← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَالخلَاف يَدُور حول أَدلَّةٍ، منها: أولًا: الحديث الذي ذَكَره المؤلف، وهو متفق عليه، قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (١)، فالمؤلف وقف هنا، ولكن جَاءَ في الحديث: "فَإذَا كبَّرَ فكَبِّروا، وإذا ركَع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فَاسْجُدُوا، وإذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون" (٢). وفي بعض الروايات: "أجمعين" (٣). وفي بعضها: "إذا قَالَ: سَمع الله لمَنْ حمده، فقولوا: ربَّنا ولك الحمد" (٤). فَالمُرَاد بمتابعة الإمام أنها تَخْتلف من حالٍ إلى حالٍ، والأقوال ليست كالأفعال، فلا مانعَ من أن تخالف نية المأموم نية الإمام (٥). وقَدْ ثبت في صلاة الخوف سبع صفات، منها: "أن الرسول ﷺ صلى بطائفةٍ من المسلمين ركعتين ثم سلم"؛ لأنها تقصر الصلاة، "ثم صلى بالآخرين وسلم" (٦)، والصلاة الأولى فريضة في حقه، والثانية نفل (٧).

стр. 1402

ثانيًا: حديث معاذ الذي رواه عنه جابر، وهو متفق عليه "أنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة عشاء الآخرة في مسجده، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (١). وجاءت زيادة صحيحة في غير "الصحيحين": "هي له تطوع، ولهم مكتوبة" (٢). ومن هنا اختلف العلماء كما ذكر المؤلف في جواز اقتداء المفترض بالمتنفل أو منعه، وهذا الحكم يترتب عليه أحكام كثيرة، فمَنْ يجيز اقتداء المفترض بالمتنفل يستدل بهذا الحديث وبغيره؛ لأنهم حملوا الأدلة على الأفعال دون الأقوال، ومن يمنع يستدل بحديث: "إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به … " (٣). قوله: (وَفِي الوُجُوبِ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ المَأْمُومُ ظُهْرًا بِإِمَامٍ يُصَلِّي عَصْرًا؟). أَيْ: لَيْس له أن يصلِّي صلاةَ الظهر. مثال: إنسانٌ فَاتَته صلاة الظهر ناسيًا أو نام عنها، أو عرض له عذرٌ مِن الأعذار، فجاء ليصليها وراء الإمام حينما ذكرها؛ فينوي ظُهرًا والإمام يصلي الفرض، فيدرك فضل الجماعة في هذه الحالة؛ لأنه صلى وراء إمامٍ. قوله: (وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ الإِمَامُ ظُهْرًا يَكُونُ فِي حَقِّهِ نَفْلًا،

стр. 1403

وَفِي حَقِّ المَأْمُومِ فَرْضًا، فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُوَافِقَ نِيَّةُ المَأْمُومِ نِيَّةَ الإِمَامِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ (٣)). هي أيضًا روايةٌ للإمام أحمد (٤). وَذَهب الشَّافعيُّ وأحمد في الرواية الأخرى (٥)، وأيضًا قول لِكَثِيرٍ من العلماء من التابعين وغيرهم (٦).

стр. 1404

قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ ليُؤْتَمَّ بِهِ"، لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُصَلِّي بِقَوْمِهِ). المؤلف قَدْ جاء بمعنى الحديث، وهنا لفظان: لفظ "إنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة" (١). وزيادة غير "الصحيحين": "هي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء" (٢)؛ فهذا نص صريِح في زمن الرسول ﷺ ، وقد اشتهر ذلك أيضًا بين الصحابة أن معاذًا كان يُصلِّي مع رسول الله، فلا يمكن أن يُقدِمَ على عملٍ من الأعمال دون أن يتأكَّد من صحتها، ورسول الله ﷺ يعيش بين أظهرهم. قوله: (فَمَنْ رَأَى ذَلِكَ خَاصًّا لِمُعَاذٍ، وَأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"، يَتَنَاوَلُ النِّيَّةَ - اشْتَرَطَ مُوَافَقَةَ نِيَّةِ الإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ). دَعْوَى التخصيص هنا تحتاج إلى دليلٍ، فهذا حكم شرعي لا يختلف فيه معاذ عن غيره، فإن صحَّ لمعاذٍ، وجاز له أن يفعل ذلك، فليجوز لغيره؛ لأنه لَمْ يرد دليلٌ على التخصيص (٣).

стр. 1405

فَائدةٌ: وُجُود الفواصل والنقط أمرٌ مفيد جدًّا، فأحيانًا يقع الإنسان في خطإٍ نتيجة عدم إدراكه لوجود فاصلٍ، أو نقطة تدلُّ على انتهاء الكلام؛ ولذلكَ نرى أن الكتب التي تعنى بمثل هذه العلامات فيها فوائدُ كبيرةٌ وتوجيهيةٌ للقارئ بانتهاء الكلام أو باستفهام أو بتعجُّب، وهكذا؛ فلا نظن أنها من الشكليات التي لا فائدة منها. قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ الإِبَاحَةَ لِمُعَاذٍ فِي ذَلِكَ هِيَ إِبَاحَة لِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ المُكَلَّفِينَ وَهُوَ الأَصْلُ، قَالَ: لَا يَخْلُو الأَمْرُ فِي ذَلِكَ الحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ). والأصل في الأحكام العموم، ولكي نقول بالتخصيص لا بد من دليلٍ، وهذا بيانٌ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). ثم قلنا: إنه قد حَصَل للرسول ﷺ في صلاة الخوف، ودعوى أن صلاة الخوف تختلف عن غيرها، وأنه جاز فيها ما لم يَجُز في غيرها - مردودٌ بأن صلاةَ الخوف لها عدَّة صِفَاتٍ. قوله: (إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ العُمُومُ الَّذِي فِيهِ لَا يَتَنَاوَلُ النّيَّةَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إِنَّمَا هُوَ فِي الأَفْعَالِ، فَلَا يَكُونُ بِهَذَا الوَجْهِ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ مُعَاذٍ (٢)، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ يَتَنَاوَلُهَا، فَيَكُونُ حَدِيثُ مُعَاذٍ قَدْ خَصَّصَ ذَلِكَ العُمُومَ، وَفِي النِّيَّةِ مَسَائِلُ لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ رَأَيْنَا

