← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اللَّفْظُ هُوَ المُتَعَهَّدُ بِهِ فِي الِافْتِتَاحِ أَوِ المَعْنَى). أي: أن سبب اختلافهم هو: هل هذا اللفظ - الله أكبر - تعبدي ليس لنا أن نتجاوزه فنعدل عنه إلى لفظ آخر - وإن أدَّى المعنى - فنقف عنده (١)، أو أنه ليس تعبديًّا؛ فكل ما دل على الثناء يجوز أن نأتي به بدله (٢)، أو - على قول الشافعية - أن لفظ (الله أكبر) لا بد أن يكون موجودًا، ولكن إذا زدنا عليه فلا يضر لأن المنهي عنه هو تغييره. * قوله: (وَقَدِ اسْتَدَلَّ المَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ بِقَوْلِهِ ﵊: " مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ " (٣)، قَالُوا: وَالأَلِفُ وَاللَّامُ هَاهُنَا لِلْحَصْرِ، وَالحَصْرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحُكْمَ خَاصٌّ بِالمَنْطُوقِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ). وقد استدل المالكيون والشافعيون بهذا الحديث، فهم متفقون على أن لفظ التكبير مطلوب (٤)، واختلافهم في الاقتصار على لفظ: (الله أكبر) هل هو واجب أم أنه يجوز التكبير بزيادة الألف واللام؛ أي: (الله الأكبر). والشافعية قالوا: إن هذه الإضافة لا تغير شيئًا وتفيد أمرين: الأول: زيادة مبنًى؛ لأننا أضفنا (أل). الثاني: وزيادة المعنى؛ لأنها أفادت التعريف (٥).

стр. 1437

* قوله: (وَلَيْسَ يُوَافِقُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هَذَا الأَصْلِ، فَإِنَّ هَذَا المَفْهُومَ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، وَهُوَ أَنْ يُحْكَمَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِضِدِّ حُكْمِ المَنْطُوقِ بِهِ، وَدَلِيلُ الخِطَابِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ) (١). أبو حنيفة: لا يرى الاستدلال بدليل الخطاب كما سبق وذكرنا في عدة مواضع، فمعنى التكبير عنده هو الذكر. والجمهور: لا يسلمون له بهذا، فالكلام عندهم يدور حول كلمة: " وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ " وهذا الحديث عندهم نص في لفظ التكبير، فأخذوا بمنطوق الحديث، ومفهومه المخالف أن ما عدا التكبير لا ينبغي أن يأتي مكانه. ولهم مجموع أدلة في المسألة منها: - حديث: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " (٢). وفيه نص أيضًا على التكبير. - حديث المسيء صلاته؛ قالوا: وهذا رجل قد أساء في صلاته فهو أحوج الناس إلى البيان، وخاصة فيما يتعلَّق بالفرائض، بدليل أن الرسول ﷺ رده مرارًا ولم يحسن الصلاة إلى أن عاد فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له ﷺ : " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " فبدأ بالتكبير؛ وهو إذن نص على التكبير.

стр. 1438

- ثم إن صلوات الرسول ﷺ التي وصفت لنا جاء فيها لفظ التكبير (١). فهذه كلها أدلة جاءت منطوقة بلفظ التكبير، وليس هو مفهوم مخالفة أو دليل خطاب كما يسمونه، ومعلوم أن مفهوم المخالفة هناك ما يُستَدَّل به وهناك ما هو ضعيف، والمسألة معروفة، والحنفية هم الذين يخالفون أكثر في مفهوم أو دليل الخطاب. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالثَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّوْجِيهَ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبٌ). التوجيه: هو ما يعرف بدعاء الاستفتاح، وأول ما نبدأ به هذا الفصل هو إصلاح كلمة (واجب) وتبديلها بكلمة (مستحب)، وهذا خطأ فلم يقل أحد من العلماء قاطبة بأنه واجب. والعلماء من الصحابة ﵃ والتابعون والأئمة وغيرهم كلهم متفقون على أن دعاء الاستفتاح مستحب (٢)، وأنه يجوز للإنسان أن يأتي بأي صفة من صفاته، وخلافهم في أيِّ الصيغ أفضل أو مستحب (٣). * قوله: (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ؛ إِمَّا " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ "، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٤)، وَإِمَّا أَنْ يُسَبِّحَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٥)، وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي

стр. 1439

يُوسُفَ صَاحِبِهِ (١)، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ التَّوْجِيهُ بِوَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِسُنَّةٍ (٢)). فقد اختلف إذن أئمة المذاهب في هذه المسألة على أقوال: الأول: الشافعية يأخذون بما ورد في الحديث الصحيح الذي جاء عن الرسول ﵊ أنه كان يقول: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (٣). الثاني: الحنفية والحنابلة في هذه المسألة فهم متفقون على الأخذ بدعاء: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك "، كما ورد في حديث عائشة ﵂ (٤)، وفيه كلام للعلماء في سنده صحة وضعفًا، فمنهم من يصححه وهناك من يضعفه (٥)، لكن يشهد له أثر عمر ﵁ في صحيح مسلم: أنه كان يدعو بهذا الدعاء (٦). والذين يردون عليهم بأن ذلك ليس في الصلاة المفروضة، وإنما هو في صلاة الليل، أما حديث " وجهت وجهي … " فقد ورد مطلقًا (٧).

