← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فيهما أن عمر ﵁ أعاد الصلاة؛ إذن هذا الأثر الذي استدل به هؤلاء غير صحيح لأن ما صح عن عمر ﵁ في هذه الصلاة أنه أعاد (١). - وأما ما نُقل عن علي بن أبي طالب ﵁: فهو أثر ضعيف لأنه من رواية الحارث الأعور وهو كثيرًا ما يروى عن علي ﵁، والعلماء متفقون على ضعفه (٢). - وأما ما نُقل عن زيد ﵁ بأن القراءة في الصلاة من السنة؛ قيل: قصده بذلك ما كان على سنن المصحف؛ أي: ما جاء في كتاب الله ، وليس المراد من ذلك ما هو في لغة العرب مما قد يختلف مع القرآن (٣). وبهذا ننتهي إلى أن القراءة واجبة، ونذكر من الأدلة على ذلك: الأول: حديث عبادة المتفق عليه الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٤). وحرف " لا " نافية، وكلمة " صلاة " نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم (٥)، فلا يصح صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب.

стр. 1472

الثاني: حديث أبي هريرة أيضًا المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: " من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج " ذكر ذلك ثلاثًا (١). أي: ناقصة (٢). والأدلة كثيرة جدًّا، وسنعرض لعدد منها إن شاء الله ونحن نتكلم عن حكم قراءة الفاتحة. ومسألة القراءة في الصلاة: من أحسن المسائل التي ناقشها الإمام البيهقي في كتابه (٣)، فذكر الآثار الواردة فيها وتكلم عنها من حيث السند، كما تناولها أيضًا بالبحث والتحقيق العلماء عمومًا ومن بينهم الإمام النووي في كتابه " المجموع "؛ فقد عرض لها وأورد كل ما يتعلَّق بهذه المسألة في مباحث الصلاة. * قوله: (وَإِلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ، وَأَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَوَاتٍ، وَسَكَتَ فِي أُخْرَى، فَنَقْرَأُ فِيمَا قَرَأَ، وَنَسْكُتُ فِيمَا سَكَتَ " (٤)، وَسُئِلَ: " هَلْ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ قِرَاءَةٌ؟ فقال: لا " (٥). هو ما نُقل عن ابن عباس ﵁ بأن رسول الله ﷺ ما قرأ في بعض الصلوات.

стр. 1473

وفي بعض الروايات: " أن ابن عباس تردد فقال: لا أدري أقرأ أم لم يقرأ " (١). ولذلك أجاب العلماء عن ذلك: بأن ابن عباس وإن كان ذكر ذلك، فغيره من الصحابة ﵃ ممن هم أعلم منه وأكبر سنًّا وأكثر معاصرة للرسول ﷺ بينوا - كما سيأتي في حديث أبي قتادة (٢) وغيره -: أن الرسول ﷺ قرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بالفاتحة وسورتين؛ يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وأنه قرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (٣). * قوله: (وَأَخَذَ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ خَبَّابٍ: " أَنَّهُ ﷺ كانَ يَقْرأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، قِيلَ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ كنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ " (٤)). وهذا الحديث أورده الإمام البخاري في عدة روايات بصيغة الاستفهام عن طريق معرفتهم لقراءة رسول الله وهي سرية (٥)، فقال

стр. 1474

خباب ﵁: " باضطراب لحيته "؛ يعني: بتحركها؛ لأن الإنسان إذا تكلم تتحرك لحيته. (وَتَعَلَّقَ الكُوفِيُّونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ وُجُوبِ القِرَاءَةِ فِي الرَّكعَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ لِاسْتِوَاءِ صَلَاةِ الجَهْرِ وَالسِّرِّ فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ). والمعروف: أن الكوفيين ما تمسكوا بهذا، إنما تمسكوا بأثر علي ﵁ أنه قال: " قرأ في الركعتين الأوليين وسبح في الأخريين " (١). وفي رواية: " اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين " (٢). وهذا أقوى دليل عندهم إلى جانب عموم الأدلة الأخرى، لكن هذا يعتبرونه نصًّا (٣). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي القِرَاءَةِ الوَاجِبَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ أُمُّ القُرْآنِ لِمَنْ حَفِظَهَا، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيتٌ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي كُلِّ رَكعَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي

стр. 1475

أَكْثَرِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي نِصْفِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا فِي رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ، وَبِالأوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهِيَ أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ قَرَأَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ أَجَزَأَتْهُ) (١). فالشافعية: أوجبوها في كل ركعة (٢)، وهي أيضًا الرواية المشهورة الصحيحة في المذهبين المالكي (٣) والحنبلي (٤). وأما القول بأنها واجبة في أكثر الصلاة: فنُسب إلى الإمام مالك (٥)، والحسن البصري (٦). وأما كونها واجبة في نصف الصلاة: فرواية للإمامين مالك (٧) وأحمد (٨)،

стр. 1476

وهو أيضًا مذهب أبي حنيفة (١). * قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّهَا تُجْزِي فِي رَكعَةٍ، فَمِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ البَصْرَةِ). فالحسن البصري يرى أنها تجزئ في ركعة (٢)، وأما إسحاق بن راهويه فيرى أنها تجزئ في أكثر ما يطلق عليه صلاة ألا وهي ثلاث ركعات بالنسبة للرباعية (٣). * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالوَاجِبُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ قِرَاءَةُ القُرْآنِ أَيُّ آيَةٍ اتَّفَقَتْ أَنْ تُقْرَأَ، وَحَدَّ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةً طَوِيلَةً مِثْلَ آيَةِ الدَّيْنِ (٤)، وَهَذَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ، وَأَمَّا فِي