стр. 1406

تَرْكهَا إِذْ كَانَ عَرْضُهَا عَلَى القَصْدِ الأَوَّلِ إِنَّمَا هُوَ الكَلَامُ فِي المَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ). المؤلف هنا يقول: "وفي النية مسائل"، فمثلًا من مسائل النية العامة ما يتعلَّق بالتكبير. قوله: (وَفِي النِّيَّةِ مَسَائِلُ لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالمَنْطُوقِ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ). " مَسَائل"، ممنوعةٌ من الصرف، أيْ أنها لا تُنَوَّن (١)، لكن لو أضيفت فإنها تُصْرف (٢). ويُنبه المؤلف هنا إلى قضيةٍ مهمَّةٍ ذات علاقة لمنهجه في الكتاب، فهو يريد أن يقول: إنَّ للنية مسائل كثيرة لم يَسْتوفِهَا، ولم يذكر إلا أُمَّهاتها، والمنطوق من الشرع عنى به النص، كآيةٍ أو حديثٍ، لكنها تتعلق بمفهومه؛ لذلك سنجده أنه في بعض المواضع يقتصر على ما نطق به النص، أو ما هو قريبٌ من النص، أما المسائل المُسْتنبطة، فهو لا يذكرها غالبًا، وإن ذكرها فإنه يأتي بها سردًا كما في مسائل الحج حيث عرض كثيرًا من المسائل الجزئية، وقد نبَّهْنا أن منهجه في الحج يختلف عنه في باقي الكتاب؛ لأنه في الأصل ألَّف في الحج كتابًا مستقِلًّا، ثم رأى أن يدخله في كتابه "بداية المجتهد".

стр. 1407

إذًا، المؤلِّف في كتابِهِ هذا يأخذ بأُمَّهات المسائل الَّتي جاءت نصًّا، مثل: "إنَّما الأعمال بالنيات … "، فأخذ هنا المسألة الكُبْرى وهي النيَّة، وإلا فَمَسائل النية كثيرة. مثالٌ: هناك إنسانٌ أراد أن يدخل في الصلاة، فيدخل بتكبيرة الإحرام، وهي ركنٌ من أركان الصلاة، وهناك من ينازع وبقول: بَلْ هي شَرْطٌ، وهذا اختلافٌ لفظيٌّ؛ لأن من يقول: إنها شرط، يرى أنها متعينة لا بد منها، ومن يقول: إنها ركن - وهو الأقرب - يرى أنها جزءٌ من الصلاة. الشاهد: أن مَنْ أراد الدخول في الصلاة، فَعَليه بأمور ثلاثة: (فعل الصلاة، وتعيينها، وكونها مكتوبة أو غير مكتوبة)، كلها تتعلق بالمسألة الكُبْرَى وهي النيَّة (١). [الجملة الثالثة: من كتاب الصلاة أركان الصلاة] قوله: (الجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهو مَعْرِفَةُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الأَقْوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَهِيَ الأَرْكَانُ وَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَةُ تَخْتَلِفُ فِي هَذَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، إِمَّا مِنْ قِبَلِ الِانْفِرَادِ وَالجَمَاعَةِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الزَّمَانٍ (مِثْلُ مُخَالَفَةِ ظُهْرِ الجُمُعَةِ لِظُهْرِ سَائِرِ الأَيَّامِ)، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الأَمْنِ وَالخَوْفِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ). هذه كلها أبواب يذكرها المؤلف هنا إجمالًا وسيعود إليها بشيء من التفصيل، وسيتكلم عن أركان الصلاة ومما سيتكلم عنه أيضًا قول:

стр. 1408

باسم الله، وافتتاح القراءة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعن حكم القراءة وهل وجوبها فقط في الركعتين الأوليين، كذلك يبحث أيضًا أحكام المسافر وغيرها من المسائل. قوله: (فَإِذَا أُرِيدَ أَنْ يَكُونَ القَوْلُ فِي هَذِا صِنَاعِيًّا، وَجَارِيًا عَلَى نِظَامٍ). أي: أن ترتيب المسائل الفقهية وتقسيمها وتقديم بعضها وتأخير أُخرى هي بمثابة صنعة لا يتقنها إلا من تخصص فيها، وهذا الكتاب كما سبق وذكرنا من أوائل الكتب التي استفادت منه الدراسات في الوقت الحاضر، وهو من أول الكتب - إن لم يكن أولها - التي عنيت بالتقسيم والترتيب وتبويب المسائل، ووضعها في أبواب ثم في فصول، وربما يدخل تحتها مباحث. ثم إن له طريقة جيدة: فهو يتطرق للمسألة فيذكر آراء العلماء فيها، ثم بعد ذلك يناقشها، وقلَّما يحرر المسائل؛ لأنه حقيقة لم يكن هدفه دراسة المسائل دراسة محررة، وإنما هو يعرضها ولا يتطرق إلى الترجيح إلا في مسائل نادرة؛ ولذلك من يعرف هذا الكتاب حق المعرفة سيجد أنه في أول مباحثه عني بالمسائل التي جعلها بمثابة مفتاح للكتاب وفسر القول فيها واستدل وناقش ورجح، ثم تركها بعد ذلك لدارس الكتاب من طلاب العلم. قوله: (فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ أَوَّلًا فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ هَذِهِ كلُّهَا، ثُمَّ يُقَالَ فِيمَا يَخُصُّ وَاحِدَةً وَاحِدَةً مِنْهَا، أَوْ يُقَالَ: فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَهُوَ الأَسْهَلُ). أي: أن هذه الأبواب كلها تشترك في الكلام عن الصلاة، فإذا أطلق لفظ الصلاة فهي تشمل الصلوات بكل أنواعها المفروضة والمسنونة؛ كالصلوات الخمس والجمعة وصلاة المريض والمسافر، وكذلك الاستسقاء والخوف وغيرها من أنواع الصلوات، لكن عندما يأتي للتفصيل نجد أن

