الرواية المشهورة المعروفة الصحيحة هي التي وافق فيها بقية العلماء (١).
• قَوْله: (وَأَكثَرُ الفُقَهَاءِ (٢) يَرَوْنَ أَنَّ المَسْحَ لَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرِيرِهِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَبُولِ الزِّيَادَةِ الوَارِدَةِ فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ إِذَا أَتَتْ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَرَهَا الَأكثَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكثَرَ الأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا إِلَّا أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا) (٣).
وعثمان ﵁ إنما نُقِلَ عنه حديثان:
١ - الحديث المتفق عليه أنه توضأ مرةً مرةً، أي أن الرسول ﵊ مَسَح رأسَه في حديث عثمان المتفق عليه مرةً واحدةً.
٢ - وفي رواية ليست في "الصحيحين" أنه مسح رأسه ثلاث مرات.
стр. 177
• قوله: (وَعَضَّدَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ قَبُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِظَاهِرِ عُمُومِ مَا رُوِيَ "أَنَّهُ ﵊ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا" (١)).
قلنا: الذي عضَّد به الشافعي قولَه إنما هو مجمل وجاءت الأحاديث الُأخرى فكانت تفصيلًا له.
ثم ذكرنا ما يتعلق بقوله: "إذا سمعتم المؤذن" وقلنا: إن هذا مجمل، وجاء حديث عبد الله بن عمر - وهو حديث صحيح - ففصّل ذلك الحديث وبيّن أن الحيعلتين إنما تخرجان، وأنه لا يُقال كما يقول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح، وإنما يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا ردّ جميل أذكر أن شيخ الإسلام ﵀ ردّ به.
• قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ كلانَ مِنْ لَفْظِ الصَّحَابِيِّ، هُوَ حَمْلُهُ عَلَى سَائِرِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ).
فهو (مِنْ لَفْظِ الصحَابِيِّ)، ولكنه ردّه إلى الرسول ﵊، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرّدّ إلى الله إنما هو إلى كتابه، والرد إلى الرسول فإليه ﵊ في وقت حياته، أما بعد موته فالرد إلى سنته ﵊.
• قوله: (إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، فَإِنْ صَحَّتْ يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا).
فهي صحيحة، لكن قوله: "يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهَا" نقول: لا يلزم المصير إليها؛ لأننا لو قلنا بذلك لأوجبنا التكرار، وطرحنا الأحاديث التي هي أصح، ففرق بين أن يقول: يجب، وبين أن يقول: إن ذلك جائز.
стр. 178
• قوله: (لِأَنَّ مَنْ سَكَتَ عَنْ شَيْءٍ لَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ).
لا يمكن أن يُظَنّ هذا في الصحابة ﵃ لا سيّما وأن من بين الذين وصفوا وضوء الرسول ﷺ هم: عثمان، وعليّ، وعبد الله بن زيد، ولو كان مسح الرأس ثلاثًا واجبًا لما تركوه، فهم عندما أحضروا الماء وأفرغوا وغسلوا الكفين ثم مضمضوا واستنشقوا لم يتركوا السنن، فكيف يتركون مثل هذا الأمر!
• قوله: (وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ أَوْجَبَ تَجْدِيدَ المَاءِ لِمَسْحِ الرَّأْسِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الأَعْضَاءِ) (١).
جماهير العلماء على أنه يجب تجديد الماء إلى الرأس؛ لأن الرأس إنما سُمِّيَتْ رأسًا لأنها أعلى مكان في البدن، ولذلك يقولون: رأس الجبل
стр. 179
يُسمَّى رأسًا لأنه أعلى شيءٍ فيه، ولأن الرأس عضو مستقل، فينبغي أن يأخذ له ماءٌ جديد يمسح به.
وهناك من قال بأنه لا مانع من مسح الرأس بما تبقى من غسل اليدين، ولكن الصحيح هو رأي الذين قالوا بتجديد الماء، وما نقل من أنه يمسح بما يتبقى من بلل اللحية فهذا أيضًا رأيٌ ضعيف؛ لأن الذي في الأحاديث المعروفة التي وصفت لنا وضوء الرسول ﵊ أنه أخذ بذلك ماءً جديدًا.
• قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ المَاجِشُون أَنَّهُ قَالَ: إِذَا نَفَدَ المَاءُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَمَالِكٍ (١)، وَالشَّافِعِيِّ) (٢).
وابن الماجشون من علماء المالكية.
وهذا أيضًا قولٌ ضعيف إذا ما قورن بمذهب جمهور العلماء.
هناك مسألة يثيرها العلماء؛ إذا كان الإنسان في الصلاة فتذكر بعد ذلك أنه لم يمسح رأسه وكان في لحيته بلل، فالصحيح من أقوال العلماء أنه لا يجوز له أن يمسح رأسه بالبلل الذي في لحيته؛ لأن هذا عضوٌ من أعضاء الوضوء فلا يجوز، وبعضهم يقول: يأخذ ما في لحيته من بلل ولغسله؛ لأن هذا أسقط الترتيب، وأسقط الموالاة، وأسقط حق هذا العضو أيضًا
стр. 180
• قوله: (وَيُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ المَسْحِ أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ الرَّأْسِ فَيُمِرُّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى حَيْثُ بَدَأَ (١) عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ الثَّابِتِ) (٢).
أي: يضع السبابتين بعضهما على بعض، ثم يبدأ فيمسح حتى ينتهي، وهناك جزئياتٌ أُخرى ينبه لها العلماء خصوصًا الذين يقولون بمسح البعض. لو أن ذؤابة تدلَّت من الرأس، حتى تجاوزت محل الفرض فوصلت إلى العنق ومسحها، هل يكفي؟ الصحيح أن ذلك لا يكفي، لكن لو نزل الشعر ولا يزال في حد الفرض، فإنه جائزٌ عند هؤلاء العلماء.
• قوله: (وَبَعْضُ العُلَمَاءِ يَخْتَارُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ) (٣).
فقوله: (بعض العلماء) قد يفهم منه أنهم كثر، والذي أعرفه أن الحسن بن حَيٍّ فقط هو الذي انفرد بهذا القول.
مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٣).
ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي إلى عدم جواز المسح على العمامة.
وذهب الإمام أحمد، والأوزاعي، وأبو ثور، والقاسم بن سلام، وداود الظاهري (٤)، - وغير هؤلاء إلى جواز المسح على العمامة، وهو منقول عن عدد من الصحابة، فقد نُقل عن أبي بكر ﵁ أنه مسح على العمامة (٥)، وروي
стр. 183
عن عمر ﵁ أنه قال: من لم يُطهره المسح على العمامة فلا طهره الله (١)، كذا هو منقول عن أنس بن مالك، وأبي الدرداء، وأبي أمامة (٢)، ونقل عن جمع غفير من التابعين كالحسن البصري، ومكحول، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز (٣).
• قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ).
والمؤلف هنا بحث المسألة بحثًا مذهبيًّا وليس بحثًا مقارنًا، فقد بحثها نظرًا إلى المذهب المالكيّ، لكن الخلاف الواقع بخلاف ذلك.
أدلة القائلين بجواز المسح على العمامة:
١ - أخرج مسلم عن بلال ﵁: "أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار" (٤).
والمراد بالخمار العمامة (٥).
٢ - أخرج البخاري عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، قال: "رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفَّيه" (٦).
٣ - عن ثوبان، قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية، فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله ﷺ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين"، رواه أبو داود، وإسناده صحيح (٧).
стр. 184
والمراد بالعصائب العمائم. والتساخين هي الخِفافُ.
٤ - حديث المغيرة أن الرسول ﷺ "مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ" (١).
أما حديث المغيرة ﵁ الذي أشار إليه المؤلف فمدار الخلاف عليه، فكلٌّ من الجانبين يحاول أن يجعله حجةً له؛ فالذين يقولون بجواز المسح على العمامة يقولون: حديث المغيرة فيه دلالة على ذلك، أنه مسح بناصيته وأتم على العمامة، ولو لم يكن المسح عليها جائزًا لما أَتَمّ، بل ورد في بعض رواياته في "صحيح مسلم" أنه مسح على العمامة وحدها.
أدلة الذين قالوا بعدم جواز المسح على العمامة:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قالوا: الآية فيها دلالة واضحة على أن المسح يقتصر على الرأس، وأن من مسح على عمامته لم يكن ماسحًا على رأسه؛ لأن العمامة حائل، فمن مسح عليها لا يكون ماسحًا على الرأس.
٢ - يقولون المسح على العمامة أو المسح على حائل دون الرأس ينبغي أن يكون له سبب وهو المشقة، ولا مشقة في مسح الرأس، بخلاف غسل الرجلين؛ فإن غسلهما قد يسبب مشقة في وقت البرد والسفر ونحوهما، أما الرأس ففرضه المسح، ولا ينبغي أن ينتقل المسح إلى مسح آخر.
