غَيْرُهُمْ (١)، إِلَى أَنَّ المُصَلِّيَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ" ثَلَاثًا، وَفِي السُّجُودِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" ثَلَاثًا عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ (٢)).
فالأئمة الثلاثة إذن قالوا: فيه دعاء محدود لأن الرسول ﷺ قال: "إذا ركع فليقل: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى" (٣). وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفي سجوده: "سبحان ربي الأعلى" (٤). وقال: "إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا أو أدناه" (٥). كل ذلك ورد في أحاديث.
ولو زاد الإنسان على ذلك فهو زيادة خير؛ أي: لو قال الإنسان: (سبحان ربي العظيم) أربعًا أو خمسًا أو ستًّا أو سبعًا فهو طيب لأنه دعاء، فالإنسان يعظم ربه بهذا التسبيح، ولو يقتصر على ثلاث فهو أدنى الكمال (٦).
ولذلك مثلًا لو قرأنا في كتب الشافعية (٧). . . . . .
стр. 1507
والحنابلة (١) لوجدنا قولهم: يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) وأدناه ثلاثًا والواجب واحدة.
* قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقُولَهَا الإِمَامُ خَمْسًا فِي صَلَاتِهِ).
ومنهم من قال: سبعًا (٢)، حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات (٣).
* قوله: (حَتَّى يُدْرِكَ الَّذِي خَلْفَهُ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ، وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا البَابِ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ") (٤).
وقوله: "قَمِنٌ"؛ أي: جدير وحري أن يستجاب لكم (٥)، ولا شك أن الإنسان في مثل هذا الموضع أقرب للَّه لما فيه من ذل وخضوع واطِّراحِ بين يديه، واللَّه متى ما أدرك صدق العبد وإخلاصه في عبادته فإنه يجازيه على ذلك ويثيبه الثواب الأكبر.
стр. 1508
* قوله: (وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ"، وَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ" (١)).
وفيه دليل على أن هذه الصيغة مقتبسة من القرآن، فلما نزلت الآية أمر رسول اللَّه ﷺ بأن يجعلها الإنسان في ركوعه فيقول: سبحان ربي العظيم، والآية الأخرى بأن يجعلها في سجوده فيقول: سبحان ربي الأعلى.
* قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ).
العلماء لم يختلفوا في الثناء على اللَّه في الركوع والسجود، والأحاديث في ذلك كثيرة، لكن الخلاف في كون الدعاء مشروعًا في الركوع وفي السجود أم في السجود فقط.
ولا شك أن الأدلة دلت على أن المصلي يدعو اللَّه في ركوعه وفي سجوده، فإن الرسول ﷺ كان يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (٢). يقول ذلك في ركوعه وفي سجوده. وهذا دعاء، ولكن ورد أيضًا أن السجود يدعو فيه أكثر؛ لأن السجود كما جاء في الحديث الصحيح أنه أحرى للإجابة، ولحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. . . " (٣).
стр. 1509
* قوله: (فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ (١)؛ لِحَدِيثِ عَلِيِّ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "وأَمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ") (٢).
كلام المؤلف يُشير إلى أن الإمام مالكًا كره ذلك لأنه لم يرد فيه نص، لكن الحقيقة أن حديث عائشة ﵂ فيه دعاء في الركوع كما سيأتي.
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ، وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ جَاءَ فِيهَا أَنَّهُ ﵊ دَعَا فِي الرُّكُوعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ البُخَارِيِّ (٣)، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي") (٤).
стр. 1510
والطائفة هنا هم جمهور العلماء الذين يرون جواز الدعاء في الركوع (١).
والحديث متفق عليه (٢)، ونزيد عليه ما سبق وذكرناه من قبل وهو حديث علي ﵁ الذي أخرجه مسلم (٣) وغيره (٤)، وفيه: وكان ﷺ إذا ركع يقول: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخى وعظمى وعصبى. . . "، وهو حديث طويل اكتفينا بذكر موضع الشاهد منه.
* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يجِيزُ الدُّعَاءَ فِى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ أَلْفَاظِ القُرْآنِ).