стр. 1440

فنقول: إن ما قووا به حديث عائشة ﵁ وهو حديث عمر ﵁ إنما ورفى في الصلاة مطلقًا (١). الثالث: المالكية لا يرون دعاء الاستفتاح مطلقًا، والأمر عندهم أن تقول: الله أكبر، ثم تدخل في القراءة مباشرة (٢). ومن أدلتهم: - حديث المسيء صلاته وفيه: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " فلم يذكر دعاء الاستفتاح (٣). والجواب عن استدلالهم بهذا الحديث: أنه ذكر فرائض الصلاة ولم يذكر السنن (٤). - حديث أنس ﵁ المتفق عليه أنه قال: " صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون الصلاة ب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (٥).

стр. 1441

والجواب عن استدلالهم بحديث أنس ﵁: أنه جاء تفسيره في حديث عائشة ﵂ الذي قالت فيه: " كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " (١). ولذلك بعض العلماء عندهم وبعض الأئمة المحققين لا يذكرون هذا الحديث في هذه المسألة (٢)، فابن قدامة مثلًا لا يُشير لذلك في كتابه " المغني "، ولا يذكر هذه الرواية التي تنسب إلى الإمام أحمد (٣). وهذه القضية أيضًا من القضايا التي لا مشاحة فيها، فلو أن الإنسان أخذ بهذا الرأي أو بذاك فلا يلام، ولا يقال بأنه أخطأ، أو أنه خالف في هذه المسألة، فقد وردت عدة أحاديث في المسألة، وللمرء أن يأخذ منها ما يشاء، لكن بعض العلماء ترجح عنده هذا الحديث فأخذ به، وآخرون رأوا أن غيره أولى فأخذوا به. * قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ الوَارِدَةِ بِالتَّوْجِيهِ لِلْعَمَلِ عِنْدَ مَالِكٍ، أَوْ الِاخْتِلَافُ فِي صِحَّةِ الآثَارِ الوَارِدَةِ بِذَلِكَ (٤). قَالَ القَاضِي: قَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،

стр. 1442

بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! إَسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: " اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ " (١). وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اسْتِحْسَانِ سَكَتَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، مِنْهَا حِينَ يُكَبِّرُ، وَمِنْهَا حِينَ يَفْرُغُ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ). مسألة السكتات مهمة في الصلاة: وقد أخذ بها الشافعية والحنابلة، وخالفهم في ذلك جمع من العلماء كالحنفية والمالكية. وسبب الخلاف: الاختلاف في تصحيح ما ورد في ذلك من أحاديث (٢). وقد ذكر المؤلف عمدة ما ورد في هذه المسألة وأن العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من يصحح الحديث ومنهم مَن يضعفه، ولا شك أن هذه السكتات ترفع الحرج عن المأموم لأن الله ﷺ يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وجاء في الحديث الصحيح: " وإذا قرأ فأنصتوا " (٣)، وقد ورد في ذكر مواضعها في مجموع الروايات ثلاث سكتات: - سكتة بعد التكبير. - وأُخرى بعد قراءة الفاتحة. - والثالثة بعد الفراغ من قراءة السورة (٤).

стр. 1443

ومن العلماء من أخذ بها ورأى أن هذه السكتات هي وقت للمأموم يقرأ فيها الفاتحة، وسيأتي الخلاف في حكم قراءة القرآن في الصلاة وهو قسمان: الأول: في حكم القراءة من حيث الجملة. الثاني: بعد ذلك تفصيلًا الاختلاف في قراءة الفاتحة. وفي الحقيقة محل هذه المسألة أن تأتي في مسألة القراءة يعني في مسألة القراءة هي أقرب. * قوله: (وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٤)،

стр. 1444

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) أَنَّهُ قَالَ: " كَانَتْ لَهُ ﵊ سَكَتَاتٌ فِي الصَّلَاةِ: حِينَ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الكِتَابِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ القِرَاءَةِ قَبْلَ الرُّكوعِ ") (٢). عبارة المؤلف: (وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) قد يكون فيها قصور، وإنما الأمر أنَّ الحديث لم يثبت عندهم؛ فلم يأخذوا به (٣). فقد ورد أنه ﷺ له سكتتان (٤)، وورد في بعض الروايات ثلاثة (٥). والحديث الذي ذكره المؤلف قال فيه الشافعية والحنابلة: إنه حديث حسن وصالح للاحتجاج به (٦)، والآخرون خالفوهم.

стр. 1445

والمسألة لها ارتباط أيضًا بما يحمله الإمام عن المأموم؛ وهي مسألة محل خلاف بين العلماء (١). وقبل أن نختم الكلام في هذه المسألة: يجدر بنا التنبيه إلى أن دعاء الاستفتاح مشروع في كل الصلوات؛ سواء كانت الصلاة صلاة مفروضة أو كانت نافلة، وسواء كانت صلاة ليل أو صلاة نهار، وسواء كان الإنسان مسافرًا أو حاضرًا، أو كان ذكرًا أو أنثى (٢). * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي افْتِتَاحِ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ). هذه مسألة تكلم عنها العلماء كثيرًا خاصة في كتب التوحيد والعقيدة؛ حيث يفتتحون كتبهم بـ: بسم الله الرحمن الرحيم. وكما جاء في الحديث: " كل كلام لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " (٣)، وفي بعض الروايات جاء قوله: " بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ " (٤). مكان: " بحمد الله "؛ ولذلك نجد أن كثيرًا من الشراح وأصحاب المتون يبدؤون بالبسملة ويتكلمون عن حكمها من عدة نواحٍ: أولًا: فيما يتعلَّق بـ: بسم الله الرحمن الرحيم، فليس هناك خلاف في أنها آية من كتاب الله، وقد وردت في سورة النمل (٥) في قول الله :