٣ - يقولون أيضًا: وجدنا تعارضًا بين الأحاديث التي ورد فيها المسح على العمامة وبين الآية وحديث المغيرة الآخر، ونتخلص من هذا التعارض بالقول أن ثَمَّ حذفًا في الأحاديث التي أوردها القائلين بجواز المسح، قالوا: لعل الرواة تصرفوا في ذلك فأسقطوا المسح على الناصية؛ لأنه معلوم.
لكن رُدّ عليهم بأن هذا طعن في الرواة، فلا يجوز القول به.
стр. 185
قالوا: لا سبيل إلا القول بتقدير الحذف رفعًا للتعارض وجمعًا بين الأحاديث التي ورد فيها المسح على العمامة مع الآية وحديث المغيرة الآخر، فيكون المطلوب هو المسح على الناصية مع العمامة.
فإذا قُدر وجود محذوفٍ ارتفع التعارض وحصل اتفاق الأدلة، وإلا بقي التعارض بين أحاديث من قالوا الجواز وبين ما ذهبنا إليه، فالمخرج ما صاروا إليه.
لكن كما يظهر هذه دعوى تحتاج إلى دليل، وفي المسألة أحاديث صحيحة، وهي أقوى مما تمسكوا به، وأيضًا يشكل عليه بأنه مسوغ للطعن في الراوي، إذ حذف ذلك مع علمه به مطعن عليه، وليس بصحيح، ثم إن صح أن يُقدَّر ذلك في حديثٍ واحدٍ، فكيف يكون في أربعة أحاديث أو أكثر! لا سيما أن حديث المغيرة الذي استدلوا به ورد في بعض الروايات أن الرسول ﵊ مسح على العمامة، ولم يرد ذكرٌ للناصية.
إذن غالب الأدلة - كما ظهر لنا - هي دليل للذين يقولون بجواز المسح على العمامة.
لكن قد يقال: لماذا يختلف العلماء هذا الاختلاف مع أن القضية قضية جواز بين المسح وعدمه؟
الجواب: هذه رخصة من الله ، والله يُحِبّ أن تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يكره أن تُؤتى معاصيه.
كذلك قد تجد النفس أحيانًا مشقة في أن تترك تكليفًا واجبًا وتنتقل منه إلى أمر أخف منه، مثاله ما ورفى في شأن قصر الصلاة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ [النساء: ١٠١]. فقد ورد أن يعلى بن أمية توقف في هذه الآية وسأل عمر ﵁: أليس قد أمن الناس؟ فقال له عمر ﵁: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صدقةٌ تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه"، فلذلك لا ينبغي للمسلم عندما يجد الرخص أن يتركها ويأخذ بالعزائم، فكونها رخصة لا يخرجها عن كونها شريعة،
стр. 186
ومعلوم أن الشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على أصول منها: التيسير والتخفيف، ولذا وضع العلماء هذه القاعدة العظيمة: [المشقة تجلب التيسير]. والتي هي إحدى القواعد الكبرى الخمس للشريعة، ورتَّبوا عليها أن أسباب التخفيف ترد في أمورٍ بعينها، وذكر تفصيل ذلك يطول به الكلام.
لكننا نقول: قد وردت في جواز المسح على العمامة أحاديث صحيحة صريحة، ودعوى أن الرواة قد حذفوا تحتاج إلى دليلٍ وبينة، ولا دليل عليها، لا سيما أنه قد ورد عن أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، فأبو بكر يمسح على عمامته، وهو الذي لو وُزِنَ إيمانه بإيمان الأمة لرجح، وعمر يقوله: من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهّره الله. بل ونقل ذلك عن جمعٍ من الصحابة والتابعين، ﵃ ورحمهم أجمعين.
إذن فلا شك أن المسح على العمامة جائز، والمؤمن مُخَيَّر في ذلك، ومن أراد أن يخرج من الخلاف فليفعل، لكن الأمر تقرير حكم، وإنما يكون ذلك في ضوء الأدلة من الكتاب والسُّنة.
فالخلاصة:
أن العلماء في هذه المسألة انقسموا إلى قسمين؛ فمنهم من قال بعدم جواز المسح على العمامة، وهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، ووافقهم بعض الفقهاء.
ومنهم من قال بجواز المسح، وهو مذهب الإمام أحمد، ووافقه جمع من الصحابة والتابعين.
* فائدة:
في هذا الكتاب مزايا كثيرة ذكرتها في المقدمة ويحتاج إليه طالب العلم وهو يقوب مسائل الفقه، لكن من الأمور التي تؤخذ عليه قلة العناية بالناحية الحديثية، فلم يحررها تحريرًا دقيقًا؛ لأنه لم يعرض الأحاديث التي وردت في المسائل، وإنما فقط اقتصر على دليل يتجاذبه الفريقان.
стр. 187
وهذه المسألة مثال، فالذين يجيزون المسح يقولون: حديث المغيرة دليل لنا"؛ لأن الرسول ﵊ مسح على الناصية وأتم على العمامة، ولو لم يكن جائزًا لَمَا مسح عليها. والآخرون يقولون: لم يجز المسح على العمامة إلا لوجود المسح على الناصية، فلا مانع لدينا أن يمسح المصلي على ناصيته ويتم على عمامته. على خلاف بينهم في تفصيل ذلك.
• قوله: (فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِالَأثَرِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ المُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ: "أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ" (١)، وَقِيَاسًا عَلَى الخُفِّ) (٢).
وحديث المغيرة المذكور في "صحيح مسلم" وقد أشار إلى أنه معلول، وقد تكلم بعض العلماء على بعض ألفاظه، لكنه ليس معلولًا، وتشهد له الأدلة الأُخرى التي ذكرنا.
• قوله: (وَلذَلِكَ اشْتَرَطَ أَكْثَرُهُمْ لُبْسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ).
هذه مسألة أُخرى، فقد اشترط بعضهم أن تُلْبَس على طهارة، وبعضهم لم يشترط ذلك، وبعضهم اشترط أن أن تكون محنكة، أي: تُلَفّ ثم تدخل تحت الحنك، لكي تكون مُثَبَّتَة حتى لا تخرج من الرأس، واشترط بعضهم أن تكون ساترةً للرأس إلا ما يخرج أحيانًا مما عُرِفَ وَيسُر، كما في أطراف الرأس اليسيرة والأذنين، وسيأتي الخلاف فيهما، هما من الرأس أو من غيرها.
• قوله: (وَهَذَا الحَدِيثُ إِنَّمَا رَدَّهُ مَنْ رَدَّهُ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ).
وهذا غير صحيح؛ لأن الحديث في "صحيح مسلم" وهو حديث صحيح قد تلقَّاه العلماء بالقبول.
стр. 188
• قوله: (وَإِمَّا لِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ عَارَضَهُ عِنْدَهُ. أَعْنِي: الأَمْرَ فِيهِ بِمَسْحِ الرَأْسِ) (١).
العجيب أننا لو قرأنا في كتب الشافعية لوجدنا أن حديث المغيرة هو عمدتهم بعد الآية، فقد أقاموه مقياسًا، وردوا من أجله كلَّ الأحاديث الصحيحة الواردة، كحديث بلال الذي أوردنا، وحديث عمرو بن أمية في البخاري، وحديث ثوبان الذي في (سنن أبي داود)، وحديث بلال الآخر الذي في السنن. هم يردونها لهذا الحديث، بمعنى: أنه سقط منها المسح على الناصية. مما يقوي القوله بأن المؤلف ﵀ لم يستوعب هذه المسألة ولم يبحثها بحثًا دقيقًا.
وكثيرٌ منهم يرى - خصوصًا الشافعية والمالكية - بروايتهم الأُخرى، أن الكتاب لا يُعارض، بل يجب أنه يلتقي معه، لأن الكتاب قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقالوا: الباء للتبعيض، وأن الواجب هو مسح بعض الرأس، وهذا فيه مسح لبعض الرأس وهي الناصية، فكان هذا هو وجه الجمع الذي صاروا إليه ورفعوا به التعارض.
• قوله: (وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرِ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ اشْتِهَارَ العَمَلِ فِيمَا نُقِلَ مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ، وَبِخَاصَّةٍ فِي المَدِينَةِ عَلَى المَعْلُومِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرَى اشْتِهَارَ العَمَلِ، وَهُوَ حَدِيث خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ).
أما مذهب مالك ففيه تفصيل في هذه المسألة؛ فالمالكية يعتبرون إجماع أهل المدينة، وهو رأي انفردوا به، ويرون أن الحديث لم يشتهر العمل به، وأنه كان يُمسح على الرأس عند أهل المدينة دون العمامة، ولذلك توقفوا في هذه المسألة.