стр. 1511
منع أبو حنيفة الدعاء في الصلاة بغير القرآن؛ لأنه يرى أن الدعاء كلام ولا ينبغي للإنسان أن يتكلم في الصلاة، وقد مرت معنا مسألة الكلام في الصلاة، ورأينا أن الحنفية يشددون في ذلك، وأنه لا ينبغي عندهم للمأموم أن يفتح على الإمام أو يرد عليه بأمر إلا بلفظ من ألفاظ القرآن أو ما فيه تسبيح كما ورد في الحديث (١).
* قوله: (وَمَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣) يُجِيزَان ذَلِكَ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ، هَلْ هُوَ كَلَامٌ أَمْ لَا؟).
وكذلك أحمد يجيزه (٤)، وهو عندهم كلام لكنه ليس كسائر الكلام، فهو كلام مستثنًى في الصلاة لا يؤثر عليها، وحجتهم: أنه ورد في أحاديث صحيحة، فالدعاء بتلك الأدعية في الصلاة مشروع.
هناك تشهُّدان في الصلاة: التشهد الأول والتشهد الأخير، وكل منهما يقتضي جلوسًا، وقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الجلوس على أقوال:
أولًا: التشهد الأول والجلوس له: وفي حكمه قولان:
الأول: يرى جمهور العلماء أن التشهد الأول والجلوس له ليسا بواجبين (١)، بمعنى أن الإنسان لو تركهما عامدًا أو ساهيًا لا يؤثر ذلك على صلاته، وإن حصل له ذلك فإنه يجبره بسجود السهو، واستدلوا على قولهم بأدلة:
- حديث الرجل المسيء صلاته (٢)؛ فالرسول ﷺ قد عَلَّمَه؛ إذ كان
стр. 1514
يجهل كثيرًا من أحكام الصلاة ولم يذكر له التشهد وهو بحاجة إلى البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١)، وكون الرسول ﷺ لم يبين له فذلك دليل على عدم وجوبه.
- عندما قام الرسول ﷺ من الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد، ثم سجد سجدتين -يعني: للسهو- ثم صلى، ولو كان واجبًا لعاد إليه وجلس، فدل ذلك على عدم وجوبه كما جاء في الحديث الصحيح (٢).
الثاني: وهو قول الإمام أحمد في رواية (٣)، ومعه الحسن بن صالح (٤)، وبعض العلماء (٥)، وهم يرون أن التشهد الأول والجلوس له واجبان، قالوا: لأن الرسول ﷺ فعل ذلك وجلس للتشهد وتشهد ﷺ وداوم على ذلك، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" في حديث مالك بن الحويرث (٦)، وذلك دليل على أنه واجب.
стр. 1515
وقالوا: ولا يُعترض علينا؛ لأن الرسول ﷺ قام بالاثنتين ولم يجلس؛ لأنه سقط في هذه الحالة إلى بدل، فمثلًا التيمم يأتي بدل الوضوء إذا عدم الماء أو وجد ما يمنع من استعماله، سواء كان حائلًا يحول بين المرء وبين الوصول إليه أو مانعًا في بدنه يلحقه ضرر بسبب استعماله.
وهو كالحال بالنسبة لأحكام الحج، فواجبات الحج إنما عندما يخل المرء بها -ما عدا الأركان- فإنه يجبرها بدم، وكذلك ترك المصلي للتشهد الأول وللجلوس له إنما هو سقط إلى بدل لا لأنه سقط مطلقًا، أما السنن فإنها إذا تركت لا تحتاج إلى بدل (١).
وعلى أساس هذا القول لا شك أنه ينبغي للمسلم ألا يتساهل في أمر التشهد، لكن لو سها المرء فالرسول ﷺ قد حصل منه ذلك وقد سجد للسهو.
ثانيًا: التشهد الأخير:
إن التشهد الأول يأتي في جميع الصلوات عدا صلاة الفجر فليس فيها إلا تشهد واحد، لكن التشهدان يأتيان في بقية الصلوات؛ الظهر والعصر والمغرب العشاء.
والتشهد الأخير انقسم العلماء فيه إلى قسمين:
الأول: أن التشهد الأخير والجلوس له واجب، وقد نُقل ذلك عن جمع من الصحابة (٢)، وهو قول أكثر الأئمة كالإمام الشافعي وأحمد (٣).
