخٌ (٤)، وقَدْ سَبق بيان دَعْوى النسخ، والرد عليها.
стр. 1385
وَالَّذين قالوا بعُذْر الناسي، وصحَّة صلاته، لهم وجهٌ، ولهم أدلتُهُم، وهي أدلة صحيحة كما بينَّا، وكذلك أيضًا مَنْ يتكلمون عن المغلوب أو الجاهل (١).
أمَّا من يتكلم عمدًا؛ فالظاهر أنَّ صلاته باطلةٌ إذا كان لإصلاح الصلاة، وَسَبَق تفصيل ذلك (٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الثَّامِنُ: فِي مَعْرِفَةِ النِّيَّةِ، وكَيْفِيَّةِ اشْتِرَاطِهَا فِي الصَّلَاةِ)
" النيَّة": أصلها "نِوْيَة"، اجتمعت الواو والياء في كلمةٍ، فسبقت إحداهما في السكون، وهذه قاعدة صرفية معروفة مطردة (٣)، فقلبت الواو ياءً؛ فسارت "نية"، ثم أدغمت إحدى الياءين؛ فصارتا "نية" (٤).
والحقيقة، أنه مهما تكرر الكلام عن النية، فلا بد أن نبيِّنه؛ نَظرًا لأهمِّيَّتها، وكَمَا هو معلومٌ أن النية محلها القلب، وهي الإخلاص؛ لأن الإخلاص إنما هو عمل القلب.
وقَدْ مَرَّ معنا في اشتراط النية فِي الوضوء والحج، وهاهنا نجدد
стр. 1386
الكلام عنها في الصلاة، لكننا نرى خلافًا بين العُلَمَاء في اشتراط النيَّة في الوضوء والغسل (١)، ونرى أنهم اتَّفقوا على اشتراطها في التيمم (٢)، كما
стр. 1387
أنهم أجْمَعوا على أن النية فرضٌ في الصلاة (١)، لكن الخلاف بينهم: هل هي فرض من فروض الصلاة، فتكون جزءًا منها، أو هي كاستقبال القبلة، وستر العورة (٢).
стр. 1388
ولكنهم اتفقوا على أن الصلاة بدون نية غير صالحة، وهنا يفرِّعون مسائل كثيرة على النية لم يذكر المؤلف منها سوى مسألة واحدة سيأتي بيانها.
ومسألة النية - كما قدَّمنا - عُنِيَ بها العلماء، ومنهم مَنْ كتب فيها كتابة مستقلة؛ كالإمام القرافي المالكي المعروف في رسالته المعروفة "الأمنية في إدراك النية"، و "منتهى الآمال في شرح الحديث: "إنما الأعمال … " للسيوطي.
وَتعرَّض لشرح الحديث ابن حجر في "فتح الباري"، وذلك في عدة مواضع، وتعرض له أيضًا النووي في "شرح مسلم"، وغير هؤلاء من العلماء.
والنية هي التي تميز أفعال العباد ما بين العبادات والعادات، ثم تميز بعض العبادات عن بعضٍ، فالوضوء عبادة، والإنسان يتوضأ قد يريد به الصلاة، أو قراءة القرآن، أو الطواف … وقد يتوضأ، أو يغتسل يريد النظافة، وهنا تكون عادة من العادات.
كذلك الصوم، فقَدْ يصوم صيامَ فرضٍ كرمضان، أو تطوعٍ ناويًا العبادة، أو صيام واجب بوفاء نذرٍ، أو صيام لأجل الحِمْية (١) الغَذائية، وتنظيم الغذاء؛ فلا شك أن لكلٍّ نيَّته.
كذلك إنفاق المال، فقَدْ تذهب وتُعْطي أحدًا على سبيل الزكاة، وقد
стр. 1389
تُعْطي على سَبيل الصدقة، وقَدْ يكون على سبيل القرض أو التبرُّع، وقَدْ يكون على سبيل غرضٍ كرشوةٍ ونحوها؛ فالذي يميز ذلك كله النية.