стр. 1446

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ [النمل: ٣٠]. ولكن الخلاف في كونها جزءًا من كل سورة افتتح بها أو لا، وكونها جزءًا من الفاتحة أم إنما أنزلت للفصل بين السور، أو أنها للتبرك بها كما ورد في الأحاديث الصحيحة: " أن رسول الله ﷺ لم يكن يعرف نهاية السورة إلا بنزول بسم الله الرحمن الرحيم " (١). وقد جاءت عدًّا في كتاب الله في ثلاثة عشر ومائة موضع؛ أي: في بداية كل سورة ما عدا سورة براءة (٢)؛ ولذلك بعض العلماء - كعبد الله بن المبارك (٣)، والإمام الشافعي (٤) - يشدد في أنه لا يجوز تركها. ثانيًا: اختلفوا في كونها آية في كل موضع وردت فيه أو في موضع خاص على أقوال: - من العلماء من يرى أنها آية من كل السور التي افتتحت بها، وهي رواية للإمام الشافعي (٥).

стр. 1447

- ومنهم من يرى أنها آية من سورة الفاتحة وحدها، وهو مشهور مذهب الشافعي (١)، ورواية للإمام أحمد (٢). - ومنهم من يرى أنها تنزل مع كل سورة من القرآن ولكنها ليست جزءًا من السورة عدا ما جاء في سورة النمل، وهذا مروي عن عامة فقهاء الحديث (٣).

стр. 1448

ثالثًا: واختلفوا في حكم قراءتها في الصلاة على أقوال: - فمن العلماء من يرى أنها واجبة، وأن من لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم كأنه أسقط آية من الفاتحة، فلا تصح حينئذ صلاته، وهذا هو مشهور مذهب الشافعية (١). - ومنهم من يرى أنها مستحبة، وهذا هو قول الحنابلة (٢) والمحققين من الحنفية (٣). - ومنهم من يرى أن المصلي مخيَّر في ذلك، فله أن يقرأ بها وله ألا يقرأها، فإن قرأها فحسن وإن لم يقرأها فلا شيء عليه، ونسب ذلك إلى إسحاق بن راهويه (٤)، وهو من أقران وأصحاب الإمام أحمد، وهو اختيار

стр. 1449

الإمام ابن حزم الظاهري (١). ولكلٍّ أدلة يستدلون بها: فالذين يرون أن البسملة آية من سورة الفاتحة لأنها جزء منها: - يستدلون بأن الصحابة ﵃ قد كتبوها بخط المصحف ولم يكتبوها بخط مغاير، وأنهم ﵃ ما كانوا يكتبون في المصحف إلا ما كان من القرآن (٢). - وقد ثبت: " أن أبا هريرة ﵁ صلى بأصحابه فقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما فرغ من صلاته قال: إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ " (٣). - وجاء عن أم سلمة ﵂ أيضًا: " أن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة بـ: بسم الله الرحمن الرحيم " وعدَّها آية (٤).

стр. 1450

وأما الذين ذهبوا إلى أنها ليست من الفاتحة: - فاستدلوا بأن الصحابة ﵃ قد كتبوها في سطر مستقل ولم يدمجوها مع السورة بل فصَلُوها عنها (١). - واستدلوا بالحديث الذي جاء فيه: " سورة عدد آياتها ثلاثون آية شفعت لرجل … هي سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ " (٢)، وسورة الملك آياتها ثلاثون، فدل ذلك على أن البسملة ليست من السورة. - كما أجمع العلماء على أن سورة الكوثر عدد آياتها ثلاث (٣)، ولو كانت منها البسملة لكانت أربع آيات (٤). - ويستدلون بالحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة ﵁: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل " فإذا قال عبدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله : حمدني عبدي … " (٥)، ولم يرد ذكر البسملة، فلو كانت آية لذُكرت (٦). ومسألة البسملة: هي من المسائل التي طال فيها الخطب والجدال، وعني بها بعض العلماء وكتبوا فيها مصنفات عديدة، ومنهم من حقق القول فيها، ومنهم مَن ربما دفعه التعصب لمذهبه فمال إليه. وكثير من العلماء يذهبون إلى أن قراءتها مستحبة كالاستفتاح، ولكن

стр. 1451

الأمر المستحب قد يترتب عليه تنفير الناس وإيقاع الخلاف بينهم، والأَوْلى في تلك الحالة أن يترك العمل بالمستحب، كما ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال لعائشة ﵂: " لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لنقضت الكعبة ولأعدتها على قواعد إبراهيم " (١)؛ فقد كان الرسول ﷺ يرغب في هدم الكعبة وإعادة بناءها كما كانت على قواعد الخليل إبراهيم ﵇، لكن الذي منعه من ذلك هو أن العرب كانوا قريبي عهد بكفر فخشي أن يدب الخلاف بينهم وتقع بينهم الفرقة، فترك ﷺ ذلك الأمر المستحب الذي كان يرغب فيه خشية أن يترتب على ذلك مفسدة تنفير الناس وإيقاع الخلاف بينهم. وكما ورد أيضًا: أن عبد الله بن مسعود ﵁ أنكر على عثمان ﵁ إتمام الصلاة في السفر، فقصر الصلاة في السفر رخصة من الله كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]؛ فالآية وإن كانت نزلت في صلاة الخوف لكنها نعمة من الله وهدية منحها لعباده فأبقاها. ولذلك لما أُشكل الأمر على يعلى بن أمية وذهب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يسأله عن ذلك قال: أليس قد أمِنَ الناس؟ فقال عمر: ﵁ عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " (٢). وقد أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ على عثمان ﵁ أنه أتم الصلاة، وعثمان ﵁ لم يفعل منكَرًا لأنه أخذ بالإتمام وكلاهما جائز، لكن أنكر عليه أنه لم يأخذ بالرخصة - وهي القصر - ثم قال لما سُئل عن ذلك:

стр. 1452

كيف تنكر على عثمان وتصلي خلفه؟: " الخلاف شر " (١)، فقد تبعه إذن في الاقتداء؛ لأنه عَلِمَ أنه لو لم يصلِّ خلفه لترتب على ذلك خلاف قد يؤدي إلى الفرقة والشقاق. وكذلك أيضًا ما نُقل عن عبد الله بن عباس ﵁: " أنه جهر بقراءة الفاتحة فصلى صلاة الجنازة، وقال: إنما فعلت ذلك لأعلمكم السنة " (٢). وثبت: " أن عمر ﵁ كان يجهر بدعاء الاستفتاح " (٣). وثبت: أن الرسول ﷺ كان ربما جهر بالآية في سورة الظهر أو العصر، مع أن القراءة في تلك الصلوات سرية (٤). والمالكية: لا يرون قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم "، بل ويكرهون قراءتها سرًّا وجهرًا (٥). وقال بعض العلماء الذين يرون أن السنة الإسرار بالبسملة: يستحب لمن صلى في المدينة أن يجهر بها لإظهار السنة، وقد ثبت هذا نصًّا عن الإمام أحمد (٦). إذن قد يُترك المستحب ويُؤخذ بغيره إذا كان يترتب على فعل المستحب تنفير للناس، والذي يؤدي إلى إيقاع الجفوة بينهم كان تركه تقريبًا للقلوب وجمعًا للشمل.

стр. 1453

ولقد نص العلماء في قاعدة " درء المفاسد مُقدمٌ على جلب المصالح ": على أن الإنسان قد يترك أحيانًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجوبهما خشية أن يترتب على فعلهما ضرر أكبر من نفعهما (١). * قوله: (فَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ؛ جَهْرًا كَانَتْ أَوْ سِرًّا، لَا فِي اسْتِفْتَاحِ أُمِّ القُرْآنِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥): يَقْرَؤُهَا مَعَ أُمِّ القُرْآنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَقْرَؤُهَا وَلَا بُدَّ فِي الجَهْرِ جَهْرًا، وَفِي السِّرِّ سِرًّا (٦)، وَهِيَ عِنْدَهُ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الكِتَابِ (٧)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٨)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ (٩)، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؟ أَمْ إِنَّمَا هِيَ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ فَقَطْ، وَمِنْ فَاتِحَةِ الكِتَابِ؟ فَرُوِيَ عَنْهُ القَوْلَانِ جَمِيعًا (١٠).

стр. 1454

وقوله عن الإمام مالك أنه أجاز قراءتها في النافلة إنما هي رواية (١). وفي رواية عن الإمام أحمد: أنها آية من فاتحة الكتاب (٢)، وفي أُخرى له أنها ليست بآية (٣). وأما الإمام الشافعي فله رواية أنها آية من كل سورة افتتحت بها، وأخرى: أنها آية من سورة الفاتحة وآية من سورة النمل أو جزء منها (٤). والخلاف بين الشافعية وغيرهم في كون البسملة لم يرد متواترًا أنها من القرآن، وأن كونها من القرآن مظنون؛ ولذلك نقل بعض محققي الشافعية - كالغزالي وغيره - أنه يكفي الظن، وهو في هذه الحالة قريب من اليقين، والشك هنا وهمٌ، بينما الظن فإنه يلي مرتبة اليقين، فيكفينا هنا إذن الظن (٥)، ومن حيث الجملة فالأحوط للمصلي ألا يدع قراءة البسملة. وقد قال الحافظ ابن حجر: " عجبي من هؤلاء! أن يأتي بعضهم فيرد ذلك فلا يقرأ الفاتحة في القرآن ولا يقرأ أيضًا إلا آية أو لا يقرأ في الصلاة وهي الركن الثاني بعد الشهادتين، وذلك لكونه يُخالف في المسألة " (٦).

стр. 1455

ولكل رأيٍ أدلة ولكن لا شك أنه من حيث الجملة فإن الأحوط للمصلي ألا يدع البسملة خروجًا من الخلاف، وكذلك يقرأ الفاتحة في كل ركعة ويقرأ أيضًا في الركعتين الأوليين شيئًا من القرآن. * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا آيِلٌ إِلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ. وَالثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ: هَلْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الكِتَابِ أَمْ لَا؟). ولو أردنا أن نتتبع الخلاف في هذه المسألة وجزئياتها لما استطعنا إكمال ذلك ولأخذ منا عدة مجلدات، لكن أن المسألة خلاصتها كالتالي: أولًا: أن (بسم الله الرحمن الرحيم) يختلفون في قراءتها في الصلاة على ثلاثة أقوال: - بعضهم من يوجبها (١). - ومنهم من يرى أنها مستحبة (٢). - ومنهم من يكرهها (٣). ثانيًا: أنهم يختلفون في الجهر بها من عدمه على ثلاثة أقوال كذلك: - بعضهم يرى أن السنة الجهر بها (٤).