стр. 1409

كل موضوع منها يختص بأحكام خاصة مما يجعله ينفرد بكتاب أو بباب مستقل. قوله: (وَإِنْ كانَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّعْلِيمِ يَعْرِضُ مِنْهُ تَكْرَارٌ مَا، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الفُقَهَاءُ). أي: أن التفصيل والتقسيم بهذه الطريقة هو الأقرب إلى الأذهان، والأسرع إلى الفهم، وقد سلكه الفقهاء بأن وضعوا كل موضوع متحد في باب تحته فصول ومسائل؛ لِما وجدوا فيه من الفائدة الكبيرة على طلبة العلم، وقد يتطلب هذا المنهج التكرار في بعض المسائل كما رأينا، فمسألة النية مثلًا قد تكررت وستتكرر أيضًا في مواضع أُخرى. قوله: (وَنَحْنُ نَتْبَعُهُمْ فِي ذَلِكَ؛ فَنَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُنْقَسِمَةً إِلَى سِتَّةِ أَبْوَابٍ، البَابُ الأَوَّلُ: فِي صَلَاةِ المُنْفَرِدِ الحَاضِرِ الآمِنِ الصَّحِيحِ. البَابُ الثَّانِي: فِي صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، أَعْنِي: فِي أَحْكَامِ الإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَاةِ. البَابُ الثَّالِثُ: فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ. البَابُ الرَّابِعُ: فِي صَلَاةِ السَّفَرِ. البَابُ الخَامِسُ: فِي صَلَاةِ الخَوْفِ. البَابُ السَّادِسُ: فِي صَلَاةِ المَرِيضِ). يريد المؤلف كعادة العلماء وخاصة أصحاب الكتب المطولة: أن يذكر المسائل إجمالًا قبل تفصيلها ليسهل بذلك الفهم والتركيز على القارئ، فبدأ بصفة الصلاة، ثم بعد ذلك أفرد بابًا مستقلًّا يتحدث فيه عن أحكام الإمامة، ولا شك أن الحديث عن أحكام الإمامة يدخل فيه أيضًا أحكام المأمومين؛ فعلاقة المأموم بالإمام ظاهرة، وفيه يذكر الإمام كيف يتقدم الناس وكيفية الاقتداء به، ثم صلاة المفترِض خلف المتنفِّل إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة. ثم الجمعة كما هو معروف لها باب مستقل، والعلماء لهم كلام

стр. 1410

فيها: هل هي مستقلة أو هي بدل من الظهر، أو على الرأي الضعيف أنها هي الأصل والظهر بدل، أو كل منهما مستقل بنفسه، هذا كله إن شاء الله يأتي في الجمعة (١). وما قلنا في الجمعة يُقال كذلك في صلاة المسافر، وصلاة الخوف، وصلاة المريض. (البَابُ الأَوَّلُ فِي صَلَاةِ المُنْفَرِدِ الحَاضِرِ الآمِنِ الصَّحِيحِ) (وَهَذَا البَابُ فِيهِ فَصْلَانِ، الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي أَقْوَالِ الصَّلَاةِ) الصلاة كما تعلمون لها أقوال وأفعال: فمن الأقوال: فيها القراءة والتكبير والتسبيح والتحميد … أما الأفعال: فالركوع والرفع منه والسجود والرفع منه والجلوس بين السجدتين … إلى غير ذلك من أفعال الصلاة. وفي هذا الفصل: يذكر المؤلف تسعًا من قواعد المسائل، ومنه فلا يلزم ابن رشد أن يستوعب مسائل الفقه، وذلك لأنه لم يقصد الاستيعاب بل اقتصر على القواعد. ومن أدلة ما ذكرناه: أن مَن جاؤوا من الفقهاء المتأخرين كالإمام العيني صاحب "البناية" نجد أنه لما يُشير إلى هذا الكتاب يقول: قال ابن

стр. 1411

رشد في قواعده (١)؛ فالكتاب عندهم من كتب القواعد؛ أي: أمهات المسائل التي تعتبر أصولًا وقواعد بالنسبة للمسائل التي تتفرع عنها. قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ). سيتكلم أولًا عن التكبير من حيث الجملة، والمعروف عند الفقهاء أنهم يذكرون التكبير بعد ذلك، فيقدمون الكلام عن تكبيرة الإحرام أولًا. قوله: (فَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ). وهذا قول لبعض أهل الظاهر (٢)، وهي رواية عن الإمام أحمد (٣). قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهُ كُلَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ شَاذٌّ). وهو نقل عن بعض التابعين كسعيد بن المسيب والزهري (٤)، ونقل

стр. 1412

أيضًا عن الأصم وابن عُلية؛ وهذان الآخران لا يُنظر إليهما في مسائل الخلاف، وخاصة إذا حصل إجماع؛ لأنهما يعتبران شاذين في رأيهما (١). قوله: (وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فَقَطْ، وَهُمُ الجُمْهُورُ (٢)).

стр. 1413

فجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم (١)، وكذلك الأئمة الأربعة - عدا الرواية التي ذكرناها عن الإمام أحمد (٢) - فهؤلاء كلهم يرون أن الواجب من ذلك فقط هي تكبيرة الإحرام، وما عدا ذلك فليس بواجب. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كلَّهُ وَمَنْ أَوْجَبَ مِنْهُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فَقَطْ: مُعَارَضَةُ مَا نُقِلَ مِنْ قَوْلِهِ لِمَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊. ومراد المؤلف: أنه ورد عن الرسول ﷺ أقوال في المسألة، ووردت عنه فيها أفعال. فالأفعال التي وردت عنه: كما في حديث أبي هريرة ﵁ الذي أشار إليه المؤلف: "أنه ﷺ كان يكبر إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع كبر، وإذا رفع رأسه من الركوع كبر وقال: "سمع الله لمن حمده" فإذا استوى قال: "ربنا ولك الحمد"، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وإذا عاد إلى السجود كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا قام كبر وإذا عاد … " إلى أن قال: "وإذا نهض من الاثنتين كبر" (٣)، وهذا حصل في صلاة رسول الله ﷺ وثبت من