стр. 1477

الأَخِيرَتَيْنِ، فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ التَّسْبِيحُ فِيهِمَا دُونَ القِرَاءَةِ (١)، وَبِهِ قَالَ الكُوفِيُّونَ (٢)، وَالجُمْهُورُ يَسْتَحِبُّونَ القِرَاءَةَ فِيهَا كُلِّهَا (٣)). فكون الواجب القراءة في الركعتين الأوليين فقط ليس هذا مذهب الحنفية وحدهم، وإنما أيضًا هذه رواية عند الحنابلة (٤)، وعند المالكية (٥)، وأما التفصيل فالحنفية قالوا يقرأ في الركعتين الأوليين، وهو بالخيار إن شاء سكت في الركعتين الأخيرتين، وإن شاء سبح وهو المستحب (٦). فهناك إذن اختلاف بين العلماء في الواجب قراءته في الصلاة، ولكل أدلته وسنذكرها ونناقشها على النحو التالي: الأول: الحنفية يقولون: أي قراءة تكفي في الصلاة، ولا يشترط أن تكون الفاتحة بكاملها، بل لو قرأ من أي آية لأجزأه (٧)، واستدلوا على ذلك بأمور:

стр. 1478

- قالوا: إن سور القرآن كلها تتساوى في الحرمة، فليس للجنب أن يقرأ القرآن وليس للمحدث أن يمس المصحف (١). - قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (٢). - حديث المسيء صلاته، وفيه: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " (٣). - حديث: " لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب " (٤). واختلفوا في القدر الواجب: فمنهم من قال ما يتناوله اسم القراءة،

стр. 1479

وسبب تعدد الآراء في المذهب تفسير عبارة: " ما تيسر "، فأقل ما يتناوله اسم القراءة قد يكون آية تامة، أو ثلاث آيات قصيرة، أو آية طويلة كآية الدين (١). وفي سياق الرد عليهم - أي: الحنفية - نقول: - وأما قولهم بأن آيات القرآن تتساوى في الحرمة: فنحن نقول: إن آيات القرآن وسوره كلها لها حرمة، ولكنها حقيقة تتفاوت، ومن أدلة ذلك موضوع القراءة في الصلاة؛ فالفاتحة ورد النص في وجوب قراءتها كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٢). - أما استدلالهم بالآية: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فقد أجاب العلماء عن ذلك بأنها وردت في صلاة الليل، ولم يقصد بها تحديد القدر الذي يجب قراءته في الصلاة (٣). - وأما ما جاء في حديث المسيء صلاته: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " فقالوا: إنه جاء في بعض الروايات قوله: " ثم اقرأ بأم القرآن " (٤). وفي أُخرى قال: " ثم اقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة " (٥). فهذه الروايات

стр. 1480

تقيد الإطلاق الذي جاء في الأخرى (١). قالوا: ولو سلمنا لهم بذلك فإن المراد بما يتيسر يحتمل عدة أمور: إما الفاتحة وما تيسر معنا، كما جاء في حديث أبي سعيد ﵁: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر " (٢). إذن ما تيسر زيادة على الفاتحة (٣)، ومنهم من فسر ذلك وقال: ما تيسر هذا في حق من لم يحسن القراءة، أو غير القادر على القراءة، ويلزمه أيضًا التعلم في ذلك (٤). - وأما استدلالهم بحديث: " لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب " (٥). فردوا عليهم بأن هذا الحديث ضعيف (٦)، وحتى لو سلمنا صحته فهو يحتمل التأويل، فلو يقول أحدهم مثلًا: صم من الشهر ولو ثلاثة أيام، فكأنه يقول: صم أكثر الشهر؛ فإن لم يكن فلا أقل من أن تصوم ثلاثة أيام، ومنه فتأويل قوله: " ولو بفاتحة الكتاب " أي: بفاتحة الكتاب وغيرها، فإن لم يزد عليها فلا أقل من أن يقتصر على قراءتها (٧). الثاني: وهو مذهب جماهير العلماء: إذ قالوا: إن قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة. واستدلوا على ذلك بأدلة هي: - في مقدمة هذه الأدلة حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتفق عليه وهو قوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٨). و" لا " هنا نافية،

стр. 1481

وكلمة: " صلاة " نكرة، ومعروف أن النكرة في سياق النفي تعم (١)؛ إذن لا تصح أي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب إلا ما استثناه العلماء بالنسبة للمأموم، وهي أيضًا محل خلاف بينهم، فمنهم من يرى أنه تسقط عنه القراءة وخاصة في الجهرية، ومنهم من يرى أنها لا تسقط عنه، ولكل أدلته (٢). وهذا الحديث هو حجة لبعض الذين قالوا يقتصر على ركعة واحدة، لأن في قوله: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " أن أقل ما يطلق على ذلك أن يصليها في ركعة (٣). - حديث أبو هريرة ﵁: " من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " ذكر ذلك ثلاثًا (٤). وهو دليل على وجوب قراءة الفاتحة؛ لأنه إذا لم يقرأها فصلاته غير تامة، وإذا كانت غير تامة فهي ناقصة، وإذا كانت ناقصة فلم يؤد الواجب فيها، ومنه فيتعين قراءة الفاتحة (٥). - حديث أبي سعيد ﵁ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر " (٦). ومعلوم أن الأمر يقتضي الوجوب (٧).