فيقال ردًّا: لماذا لا يكون مشهورًا وقد نُقل عن أبي بكرٍ، وعمر،
стр. 189
وأبي الدرداء، وأنس، وأبي أمامة، وعن غير هؤلاء من الصحابة، وعن جمعٍ كثير من كبار التابعين: كالحسن البصري، وقتادة، ومكحول، وعن صِغار التابعين كعمر بن عبد العزيز، وغيرهم.
• قوله: (وَقَالَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ (١)، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى العِمَامَةِ، وَلَمْ يَذْكرِ النَّاصِيَةَ) (٢).
وابن عبد البرّ هو صاحب كتاب "الاستذكار" في شرح موطأ الإمام مالك، وصاحب كتاب "التمهيد".
وكتاب الاستذكار من أحسن المراجع لكتاب بداية المجتهد، خصوصًا في نقل المذاهب؛ لأن المؤلف نفسَه ذكر أنه عوَّل على كتاب "الاستذكار" في نقل المذاهب ونسبتها إلى أصحابها.
قوله: "في بعض طرقه أنه مسح على العِمامة".
فتكون هذه الرواية دليلًا صريحًا وحجةً للذين قالوا بجواز المسح.
• قوله: (وَلذَلِكَ، لَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُ العُلَمَاءِ فِي المَسْحِ عَلَى العِمَامَةِ المَسْحَ عَلَى النَّاصِيَةِ، إِذْ لَا يَجْتَمِعُ الَأصْلُ وَالبَدَلُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ) (٣).
стр. 190
ينتقل المؤلف هاهنا إلى مسألة مهمّة جدًّا - وإن لم يوردها مفصلة، كغيره من الكتب - والخِلاف فيها يسير لأن العلماء كادوا أن يجمعوا على أن مسح الأذنين مستحق، لكن عندما تُدقِّق المسألة فقد نُورِدُ إشكالًا على المالكية والحنابلة؛ فهم قالوا بوجوب تعميم مسح الرأس، وهم يرون - ومعهم الحنفية - أن الأذنين من الرأس، فقياس المذهب أن يكون الواجب مسحهما، لكن بالرجوع إلى أقوالهم في كتب الفروع لا تجد أحدًا قال بذلك، بل إن كل الروايات التي رويت عن الإمام أحمد قد اتفقت على أن المتوضئ لو ترك مسح أذنيه فإنه يُجزئه وضوؤه (١)، وكذلك عند المالكية، وإن حاول بعض المالكية كما ذكر المؤلف أن يجعلوا ذلك رأيًا للإمام مالك، نعم هي أقوالٌ أو روايات لبعض العلماء لكنها ليست قوية في المذهبين، لكن الذي نَقل عنه ذلك - فيما أعلم - هو إسحاق بن راهويه، فقد نقل عنه أنه قال: من ترك مسح أذنيه عامدًا لم تصح طهارته (٢). وهناك
стр. 191
نقل أنه قال: لا يستحب مسحهما. ولم يقل به أحد، بل العلماء أجمعوا على استحباب مسحهما.
لكن قد يُوجد خلافٌ يسير ويعتبره بعض العلماء خلافًا نادرًا في وجوب المسح، أما العلماء الذين يُعتَدّ بخلافهم وإجماعهم فإنهم قد أجمعوا على استحباب مسحهما وعدم وجوبه، لذا عندما يرد قوله إسحاق بن راهويه يرد بأن الإجماع على عدم وجوب مسحهما، وأنه منعقد قبل إسحاق، فخلافه إذن لا يُعْتَدّ به في مثل هذا المقام، فعدوه خلافًا شاذًّا.
وهناك كلمة طيبة ذكرها الإمام النووي (١) عندما ذكر استحباب مسح الأذنين، ثم ذكر رأي الشيعة وأنهم لا يستحبون ذلك ويقولون: إن هذه زيادة على ما في الكتاب، إذ الله تعالى يقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ولم يَرِد ذكر للأذنين. إذن هو غير مستحب.
قال: لو تطوعنا في الردّ عليهم لرددنا عليهم بأحاديث الرسول ﵊ الكثيرة جدًّا، كحديث عبد الله بن زيد، وحديث عثمان، وحديث عليّ، وحديث الربيع التي نقلت لنا صفة وضوء الرسول ﵊؛ كلُّها ورد فيها أن الرسول ﵊ مسح أذنيه أو مسح بأذنيه، كل ذلك ثبت. والأحاديث هي بيان لكتاب الله وتفسير لمجمله. فهذا خلاف شاذّ لا ينظر إليه.
• قوله: (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ مِنَ الأَرْكَانِ: اخْتَلَفُوا فِي مَسْحِ الأُذُنَيْنِ، هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ).
لا نستطيع أن نعرف كيف سَوَّى المؤلف بين القولين بقوله: "هل هو
стр. 192
سُنَّة أو فريضة"؛ لأنه لا معادلةَ بين القولين، لأنها آراء نادرة جدًّا في مذهب مالك، فَجَعلها موازنةً لمسألةٍ مجمعِ عليها، وكأنَّ المؤلف لم يقف على الإجماع، فلا يحسن أن نقول: انقَسموا إلى قسمين: فريق يرى الوجوب، وفريق لا يرى الوجوب.
اختلف العلماء إلى أي جهةٍ تنتسب الأذنان على أربعة أقوال:
١ - يذهب جماهير العلماء: إلى أن الأذنين من الرأس، وهم الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
٢ - ومنهم من قال: إنَّ الأذنين عضوان مستقلان، وهم الشافعية.
٣ - ومنهم من قال: بأنَّ الأذنين تابعان للوجه، وهذا نُقِلَ عن الزهري.
٤ - ومنهم مَنْ قال: ما أقبل منهما فهو مع الوجه، وما أدبر فهو مع الرأس، وهذا هو قول الشَّعبي والحسن بن صالح.
أدلة المذهب الأول:
الذين قالوا بأن الأذنين من الرأس استدلوا بعدة أدلة:
* أما من القرآن: يستدلون بقول الله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، فيقولون: إنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾، أي: بأُذُنه.
* واستدلوا بأدلة من السُّنة:
منها: حديث الربيع، وهو حديث صحيح، أنها ذكرت وضوء رسول ﷺ إلى أن قالت: "ومسح رأسه" ما أقبل منه، وما أدبرَ، ثم مسح صدغيه وأُذُنيه مرةً واحدةً" (١).
فَهَذا الحديث فيه دلالةٌ على أنَّ الرسول ﷺ مسح الأذنين مع الرأس.
стр. 193
قالوا: فَمَسْحهما مع الرأس دليلٌ على أنَّهما عضوٌ واحدٌ؛ إذ لو كانت الأذنان عضوين مستقلين لَمَا مُسِحَا مع الرأس، فَكَان مسحهما مع الرأس دليل على أنهما عضوٌ واحدٌ.
الدليل الثاني: حديث عبد الله بن عباس، وهو أيضًا حديث صحيحٌ: "أن رسول الله ﵊ مسح رأسَه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" (١).
قالوا: فذكر ابن عباس ﵄ أنَّ الرسول ﵊ مسح رأسه وأُذُنيه .. وهذا دليلٌ على أنَّ المسح كان واحدًا، ثم بيَّن وفصَّل ذلك، فقال: "ظاهرهما وباطنهما".
الدليل الثالث: حديث المقدام بن معدي كرب: "أن الرَّسُول ﵊ مَسَح برأسه وأُذُنيه، ثم أدخل إصبعيه في صماختي أذنيه" (٢)، فَحَديث المقدام زادنا تفصيلًا.
أدلة المذهب الثاني (الشافعية) الذين قالوا: إنَّ الأذنين ليستا من الرأس؛ لما ورد في الحديث الصحيح من بعض روايات حديث عبد الله بن زيدٍ وغَيْره: "أنَّ الرَّسُول ﵊ أخَذ لهما ماءً جديدًا".
وَجْهُ الدلالة: أنَّ كونه ﷺ أخذ لهما ماءً جديدًا، دليل على أنهما عضوان مستقلان لا يرتبطان بالرأس؛ لأنهما لو كانتا تابعتين للرأس لَمَا كُرِّرَ أَخْذُ الماء لهما لمسحهما مع الرأس.
ولهم تعليلٌ معروفٌ قد يكون فيه غرابة، بأنهم يجيبون عن الأحاديث التي استدل بها الجمهور، والتي فيها: "أن الرسول ﷺ مسح برأسه وأُذُنيه مرةً واحدةً"، ويقولون: لعلَّه أخذ الماء بيديه.
ويرون المسح ببعض الأصابع، فيقولون: مسح بأصبعين، وترك
стр. 194
الثلاثة الباقية، ثم يقولون: مسح بالثلاثة، ثم بعد ذلك ترك الإبهام والسبابة لمسح الأذنين، فيقولون: هكذا يَبُلُّ يديه، ثم بعد ذلك يمسك رأسه، ثم يترك الإبهام والسبابة لمسح ما تبقَّى، هذا مخرج يذهبون إليه، لكنَّه مخرج بعيد.