стр. 1516
ويستدلون بعدة أدلة:
- ما ورد في حديث عبد اللَّه بن عباس ﵁ أن الرسول ﷺ قال له: "قولوا التحيات للَّه" (١).
وقد ورد أيضًا ما يشبه ذلك في حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁: "قولوا التحيات" (٢). قالوا: هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على وجوب التشهد (٣).
- حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللَّه من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : "لا تقولوا: السلام على اللَّه من عباده، ولكن قولوا: التحيات للَّه والصلوات والطيبات" (٤).
стр. 1517
- وكذلك الرسول ﷺ لم ينقل عنه أنه تركه، إنما فعله وداوم عليه، وفعله كذلك الصحابة ﵃، ولم ينقل عنهم أنهم تركوا ذلك التشهد والجلوس له، وقال الرسول ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١).
ولا شك أن الحق مع الذين يقولون بوجوب التشهد الأخير وبوجوب الجلوس له.
الثاني: ذهب أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) إلى عدم وجوبهما -هذا من حيث الإطلاق-؛ لكن عندما نحرر القول في مذهب المالكية لا نجد أنه قول واحد، فهناك رواية للإمام مالك أنه يجب الجلوس بمقدار التشهد، بمعنى أنه يجب على الإنسان أن يجلس القدر الذي يتلو فيه التشهد، وهو مذهب الحنفية، فهم يقولون: إن التشهد الأخير ليس بواجب لكن يجب على المرء أن يجلس بمقدار التشهد (٤).
وأما الإمام مالك فاختلفت عنه الروايات:
إحداها: رواية أن التشهد والجلوس ليسا بواجبين كما ذكر المؤلف.
والثانية: أن الجلوس بمقدار التشهد واجب، وبذلك يلتقي قول مالك مع قول الحنفية (٥).
واحتجوا بحديث المسيء صلاته، قالوا: لو كان ركنًا كما تقولون
стр. 1518
- أي: أنكم قلتم: إن حديث المسيء إنما بَيَّن فيه الرسول ﷺ الأركان، وقلتم: إن من ترك التشهد الأخير والجلولس له إنما تبطل صلاته -بينما لم نجد أن الرسول ﷺ بيَّن ذلك الحكم لذلك الرجل الذي جهل ما هو أبسط منه؛ وهو الاطمئنان في الركوع وفي السجود؛ فكونه لم يبين له ذلك دليل على عدم وجوبه (١).
خلاصة المسألة في بيان حكم التشهد:
والقول في هذه المسألة على قسمين:
الأول: حكم التشهد هل هو واجب أم لا، والخلاف فيه ليس في قضية أنه واجب بمعنى الوجوب الذي يسقط بالنسيان أو يجبر، فالذين يقولون بوجوبه يرون أنه ركن وأن الإنسان لو تركه بطلت صلاته.
إذن، فهذه المسألة ليس الخلاف فيها سهلًا؛ فالذين يقولون بوجوبه يرون أن الصلاة تبطل بتركه.
الثاني: يكون في المختار منه، وقد ورد أن الرسول ﷺ علَّم عبد اللَّه بن مسعود ﵁ التشهد كما في "الصحيحين" (٢)، وعلم عبد اللَّه بن عباس ﵁ التشهد قال: "كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، وهذا في "صحيح مسلم" (٣)، وهناك أيضًا دعاء التشهد الذي كان
стр. 1519
يقوله عمر ﵁ (١)، وقد أخذ به الإمام مالك كما سيأتي، وكان يقوله عمر على المنبر أو يعلمه الناس، وأنه لم ينكر ذلك أحد عليه، وهذا سيأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه في موضعه (٢).
فالخلاصة في ذلك: أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسأله وأن كلًّا منهم قد استدل بأدلة؛ فالذين قالوا بعدم الوجوب عمدتهم حديث المسيء صلاته، والرد عليهم لا حجة فيه، فكونهم يقولون: إنه ذكر الأركان هذا غير مسلم لأن حديث المسيء لم يذكر النية والنية مجمع عليها بين الجمهور؛ فكل أصحاب المذاهب الأربعة متفقون على أن النية شرط في الصلاة، ومع ذلك لم تذكر؛ إذن حديث المسيء ليس بحجة على قولهم.