стр. 1482

- والدليل الرابع من الأدلة: أن الرسول ﷺ كان يقرأ بها في كل صلواته. - حديث أبي قتادة والذي جاء فيه: " أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب " (١). قالوا: وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (٢). ومنهم من يعترض على أدلة الجمهور فيقولون: - حديث عبادة حديث صحيح نسلِّم لكم بذلك، ولا اعتراض عليه سندًا ولا حتى في دلالته على النفي، فقوله: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " يعني: لا صلاة كاملة، إذن النفي هنا هو نفي الكمال لا نفي الأجسام، ويرد على هؤلاء بأنه جاء في بعض روايات حديث عبادة ﵁ وقد صح ذلك أيضًا وإن لم يكن في " الصحيحين " - أن الرسول ﷺ قال: " لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " (٣). وإذا كانت لا تجزئ فهي غير صحيحة، وإذا كانت غير صحيحة فهي باطلة (٤). وفي رواية أُخرى من روايات نفس الحديث أن الرسول ﷺ قال:

стр. 1483

" لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن " (١). وهي أيضًا رواية صحيحة، وإذا كانت لا تقبل فهي مردودة على صاحبها، وإذا كانت مردودة على صاحبها فهي لا تنفع، وذلك يدل على تعيُّن قراءة الفاتحة. وهناك أقوال ليست مشهورة ذكرها المؤلف، فقيل: تجب في ركعة واحدة، أو في ثلاث ركعات أو في ركعتين (٢). ونقول في آخر هذه المسألة: إن مذهب جماهير العلماء هو المذهب الصواب الذي تعضده الأدلة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الكِتَابِ لِلْأَثَرِ). إذن فالمؤلف ذكر للخلاف سببين: الأول: وجود أحاديث ظاهرها التعارض. الثاني: أنه قد يوجد تعارض بين بعض الآثار - ويقصد بذلك الأحاديث - وبين ظاهر القرآن؛ أي: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. وقد أجبنا على ذلك فيما سبق. * قوله: (أَمَّا الآثَارُ المُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ، فَأَحَدُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتُ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: " ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ "، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فأَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا

стр. 1484

أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَقَالَ ﵊: " إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَسْبغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا ") (١). والرسول ﷺ أعطاه وصفًا دقيقًا عن ركعة من الركعات، وهو بعد ذلك يفعل ما فعله في هذه الركعة في البقية، لكنه بعد ركعتين سيجلس للتشهد كما هو معلوم، وكل الصلوات فيها تشهدان ما عدا صلاة الفجر إذ ليس فيها إلا ركعتان. وقوله: " ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ " فيه أنه سكت هنا عن النية؛ لأن النية إنما ترتبط بالتكبير فتكون معه تمامًا كمذهب الشافعية، أو تسبقه ولو بقليل دون فصل كما هو مذهب الحنفية والحنابلة (٢). وبظهر جليًّا في هذا الحديث شيء من منهج الرسول ﷺ في تعليم أصحابه: فقد يعطي الرجل الفرصة لتصحيح غلطه أو ليعرف أنه مخطئ فيسأل ثم بعد ذلك يذكِّره بما يجب، فهذا الصحابي ﵁ في قوله: " والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره "؛ أي: فعلمني، وهنا أظهر حاجته للتعلم، فطلب من الرسول ﷺ أن يعلمه، ومعلوم أن الإنسان عندما يطلب الشيء فيُلقى عليه يترك أثرًا في نفسه أكثر من غيره. ومثل هذه الفوائد الكثير في تعامله ﵊ مع أصحابه، ولا ينبغي لنا تفويت مثل هذه الأمثلة التربوية المستفادة ممن لا ينطق عن الهوى.

стр. 1485

فمن ذلك: ما رواه الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وا ثُكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " (١). إذن رسول الله ﷺ بيَّن له ما ينبغي أن يفعله فوجهه توجيهًا سليمًا لا عوج فيه ولا انحراف. وقد يسأل السائل عن شيء فيجيبه بأكثر من سؤاله، ومن ذلك: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " (٢). والشاهد من الحديث أنه أجابه بقاعدة عظيمة فيها جوابه وأجوبة لأسئلة كثيرة أُخرى، وهذا ما يُسمَّى بجوامع الكلم. * قوله: (وَأَمَّا المُعَارِضُ لِهَذَا، فَحَدِيثَان ثَابِتَان مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا). والمؤلف أورد هذا الحديث حجة للحنفية، لكن قد أجبنا عن الاستدلال به كما سبق من أنه جاء في بعض رواياته: " ثم اقرأ بأم القرآن " (٣)، وفي بعضها أيضًا: " ثم اقرأ بفاتحة الكتاب " (٤)، كما أن من العلماء مَن فسر الإطلاق في قوله: " ما تيسر " بأن القصد بما تيسر هي الفاتحة (٥).