أدلة المذهب الثالث: القائل بأنَّ الأذنين تابعان للوجه، وهذا نُقِلَ عن الزهري كما ذكرنا.
أدلته:
أولًا: أنه تحصل بهما المواجهة.
ثانيًا: الحديث الذي ثبت عن الرسول ﵊ أنه كان يقول في سُجُوده: "سَجدَ وجهي لله الذي خلَقه وصوَّره وشقَّ سمعه وبصره".
قالوا: جَمْعُهُ بين السمع والبصر دَليلٌ على أنهما في مكانٍ واحدٍ، وعلى أنَّ الأذنين من الوجه؛ لأن البصرَ من الوجه، وهُمَا العينان اللتان تبصران، فضمُّ السَّمْعِ إليهم دليل على أنهما تابعان أيضًا للوجه.
أدلة المذهب الرابع: القائل: ما أقبل كان من الوجه، وما كان من الخلف فهو من الرأس.
ودَليلُهُم: ما نُقِلَ عن عليِّ بن أبي طالب ﵁: "أنه مسح خلف أذنيه".
ويردُّ عليهم: هذا الأثر ضعيف.
الاعتراضات الواردة: على مذهب الجمهور: يُعْترض عليهم بعدَّة اعْتِرَاضَاتٍ:
الاعتراض الأوَّل:
أمَّا استدلالُكُم بقول الله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بأُذُنه، فَهَذا استدلالٌ في محلٍّ غير مُسَلَّمٍ؛ لأنه يتطرق إليه احتمالٌ، وإذا قام
стр. 195
الاحتمال، بطل الاستدلال؛ لأنه ليس هناك اتفاقٌ على أن المراد بالرأس هنا هو الأذنان؛ فقد قيل: هو الرأس حقيقةً، أمسك برأسه، وقيل: بذُؤابتِهِ، وقيل: إنَّه أمسك بأذنه.
الاعتراض الثاني:
إذا كان الأذنان من الرأس كما تقولون، فما رأيكم بمَنْ مسح الأذنين، أيكفي ذلك عن مسح الرأس؟ فيقولون: لا، لأن الإجماع قَائمٌ على أن مَنْ مسح أُذُنيه لا يكفيه عن مسح رأسه.
فَيُقَال لهم: إذن، يلزم على هذَا أن يكون مَنْ يمسح الأذنين ماسحًا لبعض الرأس، فيكون مؤديًا للواجب، وهذا موضع إجماع بين العلماء على أن مَنْ مسح أذنيه لا يُعْتبر ماسحًا لرأسه، وأنَّ وضعه لم يتم، ولم يقل بذلك أحدٌ.
الاعتراض الثالث:
قالوا: الأذنانِ قد ينبت عليهما شعر - عند بعض الناس - وقد لا ينبت، والمُحْرِمُ مُطالبٌ بأن يقصر شعر رأسه، ولا يكفيه أن يقصر شيئًا من هذا الشعر الذي ينبت على الأذنين في إحرامه، ولأنَّ المجمعَ علَيه أنَّ مَنْ فعل ذلك لا يُعْتبر مُقصِّرًا، فهذا إجماعٌ آخر يُضعِّف ما ذهبتم إليه من أنَّ الأذنين من الرأس.
الاعتراض الرابع:
يَقُولون: البياض الذي يُحيط بالأُذُنين ليس من الرأس كما هو معلوم، وهو أقرب للرأس من الشعر، فإذا كان البياض بالإجماع ليس من الرأس، فلماذا تدخلون الأذنين من الرأس؟!
ردود الجمهور على الاعتراضات السابقة:
أمَّا الحديث الذي استدلَّ به الزهري، فهو حديث صحيح، لكن المراد بالوجه أكثر مما يُتَصور، فالمراد بالوجه هنا إنما هو جملة البدن يعني: المراد به الذات بدليل أن الرسول ﵊ قال في
стр. 196
الحديث الصحيح: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظمٍ"، فهل السجود يقتصر على الوجه، أو أنه يشمل الوجه، والجبهة، والأنف، وكذلك الكفَّين، ويشمل الركبتين، وأطراف القدمين، هذه الأمور السبعة يشملها.
إذًا، هذا يقوي أنه ليس المراد بالوجه في الحديث هو الوجه المعروف الذي تَحْصل به المواجهة، وإنما عُبِّرَ به عن الذات؛ لأنَّ المواجهةَ وإنْ كانت تحصل بالوجه، لَكن المقصود بذلك الذات؛ لأنَّ السجودَ لا يقتصر عليه، وإنما هو يكون في أمورٍ.
٢ - يقولون من الناحية اللُّغوية: إنَّ لغة العرب دائمًا تأخذ بالمقاربة، فنسبة السَّمْعِ إلى الوجه لوُجُود القرب بين الأذن وبين الوجه.
أما الذين قالوا بأنه ما أقبل منهما يُمْسَح من الوجه لوُجُود المواجهة.
ويرد عليهم: استدلوا بأثر عليٍّ ﵁ أنه مسح خلف أذنيه، وأثر عليٍّ ﵁ إنما هو ضعيف.
الخُلَاصة: الخلاف بين العلماء ينحصر في نقاطٍ أربعٍ:
أ- مِنَ العُلَماء منْ ذَهَب إِلى أنَّهما مِنَ الرأس؛ بمعنى أنهما غير عضوين مستقلين، لكن بعد التفصيل يرى هؤلاء (الحنفية، والمالكية، والحنابلة) أنهما من الرأس تبعًا لا استقلالًا، ولذلك ناقشنا الأمور التي أوردت عليهم في ذلك فيما يتعلق بمَنْ مسح الأذنين أنَّ ذلك لا يكفيه عن مسح الرأس، ومَنْ قصَّر من شعرهما، والبياض الذي يَدُورُ حَوْلهما، إلى غير ذَلكَ من التعليلات الكثيرة الذي يَذْكرها العلماء.
إذن، رأينا أنَّ هناك مَنْ جعلهما من الرأس، واختلف هؤلاء في أَخْذ الماء لهما في تجديدِهِ:
* فمنهم من رأى تجديد الماء.
* ومنهم من رأى أن الماء لا يجدد.
стр. 197
٢ - وهو مذهب الشافعية: يرون أنهما عضوان مستقلان، ويجدد لهما الماء.
٣ - ومنهم مَنْ قال: إنهما من الوجه، وقد رأيتم أن ذلك قول الزهري.
٤ - ومنهم مَنْ قال: ما أقبلَ منهما من الوجه، وظاهرهما إنما هو من الرأس.
يقولون: نَعَمْ، نحن نقول بأنهم من الرأس، لكن فرقٌ بين أن تقول: من الرأس تأصيلًا، وبين أن يكون تبعًا، فنحن نقول: هما مِنَ الرأس تبعًا، أي أنهما تابعان للرأس، فنحن لما نقول: الأذنان من الرأس تبعًا لا استقلالًا، هكذا يقول الجمهور، وهذا هو جَوابُهُم.
أمَّا مَسْألة تجديد الماء لهما:
نجد أنه وقع خلافٌ في هذه المسألة بين الجمهور، فنجد أن المالكية والحنابلة ظلوا عند رأيهم الأول أنهما من الرأس، وأنه يُجَدَّد لهما الماء، لكن الحنفية يقولون: لا يُجدَّد لهما الماء، وبذلك نجد أن المالكية والحنابلة التَقَوْا مع الشافعية في قضية استحباب تجديد الماء لهما؛ لأن المسألة أصلها ليست لازمةً.
إذًا، هناك خلاف في تحديد تبعية العضوية، وفي تجديد الماء لهما، فالأئمة الثلاثة (أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد) يلتقون على أنهما من الرأس، لكن في تجديد الماء لهما ينفرد أبو حنيفة عن المالكية والحنابلة، ويرى أن الماء لا يُجَدَّد، وينضم الشافعي إلى الإمامين مالك وأحمد، فيرون جميعًا أنه يُجَدَّد لهما الماء، الشافعية يرون أن دليلهم صريح في المُدَّعَى، وأن أخذ ماءٍ جديدٍ لهما دليلٌ على أنهما عُضوان مستقلان، والآخرون يَقُولُون: لَا، لَيْسَا عُضْوين مستقلَّين، ودليلنا رَدٌّ على أولئك الَّذين يقولون بأنهما من الرأس؛ لأن أخذ الماء لهما دليل على انفصالهما، وهو ردٌّ على الذين يقولون بأنهما من الوجه؛ لأن الرسول ﵊ مَسَحهما
стр. 198
بعد الرأس، فلو كانتا من الوجه لمسحتا بعد الوجه مباشرةً أو معه، فهذا دليلٌ على أنَّ ذلك ليس منهما.