وقَدْ يجاهد الإنسان حَمِيَّةً أو عصبيةً، وهذا قد وقع في زَمَن الرسول ﷺ في قصة الرجل الذي امتنع، ثم وجد يتشحط بدمه (١)، فذكرت قصته لرسول الله ﷺ ، فقال: "هو في النار"، فتعجبوا، فرجعوا فوجدوه في آخر رمقٍ من حياته فسألوه، فبين أنه قاتل عصبيةً (٢).
ولذلك، جاء في الحديث الصحيح: "مَنْ قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا، فَهو في سبيل الله، ومَنْ يقاتل حميةً أو عصبيةً، فهذا لا ينفعه إنما يهوي به في النار" (٣).
كذلك قَدْ يصلي الإنسان صلاةً ينوي بها وجه الله ﷺ ، وطلب الثواب منه؛ فيُثَاب، وقد يُصلِّي رياءً وسمعةً، وقد يكون في عبادةٍ، فيراه أحدٌ فيُزيِّنها لأجله؛ وهنا يكون قد خلط عملًا صالحًا بعملٍ سيئٍ، ولذلك
стр. 1390
جاء في الحديث الصحيح: "أنَا أغنَى الشُّركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه" (١).
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥]
إذًا، الإخلاص هو عمل القلب، ولا يصح عملٌ إلا به، وعملُ القلب هو النية، والنية محلها القلب، وقَدْ جاء في الحديث الصحيح: "إنَّما الأعْمَال بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نَوَى، فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورَسُولِهِ، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلَى ما هاجر إليه" (٢).
وقَدْ قدَّر العلماء في هذا الحديث محذوفًا "إنما الأعمال … "، أي: إنما ثواب الأعمال، أو صحة الأعمال (٣)، وهناك عدة تقديرات أُخرى ذَكَرها العلماء في هذا الحديث (٤).
إذًا، النيَّةُ أمرُهَا عظيمٌ، وتميِّز بها بين العادات والعبادات، ولذلك فمَن أخلصَ في عمله، فإنه ينال الثواب، ولذلك عندما نتحدث عن التكبير في الصلاة، سنجد أن العلماء أيضًا تكلموا عن النية.
стр. 1391
مثال ذلك:
مَنْ أراد أن يصلي صلاةً، فبعض العلماء يقول: لا بد له من أمور ثلاثة:
الأول: أن يَنوِيَ فِعل الصلاة.
الثاني: أن ينوي تعَيُّن الصَّلاة، هل هي العشاء أو الظهر، أو العصر.
الثالث: أن ينوي بها الفريضة؛ لأن هناك صلوات نافلة.
فالأولان متفق عليهما بلا خلاف بين العلماء مِنْ حيث الجملة، لكنهم يختلفون في اشتراط الفرضية (١).
стр. 1392
مثال ذلك: لو أنَّ إنسانًا جَاءَ إلى صلاة الظهر؛ فهو ينوي فِعْلَ هذه الصلاة، وكذلك ينوي تعيُّنها، لكن هل يحتاج أن يضيفَ إلى ذلك الفريضة، أو أنَّ ذلك معروفٌ بأن الظهر صلاة مكتوبةٌ مفروضة ومحفوظة في هذا الوقت؟
الجواب: بعض العلماء يتشدَّد في نية تعيين الفرضية ويشترطها؛ لأن الصلاة المكتوبة قد تكون فرضًا في حقِّ البعض، وقَدْ تكون غير فرضٍ في حقِّ آخرين؛ فَالصَّغيرُ لا تَجب في حقه، بَلْ هي نفلٌ؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ يقول: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثةٍ … "، وذكر منهم الصغير حتى يبلغ (١).
كَذَلك الذي أدَّى الصلاة وأراد أن يعيدها مع الجماعة، فهي في حقه نافلة (٢) بدليل الحديث الصَّحيح الذي أخرجَه مسلمٌ في "صحيحه" من
стр. 1393
حديث أبي ذرٍّ، عندما قال له رَسُولُ الله ﷺ : "كيفَ أنتَ إذا كان عَلَيك أُمَراء يُؤخِّرون الصَّلاة عن وقتها؟ "، قال: يا رسول الله، فما تأمرني؟ قال: "صَلِّ الصَّلاة لوَقْتها - أَيْ: وَحْدك - فإن أدركتها معهم، فإنها تَكُون لك نافلة" (١).