стр. 1486

* قوله: (أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ") (١). ونحن نقول: هل يطمئن مسلم بعد أن يسمع هذا الحديث الذي نطق به محمد بن عبد اللَّه ﷺ فقال:"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ثم يتساهل في هذا الأمر، هل تطمئن نفس المؤمن ويرتاح فؤاده وتستقر جوارحه وهو يصلي ويتعبد للَّه دون أن يقرأ الفاتحة، والصلاة كما هو معروف هي الركن الثاني بعد التوحيد، فكيف يصلي المرء وهو لا يقرأ الفاتحة وهذه الأحاديث تقرع آذانه (٢)؟! فمهما حصل من خلاف بين العلماء ومهما حاولوا من إقامة أدلة، ومهما حاولوا أيضًا من رد أدلة من خالفهم والإجابة عنها، فكل أدلتهم في نظري هي إما أدلة ضعيفة أو أدلة مجملة بيَّنَتْها أدلة أُخرى صحيحة صريحة نص في المسألة. فلا ينبغي للمسلم في هذه الصلاة التي هي أقرب وسيلة يناجي فيها ربه، وهي التي قال فيها اللَّه : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦]، كما أن فيها: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٣)، وأهل العلم يقولون: إنه لا ينبغي للإنسان أن يقصر في أمر من أمور الصلاة في السنن، فما بالكم أن يترك الإنسان ركن من أركان الصلاة؟! كما أنه لا ينبغي أن يُحمل المسلم على أن يخالف حديثًا من أحاديث رسول اللَّه ﷺ صحيحًا وصريحًا في أمر من الأمور لمجرد أنه

стр. 1487

يخالف مذهبًا وهو ينحي ذلك المذهب أو يأخذ به، فإذا كان أصحاب المذاهب الذين يتعصب البعض لارائهم ويقتدون بآرائهم هم أنفسهم تبرؤوا من أقوالهم إذا كانت على خلاف ما جاء عن رسول اللَّه ﷺ . والإمام الشافعي قد وضع قاعدة بقوله: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (١). ومالك إمام دار الهجرة يقول: "ما منا إلا راد ومردود إلا صاحب هذا القبر" (٢) ﷺ . وأحمد يقول: "لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الأوزاعي، ولكن خذوا من حيث أخذوا (٣) ". وأبو حنيفة لما قيل له ما معناه: "أهذا الحق الذي انتهيت إليه؟ قال: لا أدري لعله الباطل الذي لا شك فيه" (٤).

стр. 1488

إذن؛ هؤلاء هم الأئمة وأقوالهم؛ فالعلماء الصادقون المخلصون الذين وقفوا أنفسهم لخدمة هذا الدين، وأفنوا أعمارهم في بيانه وفي دعوة الناس إليه، وفي تقريبه أيضًا إلى النفوس، وفي تبيين ما في بعض مسائله مما يحتاج إلى بيان، هؤلاء كلهم ما دعوا إلى تقليدهم فيما يخالف رسول اللَّه ﷺ ، فما بالك أيضًا فيما يعارض كتاب اللَّه ! واللَّه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [النساء: ٥٩]. إذن؛ في كل أمر يختلف فيه ينبغي أن نرجع إلى كتاب اللَّه ، وذلك في كل عصر وفي كل مصر؛ فقد كانوا يرجعون إلى رسول اللَّه ﷺ في حياته، فلما مات كان المرجع إلى ما صح من سنته ﷺ ، وهو يقول: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب اللَّه وسنتي" (١). إذن؛ معنا مصدران غضَّان (٢) طريان لا ينتهيان مهما أخذ منهما، فهما لا يتجددان ولا ينتهيان ولا ينفذان، إنهما مصدر هذه الأمة وهما دستورها وهما المرجع الذي يرجع إليه المسلمون في كل وقت وفي كل زمان. * قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ"، ثَلَاثًا (٣). وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمُ ظَاهِر أَنَّهُ يُجْزِئُ مِنَ

стр. 1489

القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ (١)، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّانِي يَقْتَضِيَانِ أَنَّ أُمَّ القُرْآنِ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ (٢). وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] يُعَضِّدُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمَ). و"خداج"، أي: ناقصة (٣). أما حديث عبادة ﵁: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ الثاني: "من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" (٥). فقد سبق الكلام عن هذه المسألة وأدلة كل من الحنفية والجمهور وردودهم على بعض، وقد رجحنا رأي الجمهور. * قوله: (وَالمُخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ذَهَبُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَعَلَى كِلَا القَوْلَيْنِ يُتَصَوَّرُ هَذَا المَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ مَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَةَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا أَرْجَحُ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يُوَافِقُهُ (٦)، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى طَرِيقِ الجَمْعِ: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ عُبَادَةَ المَقْصُودُ بِهِ نَفْيُ الكَمَالِ لَا نَفْيُ الإِجْزَاءِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المَقْصُودُ مِنْهُ الإِعْلَامُ بِالمُجْزِئِ مِنَ القِرَاءَةِ، إِذَا كَانَ المَقْصُودُ