فائدتان:
١ - العلماء ﵏ يريدون الوصول إلى الحق، فكلٌّ له دليلٌ، وكلٌّ يرى أنَّ دليله هو الحق فيما ظهر له، ويرى أنَّ دليل غيره قد يَرِدُ إليه شيء، وأنَّ فيه ضعفًا، وأنَّ له تأويلًا عنده، ولذلك نجد أن أحدهم قد يكون على قولٍ يخالف فيه الأئمة كما في مسألة المسح على العمامة، فإن الإمام أحمد انفرد من بين الأئمة الأربعة، وأمَّا هنا في مسألة مَسْح الأُذُنين وَجَدناه الْتقَى مع الحنفية والمالكية فيما يتعلق بالأذنين، وأنَّهما من الرأس، وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على إخلاص هؤلاء العلماء، ونشدانهم للصواب.
٢ - أن هذه المسألة مع صغرها سَتَرون أهميتها، وأهمية النقاش فيها، وفي عرض هذه الخلافات، تبيِّن أهمية الفقه الإسلامي، ورد دَعْوى مَنْ يقول بأنَّ هذه الخلافات والنقاشات الَّتي أفنى فيها الأئمة أعمارَهم وأوقا تَهم، وكتبوا، ودوَّنوا، ودرسوا، وعلَّموا؛ لا حاجة لها.
كيف ذلك؟ وهم الأئمة الأجلَّة الذين أَمْضَوا جميع حياتهم في خدمة هذا الدِّين، وهذه الاجتهادات الفقهية، وهذا النضح العقلي لم يصلوا إليه إلا بعد جَهْدٍ وطولِ زَمَانٍ.
* قوله: (وَهَلْ يُجَدَّدُ لَهُمَا المَاءُ أَمْ لَا؟).
لَا أَرَى مُوَازنةً فيما ذَكَره المؤلف، فالمسألةُ -كما قُلْتُ- مجمعٌ فيها على أن مسحَ الأُذُنين مُستحبٌّ، والأقوالُ التي وَرَدت في ذلك اعتبرها العلماء أقوالًا شاذةً؛ لأنه بالنظر إلى أصل الأئمة فالإجْمَاعُ قائمٌ. وقد قُلْتُ: من قياس مذهب الحنابلة والمالكية أن يُقَال بوجوب مَسْحهما على أساس أنهما من الرأس، لكن الواقع أنها تَكُون من الرأس تبعًا، وليس استقلالًا، ولذلك، فإنَّ كُلَّ الذين نَقَلوا مسائلَ الإمام أحمد، وذَكَروا ذلك عنه بمَسح الأذنين لم يَنْقُل أحدٌ منهم ﵏ جميعًا- أنه قال
стр. 199
بوُجُوب ذلك، ولم يقل بوجوب ذلك إلا إسحاق بن راهويه، وهو من أقران الإمام أحمد، والإمام أحمد قد أثنى عليه، ونبَّه على أنه يختلف معه في بعض المسائل.
فَهَذا الَّذي ذكَره المؤلف خطأٌ في نظري؛ لأنَّه لا مُوَازنة بين القَوْلين، ولا ينبغي أن نقولَ: ذَهَب بعضهم إلى الفَرْضيَّة، وبَعْضُهم إلى الاستحباب، ولعلَّ المؤلف ﵀ لم يقف على الإجماع، ومِمَّا يُؤْخذ على هذا الكتاب أنه لا يُدقِّق في المَذَاهب الأُخرى، وليسَ هذَا دليلًا أننا ننقص من قيمة الكتاب أو قدره، لَا، بل لَه فيه فوائدُ كثيرةٌ، وهي أيضًا وإن وجدت فهي قليلة بالنسبة للمحاسن.
* قوله: (فَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّهُ فَرِيضَةٌ، وَأَنَّهُ يُجَدَّدُ لَهُمَا المَاءُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَيَتَأَوَّلُونَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِمَا: إِنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ) (١).
هَذَا تأويلٌ من المالكية، وإلَّا فالعلماء ﵏ قد حكوا الإجماع، ولو رجعنا إلى الكتب التي تُعْنى بالإجماع ككتب ابن المنذر ("الأوسط"، و"الإشراف")، و"المغني" لا بن قدا مة، وكتاب "المجموع" للنووي، وكتاب: "البناية" للإمام العينيِّ شارح البخاري صاحب "عمدة القاري"، وهو كتاب قيِّم، ويعدُّ من كتب الحنفية المتأخرة، وهذا الكتاب وإن لم يشتهر عند عددٍ من طلاب العلم، لوُجُود أخطاءٍ كثيرةٍ في طباعته، وتعصبه لمذهبه، وقد يكون تعصبه في "عمدة القاري" أكثر منه في ذلك الكتاب، وإلا فهو شَرَحَ أهم كتاب من كتب الحنفية، وهو كتاب: "الهداية"، وَعُنِيَ بالجانب الحديثيِّ، وَكَذلك الناحية اللُّغوية، وهو يعتمد كثيرًا فيما يَتَعلَّق بنقل المذاهب، والأدلَّة على كتاب "المغني" لابن قدامة.
стр. 200
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١): مَسْحُهُمَا فَرْضق كَذَلِكَ).
هَذِهِ من الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها المؤلف ﵀، أن ينسب إلى أبي حنيفة ﵀ هذا القول، وهو لم يثبت عن أبي حنيفة ﵀، ولا حتى في قول شاذٍّ، ولذا يجب أن يصحح هذا عن أبي حنيفة ﵀.
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ (٢).
هَذَا هو الصحيح عن أبي حنيفة، فأبو حنيفة يقول بأنهما يمسحان مع الرأس بماءٍ واحدٍ، لكن لم يقل بفرضيتهما، وإذا كان أبو حنيفة نفسه يرى أن مسحَ قدرٍ من الرأس يُجْزي، وهو يرَى أنهما من الرأس، فكيف يَقُولُ بوُجُوبهما؟!
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَسْحُهُمَا سُنَّةٌ، وَيُجَدَّدُ لَهُمَا المَاءُ) (٣).
كلامه صحيح بالنسبة للشافعي، وهو مذهب كافة العلماء، أقصد: استحباب مسح الأُذُنين.
* قوله: (وَقَالَ بِهَذَا القَوْلِ جَمَاعَة أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَيَتَأَوَّلُونَ أَيْضًا أَنَّهُ قَوْلُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حُكْمُ مَسْحِهِمَا حُكْمُ المَضْمَضَةِ) (٤).
فحُكْمُ مسحهما حكم المضمضة، والمضمضة ليست واجبة في
стр. 201
المشهور عندهم، وبهذا يوافقون الجمهور، وأكثر العلماء يرون أنهما سُنَّة لعدم ذكرهما في الآية، وهناك من يرى وجوبهما، وهناك من يرى وجوب الاستنشاق دون المضمضة، هذه كلها أقوالٌ مرت بنا وناقشناها، وبيَّنَّا أن الصحيح هو الميل إلى وُجُوبهما، وإن لم يَرِدَا في الكِتَابِ، فهناك أحاديث.
ودعوى المؤلف وغيره فيما مضى أن الاستنشاق ورَد من أمره ﵊، وأن المضمضة وردت من فعلِهِ، غير صحيح، بل هي أيضًا وردت من فعلِهِ ومن قولِهِ ﵊، وذكرنا الحديث الصحيح وفيه: " … وبالغ في المضمضة"، وفيه أيضًا: "إذا توضأت فمضمض"، رواه أبو داود، وهو صحيح (١).
فَهَذا أمرٌ من الرسول ﵊، إِذَنْ لم تكن المَضمَضة قاصرةً على فعلِهِ ﵊، بل إن فعلَه وقولَه مبينٌ لكتاب الله ، فهو بيان له، ولا يخرج عنه.
* قوله: (وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِ مَسْحِهِمَا سُنَّةً أَوْ فَرْضًا: اخْتِلَافُهُمْ فِي الآثَارِ الوَارِدَةِ بِذَلِكَ، (أَعْنِي: مَسْحَهُ ﵊ أُذُنَيْهِ) (٢).
هَذَا الحَديث هو حديث شهر بن حوشب: "الأُذُنان من الرأس"، وهو حديثٌ ضعيفٌ، وهو من الأدلة التي يستدلُّ بها الجمهور على أنهما
стр. 202
من الرأس، وأنا لم أذكر هذا الحديث؛ لأنه ضعيفٌ، ولذلك اقتصرت على الأحاديث الصحيحة، وهي كافية في ذلك.