стр. 1414

فعله، فهل تكبيره في كل خفض ورفع دليل على وجوب التكبير كله أو أن ذلك يخص تكبيرة الإحرام فقط؟ هذا ما سيفصل المؤلف القول فيه. قوله: (فَأَمَّا مَا نُقِلَ مِنْ قَوْلِهِ: فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المَشْهُورُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي عَلَّمَهُ الصلَاةَ: "إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ؛ فَأَسْبغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ" (١). فَمَفْهُومُ هَذَا: هُوَ أَنَّ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى هِيَ الفَرْضُ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ التَّكْبِيرِ فَرْضًا لَذَكَرَهُ لَهُ كَمَا ذَكَرَ سَائِرَ فُرُوضِ الصَّلَاةِ) (٢). يشير المؤلف هنا إلى الحديث الذي يعرف بحديث المسيء في صلاته، وهو الرجل الذي جاء فصلى فقال له رسول الله ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل" فعلها ثلاثة، قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن إلا هذا فعلمني، فقال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن … " الحديث (٣)، وفي بعض الروايات

стр. 1415

قال ﷺ : "إذا أردت الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" (١). وهذا الحديث سيأتي الاستدلال به في عدة مواضع للدلالة على وجوب تكبيرة الإحرام وفي مسائل أُخرى. قوله: (وَأَمَّا مَا نُقِلَ مِنْ فِعْلِهِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي، فَيُكَبِّرُ كلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٢)، وَمِنْهُ: حَدِيثُ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: "صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْنِ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، وَانْصَرَفْنَا، أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: أَذْكَرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٣)، فَالقَائِلُونَ بِإِيجَابِهِ تَمَسَّكُوا بِهَذَا العَمَلِ المَنْقُولِ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَقَالُوا: الأَصْلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ أَفْعَالِهِ الَّتِي أَتَتْ بَيَانًا لِوَاجِبٍ مَحْمُولَةً عَلَى الوُجُوبِ، كَمَا قَالَ ﷺ : "صَلُّوا كمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤)، "وخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" (٥)) (٦).

стр. 1416

وكل هذه الأحاديث صحيحة ثابتة في الصحاح، وإنما كان الخلاف بين الفريقين في الأحكام المستنبطة منها. قوله: (وَقَالَتِ الفِرْقَةُ الأُولَى: مَا فِي هَذِهِ الآثَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَمَلَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ؛ وَلذَلِكَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "، وَقَالَ عِمْرَانُ: "أَذْكَرَنِي هَذَا بِصَلَاتِهِ صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ نَفْلًا، فَضَعِيفٌ" (١). الذي يظهر لي أن المؤلف لم يتعمق في المسألة؛ ولذلك نحن نعود إليها مرة أُخرى فننظر: أولًا: ما الدليل على أن تكبيرة الإحرام ركن؟ فقد أشرنا إلى أن جماهير العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة يذهبون إلى أن تكبيرة الإحرام ركن (٢)، وبعض الحنفية - وينسبون ذلك إلى الإمام الكرخي المعروف من علماء الحنفية المتقدمين - يذهبون إلى أنها شرط (٣)، وكلهم - أي: القائلون بأنها ركن والذين يقولون بأنها شرط -

стр. 1417

متفقون على أن مَن تركها تبطل صلاته. إذن؛ كلهم متفقون على أن الصلاة لا تنعقد بغير تكبيرة الإحرام، لكن الخلاف في كونها شرطًا فتكون خارج الصلاة، أم هي ركن فتكون جزءًا منها. والحديث الذي يدور حوله كثير من خلاف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة ستأتي أيضًا هو حديث علي ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (١). وفي هذا الحديث مسائل: أولًا: من حيث السند: هو محل خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء مَن يضعفه لأنه من رواية عبد الله بن عقيل، وقد تكلم فيه بعض العلماء من

стр. 1418

جهة حفظه (١)، وبعض العلماء وثقه وأثنى عليه، وهم من أكابر العلماء الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكذلك أيضًا الإمام الحميدي، حكاه الإمام البخاري عنهم (٢). وممن صحح هذا الحديث أيضًا الإمام الترمذي؛ قال: "هو أصح ما في الباب" (٣)، وقد رواه أيضًا أبو داود (٤)، وغيره (٥)، وقد تتبع النووي طرقه وحكم بصحته (٦). ومن كل ما سبق ننتهي إلى أن هذا الحديث صحيح. ثانيًا: معاني الحديث: قد جاء فيه ثلاث جمل هي: - مفتاح الصلاة الوضوء. - وتحريمها التكبير.

стр. 1419

- وتحليلها التسبيح. وتفصيل ذلك: الأولى: قوله ﷺ : "مفتاح الصلاة الوضوء": معناه: أن الحدث مانع يمنع الإنسان من الصلاة؛ فإذا ما توضأ ارتفع ذلك الحدث، فإن لم يجد ماءً أو تعذر عليه استعماله - لمرض أو لغيره - فإنه ينتقل إلى التيمم؛ فالمصلي إذن يمنع من الصلاة حتى يتوضأ، فشبه الوضوء بمفتاح الباب المغلق، فإن الباب المغلق لا ينفذ إليه إلا عن طريق فتحه بالمفتاح، وكذلك الصلاة لا يُدخل فيها إلا عن طريق الوضوء. الثانية: قوله ﷺ : "وتحريمها التكبير": فالقصد بالتحريم هنا إنما هو المنع (١)، أي: أن الإنسان إذا أحرم في هذه الصلاة - أي قال: الله أكبر - فكبر تكبيرة الإحرام التي هي بداية الصلاة والمنفذ إليها؛ فإنه يحرم عليه أن يتكلم وأن يأكل وأن يشرب (٢)، فكل ما مُنِع في الصلاة لا يجوز إلا ما حصل - كما سبق وذكرنا - من أنواع الكلام التي تكلم فيها العلماء، وفرقوا بين المتكلم عمدًا أن يكون كلامه لمصلحة الصلاة أو لغيرها (٣)، وذلك بعد إجماعهم على أن كل متكلم عمدًا لا لمصلحة الصلاة فإن صلاته قد بطلت، وهذا لا خلاف فيه (٤). والمالكية كما مر بنا يصححون كلام من يتكلم لمصلحة الصلاة؛ كأن ينبه الإمام إذا خطأ فيقول مثلًا: قمت إلى خامسة، أو نقصت في الصلاة ونحو ذلك (٥).