стр. 1490

مِنْهُ تَعْلِيمَ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ (١)). هذا أمر غير مسلَّم (٢)، ولعل المؤلف أيضًا -كبعض العلماء- لم يطلع على الروايات التي وردت بالنسبة لحديث عبادة وفيها: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (٣). ورواية أُخرى سندها صحيح فيها: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (٤)، وكذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" (٥)، وفي ذلك نفي لما ذكره المؤلف ﵀. * قوله: (وَلأُولَئِكَ أَيْضًا أَنَّ يَذْهَبُوا هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ بِأَنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الأَحَادِيثُ أَوْضَحُ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ المَشْهُورَ يُعَضِّدُهُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: نِصْفَهَا لِي، وَنِصْفَهَا لِعَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. . . ". الحَدِيثَ) (٦). المؤلف هنا يعرض مذهب الذين يوجبون قراءة الفاتحة (٧)، وقد ورد

стр. 1491

في بعض الروايات في حديث أبي هريرة: "من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" ذكر ذلك ثلاثًا، فسأله عن ذلك الذين سمعوا هذا الحديث قالوا: يكون أحدنا وراء الإمام فإذا يفعل، قال: "اقرأها في نفسك" (١)، وبذلك تمسك الذين يوجبون قراءة الفاتحة وراء الإمام (٢). وكذلك حديث عبادة ﵁ قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: "إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر". قال: قلنا أجل واللَّه يا رسول اللَّه هذا. قال: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٣). وفي حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ "، فقال رجل: نعم يا رسول اللَّه، قال: "إني أقول ما لي أنازع القرآن (٤)؟ "، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللَّه ﷺ فيما جهر فيه رسول اللَّه ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول اللَّه ﷺ (٥). وهذا الحديث من حجج الذي يرون أن الفاتحة لا تجب في الجهرية وراء الإمام، أو لا تجب مطلقًا (٦).

стр. 1492

وقد أجابوا عنه: بأن عبارة: "فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللَّه ﷺ " من قول راوي الحديث وهو الزهري (١). والكلام في مسألة قراءة المأموم خلف الإمام يطول وسنفصل القول فيه إن شاء اللَّه تعالى لما يأتي موضعه. * قوله: (وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا أَيْضًا: إِنَّ قَوْلَهُ ﵊: "ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"، مُبْهَمٌ، وَالأَحَادِيثَ الأُخرَى مُعَيِّنَةٌ، وَالمُعَيِّنُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، وَهَذَا فِيهِ عُسْرٌ، فَإِنَّ مَعْنَى حَرْفِ "مَا" هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مَعْنَى أَيِّ شَيْءٍ تَيَسَّرَ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ هَذَا إِنْ دَلَّتْ "مَا" فِي كَلَامِ العَرَبِ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَامُ العَهْدِ، فَكَانَ يَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلَامِ: اقْرَإِ الَّذِي تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآن، وَيَكُونُ المَفْهُومُ مِنْهُ أُمَّ الكِتَابِ، إِذَا كَانَتِ الأَلِفُ وَاللَّامُ فِي "الَّذِي" تَدُلُّ عَلَى العَهْدِ، فَيَنْبَغِي أَنَّ يُتَأَمَّلَ هَذَا فِي كَلَامِ العَرَبِ، فَإِنْ وَجَدْتَ العَرَبَ تَفْعَلُ هَذَا -أَعْنِي: تَتَجَوَّزُ فِي مَوْطِنٍ مَا- فَتَدُلُّ بِـ "مَا" عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَلْيَسُغْ هَذَا التَّأْوِيلُ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ (٢)، فَالمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى مُحْتَمِلَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرْتَفِعُ الِاحْتِمَالُ لَو ارْتَفَعَ النَّسْخُ). حقيقة هذا الكلام الذي دخل فيه المؤلف -بأن تطرق لهذه الجزئية- وهذا التفصيل ما كان يحتاج إليه لو وقف على الروايات الأخرى، فهو هنا أراد أن يتعمق فيما يتعلَّق باللغة في عبارة: "ما تيسر منه".

стр. 1493

ونحن نقول: إن الإبهام الذي ذكره قد ارتفع بما جاء في روايات أُخرى ترفع الإبهام وتزيل اللبس (١). وقلنا: إن الكلام الذي ذكره المؤلف كله لا حاجة له؛ لأنه حقيقة لا اجتهاد مع النص (٢)، فالنصوص في هذه المسألة صحيحة وواضحة ولا تحتمل مثل هذا الخوض والتعمق في مثل هذه الكلمة ودلالاتها. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُ مَنْ أَوْجَبَ أُمَّ الكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، أَوْ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ (٣)، فَسَبَبُهُ احْتِمَالُ عَوْدَةِ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﵊: "لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ" عَلَى كُلِّ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، أَوْ عَلَى بَعْضِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي الكُلِّ مِنْهَا، أَوْ فِي الجُزْءِ -أَعْنِي: فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ- لَمْ يَدْخلْ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊: "لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا" (٤)، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي أَصَارَ أَبَا حَنِيفَةَ إِلَى أَنْ يَتْرُكَ القِرَاءَةَ أَيْضًا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، أَعْنِي: فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ).