* قوله: (هَلْ هِيَ زِيَادَة عَلَى مَا فِي الكِتَابِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ لِمَكَان التَّعَارُضِ الَّذِي يُتَخَيَّلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الآيَةِ إِنْ حُمِلَتْ عَلَى الوُجُوبِ، أَمْ هِيَ مُبَيِّنَة لِلْمُجْمَلِ الَّذِي فِي الكِتَابِ، فَيَكُونَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الرَّأْسِ فِي الوُجُوبِ، فَمَنْ أَوْجَبَهُمَا جَعَلَهَا مُبَيِّنَةً لِمُجْمَلِ الكِتَابِ، وَمَنْ لَم يُوجِبْهَا، جَعَلَهَا زَائِدَةً كالمَضْمَضَةِ، وَالآثَارُ الوَارِدَةُ بِذَلِكَ كثِيرَةٌ، وَإِنْ كَانتْ لَمْ تَثْبُتْ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، فَهُوَ قَدِ اشْتُهِرَ العَمَلُ بِهَا، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَجْدِيدِ المَاءِ لَهُمَا، فَسَبَبُهُ تَرَدُّدُ الأُذُنَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا عُضْوًا مُفْرَدًا بِذَاتِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، أَوْ يَكُونَا جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ).
سَببُ الخلَاف: أنه وَرَد في الأحاديث تجديد الماء، وعدَم تجديده، وقَدْ بسطنا القول في هذه المسألة، وفصلنا القولَ فيها مع بحث المؤلف لها بحثًا إجماليًّا.
فائدة مهمة:
لماذا يُطيل العلماءُ الكَلَامَ وذِكْرَ الخلاف في قَضيَّة المسح على العِمَامَةِ؟ فهل يترتَّب على مسح الرأس مشقةٌ فيمسح على العِمَامَةِ؟
أو بعِبَارةٍ أُخرى: هل التخفيفات التي جاءت في الشريعة الإسلامية إنما هي بُنِيَتْ يقينًا على وجود المشقة أو لمظنة المشقة؟
أَسْبَاب التَّخفيف في الشريعة الإسلامية سبعةٌ، هي:
١ - السفر. ٢ - المرض. ٣ - الإكراه ٤ - النقص. ٥ - النسيان. ٦ - الجهل. ٧ - العسر.
стр. 203
السبب الأول: السفر، ولا يَلزم أن يكونَ السَّفر فيه مشقة، فليمس كُلُّ مسافرٍ تَلحَقُه مشقَّة، حتى ولو كان كثيرًا من الذين يُسَافرون تَلحَقُهم مشقة، وقد تخفُّ كما في زمننا الحاضر، وقد نجد مَنْ هو في الحاضرة تلحقه مشقة أكثر من المسافر، فلو قُدِّر أن إنسانًا وقَف على فرنٍ يخبز من بعد صلاة الفجر إلى قُرْب المغرب لا يَتَوقَّف إلا وَقْتَ الصلاة، ومع اشتداد القَيظ (١)، لا شكَّ أنه تلحقه مشقة عظيمةٌ أعظم من إنسانٍ سَافَرَ في سيارةٍ مكيفةٍ ومريحةٍ، أو سافر في طائرةٍ أو في غير ذلك، أو حتى سافر على دابةٍ.
وَمِنْ هنا كان العلماء فيما مضى يذكرون بعض المسائل، فيقولون: لو أن إنسانًا قُطِعَتْ به مسافة القصر في دقائقَ مَعْدُودَةٍ، هل يقصر الصلاة؟
هذه مسائلُ تَعرَّض لها العلماء، وربما جعلت من باب الفقه التقديري أو الفرضي، وقد وُجِدَتْ في زماننا، فإنك قد تقطع مسافة القصر بالإنسان في وقت قليل، ويجوز له أن يقصر؛ لأن الله أباح له ذلك.
إذَنْ، تَرَون الحكمة في دراسة بعض المسائل، وفي تدقيق العلماء في بعضها، وفي تفصيلاتهم، وفي تفريعاتهم، وفي تعليلاتهم، فها نحن ننهل من مَعِين تلك الآراء القديمة، ولذلك نجد أن كلَّ مسألةٍ لنا فيها خلفٌ، ونأنس بةَ قوال أولئك العلماء، ونتَّكئ عليها، ونجعلها من الأدلة التي نُقَوِّي بها آراءنا في بحث المسائل التي جدَّت لدينا في هذا الوقت.
السبب الثاني: المرض، فالمريض قد يفطر ولا يصوم، وإذا لحقته مشقةٌ في الصلاة قائمًا، صلَّى قاعدًا، فَفِي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ : "صَلِّ قائمًا، فإن لَمْ تَسْتطع فقاعدًا، فإن لم تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"، وكَذَلك ما وَرَد في شأن الحامل والمرضع من التخفيف، وَكَلامُ الفُقَهاء كثيرٌ في هذه المسألة، لا نَسْتَطيع أن نعرض له تفصيلًا.
стр. 204
السبب الثالث: الإكراه: وهو من المسائل المهمة، ولكن الإكراه ليس على إطلاقِهِ، فليس كل مَنْ أُكْرِهَ له أن يفعل ذلك، فَمَثلًا يأتي إنسانٌ فيضع سيفًا على رقبة أخيه ويقول: اقتل فلانًا وإلا قتلتك، لا يجوز له ذلك، لأن حرمة أخيك كحرمة مهجتك، وإذا أُكْرِهَ إنسانٌ ليشهدَ شهادة زُورٍ يَتَرتَّب عليها قَتْل مسلمِ، أو انتهاك حرمته، أو إقَامة حَدٍّ علَيه، فلَا يحلُّ لَه ذلك.
إذًا، الإكراه على أنواعٍ، فلو أكره شخص على أن يقذف إنسانًا، فقَدْ يفعل ذلك ويرجع عنه، ولوَ أُكْره على أن يسرق، يفعل ذلك ثمَّ يرد الحق إلى أصحابه، وقد يُكْرَه الإنسان على أن ينطق بكلمة الكفر، فيُبَاح له ذلك لكن بشرط أن يثقَ من نفسه ويطمئنَّ بأن الإيمان مستقرٌّ بنفسه، وقد علمنا أن مِنَ الصحابة مَنْ كان يعذب في الرمضاء، وتُوضَع عليه الصخرة، ويقول: أَحَدٌ أَحَدٌ.
ومع ذلك نَجد أن العلماءَ فَصَّلُوا وقَالوا: أيهما أَوْلَى في حَقِّ المُسْلم إذا أُكْرِهَ أن ينطقَ بكَلمَة الكفر، أَمْ يُقدِّم نفسه؟
الأَفْضَلُ له أن يصمد، وقد رأينا نماذج من الصحابة صمدوا أمام طغيان الكافرين، وقد كان المؤمنون ممَّن سبقونا يُنْشَرُ أحدُهُم بالمنشار وبظل على حاله، ومنهم مَنْ فصَّل القول في ذلك وقال: إذا كان الذي أُكْرِهَ يترتب على تقديمه نفسه ومهجته رفعة لشأن الإسلام، وشجاعة للمسلم ولإقدامه، وعدم ذُلِّه وخضوعه، فَالأَوْلَى أن يُقَدِّم ذلك، وإن ترتَّب على نطقه بها وجود مصالح أو مصلحة من بقائه داعيةً وناصحًا وموجهًا، وفيه خيرٌ لهذه الأمة، وقد لا يوجد مَنْ يقوم مقامه، فلَه أن ينطق بها، ومع ذَلكَ فَقَدْ أباح الله له ذلك شريطةَ أن يكون قلبُهُ مطمئنًّا بالإيمان، هذا في حق الله .
السبب الرابع: النسيان، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 205
وفي الحديث: "رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان … ".
السبب الخامس: الجهل، فالجَهَلَة مخففٌ عنهم، ولعلكم تذكرون حديث أمية بن الحكم السلمي عندما عطس شخصٌ فشمَّته، فأخذ الصحابة يحاولون إسكاته، ويضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونه، لكنه ظل كذلك ثم صمت … إلى أن قال: فما وَجَدتُ معلمًا أحسن من رَسُول الله ﷺ ، ما كَهَرنِي، ولا ضَرَبني، ولا شتمني، ثمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (١).
إذًا، الجهل له حكمٌ، وهل الجهل أيضًا يمتد أو لا؟ أو أنه في أول الأمر، هذا فيها تفصيلٌ أيضًا للعلماء ﵏.
السبب السادس: النقص: والنقص أيضًا لاحظته الشريعة الإسلامية، فالمجنون والصغير رُفِعَ عنهم القلم، وكذلك النائم، قال ﵊: "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ، وعن الصبي حتى يبلغ" (٢).
وكذلك المرأة خُفِّفت عنها بعض الأحكام، فلَا تَجب عليها جماعةٌ، ولا جمعة … إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة، ورُخِّصَ لها في استعمال بعض الأمور كالذهب وغيره، كذلك نجد المملوك قَدْ خَفَّفت الشريعة الإسلامية عنه، فجعلت الحدَّ إلى نصفِهِ، وكذلك العدة.