стр. 1456

- ومنهم من يرى أن السنة عدم الجهر بها (١). - ومنهم من يسوي بين الأمرين (٢). * قوله: (فَأَمَّا الآثَارُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَسْقَطَ ذَلِكَ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: " سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقْرَأُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالحَدَثَ، فَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، فَلَمْ أَسْمَعْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقْرَؤُهَا " (٣). قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: ابْنُ مُغَفَّلٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ) (٤). وحديث ابن مغفل هذا دليل لمن يرى أنه لا يقرأ بها. وقوله: " إياك والحدث " وفي بعض الروايات: " أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ، إِيَّاكَ

стр. 1457

وَالحَدَثَ " (١)، يعني: هذا أمر محدث لم يكن معروفًا. وفي روايات أُخرى جاءت مفصلة: " هذا حدث محدث، وإنهم يكرهون الحدث " (٢)؛ يعني: أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو تحذير له من محدثات الأمور، فإن " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار "، كما جاء في الحديث (٣). واختلفوا في كون المحدث هنا هل هو قراءتها أو الجهر بها؟ وقد ذكرنا خلاصة القول في ذلك، والمحققون من الحنفية والحنابلة الذين قالوا بالإسرار لا شك مذهبهم أقوى؛ لأن أدلتهم صحيحة وصريحة، وهي نصوص لا تحتمل تأويلًا، لكن أدلة الذين قالوا بالجهر الصريح منها ضعيف، وما صح منها فهو غير صريح في المسألة بل يحتمل تأويلًا. إذن؛ حديث عبد الله بن مغفل هذا هو دليل المالكية (٤)، وفي بعض الروايات: " أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ " (٥)، ولمَّا لم يرد ذكر لـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، دل ذلك على عدم قراءتها، كما استدلوا كذلك بحديث المسيء صلاته وأنها لم ترد فيه (٦). وأبو عمر بن عبد البر إمام جليل معروف من علماء المالكية، ولكنه

стр. 1458

أيضًا من أصحاب الآراء المستقلة، ومن العلماء المحققين الذين وهبهم الله سعة في العلم وإدراكًا، وهو صاحب كتاب " الاستذكار " المعروف، الذي يعتبر من أهم مراجع كتابنا هذا، فقد عول عليه المؤلف - ابن رشد - في نقل المذاهب، وله أيضًا كتاب " التمهيد " الذي شرح فيه " الموطأ "، وله كتب أُخرى. * قوله: (وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ: " بِسْمِ اللهِ " إِذَا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ ") (١). وقوله: " لا يقرأ (باسم الله) " في معناه احتمالان: الأول: أنه لا يقرؤها مطلقًا. الثاني: وقد يكون المقصود أنه كان لا يسمعها. وإذا أخذنا الأحاديث الصحيحة الصريحة التي فيها القراءة، نجد أنها دلت على المراد بذلك، وهو أنهم كانوا يقرؤونها ولا يجهرون بها (٢). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ: " قُمْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَقْرَأُ " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، قَالَ أَبُو عُمَرَ: إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ قَالُوا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا: إِنَّ النَّقْلَ فِيهِ مُضْطَرِبٌ اضْطِرَابًا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَرَّةً رُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَرَّةً لَمْ يُرْفَعْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ عُثْمَانَ وَمَنْ لَا يَذْكُرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فَكَانُوا يَقْرَؤُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فَكَانُوا لَا يَقْرَؤُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: فَكَانُوا

стр. 1459

لَا يَجْهَرُونَ بِـ: بَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١). وَأَمَّا الأَحَادِيثُ المُعَارِضَةُ لِهَذَا، فَمِنْهَا حَدِيثُ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجَمِّرِ قَالَ: " صَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَبْلَ أُمِّ القُرْآنِ، وَقَبْلَ السُّورَةِ، وَكَبَّرَ فِي الخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَقَالَ: أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ") (٢). وحديث نعيم بن عبد الله المجمر هذا هو الأصح في المسألة، وقد تلقاه العلماء بالقبول، وقد نقل فيه فعل أبي هريرة ﵁، وفيه قوله بعد أن انتهى من الصلاة: " أنا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ "، وكونه نسب الفعل إلى رسول الله ﷺ دل ذلك على أنه ﷺ كان يفعل ذلك (٣). * قوله: (وَمِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ بِـ: بَسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " (٤)، وَمِنْهَا: حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 1460

رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ " (١)، فَاخْتِلَافُ هَذِهِ الآثَارِ أَحَدُ مَا أَوْجَبَ اخْتِلَافَهُمْ فِي قِرَاءَةِ " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فِي الصَّلَاةِ). وفي رواية عن أم سلمة: " أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدَّها آية " (٢). وهذه الرواية فيها إثبات قراءة البسملة، لكن الشافعية احتجوا بذلك على أن الرسول ﷺ كان يجهر بها، لأنها قالت: " كان … يقرأ بـ: بسم الله الرحمن الرحيم "؛ أي: أنهمِ كانوا يسمعونه، وأما من خالفوهم فقالوا: إنهم ربما يسمعونه أحيانًا (٣). الأمر الآخر أنهم قالوا هذا موقوف على أم سلمة (٤). * قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي كَمَا قُلْنَا هُوَ: هَلْ " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " آيَةٌ مِنْ أُمِّ الكِتَابِ وَحْدَهَا، أَوْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، أَمْ لَيْسَتْ آيَةً لَا مِنْ أُمِّ الكِتَابِ وَلَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أُمِّ الكِتَابِ، أَوْجَبَ قِرَاءَتَهَا بِوُجُوبِ قِرَاءَةِ أُمِّ الكِتَابِ عِنْدَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا مَعَ السُّورَةِ، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ قَدْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا، وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ) (٥).