стр. 1420

أما ما يتعلَّق بقراءة القرآن وكذلك الذكر والدعاء؛ فجماهير العلماء يرون أن ذلك لا يؤثر في الصلاة، كأن يقول مثلًا: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، شريطة ألا يصحب ذلك غيره، كأن يربط بكلمة سبحان الله أو لا حول ولا قوة إلا بالله كلمة أُخرى أدخلها عليها خارج الصلاة. خلافًا للحنفية (١). أما الحنفية: فيرون أنه لا ينبغي للمصلي أن يتكلم إلا فيما ورد به النص وهو: سبحان الله، إلا أنه قد يكون أيضًا من الدعاء والذكر ما يقوله

стр. 1421

ابتداء لا ما يقوله جوابًا، فلو أنه مثلًا وجد خطأ من الإمام فلا يرد عليه في مثل هذه المسألة؛ ولذلك نهوا عن الفتح على الإمام، لكن أن يذكر منه سبحان الله أو الحمد لله وغير ذلك من الألفاظ فنعم (١). الثالثة: قوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" أي: تحليل ما سبق وحُرم بتكبيرة الإحرام من كلام وأكل وغير ذلك، فهو بمثابة مفتاح الخروج منها. وهذا الحديث دليل على أن تكبيرة الإحرام ركن، وهو الدليل الأول في هذه المسألة (٢). وأما الدليل الثاني: فهو حديث المسيء المتفق عليه الذي مر معنا، وفيه أن الرسول ﷺ قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" (٣). ومعروف أن حديث المسيء إنما اشتمل على الفرائض، وسيأتي الاحتجاج بهذا الحديث للمالكية، ويرد عليهم غيرهم بنفس الحديث. وفي مسألة الدعاء عند التوجه إلى الصلاة: فالمالكية لا يرون ذلك؛ خلافًا لجماهير العلماء، فهم يختلفون فيما يقوله الإنسان في توجُّهه إلى الصلاة، هل يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك

стр. 1422

ولا إله غيرك" (١)، كما هو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣). أو يقول كما هو عند الشافعي (٤): "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض … " (٥) إلى آخره … أما المالكية فلا يرون ذلك (٦)، وسيأتي معنا أنهم يستدلون بهذا الحديث.

стр. 1423

فالدليل الثاني في كون تكبيرة الإحرام ركنًا حديث: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" (١). وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). وقد ثبت عنه ﷺ : أنه لم يترك تكبيرة الإحرام؛ بل كان إذا افتتح الصلاة يقول: "الله أكبر"، كما في حديث عائشة ﵂: "أن الرسول ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "" (٣). وفي بعض الروايات حديث أنس ﵁: "أنه صلى خلف رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ وأنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٤)، وسيأتي الجمع بين الأحاديث في ذلك. إذن؛ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ونحن نجد أن العلماء يتفاوتون في عدِّ الأركان، فبعضهم يوصلها إلى أربعة عشر ركنًا، وبعضهم يقول: ثلاثة عشر، وبعضهم يقول: اثنا عشر … وهكذا، لكنهم متفقون على أن تكبيرة الإحرام ركن، عدا الخلاف الذي في مذهب الحنفية (٥). وتكبيرة الإحرام: ينبغي أن يقولها الإنسان وهو قائم إذا كان قادرًا، أما إذا كان عاجزًا فهو معذور؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فصلِّ قائمًا، فإن

стр. 1424

لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١). وقال العلماء: إذا لم يستطع يومِئ إيماءً (٢). فالقادر على القيام لا بد أن يقوم ويقول: الله أكبر. وركزت على هذه المسألة: لأننا نشاهد بعض المصلين أنه يأتي وقد ركع الإمام فيكبر تكبيرة الإحرام وهو يهوي، وأكثر العلماء يرون أن الصلاة لا تنعقد بذلك، بل يرون أن تكبيرة الإحرام ينبغي أن تؤدى، وفي هذه الحالة دعاء الاستفتاح هو الذي يسقط؛ لأنه ليس - كما ذكر المؤلف - واجبًا، بل هو مستحب، ولو تركه الإنسان لما بطلت صلاته. وبنبغي للإنسان هنا: أن يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم، وبتعبير أدق أن يفرغ منها وهو قائم (٣)، وهذا يخص تكبيرة الإحرام فقط، ولا يشمل بقية

стр. 1425

التكبيرات، فإذا ما جاء وقد ركع الإمام، فيقول: الله أكبر، وينوي بها إما تكبيرة الإحرام والركوع، أو يقتصر على تكبيرة الإحرام فقط والأخرى تدخل تبعًا، لكن لو جاء وكبر ناويًا تكبيرة الركوع فهذا لا يصح إلا عند الزهري، لأنه يرى - ومن معه - أن تكبيرة الإحرام ليست بركن وأنه يُكتفى عنها بالنية (١). وقد اختلف العلماء - كما سبق وذكرنا - في كون تكبيرة الإحرام ركنًا أو شرطًا، وقد استدل كل فريق بأدلة نبين بعضها فنقول: الفريق الأول: من يقول هي شرط (٢)، ويلزم المصلي أن يأتي بها لكنه يراها خارج الصلاة، واستدلوا بأدلة:

стр. 1426

- الدليل الأول: وهو قول الله في محكم تنزيله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، يقولون: إن الله تعالى يقول: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾، فأولًا جاء بالذكر ثم عقبه بالصلاة، قالوا: والتكبير يدخل في الذكر، فدل ذلك على أنه خارج الصلاة، فهو شرط في صحتها لكنه خارج عنها وليس جزءًا منها، وهو دليل على أن التكبير ليس بركن وإنما هو شرط (١). - الدليل الثاني: وهو دليل من حيث اللغة: فهم يستدلون بالحديث الذي استدل به الجمهور - وقد سبق ذكره - وهو حديث: "مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير … " (٢)، وفي الحديث إضافة، قالوا: والمعروف لغةً أن المضاف دائمًا يكون مغايرًا للمضاف إليه (٣)، فلو يقول قائل مثلًا: قلم زيد أو ثوب زيد، فقلم زيد ليس جزءًا منه وقلمه وثوبه أيضًا، قالوا: وأنتم تقولون بأنها جزء من الصلاة، والحديث يدل على خلاف ذلك (٤). الفريق الثاني: وهم الجمهور، وقد قالوا بأنها ركن وعدُّوها جزءًا من الصلاة، ولهم كذلك عدة أدلة كالتالي: - الدليل الأول: وقد مر بنا من الأدلة حديث معاوية بن الحكم السلمي، وقال له رسول الله ﷺ في آخر الحديث عن هذه الصلاة: "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة

стр. 1427

القرآن" (١). وهذا نص بيَّن فيه الرسول ﷺ أن الصلاة تقوم على عدة أمور؛ منها التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، فذكر أن التكبير من أجزاء الصلاة، وهذا نص لا يحتمل تأويلًا ولا (تغيرًا؟) تغييرًا، وهو دليل قطعي على أن التكبير ركن من أركان الصلاة وليست شرطًا من شروطها؛ لأنه قال: "إنما هي" أي: الصلاة "التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أي: أن الصلاة تتكون من أمور منها التسبيح والتكبير وكذلك قراءة القرآن (٢). - الدليل الثاني: واستدلوا أيضًا بالحديث المسيء صلاته الذي مر بنا كذلك، وفيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" (٣)، وهذه التكبيرة إنما هي تكبيرة الإحرام بدليل أن هذا الحديث اقتصر على ذكر الفرائض، ومنه فالتكبير المشار إليه إنما هي تكبيرة الإحرام، ففي الحديث: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة" ومعلوم أن الإنسان إذا استقبل القبلة لم يبق عليه إلا أن يدخل في الصلاة فينوي ويكبر، فدل ذلك أيضًا على أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة (٤). هذا وقد أجاب الجمهور على ما استدل به مخالفوهم فقالوا: - ثبت في الحديث الصحيح: أن الرسول ﷺ قال: "صلوا كما

стр. 1428

رأيتموني أصلي" (١)، وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير (٢). - وأما حديث أنس ﵁: "أنه صلى خلف رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ فكانوا يفتتحوا الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ " (٣)، فالجواب عنه: أنه جاء مبينًا في حديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٤)، ودل ذلك أيضًا على أن الصلاة إنما هي تُفتتح بالتكبير. - وأما الجواب عمن استدل بالآية: وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقالوا: إن الله جاء بالذكر أولًا ثم عقبه بالصلاة، فجوابهم: بأن هذه الآية قد أجمع العلماء - قبل أن يأتي هذا المخالف - على أنها ليست في التكبير، وأنها في الذكر عامة؛ إذن لا وجه للاستدلال بها لأنه استدلال بالآية في غير محلها (٥). - وأما الاستدلال اللغوي: بحديث: "وتحريمها التكبير" وأن ذلك مضاف ومضاف إليه، وأن المضاف يغاير المضاف إليه، فقالوا: كلامكم هذا صحيح؛ لكن ليس على إطلاقه، فالإضافة على نوعين: * إضافة يغاير فيها المضافُ المضافَ إليه. * وإضافة لا يكون فيها تغاير بينهما، وإنما يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه.

стр. 1429

وبيان ذلك: لو قلنا مثلًا: ثوب زيد أو رأس زيد، فقولنا: ثوب زيد، هذه إضافة مغايرة لأن المضاف غير المضاف إليه، ولكن في قولنا: رأس زيد، فهذا يُسمَّى إضافة جزئية، فالرأس هنا جزء من زيد، ومثل ذلك قولنا: صحن البيت، فهو جزء من البيت (١). قالوا: وما ورد في الحديث من هذا النوع؛ أي: أن معنى قوله ﷺ : "تحريمها التكبير" أن التكبير جزء من الصلاة. وأعتقد أن مذهب جمهور العلماء واضح الدلالة في ذلك، وأفعال الرسول ﷺ تشهد لما أقرُّوه. قوله: (وَلَعَلَّهُ قَاسَهُ عَلَى سَائِرِ الأَذْكَارِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ مِمَّا لَيْسَتْ بِوَاجِبٍ؛ إِذْ قَاسَ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِالبَرِّ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ: مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ" (٢)، "وَصلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالعَزِيزِ، فَلَمْ يُتِمَّ التَّكْبِيرَ" (٣)، وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُمَرَ ﵁: "أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ" (٤) (٥)، وَكأَنَّ هَؤُلَاءِ رَأَوْا أَنَّ التَّكْبِيرَ

стр. 1430

إِنَّمَا هُوَ لِمَكَان إِشْعَارِ الإِمَامِ لِلْمَأْمُومِينَ بِقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِلَى هَذَا ذَهَبَ مَنْ رَآهُ كلَّهُ نَفْلًا). ومعنى قوله: "فلم يتم التكبير"؛ أي: أنه لم يأت به في كل المواضع. كل الذين يعارضون في هذه المسألة ردُّهم: أن القصد من قوله: "لم يتم التكبير" أنه ما كان يُسمعهم التكبير (١)، والتكبير كان من القضايا المهمة، بمعنى أنه ينبغي للإمام أن يرفع صوته فيها لأن الغرض من التكبير أن يُسمع المأمومين ليعرفهم كيف يصلون؛ ولذلك نص العلماء على أنه إذا لم يكن صوته جَهْوَرِيًّا، أو كان صوته جَهْوَرِيًّا لكن المسجد واسع والجمع الذي يصلي فيه غفير لا يستطع إبلاغه صوته؛ فإنه حينئذٍ يبلغ بعض المأمومين بعضًا (٢).