стр. 1494

ونحن نقول: إن أبا حنيفة قال هذا، لكن هل هو ترك القراءة في الصلاة؟ هذا يحتاج إلى دليل (١)، فعندما يأتي إمام ويقرر رأيًا في مسألة معينة أو يميل إلى رجحانه، فليس معناه أنه لا يأخذ بغيره، وأبو حنيفة نفسه يرى أن الأولى والأحوط في هذا القول، ولا يُلتفت لما قيل في مثل هذه المسألة وما ينقل عن المذهب. * قوله: (وَاخْتَارَ مَالِكٌ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ بِالحَمْدِ وَسُورَةٍ، وَفِي الأَخِيرَتَيْنِ بِالحَمْدِ فَقَطْ) (٢). وهذا أيضًا مذهب الشافعي (٣)، وأحمد (٤). * قوله: (فَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يقْرَأَ فِي الأَرْبَعِ مِنَ الظُّهْرِ بِالحَمْدِ وَسُورَةٍ إِلَّا أَنَّ السُّورَةَ الَّتِي تُقْرَأُ فِي الأُولَيَيْنِ تَكُونُ أَطْوَلَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الثَّابِتِ: "أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ فِي

стр. 1495

الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنْهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ فَقَطْ" (١)، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الثَّابِتِ أَيْضًا: "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيةً" (٢)، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي العَصْرِ لِاتِّفَاقِ الحَدِيثَيْنِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا: "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ (٣)).

стр. 1496

وباختصار: الذي ننتهي إليه هو أن القول الحق هو مذهب جماهير العلماء الذين قالوا بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، ولا شك أن أدلة هذا القول هي أدلة صحيحة وصريحة ينبغي الوقوف عندها، وزيادة على كل ذلك فهي أيضًا أحوط للمسلم في هذه المسألة (١). * قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٢)، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ قَالَ: "نَهَانِي

стр. 1497

جِبْرِيلُ (١) ﷺ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا". قَالَ الطَّبَرِيُّ (٢): وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَبِهِ أَخَذَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ) (٣). وفي بعض الطبعات (جبريل) بدل (حبي)، لكن الصحيح: "نهاني حبي. . . " يقصد بـ: "حبي" رسول اللَّه ﷺ (٤). وهذه مسألة جديدة وهي القراءة في الركوع والسجود: ومعلوم أن الركوع ورد فيه أدعية أهمها أن يقول المصلي في ركوعه: (سبحان ربي العظيم)، وقد يزيد على ذلك أيضًا كما سيبين المصنف، ويقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى). والعلماء يختلفون في القدر: فالجمهور يقولون: أدنى الكمال أن يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) ثلاثًا، وكذلك في السجود، وقالوا: لو تركها لبقيت صلاته صحيحة لأنها ليست واجبة، وأما أعلى الكمال فيزيد بعضهم إلى خمس وبعضهم إلى سبع (٥).

стр. 1498

وينبغي التنبيه إلى قضية هامة جدًّا فيما يتعلَّق بالإمام والمأمومين: وقد تكلم عنها العلماء، فالإمام عليه أن يراعي دائمًا أحوال المأمومين، فإذا كان الإمام يصلي وراءه جماعة من الناس لا يعلم أحوالهم؛ فالأولى في حقه أن يخفف؛ لأن فيهم من لا يطيق الإطالة في الصلاة، والرسول ﷺ عاتب معاذًا ﵁ وقال له: "أتريد أن تكون فتانًا" (١). ثم قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة" (٢).

стр. 1499

وقد يفهم من كلام المؤلف: أن الإنسان لو قرأ آية أو آيات في الركوع أو في السجود بطلت صلاته، وليس ذلك هو المقصود، فالذين يقولون بذلك قصدهم الكراهة (١)، والقصد ألا يقرأ الإنسان في ركوعه أو سجوده قراءة مرتبة مقصودة، لكن أن يأتي بآيات الدعاء فهذا أمر وارد. وسيأتي في حديث عقبة بن عامر ﵁ وهو حديث صحيح-: أنه لما نزل قول اللَّه : ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ قال الرسول ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزل قوله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قال: "اجْعَلُوها فِي سُجُودِكُمْ" (٢). وسنجد أيضًا أن أدعية السجود بعضها مقتبس من آيات أو جزء من آية. والحكمة من كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود: أن الركوع وضع لغاية والسجود كذلك، والرسول ﷺ قال: "فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ (٣) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (٤). وقال: "وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٥). وينبغي لنا التنبيه على مسألة مهمة متعلقة بما نحن بصدد الحديث عنه: وهي كون الركوع فيه انحناء الإنسان، فقد كان قائمًا في صلاته ثم ينحني، وهذا الانحناء إنما فيه خضوع وخنوع (٦) وذل للخالق تبارك

стр. 1500

وتعالى، وأما السجود فهو أكثر من ذلك، لأن الإنسان فيه يخضع ويذل ويمرغ (١) أشرف شيء في جسمه -وهو الوجه- وهذا كله فيه خضوع للَّه ، لأن اللَّه هو الذي خلقنا وأوجدنا من العدم وتفضل علينا بالنعم، فمهما شكرناه وعبدناه لا يمكن أن نؤدي شيئًا من شكره على ما تفضل به علينا؛ ولذلك كان إدخال من يدخل اللَّه الجنة إنما هو برحمته لا بعمل الإنسان كما جاء في الحديث (٢). ولكن لو يخضع الإنسان للمخلوقين فتلك هي الذلة، ولذلك نهى الرسول ﷺ أصحابه أن يعظموه كما يعظم الأعاجم رؤساءهم (٣)، فعلينا أن نفرق بين ما يتعلَّق بالخضوع والذل والتعظيم وبين ما يتعلَّق بالاحترام، وقد أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم (٤)، فالإنسان عندما يأتيه ضيف عزيز، أو إنسان كبير، أو طالب علم؛ فلا حرج أن يقوم له ويبش (٥) في وجهه، وذلك من صفات المؤمنين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وفي مقابل ذلك صفات نهى عنها الشرع كالخيلاء والكبر والاختيال في الأرض، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، ولذلك نجد أن الرسول ﷺ لما وجد أبا دجانة ﵁ يمشي مِشية المتبختر في وقت المعركة قال له: "إنها لمشية يكرهها اللَّه إلا في هذا