стр. 1461

وهُنَاك أيضًا مسألةٌ أُخرى يختلفون فيها متعلقة بهذه: وهي هل التعوذ وكذلك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) يُكتفى بها في أول ركعة أو لا بد أن يكرر ذلك في كل ركعة، وهي عند مَن يقول بأنها آية لا بد أن يقرأها مع الفاتحة في كل ركعة، لا سيما أن الشافعية ممن يرى أن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، وسواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا (١). وقول المؤلف: (هَذِهِ المَسْأَلَةُ قَدْ كَثُرَ الاِخْتِلَافُ فِيهَا) لا شك في كونه محقًّا، والكلام فيها طويل جدًّا، فترى هذا يضع أدلة ويأتي الآخر ويناقشها، ثم يرد أدلته، وذاك يعترض عليها وهكذا. (وَلَكِنْ مِنْ أَعْجَبِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: وممَا اخْتُلِفَ فِيه هَلْ " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ؟ أَمْ إِنَّمَا هِيَ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ فَقَطْ؟ وَيَحْكُونَ عَلَى جِهَةِ الرَّدِّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنَ القُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، لِأَنَّ القُرْآنَ نُقِلَ تَوَاتُرًا .. هَذَا الَّذِي قَالَهُ القَاضِي فِي الرَّدِّ عَلَى الشافِعِيِّ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَاطِعٌ (٢)، وَأَمَّا أَبُو حَامِدٍ فَانْتَصَرَ لِهَذَا بِأَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَيْضًا لَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ القُرْآنِ، لَوَجَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ

стр. 1462

يُبَيِّنَ ذَلِكَ (١)، وَهَذَا كلُّهُ تَخَبُّطٌ وَشَيْءٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ فِي الآيَةِ الوَاحِدَةِ بِعَيْنِهَا أَنْ يُقَالَ فِيهَا: إِنَّهَا مِنَ القُرْآنِ فِي مَوْضِعٍ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ القُرْآنِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ). المقصود من قوله أبو حامد هو الغزالي ﵀. وممن رأيت أنه حقق هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " الفتاوى "، فقد تكلم عنها وانتهى إلى رأي وسط في المسألة، وقد اعتبره رأي فقهاء الحديث والمحققين أيضًا. وقد ذهب هؤلاء: إلى أن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من القرآن في كل موضع ذكرت فيه عند كل سورة، لكنها ليست آية من السورة، بمعنى أنها آية في كل موضع وردت فيه مع كل سورة لا أنها جزء منها، ويستدلون على ذلك بأن الرسول ﷺ ما كان يعرف انتهاء السورة حتى تنزل عليه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢). وأما المالكية: فيقولون إنما وضعت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للتبرك بها -يعني: قراءة - والتقدير: أتبرك بأن أبدأ باسم الله الرحمن الرحيم (٣).

стр. 1463

وقد رد عليهم الآخرون فقالوا: لو كانت للتبرك لماذا لم تذكر في سورة براءة (١)؟! وقضية الردود في مثل هذه المسائل طويلة جدًّا، وهي ليست من مقاصد شرحنا هذا. * قوله: (بَلْ يُقَالُ: إِنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مِنَ القُرْآنِ حَيْثُمَا ذُكِرَتْ، وَأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَهَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ سُورَةِ أُمِّ القُرْآنِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ يُسْتَفْتَحُ بِهَا، مُخْتَلَفٌ فِيهِ (٢)، وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي سَائِرِ السُّوَرِ فَاتِحَةٌ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ). وهذا كلام مفصل جيد. ومما يذكر من فوائد في المسألة: قول بعض أهل العلم أنه حتى سليمان ﵇ افتتح بها كتابه كما ذكر الله تعالى، فمن باب الأولى أن تستفتح بها سور القرآن. * قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لَا عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا (٣)، إِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁: " أَنَّهُ صَلَّى، فَنَسِيَ القِرَاءَةَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؟ فَقِيلَ: حَسَنٌ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِذنْ " (٤)، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ

стр. 1464

عِنْدَهُمْ (١)، أَدْخَلَهُ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (٢)). وهذه مسألة مهمة جدًّا، وهي من أدق المسائل لأنه يرتبط بها صحة الصلاة من عدمها. فإن قيل: بأن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة أو شرط من شرائطها، فمعنى ذلك أن الصلاة لا تصح بدونها (٣)، إلا في حق العاجز عن قراءتها. ويختلف أيضًا العلماء في العاجز عن قراءتها - كالأخرس - هل يلزمه أن يحرك لسانه في القراءة أو لا على قولين:

стр. 1465

الأول: من العلماء مَن يرى وجوب تحريك اللسان وقالوا: إن ذلك لأهمية الفاتحة (١). الثاني: منهم من قال لا يلزمه ذلك (٢). وفي نظري: أن الذين قالوا لا يلزمه أولى؛ لأن اللسان أصلًا آلة ووسيلة للقراءة، فلما أصبح الإنسان غير قادر على القراءة فما فائدة تحريك اللسان؟! ومثله تمامًا الإنسان الذي ليس له شعر - أي: الأصلع - فهل يلزمه إذا حج مثلًا أن يمر الموسى على رأسه؟ أو الذي تلده أمه مختونًا هل يلزمه أيضًا الختان؟ هذه مسائل كلها يذكرها العلماء ويستدلون بالحديث الطويل الذي جاء في آخره: " وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (٣)، وقد أسسوا في ذلك قاعدة معروفة وهي قولهم: (الميسور لا يسقط بالمعسور) (٤).