وَمِنْ فَوَائد هذا الحديث: أنَّ فيه حَضًّا من الرَّسُول ﷺ ، وأمرَ إلزام بلُزُوم جماعة المسلمين؛ لأنه قال: "فَإِنْ أَدْرَكتها معَهم فَصلِّ"، وَحذَّرَه مِن ألَّا يُصَلي معهم؛ لأن في عدم الصلاة معهم افتياتًا على الإمام (٢)، وخروجًا عن جماعة المسلمين في عدم الصلاة معهم؛ فلا ينبغي أن يلقي الإنسان نفسه في الشبهة والريبة؛ ولذلك جاء في قصة الرجلين عندما كان رسول الله ﷺ يصلي بالناس صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما انصرف من صلاته وجد رجلين قد اعتزلا القوم، فجيء بهم ترتعد فرائصهم (٣)، فقال لهما ﷺ : "ما مَنعَكُمَا أن تُصلِّيا معنا؟ " (٤).
وَفِي حَديث الرَّجلين اللَّذين صليا وحدهما، قال لأحدهما: "ألست مسلمًا؟ "، فقال: يا رسول الله، صلينا في رحالنا. قال: "إذا صلَّيتما فِي رِحَالِكُمَا، وأتيتما مسجد جماعة، فصليا، فإنها تكون لكما نافلة" (٥)؛
стр. 1394
لأن هذا شذوذ وخلاف، والمأمور به اجتماع المسلمين، وقد جاء الإسلام بجمع كلمة المسلمين، وتَوْحيد صُفُوفهم، ونبذ الخلاف بينهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
فيَنْبغي أن تكونَ اجتماعاتُ المُسْلمين حاصلةً في هذه الصلوات الخمس، حيمث يَجْتمعون في اليوم والليلة خمس مرات، ويجتمعون أيضًا في كل أسبوع مرةً في صلاة الجمعة؛ وهكذا تَحْصل الألفة والمودة والقوة للمسلمين.
إذًا، النية أَمْرها مهمٌّ، وَيَجب الاهتمام بها، ومع ذلك نجد أن العلماءَ يَضَعون من مسائل النية استصحاب حكم، أيْ: ألَّا ينوي قَطْعها.
مثال: إنسان يريد صلاة العشاء، فيَنْوي لذلك، ويَسْتصحب تواصلها وإكمالها وعدم قطعها؛ ولذلك قال: "استصحاب حكمها ألا ينوي قطعها".
مثال آخر: لو أن إنسانًا دخل في صلاةٍ من الصلوات المفروضة، ثم تذكر أنه نسي صلاةً فائتةً، فأراد أن يقطع نية الصلاة التي دخل فيها لينتقل إلى صلاة أُخرى، وهنا تبطل صلاتاه (التي دخل فيها، والتي أراد أن ينويها)؛ لأنه قطع النية بنيةٍ أُخرى، وفقَدَ تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى، ولم يأتِ بتكبيرة إحرام للصلاة الثانية (١).
وسيأتي كلام العلماء عن موضع النية بالنسبة للصلاة، فبعضهم قال بمُصَاحبتها تكبيرة الإحرام، أيْ: ينوي بقلبه، ويتلفَّظ بلسانه؛ فيتواكبان معًا كما هُوَ مَذْهب الشافعيَّة (١)، وبعضهم قال بتقدُّمها تقدُّمًا يسيرًا دون فصلٍ كَمَا هو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وبعضهم قال بجَوَاز خروج الإنسان من بيتِهِ ناويًا الصلاة، وهذا رأيٌ لبعض الحنفية، وفي مقدمتهم أبو يُوسُف (٤).
стр. 1397
ومن هنا يتضح لنا عظم أمر النية.
وقَدْ يَنْشغل الإنسان بذهنه عمَّا نوى إليه كعادة سائر البشر، فيسرح في الصلاة؛ وهذا لا يؤثر على النية، لا سيما إذا استصحب ونوى ألَّا يقطعها بأيِّ قاطعٍ أو شاغلٍ.