стр. 1431

وقد ورد نص صحيح في ذلك: وهو أن الرسول ﷺ الذي صلى بالناس في مرضه، وأن أبا بكر الصديق ﵁ كان يبلغ عن رسول الله ﷺ (١). ولا شك أن مَن ذهب إلى أنه نفل قوله غير صحيح، فالأدلة واضحة في ذلك (٢). قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ إِلَّا: اللهُ اَكْبَرُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: اللَّهُ اَكْبَرُ، وَاللَّهُ الأَكْبَرُ، اللَّفْظَان كِلَاهُمَا يُجْزِي. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئ مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ كُلُّ لَفْظٍ فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ: اللَّهُ الأَعْظَمُ، وَاللَّهُ الأَجَلُّ). في الاصطلاح الشرعي واللغوي: عندما يطلق لفظ التكبير إنما ينصرف إلى لفظ: الله أكبر، وهذه هي التي وردت نصًّا، وكان الرسول ﷺ يقولها. واختلف أهل العلم فيما يجزئ في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: الاقتصار على هذه اللفظة كما هي. وهو مذهب الإمامين مالك (٣) وأحمد (٤).

стр. 1432

الثاني: أنه من الممكن أن يدخل عليها زائد شريطة ألا يتغير مبناها ولا معناها. وهو قول الشافعي (١). الثالث: أن الغرض من ذلك هو الذكر، وإن كان الغرض هو الذكر فأي لفظ يأتي فيه تعظيم لله وثناء له فإنه يكفي في ذلك، فإذا قيل: الله الأعظم أو الله العظيم أو الله الأجل أو الجليل، أو قال: سبحان الله أو لا إله إلا الله وغير ذلك من الألفاظ التي فيها تعظيم لله ﵎؛ فهو يجزئ، ويستدلون أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٥]. وهو مذهب الحنفية (٢). فالأقوال كما ذكرنا إذن ثلاثة، وأما اللفظ المجمع عليه والذي لا يتطرق إليه أي خلاف فهو لفظ: الله أكبر، والشافعية في الرأي القديم لهم يلتقون مع المالكية والحنابلة (٣)، وأما القول الثالث كما ترون فكل ما فيه تعريض.

стр. 1433

وأما مذهب جمهور العلماء فيقولون: "وتحريمها التكبير" والتكبير ينصرف إلى لفظ: الله أكبر، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وهذا أمر من قوله ﷺ ، والأمر يقتضي الوجوب، وقد كان يقول في صلاته: "الله أكبر"، فإنه مع كثرة الصفات التي نُقلت من صلاته ﷺ التي تناقلها الصحابة كلها ليس فيها إلا لفظ: الله أكبر. قالوا: فيجب أن نقف عند النص، وقد جاء ذلك من فعل رسول الله ﷺ ، وجاء قوله مؤكدًا لذلك. وهناك خلاف بين العلماء: هل الفعل يدل على الوجوب أو لا؟ (١) وهنا جاء القول مؤيِّدًا للفعل، لحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، كما في الحديث الآخر: "خذوا عني مناسككم" (٣)، ومعلوم أن الصحابة ﵃ قد أخذوا مناسكهم عن رسول الله ﷺ تطبيقًا عمليًّا.

стр. 1434

وقد رد أصحاب القول الأول على القولين الثاني والثالث بردود: فأما قول الشافعية بأنه يجوز أن يدخل عليها: (أل) التعريف؛ قالوا: لأن (أل) هي لا تنقصه من الكلام شيئًا، وإنما تزيده في مبناه وفي معناه أيضًا إذ تفيد التعريف (١). قيل: الرد عليهم من عدة أوجه: - إن بقاء صيغة التكبير: (الله أكبر) تفيد إضمارًا وتكبيرًا، فلما يقال: الله أكبر؛ يعني تقديرها: أكبر من كل شيء، إذن كلمة أكبر تفيد تكبيرًا وإضمارًا أيضًا وفيها زيادة. - ثم أيضًا ما ذهبتم إليه هو عدول عن النص، وينبغي الوقوف عند النص لا العدول عنه إلا بدليل، ولا دليل هنا لأنه لم يَرد أن الرسول ﷺ قال في صلاته: الله الأكبر. - أنه لم ينقل ذلك عن الصحابة، وإنما ذلك فهم وتأويل منكم؛ فينبغي ألا نخرج عن النص إلا بنص صحيح آخر يقابل ذلك النص (٢). وأما الذين قالوا: أن أي لفظ يأتي فيه تعظيم لله وثناء له يجزئ، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ كما سبق وذكرنا، وقاسوا التكبير على الخطبة فقالوا: خطب الرسول ﷺ لم يرد فيها لفظ معين، إذن نقيس التكبير عليه؛ فكل ما اشتمل على تعظيم الله وإجلاله فإنه يؤدي المعنى وهو جائز (٣). قيل في الرد عليهم: - أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ فقد سبق الكلام عن الآية وتبيين تفسيرها، وقلنا: إنها لم ترد في التكبير؛ فلا ينبغي الاحتجاج بها.

стр. 1435

- وأما قياسهم على الخطبة؛ فهو قياس مع الفارق وهو غير مسلَّم لهم؛ لأنهم يريدون أن يقيسوا الصلاة على الخطبة وشتان بينهما، فخطب الرسول ﷺ متعددة، وقد خطب خطبًا كثيرة، وهذه الخطب لم ترد محددة بألفاظ معينة لم يتجاوزها رسول الله ﷺ في خطبه. والأمر الآخر: أن الخطبة يُتكلم فيها والصلاة لا يُتكلم فيها؛ ففرق بين هذا وذاك (١). ولا شك أن مذهب الجمهور إلى جانب كونه أكبر وكونه أصح وأسلم أيضًا؛ فالرسول ﷺ قال: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٢)، فإذا اقتصرت على لفظ: الله أكبر؛ حينها تصلي وأنت مطمئن النفس منشرح الفؤاد لا يتطرق إليك أي شك، ولا ينفذ إليك الشيطان من أي طريق، لكن ربما لو صلى الإنسان وكبر بصيغة أُخرى لم ترد في النص فقد يدخله الشك ويوسوس له الشيطان وغير ذلك من الأمور التي إن لم تفسد صلاته تذهب خشوعه. إذن ينبغي أن نقتصر على لفظ: الله أكبر، خاصة وأن ذلك ركن من أركان الصلاة - التي هي تكبيرة الإحرام - والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، فنحاول قدر الإمكان أن نتمثل قول الرسول ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣). والشافعية في كتبهم نجد أنهم يقدمون الرأي الأول - رأي الجمهور - فيذكرون التكبير بلفظ: الله أكبر، يقولون: ولفظ الله أكبر مجمع عليه بين العلماء وهو على الصحيح عندنا جائز؛ إذن فالأولى أن نأخذ بالمجمع عليه وليس بالمختلف فيه، وخاصة أن مثل هذه الأمور ليس فيها مشقة على الإنسان (٤).