стр. 1466

وبعضهم صاغها صياغة أُخرى فقال: (من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا). فهذا يستطيع أن يحرك اللسان فلماذا لا يحرك لسانه؟ لكن نحن نأتي إلى تحريك اللسان فنقول: هل تحريك اللسان مقصود لذاته أو أنه وسيلة إلى القراءة، فإذا كان وسيلة للقراءة والقراءة قد انتهت، فما كان من ضرورة القراءة قد انتهت أيضًا. وكذلك الإنسان الذي يستطيع أن يصوم جزءًا من النهار ولا يستطيع أن يصوم النهار كله، فلا يلزمه أن يصوم بعض النهار لأنه لا يفيده. إذن؛ من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها لا يلزمه في هذه الحالة شيء. لكن هناك صور يلزم الإنسان أن يؤدي فيها ما يستطيعه: كالذي يستطيع القيام ولا يستطيع القراءة، فيلزمه حينئذٍ أن يقوم، وآخر لا يستطيع القيام إلا على حد الراكعين، فيلزمه أيضًا القيام بالقدر الذي يستطيع وهكذا، وهذه قاعدة من أهم القواعد وأجلها. وفي مطلع هذه المسألة: يبين المؤلف أن القراءة ركن من أركان الصلاة، لكن القراءة التي يقول عنها لا تسقط عمدًا ولا سهوًا يقصد بها قراءة الفاتحة، أما ما عداها ففيها خلاف، وبعض السلف يُوجب القراءة فيها (١)،

стр. 1467

لكن التي هي محل اتفاقٍ بين العلماء هي وجوب قراءة الفاتحة (١). فقراءة الفاتحة إذن ركن من أركان الصلاة عند جماهير العلماء بمعنى أنها لا تسقط سهوًا ولا عمدًا (٢). ويتعلق بها عدة مسائل في تفريعات المذاهب نذكر منها: أولًا: مَن نسي قراءة الفاتحة وانتقل إلى ركن آخر؛ أي: لو نسي قراءتها ثم تذكر مثلًا وهو قد سجد أو رفع رأسه من السجود، فهل يقوم ليأتي بالقراءة؟ والحال تختلف فيما لو أتم الركعة الأولى ثم انتقل إلى الثانية؛ فإن كثيرًا من العلماء يلغي هذه الركعة ويعتبر أن الثانية هي الركعة الأولى لأن قراءة الفاتحة ركن أيضًا (٣).

стр. 1468

ثانيًا: فيما يتعلَّق بالمسبوق - وهو من يأتي والإمام قد ركع - فإنه في هذه الحالة لا يدرك قراءة الفاتحة، فهل قراءة الفاتحة سقطت عنه في هذه الحالة التي لا يتمكن فيها من قراءتها أو أن الإمام يحملها عنه؟ وهنا أكثر العلماء على أن الإمام يحملها عنه لكن شريطة ألا يكون الإمام قد أحدث في هذه الركعة التي أدرك فيها المأموم الإمام، وألا يكون الإمام قد قام إلى خامسة لأن الخامسة زائدة بالنسبة للرباعية، فهذه تفصيلات مسائل جزئية لم يعرض لها المؤلف (١).

стр. 1469

وأما حكم القراءة في الصلاة - بغض النظر عن كونها الفاتحة أو غير الفاتحة (١) -: فجماهير العلماء يذهبون إلى أن القراءة في الصلاة واجبة (٢)، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن بن صالح بن حي وأبو بكر الأصم، ولا يعتد بخلافهما في مقابل الإجماع (٣). وقد خالفا جماهير العلماء في أن القراءة في الصلاة مستحبة وليست واجبة، وليس لهم حديث مرفوع إلى الرسول ﷺ فيما ذهبوا إليه، لكنهم يتمسكون ببعض الآثار الموقوفة على بعض الصحابة ﵃، ومنها: - الأثر الذي ذكره المؤلف في قصة عمر ﵁: " أنه صلى صلاة المغرب ولم يقرأ فيها، فلما فرغ من صلاته ذكر له ذلك فقال: ما حال الركوع والسجود، قالوا: حسنًا -يعني: كان حسنًا - فقال: لا بأس " (٤). - واستدلوا أيضًا بما روي عن علي ﵁: " أن رجلًا ذكر له أنه صلى