ولو نناقش المذاهب واحدًا واحدًا يمكننا القول بأن النية لم تذكر في حديث المسيء صلاته، ومالك وأبو حنيفة يريان اشتراط النية (٣)، فهذا الحديث إذن حجة عليهم، فقد استدلوا به وقالوا بأن التشهد لم يذكر فيه فهو إذن ليس بواجب (٤).
стр. 1520
ونرد على المالكية في قولهم: إن الجلوس للتشهد واجب، فنقول لهم: إن الرسول ﷺ لم يذكر للمسيء صلاته الجلوس للتشهد؛ إذن فلماذا أوجبتموه؟!
والحاصل: أنكم خرجتم عن حديث المسيء صلاته إلى أدلة أُخرى، فما دمتم أوجبتم الجلوس فعليكم أن توجبوا التشهد كذلك.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِظَاهِرِ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ بِسَائِرِ الأَرْكَانِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الصَّلَاةِ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى وُجُوبِ القُرْآنِ، وَأَنَّ التَّشَهُّدَ لَيْسَ بِقُرْآنِ فَيَجِبُ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ" (١)، يَقْتَضِي وُجُوبَهُ).
لم يكن الخلاف هنا خلاف قياس وآثار، وإنما هو في وجود أدلة تمسك بها بعض العلماء، وأدلة خاصة اعتبرها الآخرون نصًّا في المسألة فأوجبوا ذلك (٢).
لكن حقيقةً هذا قياس ضعيف؛ لأن القياس على القرآن إنما هو قياس مع الفارق، فيؤدي ذلك إلى ضعفه وهو غير مسلَّم به، ولا حاجة للقياس هنا، فالمسألة لم تكن خلافًا في القياسات، وإنما الخلاف أن هؤلاء استدلوا بأدلة والآخرون استدلوا بأدلة أُخرى.
فالمؤلف يريد أن يستنبط من حديث ابن عباس ﵁ أن هذا يقتضي تأكده، وأن الرسول ﷺ كان يؤكد ذلك الأمر عليهم ويكرره حتى استقر في نفوسهم، وهذا دليل على وجوبه.
стр. 1521
* قوله: (مَعَ أَنَّ الأَصْلَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَفْعَالَهُ وَأَقْوَالَهُ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ) (١).
الأصل في الأمر إذا ورد: أنه يحمل على الوجوب، لكن ذلك ما لم توجد قرينة تصرفه إلى غير ذلك.
* قوله: (وَالأَصْلُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ مَا ثَبَتَ وَجُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَيْهِ أَوْ صُرِّحَ بِوُجُوبِهِ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ إِلَّا مَا صُرِّحَ بِهِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ، فَهُمَا كَمَا تَرَى فَصْلَانِ مُتَعَارِضَانِ).
والأقوال محمولة على الوجوب أصلًا، وأما الأفعال فليست كذلك، وإنما تحتاج إلى دليل (٢)، لكن الذين يقولون بأن الأفعال محمولة على الوجوب يقوُّون ذلك بحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، وحديث: "خذوا عني مناسككم" (٤) في الحج.
стр. 1522
والمؤلف يريد أن يوضح أنه ليس معنى هذا أن كل ما ثبت وجوبه بنص صحيح صريح في الصلاة ينبغي أن يلحق به غيره، فالقراءة وجوبهما متأكد ومتعين لكن ليس لنا أن نلحق بها التشهد، فكل كلامه يدور حول القياس.
أما عن المختار من التشهد:
* قوله: (وَأَمَّا المُخْتَارُ مِنَ التَّشَهُّدِ، فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ اخْتَارَ تَشَهُّدَ عُمَرَ ﵁ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ) (١).
لو نضرب مثالًا تمهيديًا لهذه المسألة نقول: إن في علم القراءات هناك قراءات مختلفة تُعرف بالقراءات السبع، أو القراءات العشر، فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، "والعنهم لعنًا كثيرًا" (٢). فلكل قراءةٍ توجيه يعرفه الذين درسوا هذا العلم (٣).