وَسَببُ تلك الشَّواغل عن الصلاة إنما يأتي من ضعف الخشوع، وهذا نابعٌ من عدم حضور القلب؛ فكلما كان قلب المؤمن مطمئنًّا خاشعًا، وبالله مرتبطًا عما سواه؛ كان القلب أحضر، والجوارح أخشع؛ لذلك قال عمر: "لو خشع قلبه، لخشعت جوارحه" (١)، ومع ذلك عمر نفسه لم يسلم؛ لأنه بشرٌ ﵁؛ فيُذكَر أنه "جهَّز الجيش وهو في الصلاة" (٢).
فالذي كان يشغل فكره عنايتُه بأمر المسلمين، واهتمامُه بشُؤُونهم، وَسَعيُه ﵁ وغيره من الصحابة إلى ما فيه رِفْعَة المُسْلمين وَعزهم ومَجْدهم.
وهناك أمورٌ لا تحتاج إلى نيةٍ؛ كالإيمان بالله تعالى؛ لأن هذا أمر تصديق، فقد صدَّق العبد وآمَنَ وانتهى الأمر؛ فلا يحتاج إلى إيمانٍ في وقتٍ دون وقت، ومما يدخل فيما لا نية فيه عند بعض العلماء قراءة القرآن، وكذلك بعض المعاملات كالزواج؛ فقد قال الرسول ﷺ : "النكاح سُنَّتي، فمَنْ رَغب عن سُنَّتي فليس مني" (٣)، أما لو نوَى بالزواج تكثير
стр. 1398
المسلمين، والأبناء الصالحين الذين يتعلمون العلم وينشرون الفضيلة، ليهدي الله بهم جمعًا من الناس، كما قال رسول الله ﷺ : "والله، لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النعم (١) " (٢)؛ فلا شك أنه يثاب، وإذا كان الإنسان يُثَاب على لقمةٍ يضعها في فيِّ امرأته يبتغي بذلك وجه الله (٣)، أفلا يُؤْجر على هذا.
قوله: (فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى كَوْنِهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِكَوْنِ الصَّلَاةِ هِيَ رَأْسَ العِبَادَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّرْعِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ مَعْقُولَةٍ) (٤).
هي رأس العبادات؛ لأن العلماء يقسمون الأحكام في الشريعة إلى أقسام:
القسم الأول: العقيدة، وهي أصل كل شيء؛ فإذا فسدت العقيدة، فسَدَ كل شيء، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خَيْره وَشَره، وما يتبع ذلك من البعث والجزاء والنشور.
القسم الثاني: أحكام العبادات.
القسم الثالث: أحكام المعاملات، الخارجية منها كعلاقة الدول الإسلامية مع بعضها البعض، والداخلية كالزواج، ويُضَم الخراج (٥) إلى المعاملات، وأحكام أُخرى كثيرة تُضَم إلى المعاملات (٦).
стр. 1399
فالصلاة هي رأس العبادات؛ لأنها هِيَ الركن الثاني من أركان الإسلام، ولأهميتها ومكانتها في الإسلام، وقَدْ كَانَ الرسول ﷺ إذا حزَبَهُ أمرٌ فزعَ إلى الصلاة (١)، وكان يقول: "أَرِحْنَا يا بلَال" (٢).
قوله: (أَعْنِي مِنَ المَصَالِحِ المَحْسُوسَةِ).
يقصد بغير المعقولة المحسوسة، فَاللهُ تعبَّدَنا بأن نصلي الصَّلوات المفروضة خمس مرات في كُلِّ يومِ وليلةٍ، وَجَعل صلاة الظهر أربع رَكَعاتٍ لا يُجْهر فيهنَّ بالقراءة، وفيهَا ركوعٌ وسجودٌ، وغير ذَلكَ من الأحكام الكثيرة، وَحدَّد لنا في وقت الحصر صلاةً أُخرى نصليها أيضًا أربع ركعاتٍ لا يُجهَر فيهن بالقراءة؛ فكلتاهما سرية، ثم تأتي صلاة المغرب، وقد حُدِّدَت بثلاث ركعات، وتكون أول الليل والصلاة فيها جهرية، ولها وقت محدد، ثم تأتي صلاة العشاء وهي أربع ركعات، والقراءة فيها جهر أيضًا، ثم صلاة الفجر الجهرية، ولكنها ركعتان (٣)؛ لذلك يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
ثمَّ جاءت سُنَّة الرسول ﷺ ، ففصَّلَت لنا وبينت أحكام الصلاة تبيينًا دقيقًا شافيًا لا لبس فيه، ولا غموض، ولا إشكال يعتريه.