стр. 1470

ولم يقرأ فقال له علي ﵁: هل أتممتَ الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: قد تمت صلاتك " (١). - ونُقل أيضًا عن زيد بن ثابت ﵁: " أنه قال: القراءة في الصلاة من السنة " (٢). هذه هي الأدلة التي يستدل بها من قال بأن القراءة غير واجبة، ولا شك أن هذا قول ضعيف ومردود، وقد رد أهل العلم عليها بما يردها ويبطلها من أصلها فقالوا: - فأما أثر عمر ﵁ أجاب عنه العلماء بأجوبة ثلاثة: الأول: قالوا هو أثر ضعيف لأنه منقطع، فاللذان روياه لم يسمعا من عمر ﵁ أو لم يدركاه (٣). الثاني: أنهم قالوا: إن عمر ﵁ إنما أسرَّ في هذه الصلاة - وكانت صلاة جهرية - ولم يكن قد ترك القراءة. الثالث - وهو أحسنها في نظري وأقواها -: ما ذكره البيهقي بأن أثر عمر ﵁ ثبت عن طريقين موصولين -يعني: وصلهما سندًا - وقد صح

стр. 1471

فيهما أن عمر ﵁ أعاد الصلاة؛ إذن هذا الأثر الذي استدل به هؤلاء غير صحيح لأن ما صح عن عمر ﵁ في هذه الصلاة أنه أعاد (١). - وأما ما نُقل عن علي بن أبي طالب ﵁: فهو أثر ضعيف لأنه من رواية الحارث الأعور وهو كثيرًا ما يروى عن علي ﵁، والعلماء متفقون على ضعفه (٢). - وأما ما نُقل عن زيد ﵁ بأن القراءة في الصلاة من السنة؛ قيل: قصده بذلك ما كان على سنن المصحف؛ أي: ما جاء في كتاب الله ، وليس المراد من ذلك ما هو في لغة العرب مما قد يختلف مع القرآن (٣). وبهذا ننتهي إلى أن القراءة واجبة، ونذكر من الأدلة على ذلك: الأول: حديث عبادة المتفق عليه الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٤). وحرف " لا " نافية، وكلمة " صلاة " نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (٥)، فلا يصح صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب.

стр. 1472

الثاني: حديث أبي هريرة أيضًا المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: " من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج " ذكر ذلك ثلاثًا (١). أي: ناقصة (٢). والأدلة كثيرة جدًّا، وسنعرض لعدد منها إن شاء الله ونحن نتكلم عن حكم قراءة الفاتحة. ومسألة القراءة في الصلاة: من أحسن المسائل التي ناقشها الإمام البيهقي في كتابه (٣)، فذكر الآثار الواردة فيها وتكلم عنها من حيث السند، كما تناولها أيضًا بالبحث والتحقيق العلماء عمومًا ومن بينهم الإمام النووي في كتابه " المجموع "؛ فقد عرض لها وأورد كل ما يتعلَّق بهذه المسألة في مباحث الصلاة. * قوله: (وَإِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ، وَأَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَوَاتٍ، وَسَكَتَ فِي أُخْرَى، فَنَقْرَأُ فِيمَا قَرَأَ، وَنَسْكُتُ فِيمَا سَكَتَ " (٤)، وَسُئِلَ: " هَلْ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ قِرَاءَةٌ؟ فقال: لا " (٥). هو ما نُقل عن ابن عباس ﵁ بأن رسول الله ﷺ ما قرأ في بعض الصلوات.

стр. 1473

وفي بعض الروايات: " أن ابن عباس تردد فقال: لا أدري أقرأ أم لم يقرأ " (١). ولذلك أجاب العلماء عن ذلك: بأن ابن عباس وإن كان ذكر ذلك، فغيره من الصحابة ﵃ ممن هم أعلم منه وأكبر سنًّا وأكثر معاصرة للرسول ﷺ بينوا - كما سيأتي في حديث أبي قتادة (٢) وغيره -: أن الرسول ﷺ قرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بالفاتحة وسورتين؛ يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وأنه قرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (٣). * قوله: (وَأَخَذَ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ خَبَّابٍ: " أَنَّهُ ﷺ كانَ يَقْرأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، قِيلَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ كنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ " (٤)). وهذا الحديث أورده الإمام البخاري في عدة روايات بصيغة الاستفهام عن طريق معرفتهم لقراءة رسول الله وهي سرية (٥)، فقال

стр. 1474

خباب ﵁: " باضطراب لحيته "؛ يعني: بتحركها؛ لأن الإنسان إذا تكلم تتحرك لحيته. (وَتَعَلَّقَ الكُوفِيُّونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ وُجُوبِ القِرَاءَةِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ لِاسْتِوَاءِ صَلَاةِ الجَهْرِ وَالسِّرِّ فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ). والمعروف: أن الكوفيين ما تمسكوا بهذا، إنما تمسكوا بأثر علي ﵁ أنه قال: " قرأ في الركعتين الأوليين وسبح في الأخريين " (١). وفي رواية: " اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين " (٢). وهذا أقوى دليل عندهم إلى جانب عموم الأدلة الأخرى، لكن هذا يعتبرونه نصًّا (٣). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي القِرَاءَةِ الوَاجِبَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ أُمُّ القُرْآنِ لِمَنْ حَفِظَهَا، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيتٌ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي كُلِّ رَكعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي

стр. 1475

أَكْثَرِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي نِصْفِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ، وَبِالأوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ قَرَأَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ أَجَزَأَتْهُ) (١). فالشافعية: أوجبوها في كل ركعة (٢)، وهي أيضًا الرواية المشهورة الصحيحة في المذهبين المالكي (٣) والحنبلي (٤). وأما القول بأنها واجبة في أكثر الصلاة: فنُسب إلى الإمام مالك (٥)، والحسن البصري (٦). وأما كونها واجبة في نصف الصلاة: فرواية للإمامين مالك (٧) وأحمد (٨)،
следующие страницы →