стр. 1501

الموقف" (١)؛ وذلك لأن موقف الجهاد ينبغي للإنسان أن يُظهر فيه القوة أمام الأعداء. ومعنى الحديث: أن هذه المشية التي فيها خيلاء واعتزاز بالنفس إنما هي مشية مكروهة، لكنها في هذا الموقف غير مكروهة لأن فيها إظهار عزة وقوة المسلمين. وكذلك عندما قدم الرسول ﷺ مكة قال المشركون: "قدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فأمر الرسول ﷺ أصحابه ﵃ أن يرملوا في الطواف"، وذلك حتى يظهروا لهم القوة (٢). إذن؛ على الإنسان أن يخفض جناحه (٣) للمؤمنين، ويعطف عليهم ويكرمهم، فيرحم الصغير ويحترم الكبير؛ ولذلك الرسول ﷺ يقول: "أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا والأكناف الذين يألفون ولا يأنفون" (٤)،

стр. 1502

وقال: "من تواضع للَّه رفعه" (١)، فالتواضع مطلوب، لكن التواضع غير الخنوع والذل. والإنسان عندما يخضع في ركوعه ويذل في سجوده إنما هو يخضع للحي القيوم فالق الحب والنوى، وهذا فيه عزة ورفعة للمؤمن؛ ولذلك نجد أن العبادات تختلف أحوالها باختلاف الإخلاص، فقد تجد إنسانًا يصلي يطيل صلاته فيطيل القيام والركوع والسجود، لكن صلاته خالطها الرياء، فما فعل ذلك إلا ليُري الناس أنه رجل يحسن صلاته، وقد تجد إنسانًا آخر يصلي صلاة معتدلة ولا يرائي أحدًا، وإنما يخشى الحي القيوم، وهذه هي الصلاة المطلوبة. ويظهر جليًّا خضوع رسول اللَّه ﷺ في الأدعية المأثورة عنه في الصلاة. وقد أخرج مسلم في "صحيحه" (٢) وغيره (٣) من حديث علي ﵁: أن الرسول ﷺ كان إذا قامٍ إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، ثم إذا ركع يقول في ركوعه: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت"، ثم يقول: "خشع لك بصري وسمعي ومخي وعظمي وعصبي" وهذا غاية في الذل. ثم بعد ذلك إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد" والدعاء هنا ورد بألفاظ متعددة، فإذا ما سجد أيضًا يقول: "سبحان ربي الأعلى"، ثم: "اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره. . . " إلى آخر الحديث.

стр. 1503

والملاحظ في كلام المؤلف عن هذه المسألة: أنه لو رجعنا وبحثنا عنها في الكتب الكبيرة لا نجد هذا التفصيل فيها، وما مر عليَّ من كتب لم تُبحث فيها هذه المسألة كما هو الأمر هنا، وقد تمنيت لو أن هذا الكتاب فصل في كثير من المسائل كما فصل الحديث عن الركوع في الصلاة، فقد استقصى تقريبًا كل الأقوال في هذه المسألة، وهذا حقيقةً مسلك جيد. * قوله: (وَصَارَ قَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ البُخَارِيِّ (٢)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الحَدِيثُ عِنْدَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). وقول المؤلف: (لم يصح الحديث عنده) هو حقيقة كلام يحتاج إلى وقفة وتدقيق، فالإمام البخاري وضع لكتابه شروطًا، وكونه لم يخرج هذا الحديث فلأن شروطه لم تتوفر فيه، ولا يلزم من كون الحديث لم يخرجه البخاري أن يكون غير صحيح، وهذا الحديث قد أخرجه مسلم (٣)، فهو إذن حديث صحيح، وكل ما في "الصحيحين" صحيح. وأما قول المؤلف: (صححه الطبري) فلأنه ما وقف عليه في "صحيح مسلم"، وهو كذلك عند أبي داود (٤)، وأحمد (٥)، وغيرهم (٦).

стр. 1504

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ قَوْلٌ مَحْدُودٌ يَقُولُهُ المُصَلِّي أَمْ لَا؟). إن في الركوع وفي السجود قولًا محدودًا، والرسول ﷺ كان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم" (١)، وفي بعض الروايات جاء: "سبحان ربي العظيم وبحمده" (٢)، وأما في سجوده فيقول: "سبحان ربي الأعلى" (٣)، وفي روايات أُخرى: "سبحان ربي الأعلى وبحمده" (٤). وهذه مسألة أيضًا كثر فيها الخلاف عند العلماء: هل الأولى أن يقتصر على قول: (سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى)، أو أن يزيد فيقول: (وبحمده) (٥). ولا شك أكثر الأحاديث جاء فيها قول: (سبحان ربي العظيم)، ومنها -وهي صحيحة- فيها زيادة: "وبحمده". ولذلك لما سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة قال: ورد هذا وورد هذا، فهو إذن يأخذ بقوله: (سبحان ربي العظيم)، ولا ينكر على غيره (٦).