السبب السابع: العُسْر: فبعض القُرُوح التي تُوجَد في بدن الإنسان، والطين الذي يصيب ثيابك وأنت تمشي في الشوارع، والدَّواب التي توجد في الطعام، قد خَفَّفت الشريعة عنَّا هذه الأمور، وهذا تَيْسير من الله ، وهو دليل على سماحة هذه الشريعة.
هذه قضايا هامة جدًّا، لا نستطيع تفصيلها، كلها ترجع إلى قضية "المشقَّة تجلب التيسيرَ"، وهي مَسَائلُ مهمةٌ في هذه الشريعة الإسلامية.
стр. 206
* قوله: (وَقَدْ شَذَّ قَوْمٌ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ مَعَ الوَجْهِ) (١).
الذي قال بأن الأذنين تغسلان مع الوجه إنما هو الزهري، وأوردنا دليله في ذلك، وهو غير موجودٍ في الكتاب، وهو يستدل بأحاديث: "سَجَد وجهي لله الذي خلقه وصوَّره وشقَّ سمعه وبصره"، وبأنَّ الوجه تَحصُلُ به المواجهة، والأذنين تحصل بهما المواجهة، هذا هو تعليله.
الرد عليه: إنَّ الجوابَ عن ذلك أنَّ هذا الحديث صحيح، لكن الجواب عنه أن المراد بالوجه هنا الذات أو جملة الجسم، ولذلك نجد أن السُّجُودَ لا يقتصر على الوجه، وإنما كما ورد في الحديث الصحيح: "أُمِرْتُ أن أسجدَ على سبعة أعضاء"، وقد فصَّلنا القول في ذلك.
وأما الَّذين قالوا بأن ما أقبل منهما مع الوجه، وما كان في ظاهر الأُذُن، فهو من الرأس، فهو قول الشعبي والحسن بن صالح، واستدلا بأثرٍ عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، وبيَّنَّا أنه ضعيفٌ.
* قوله: (وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنْ يُمْسَحَ بَاطِنُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ، وَيُغْسَلَ ظَاهِرُهُمَا مَعَ الوَجْهِ (٢)، وَذَلِكَ لِتَرَدُّدِ هَذَا العُضْوِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ الوَجْهِ، أَوْ جُزْءًا مِنَ الرَّأْسِ).
الَّذين قالوا بأنه جزءٌ من الوجه وِجْهَتُهُم: أنه تحصل به المواجهة، والحديث الذي أوردنا أنه لما جاء الحديث: "سَجَد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره" (٣)، فقال: أضاف السمع إلى الوجه كما أُضِيفَ إليه البصر، فدلَّ على استوائِهِما وانتسابهما إلى الوجه مما يدلُّ على
стр. 207
أن الأذنين من الوجه، وهو قول ضعيفٌ، وقد رأينا أن الأدلة الصحيحة تبعد ذلك.
* قوله: (وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ مَعَ اشْتِهَارِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ بِالمَسْحِ، وَاشْتِهَارِ العَمَلِ بِهِ. وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَحِبُّ فِيهِمَا التَّكْرَارَ كَمَا يَسْتَحِبُّهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ) (١).
انفردَ الإمام الإمام الشافعي ﵀ في تكرار مسح الرأس، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، وفي مسح الأذنين هو يأخذ بعموم الأدلة التي وَرَدت في وَصْف وُضُوءِ رسول الله ﷺ ، وَأنَّه تَوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ولقول: من وضوء الرسول ﵊ أنه مَسَح على الأذنين، فينبغي أن يكون ذلك كذلك.
(المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ مِنَ الصِّفَاتِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّجْلَيْنِ مِنْ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي نَوْعِ طَهَارَتِهِمَا، فَقَالَ قَوْمٌ: طَهَارَتُهُمَا الغَسْلُ، وَهُمُ الجُمْهُورُ. وَقَالَ قَوْمٌ: فَرْضُهُمَا المَسْحُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ طَهَارَتُهُمَا تَجُوزُ بِالنَّوْعَيْنِ (الغَسْلِ وَالمَسْحِ)، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ).
حيث لا خلاف بين العلماء في أن الرِّجلَين من أعضاء الوضوء، وأن طهارتهما واجبةٌ، إنما الخلاف في نوع الطهارة، وما إذا كانت طهارة الرِّجلين تحصل بالغَسل أم بالمسح.
стр. 208
وهذا الخلاف في حقيقة الأمر إنما هو خلافٌ شاذٌّ، والأمر فيه دائرٌ بين قول جماهير أهل العلم وأقوالٍ أُخرى ضعيفةٍ جدًّا لا يُعتَدُّ بها، ولكننا نُورِدُ الخلاف هاهنا حتى تكتمل لنا دراسة المسألة دراسةً علميَّةً وافيةً.
وجملة الأقوال في هذه المسألة أربعة أقوال:
القول الأول: أنها تحصل بالغَسل، وهو قول عامة أهل العلم.
ويمكننا أن نَصِفَ هذا القول بأنه إجماع أهل العلم، فهذا الإمام النووي ﵀ حينما ذَكَرَ هذه المسألةَ، صَدَّرَها بقوله: "أَجْمَعَ العلماءُ" (١)، وهذا الإمام التابعي المعروف عبد الرحمن بن أبي ليلى قال فيها: "اجتمع أصحاب رسول الله على غسل القدمين" (٢).
ويُعَاب على المؤلِّف هاهنا قوله: "فقال قوم: طهارتهما الغسل"، فهذا لا شكَّ يُتَوَهَّمُ منه أن في المسألة خلافًا سائغًا أو ما شابه، بينما الخلاف شاذٌّ كما ذَكَرْنَا، فكان ينبغي أن يُصَدِّرها بما يدلُّ على ذلك، مثل: "قال أكثر العلماء، قال عامَّة العلماء … "، وَمثل هذه الألفاظ التي تُوَضِّح رُجْحان هذا القول، وقوة مستند القائلين به.
القول الثاني: أنها تحصل بالمسح: وهو قول الشيعة، وهو قولٌ ضعيفٌ واهٍ، لا يمكن الاعتداد به.
وقد ردَّ العلماء على ما تشبثوا به من آثارٍ نُقِلَت عن الصحابة كما
стр. 209
بَيَّنَّا، ورَدُّوا كذلك استدلالهم بحديث: "أن النبي ﷺ أتى كِظَامَة (١) قومٍ، فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه" (٢)، بأن هذا إنما كان في أول الإسلام، وقد فصَّلنا الكلام في هذا.
وكذلك رد العلماء (٣) قولهم هذا بردودٍ كثيرةٍ جليَّةٍ، منها على سبيل المثال:
* أنَّ غسل الرأس فيه مشقةٌ؛ فالماء حينئذٍ يسيل على البدن، وربما يؤذي الإنسان، أما غسل القدمين فلا مشقة فيه، ولا ضرر.
* وأن الرِّجلين حُدَّتَا بالكعبين كما حُدَّت اليدان بالمرفقين، فكان هذا دليلًا على أن المطلوبَ فِيهِما إنما هو الغَسل، أما الرأس فلم يُذْكَر فيه حدٌّ، كما قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
* وأنَّ الرَّأسَ إنما هو في أعلى البدن، كما أنه مستورٌ مُغَطًّى، أما الرِّجلان فإن الإنسان يسير عليهما، وقد تَعْلَقُ بهما القاذوراتُ والنجاسات، فتتأثر بذلك، فكان الغَسل هو المناسِبَ لهما لا المسح.
* أن الرسول ﷺ كان يُخَلِّلُ بين أصابعه، ويُفرِّق بعضها، وهذا إنَّما هو من شأن الغَسل، أما المسح فلا يحتاج إلى ذلك، إنَّمَا المسحُ هو إمْرَارُ اليَد على الشيء بَعْدَ بَلِّها بالماء.
القول الثالث: جَوَاز الغسل والمسح: وهو ما ذَهَب إليه ابن جريرٍ الطَّبري.
стр. 210
والحقيقة أن الإمام الطبري إنما قال بالتخيير حينما تساوت عنده القراءتان، قراءة النصب الدالة على الغَسل، وقراءة الخفض الدالة على المسح، فصارتا عنده بمثابة روايتين مُتَساويتين في الصحة، فقال: "يُخَيَّرُ الإنسانُ بينهما" (١).
وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَري يَرُدُّهُ كثيرٌ من الأحَاديث، منها قول النَّبيِّ ﷺ : "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" (٢).