стр. 1436

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اللَّفْظُ هُوَ المُتَعَهَّدُ بِهِ فِي الِافْتِتَاحِ أَوِ المَعْنَى). أي: أن سبب اختلافهم هو: هل هذا اللفظ - الله أكبر - تعبدي ليس لنا أن نتجاوزه فنعدل عنه إلى لفظ آخر - وإن أدَّى المعنى - فنقف عنده (١)، أو أنه ليس تعبديًّا؛ فكل ما دل على الثناء يجوز أن نأتي به بدله (٢)، أو - على قول الشافعية - أن لفظ (الله أكبر) لا بد أن يكون موجودًا، ولكن إذا زدنا عليه فلا يضر لأن المنهي عنه هو تغييره. * قوله: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ المَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ بِقَوْلِهِ ﵊: " مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ " (٣)، قَالُوا: وَالأَلِفُ وَاللَّامُ هَاهُنَا لِلْحَصْرِ، وَالحَصْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحُكْمَ خَاصٌّ بِالمَنْطُوقِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ). وقد استدل المالكيون والشافعيون بهذا الحديث، فهم متفقون على أن لفظ التكبير مطلوب (٤)، واختلافهم في الاقتصار على لفظ: (الله أكبر) هل هو واجب أم أنه يجوز التكبير بزيادة الألف واللام؛ أي: (الله الأكبر). والشافعية قالوا: إن هذه الإضافة لا تغير شيئًا وتفيد أمرين: الأول: زيادة مبنًى؛ لأننا أضفنا (أل). الثاني: وزيادة المعنى؛ لأنها أفادت التعريف (٥).

стр. 1437

* قوله: (وَلَيْسَ يُوَافِقُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هَذَا الأَصْلِ، فَإِنَّ هَذَا المَفْهُومَ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، وَهُوَ أَنْ يُحْكَمَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِضِدِّ حُكْمِ المَنْطُوقِ بِهِ، وَدَلِيلُ الخِطَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ) (١). أبو حنيفة: لا يرى الاستدلال بدليل الخطاب كما سبق وذكرنا في عدة مواضع، فمعنى التكبير عنده هو الذكر. والجمهور: لا يسلمون له بهذا، فالكلام عندهم يدور حول كلمة: " وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ " وهذا الحديث عندهم نص في لفظ التكبير، فأخذوا بمنطوق الحديث، ومفهومه المخالف أن ما عدا التكبير لا ينبغي أن يأتي مكانه. ولهم مجموع أدلة في المسألة منها: - حديث: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " (٢). وفيه نص أيضًا على التكبير. - حديث المسيء صلاته؛ قالوا: وهذا رجل قد أساء في صلاته فهو أحوج الناس إلى البيان، وخاصة فيما يتعلَّق بالفرائض، بدليل أن الرسول ﷺ رده مرارًا ولم يحسن الصلاة إلى أن عاد فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " فبدأ بالتكبير؛ وهو إذن نص على التكبير.

стр. 1438

- ثم إن صلوات الرسول ﷺ التي وصفت لنا جاء فيها لفظ التكبير (١). فهذه كلها أدلة جاءت منطوقة بلفظ التكبير، وليس هو مفهوم مخالفة أو دليل خطاب كما يسمونه، ومعلوم أن مفهوم المخالفة هناك ما يُستَدَّل به وهناك ما هو ضعيف، والمسألة معروفة، والحنفية هم الذين يخالفون أكثر في مفهوم أو دليل الخطاب. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّوْجِيهَ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ). التوجيه: هو ما يعرف بدعاء الاستفتاح، وأول ما نبدأ به هذا الفصل هو إصلاح كلمة (واجب) وتبديلها بكلمة (مستحب)، وهذا خطأ فلم يقل أحد من العلماء قاطبة بأنه واجب. والعلماء من الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة وغيرهم كلهم متفقون على أن دعاء الاستفتاح مستحب (٢)، وأنه يجوز للإنسان أن يأتي بأي صفة من صفاته، وخلافهم في أيِّ الصيغ أفضل أو مستحب (٣). * قوله: (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ؛ إِمَّا " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ "، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَإِمَّا أَنْ يُسَبِّحَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٥)، وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي

стр. 1439

يُوسُفَ صَاحِبِهِ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ التَّوْجِيهُ بِوَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِسُنَّةٍ (٢)). فقد اختلف إذن أئمة المذاهب في هذه المسألة على أقوال: الأول: الشافعية يأخذون بما ورد في الحديث الصحيح الذي جاء عن الرسول ﵊ أنه كان يقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (٣). الثاني: الحنفية والحنابلة في هذه المسألة فهم متفقون على الأخذ بدعاء: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك "، كما ورد في حديث عائشة ﵂ (٤)، وفيه كلام للعلماء في سنده صحة وضعفًا، فمنهم من يصححه وهناك من يضعفه (٥)، لكن يشهد له أثر عمر ﵁ في صحيح مسلم: أنه كان يدعو بهذا الدعاء (٦). والذين يردون عليهم بأن ذلك ليس في الصلاة المفروضة، وإنما هو في صلاة الليل، أما حديث " وجهت وجهي … " فقد ورد مطلقًا (٧).

стр. 1440

فنقول: إن ما قووا به حديث عائشة ﵁ وهو حديث عمر ﵁ إنما ورفى في الصلاة مطلقًا (١). الثالث: المالكية لا يرون دعاء الاستفتاح مطلقًا، والأمر عندهم أن تقول: الله أكبر، ثم تدخل في القراءة مباشرة (٢). ومن أدلتهم: - حديث المسيء صلاته وفيه: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " فلم يذكر دعاء الاستفتاح (٣). والجواب عن استدلالهم بهذا الحديث: أنه ذكر فرائض الصلاة ولم يذكر السنن (٤). - حديث أنس ﵁ المتفق عليه أنه قال: " صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون الصلاة ب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٥).
следующие страницы →