стр. 1400
قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِ المَأْمُومِ أَنْ يُوَافِقَ نِيَّةَ الإِمَامِ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ).
هنا دَخَل المؤلف في مسألةٍ تتعلق بارتباط الإمام بالمأموم.
معلومٌ أن الإمامَ قدوةٌ، لقول الرسول ﷺ : "إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتمَّ به" (١)، و "إنما" أداة حصر، فقصر الائتمام بالإمام، وسُمِّيَ إمامًا لتقدُّمه ليأتم به المأمون (٢).
وَالإمامُ قَدْ يحمل عن المأموم أشياء، منها: السُّترة (٣)، والقراءة (٤) إلا الفاتحة، وسيأتي الخلاف فيها.
إذًا، لا بد من موافقة نية المأموم لإمامه؛ فلو صلَّى الظهر، فليصل المأموم الظهر، وهكذا ما دام يصلي صلاةً مكتوبةً في وقتها، أما غير ذلك فليؤتم به في الأفعال لا كل شيءٍ، فللمأموم إن يصلي الظهر وراء إمام يصلي العصر بعد الجماعة الأولى، وله أن يدخل فيجد إنسانًا يقضي الصلاة بعد الإمام، فيَجْعله إمامًا له.
إذًا، قوله: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به … "، مراده أن بعض العلماء يشترطون أن تكون نية المأموم وَفْق نية الإمام، فلا يختلف عنه، فلو صلى نفلًا فيُصلَّى وراءه نفلًا، ولو فرضًا ففرضًا، ولا العكس، وبعض العلماء يُخَالفون في هذا (٥).
стр. 1401
وَالخلَاف يَدُور حول أَدلَّةٍ، منها:
أولًا: الحديث الذي ذَكَره المؤلف، وهو متفق عليه، قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (١)، فالمؤلف وقف هنا، ولكن جَاءَ في الحديث: "فَإذَا كبَّرَ فكَبِّروا، وإذا ركَع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فَاسْجُدُوا، وإذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون" (٢).
وفي بعض الروايات: "أجمعين" (٣).
وفي بعضها: "إذا قَالَ: سَمع الله لمَنْ حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمد" (٤).
فَالمُرَاد بمتابعة الإمام أنها تَخْتلف من حالٍ إلى حالٍ، والأقوال ليست كالأفعال، فلا مانعَ من أن تخالف نية المأموم نية الإمام (٥).
وقَدْ ثبت في صلاة الخوف سبع صفات، منها: "أن الرسول ﷺ صلى بطائفةٍ من المسلمين ركعتين ثم سلم"؛ لأنها تقصر الصلاة، "ثم صلى بالآخرين وسلم" (٦)، والصلاة الأولى فريضة في حقه، والثانية نفل (٧).
стр. 1402
ثانيًا: حديث معاذ الذي رواه عنه جابر، وهو متفق عليه "أنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة عشاء الآخرة في مسجده، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (١).
وجاءت زيادة صحيحة في غير "الصحيحين": "هي له تطوع، ولهم مكتوبة" (٢).
ومن هنا اختلف العلماء كما ذكر المؤلف في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل أو منعه، وهذا الحكم يترتب عليه أحكام كثيرة، فمَنْ يجيز اقتداء المفترض بالمتنفل يستدل بهذا الحديث وبغيره؛ لأنهم حملوا الأدلة على الأفعال دون الأقوال، ومن يمنع يستدل بحديث: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به … " (٣).
قوله: (وَفِي الوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ المَأْمُومُ ظُهْرًا بِإِمَامٍ يُصَلِّي عَصْرًا؟).