стр. 1505

وأما الشافعية: فهناك خلاف في المذهب: هل المستحب أن يقول: (سبحان ربي العظيم)؛ لأن أكثر الأحاديث وردت كذلك، أو أن يزيد: (وبحمده)، فقد جاءت في أحاديث صحيحة وفيها فضل وزيادة في الدعاء؛ فينبغي أيضًا أن يأخذ بها، وهذا أولى (١). ونقول: إن الأمر فيه سعة والحمد للَّه، فلو اقتصر الإنسان على قول إحدى الصيغتين الواردتين في الروايات الصحيحة لكان ملتزمًا عاملًا بالسنة. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مَحْدُودٌ). الإمام مالك كما ذكر المؤلف يقول: ليس فيها قول محدود، بمعنى أن الإنسان لو قال مثلا: (سبحان ربي العظيم)، أو جاء بنحو ذلك لأجزأه (٢)، وخالفه الأئمة الثلاثة على ما سيأتي تفصيله. * قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَجَمَاعَةٌ

стр. 1506

غَيْرُهُمْ (١)، إِلَى أَنَّ المُصَلِّيَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ" ثَلَاثًا، وَفِي السُّجُودِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" ثَلَاثًا عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٢)). فالأئمة الثلاثة إذن قالوا: فيه دعاء محدود لأن الرسول ﷺ قال: "إذا ركع فليقل: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى" (٣). وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" (٤). وقال: "إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا أو أدناه" (٥). كل ذلك ورد في أحاديث. ولو زاد الإنسان على ذلك فهو زيادة خير؛ أي: لو قال الإنسان: (سبحان ربي العظيم) أربعًا أو خمسًا أو ستًّا أو سبعًا فهو طيب لأنه دعاء، فالإنسان يعظم ربه بهذا التسبيح، ولو يقتصر على ثلاث فهو أدنى الكمال (٦). ولذلك مثلًا لو قرأنا في كتب الشافعية (٧). . . . . .

стр. 1507

والحنابلة (١) لوجدنا قولهم: يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) وأدناه ثلاثًا والواجب واحدة. * قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقُولَهَا الإِمَامُ خَمْسًا فِي صَلَاتِهِ). ومنهم من قال: سبعًا (٢)، حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات (٣). * قوله: (حَتَّى يُدْرِكَ الَّذِي خَلْفَهُ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا البَابِ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ") (٤). وقوله: "قَمِنٌ"؛ أي: جدير وحري أن يستجاب لكم (٥)، ولا شك أن الإنسان في مثل هذا الموضع أقرب للَّه لما فيه من ذل وخضوع واطِّراحِ بين يديه، واللَّه متى ما أدرك صدق العبد وإخلاصه في عبادته فإنه يجازيه على ذلك ويثيبه الثواب الأكبر.

стр. 1508

* قوله: (وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ"، وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ" (١)). وفيه دليل على أن هذه الصيغة مقتبسة من القرآن، فلما نزلت الآية أمر رسول اللَّه ﷺ بأن يجعلها الإنسان في ركوعه فيقول: سبحان ربي العظيم، والآية الأخرى بأن يجعلها في سجوده فيقول: سبحان ربي الأعلى. * قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ). العلماء لم يختلفوا في الثناء على اللَّه في الركوع والسجود، والأحاديث في ذلك كثيرة، لكن الخلاف في كون الدعاء مشروعًا في الركوع وفي السجود أم في السجود فقط. ولا شك أن الأدلة دلت على أن المصلي يدعو اللَّه في ركوعه وفي سجوده، فإن الرسول ﷺ كان يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٢). يقول ذلك في ركوعه وفي سجوده. وهذا دعاء، ولكن ورد أيضًا أن السجود يدعو فيه أكثر؛ لأن السجود كما جاء في الحديث الصحيح أنه أحرى للإجابة، ولحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. . . " (٣).

стр. 1509

* قوله: (فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ (١)؛ لِحَدِيثِ عَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "وأَمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ") (٢). كلام المؤلف يُشير إلى أن الإمام مالكًا كره ذلك لأنه لم يرد فيه نص، لكن الحقيقة أن حديث عائشة ﵂ فيه دعاء في الركوع كما سيأتي. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ، وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ جَاءَ فِيهَا أَنَّهُ ﵊ دَعَا فِي الرُّكُوعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ البُخَارِيِّ (٣)، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي") (٤).

стр. 1510

والطائفة هنا هم جمهور العلماء الذين يرون جواز الدعاء في الركوع (١). والحديث متفق عليه (٢)، ونزيد عليه ما سبق وذكرناه من قبل وهو حديث علي ﵁ الذي أخرجه مسلم (٣) وغيره (٤)، وفيه: وكان ﷺ إذا ركع يقول: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخى وعظمى وعصبى. . . "، وهو حديث طويل اكتفينا بذكر موضع الشاهد منه. * قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يجِيزُ الدُّعَاءَ فِى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ أَلْفَاظِ القُرْآنِ).
следующие страницы →