وكذلك يَرُدُّه أنَّ هذا التخيير من شأنِهِ أن يُبقِيَ الإنسانَ مُتَرَدِّدًا في أَمْرِ من أمورِ دِينِهِ، بَلْ في مَدخَلٍ إلى أدَاء فَرِيضَةٍ كفريضة الصلاة، فإنَّ العبَادات قَدْ تكون مقصودةً لذاتها؛ كالصلاة والزكاة، وقَدْ تكون مقصودةً لغيرها كالوُضُوء والتيمُّم، والرسول ﷺ قال: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٣)، ولا يوجد ما يحمل الإنسان على الدخول في الحيرة والتردد بحيث يبقى لا يدري هل أجزأه مسح قدميه أم لا، في حين أنه يمكنه الأخذ بالأحوط، هاراحة نفسه من هذا التخبُّط، لا سيما ووجوب غسل الرِّجلَين قال به عامَّة أهل العلم، وأكثرهم على عَدَم صِحَّة وضوء مَنْ مَسَحَ عليهما.
القَوْل الرَّابع: وُجُوبُ الإتيان بالغَسل والمسح جميعًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْض الظَّاهريَّة (٤)، وهذا يَنْبني على منهج الظاهريَّة أنَّهم يقفون عند
стр. 211
الظواهر، ويريدون ألا يَتجَاوزوها، فلمَّا رأوا أن القِرَاءَتين مُتَساويتان، أَوْجَبوا الأَمْرَين جميعًا خروجًا من الخلاف.
ولبَيَان غلطهم فيما ذهبوا إليه نقول: إنَّ المسح داخلٌ في الغَسل، فإن الغَسل إذا حصل، فقد حصل المسح تبعًا له، وإذا كان الأمر كذلك، فليس ثَمَّ سبمث يحملنا على الأخذ بوجوب الأمرين، بل يكفينا وجوب الغَسل.
والصحيح أن الخروج من الخلاف يكون في اتباع رسول الله والتَّأَسِّي به، وقد فسَّرَ لنا آية الوضوء تفصيلًا شاملًا لا يتطرق إليه شكٌّ ولا احتمالٌ في الأَحَاديث التي تَنَاولَت صفة وضوئِهِ.
وتَجْدر الإشَارة هاهنا إلى أن داودَ الظاهري لم يقل بهذا الذي قاله بعض الظاهريَّة، وإنَّما هو على وجوب الغَسل كَجَماهير العلماء.
(وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: القِرَاءَتَانِ المَشْهُورَتَانِ فِي اصدةِ الوُضُوءِ: أَعْنِي قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى المَغْسُولِ، وَقِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلَى المَمْسُوحِ).
إذًا، هناك قراءتان:
١ - قراءة النصب (١): ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: وهي نصٌّ في العطف على
стр. 212
الوجه واليدين المغسولَين، ولذلك عندما يتحدث المفسرون والفقهاء عن تقديرها الإعرابي بعد العطف يقولون: إن التقدير: "اغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق، وأرجُلَكم وامسحوا برؤوسكم"، ويعللون مجيئها متأخرةً بأن وجود الرأس فَصَلَ بين اليدين والرِّجلين في الترتيب.
٢ - قراءة الخفض (١): (وأرجلِكم): وكافة العلماء بَيَّنُوا أنَّ الخفض هنا للمجاورة، وقد ذَكَرْنَا هذا من قبل، وَسُقْنَا عليه شواهدَ كثيرةً موجودةً في كلام العرب.
(وَذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ ظَاهِرَةٌ فِي الغَسْلِ، وَقِرَاءَةَ الخَفْضِ ظَاهِرَةٌ فِي المَسْحِ كظُهُورِ تِلْكَ فِي الغَسْلِ).
وَكَون القراءتَين مشهورتَين، هذا لا يُنازَع فيه، لكن قراءة النَّصب لها تأويلات معروفة عند العلماء، منها أنها عطفٌ.
أمَّا الخفض، فإنما جاء للمجاورة، وإلا فمحله النصب؛ لأن الرِّجلَ مغسولة، والأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفي أَمْره لأصحابِهِ تعضض هذا، وخاصة حديث عمرو بن عبسة (٢)، وتعضضه كذلك الآثار الواردة عن الصحابة كعمر (٣) وغيره.
стр. 213
(فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ فَرْضَهُمَا وَاحِدٌ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، إِمَّا الغَسْلُ، وَإِمَّا المَسْحُ، ذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ ظَاهِرِ إِحْدَى القِرَاءَتَيْنِ عَلَى القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَصَرَفَ بِالتَّأْوِيلِ ظَاهِرَ القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَعْنَى ظَاهِرِ القِرَاءَةِ الَّتِي تَرَجَّحَتْ عِنْدَهُ).
وَالمؤلِّف هاهنا يُجْهِدُ نَفْسه بلا طَائِلٍ في محاولةٍ منه لإيجاد موازنةٍ بين القولين، ولكنَّا لا نرى للموازنة وجهًا في المسألة، وإنما الأمر كما قال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرَهُ … إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ العَصَا (١)
فنحن نُفَرِّقُ بين القراءتين والحُكم، أما القراءتان فكلاهما قراءةٌ صحيحةٌ مشهورةٌ، وَكِلَاهُمَا قراءةٌ سبعيَّةٌ قرَأ بها عَددٌ، ليسَ في هاتين القراءتين فَحَسب، بَلْ هناك قراءةٌ ثالثةٌ بالرَّفع (٢)، هي: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهذه يُقَدِّرُهَا العلماء بـ: "وأَرْجُلُكم مَغْسولةٌ" (٣)، فلا خلافَ في صحة هذه القراءات، أما الحُكْم فإنَّما ينبني على تقدير هذه القراءات، وقد فَصَّلْنَا الكلَام في هذا.
(وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ دَلَالَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ القِرَاءَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهَا عَلَى السَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَدَلَّ مِنَ الثَّانِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا أَيْضًا، جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَاجِبِ المُخَيَّرِ ككَفَّارَةِ اليَمِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ).
стр. 214
أما التخيير في كفارة اليمين، فقد وَرَدَ نصًّا في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، حيث خُيِّرَ المُكَلَّف بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبةٍ، فأَيُّ صِنْفٍ من هذه الأصناف الثلاثة قام به المكلَّف، أَجْزَأه عن كفارة يمينِهِ.
وهَذَا في الحقيقة -كما أَسْلَفْنَا- إنَّما هو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، فابن جَرِيرٍ لما تساوت عنده القراءتان، حَمَلَ المسألة على التخيير كمَا هو الحال في كفارة اليمين.
أمَّا الظاهريَّة، فليسَ الأمر عندهم مماثلًا لهذا كما يوحي كلام المؤلِّف، وإما بعض الظاهرية لمَّا حملوا القراءتين على ظاهرهما، ورأوا قراءة النصب نصًّا في الغسل، وقراءة الخفض نصًّا في المسح، فحِينَئذٍ لم يَقُولوا بالتخيير، وإنما قالوا بوُجُوب الأمرين جميعًا خروجًا من الخلاف.
فَالتَّخْييرُ هُوَ مَسلَكُ ابن جريرٍ الطَّبري، ووجوب الأمرين هو مَسلَكُ بعض أهل الظاهر.
(وَللْجُمْهُورِ تَأْوِيلَاتٌ فِي قِرَاءَةِ الخَفْضِ، أَجْوَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى المَعْنَى).
فالجُمْهُورُ في تأويل قراءة الخفض على أنَّ العطف هنا لا يختصُّ بالمعنى، وإنما اختصاصه باللفظ فقط، ففي قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ لما كان لفظ (برؤوسِكم) مخفوضًا، خُفِضَ لفظ (أرجلِكم) تبعًا له؛ مراعاةً للفظ، ويبقى المعنى على خلاف ذلك (١).
стр. 215
(إِذْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي كَلَامِ العَرَبِ مِثْلَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافِي (١) المُورِ (٢) وَالقَطْرِ (٣)
بِالخَفْضِ، وَلَوْ عُطِفَ عَلَى المَعْنَى لَرَفَعَ القَطْرَ).
وهذا البيت للشاعر المعروف زهير بن أبي سُلْمَى، يتحدث فيه عن الآثار، وعن تَغَيُّرِها نتيجة السوافي.
و"السوافي" إنما هي الرياح، ومفردها سافية؛ لأنها تسفي التراب على تلك الأماكن، فبسبب كثرة ما سفت الرياح على تلك الآثار، تراكم عليها التراب، ثم جاء المطر، فلبَّد تلك الأتربة حتى تَغيَّرَت معالِمُهَا بذلك.
والشاهد في البيتِ: قولُهُ: (سَوَافِي المُورِ وَالقَطْرِ)، فالقياس أن يقول: (والقطرُ) بالرفع؛ لأنه معطوفٌ على (سوافي) التي تقع في السياق فاعلًا يستحق الرفع.
ومثل هذا البيت الذي ذكرنا عن امرئ القيس:
كأنَّ ثبيرًا في عرانينِ (٤) وَبْلِهِ … كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ (٥) مُزَمَّلِ (٦)
و"ثبير": هذا اسمٌ لجبلٍ معروفٍ بمكةَ.