أَيْ: لَيْس له أن يصلِّي صلاةَ الظهر.
مثال: إنسانٌ فَاتَته صلاة الظهر ناسيًا أو نام عنها، أو عرض له عذرٌ مِن الأعذار، فجاء ليصليها وراء الإمام حينما ذكرها؛ فينوي ظُهرًا والإمام يصلي الفرض، فيدرك فضل الجماعة في هذه الحالة؛ لأنه صلى وراء إمامٍ.
قوله: (وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ الإِمَامُ ظُهْرًا يَكُونُ فِي حَقِّهِ نَفْلًا،
стр. 1403
وَفِي حَقِّ المَأْمُومِ فَرْضًا، فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُوَافِقَ نِيَّةُ المَأْمُومِ نِيَّةَ الإِمَامِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ (٣)).
هي أيضًا روايةٌ للإمام أحمد (٤).
وَذَهب الشَّافعيُّ وأحمد في الرواية الأخرى (٥)، وأيضًا قول لِكَثِيرٍ من العلماء من التابعين وغيرهم (٦).
стр. 1404
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ"، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ).
المؤلف قَدْ جاء بمعنى الحديث، وهنا لفظان: لفظ "إنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (١).
وزيادة غير "الصحيحين": "هي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء" (٢)؛ فهذا نص صريِح في زمن الرسول ﷺ ، وقد اشتهر ذلك أيضًا بين الصحابة أن معاذًا كان يُصلِّي مع رسول الله، فلا يمكن أن يُقدِمَ على عملٍ من الأعمال دون أن يتأكَّد من صحتها، ورسول الله ﷺ يعيش بين أظهرهم.
قوله: (فَمَنْ رَأَى ذَلِكَ خَاصًّا لِمُعَاذٍ، وَأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"، يَتَنَاوَلُ النِّيَّةَ - اشْتَرَطَ مُوَافَقَةَ نِيَّةِ الإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ).
دَعْوَى التخصيص هنا تحتاج إلى دليلٍ، فهذا حكم شرعي لا يختلف فيه معاذ عن غيره، فإن صحَّ لمعاذٍ، وجاز له أن يفعل ذلك، فليجوز لغيره؛ لأنه لَمْ يرد دليلٌ على التخصيص (٣).
стр. 1405
فَائدةٌ:
وُجُود الفواصل والنقط أمرٌ مفيد جدًّا، فأحيانًا يقع الإنسان في خطإٍ نتيجة عدم إدراكه لوجود فاصلٍ، أو نقطة تدلُّ على انتهاء الكلام؛ ولذلكَ نرى أن الكتب التي تعنى بمثل هذه العلامات فيها فوائدُ كبيرةٌ وتوجيهيةٌ للقارئ بانتهاء الكلام أو باستفهام أو بتعجُّب، وهكذا؛ فلا نظن أنها من الشكليات التي لا فائدة منها.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الإِبَاحَةَ لِمُعَاذٍ فِي ذَلِكَ هِيَ إِبَاحَة لِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ المُكَلَّفِينَ وَهُوَ الأَصْلُ، قَالَ: لَا يَخْلُو الأَمْرُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ).
والأصل في الأحكام العموم، ولكي نقول بالتخصيص لا بد من دليلٍ، وهذا بيانٌ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١).
ثم قلنا: إنه قد حَصَل للرسول ﷺ في صلاة الخوف، ودعوى أن صلاة الخوف تختلف عن غيرها، وأنه جاز فيها ما لم يَجُز في غيرها - مردودٌ بأن صلاةَ الخوف لها عدَّة صِفَاتٍ.
قوله: (إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ العُمُومُ الَّذِي فِيهِ لَا يَتَنَاوَلُ النّيَّةَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَفْعَالِ، فَلَا يَكُونُ بِهَذَا الوَجْهِ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ مُعَاذٍ (٢)، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَتَنَاوَلُهَا، فَيَكُونُ حَدِيثُ مُعَاذٍ قَدْ خَصَّصَ ذَلِكَ العُمُومَ، وَفِي النِّيَّةِ مَسَائِلُ لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ رَأَيْنَا