وكذلك نجد أيضًا أحكامًا في الصلاة ورد فيها دليلان مختلفان، فقد ورد مثلًا في رفع اليدين أنهما يرفعان إلى المنكبين وهذا رأي جمهور العلماء، والحنفية يرون أنه يرفعهما إلى الأذنين، وكل ذلك صحيح.
وقول الجمهور: بأنه إذا كبر يرفع يديه إلى منكبيه، ولو رفعهما إلى الأذنين فلا يقولون بأنه أخطأ ولا أنه خالف السنة، لكن يرون أن تلك الأحاديث أقوى وأشهر فقدموها، وخالفهم الحنفية فقدموا غير أدلة الجمهور، وهناك أمثلة كثيرة جدًّا على ذلك، فقال العلماء بجواز هذا وجواز ذاك (٤).
стр. 1523
ومن ذلك ما نحن بصدده وهو التشهد فقد ورد فيه ثلاث صفات:
الأول: تشهد عمر ﵁ الذي أخذ به الإمام مالك (١).
الثاني: وهو تشهد عبد اللَّه بن عباس ﵁، وقد أخذ به الإمام الشافعي (٢).
الثالث: تشهد عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الذي أخذ به الإمامان أبو حنيفة (٣)، وأحمد (٤)، وهو أقوى سندًا من غيره لأنه في "الصحيحين" (٥).
ولما سئل الإمام أحمد ﵀ عن ذلك قال: "أنا آخذ بتشهد
стр. 1524
عبد اللَّه بن مسعود ﵁ ولا أنكر على من يأخذ بغير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ علم أصحابه ﵃ هذا وذاك" (١).
ولذلك لما قيل له: "نقل عن إسحاق بن راهويه أنه يقول: من لم يقل بتشهد عبد اللَّه بن مسعود ﵁ بطلت صلاته، فأنكر الإمام أحمد ذلك وقال: لا أقول به لأن هذه صفات علمها الرسول ﷺ لأصحابه" (٢).
وهكذا شأن أهل الحديث الذين أعطاهم اللَّه بسطة (٣) في العلم وفقهًا في الدين، فليس حقيقة الفقه كما يتصور البعض أنه مجرد قراءة للحديث ثم إصدار للحكم، فأمتال هؤلاء الأئمة كانوا فقهاء ومحدثين، وقد أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الدين من كل نواحيه عقيدة وحديثًا وفقهًا، وكانوا يربطون بين العلوم؛ لأن علوم الشريعة لا ينفصل بعضها عن بعض، فهي بمثابة شجرة لها أصل؛ أصلها كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ثم الأغصان التي تتفرع عنها إنما هي علوم أُخرى.
وأصل العلوم: علم العقيدة وتوحيد اللَّه الذي التقت حوله دعوة الرسل جميعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ثم تأتي بعد ذلك العلوم الشرعية المعروفة من فقه وحديث وغيرها، فهي تتغذى من هذا الأصل -كتاب اللَّه وسنة رسوله-، والإسلام بني على خمس؛ أولها شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ومتى ما فسد هذا الركن فإن بقية الأعمال تفسد.
стр. 1525
والمقصود: أن علوم الشريعة الإسلامية كلها مرتبطة لا ينفك بعضها عن بعض (١).
والإمام مالك -إمام دار الهجرة-: أخذ بتشهد عمر ﵁ (٢)، وقد صح أنه موقوف عليه، وعمر ﵁ لم يأت به من عند نفسه، وقد ألقاه على الناس وهو على المنبر، ولو كان عمر ﵁ أخطأ فيه لما تركه الصحابة، الصحابة ﵃ لا يجاملون في الحق، وقصة المرأة التي ردت عليه معروفة (٣)؛ إذن التشهد الوارد عنه مشروع.
وأما الشافعية: فقد أخذوا بحديث عبد اللَّه بن عباس ﵁ وهو في "صحيح مسلم"، ولم يأخذوا بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وهو في "الصحيحين"، وقد ذكروا عدة تعليلات لرأيهم منها قولهم: أولًا نأخذ بحديث عبد اللَّه بن عباس ﵁، ثم بحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وقالوا: لأن هذا جاءت فيه عبارات مقتبسة من القرآن (٤).
ونفهم مما سبق: أن كل مذهب من المذاهب له توجيه في اختياراته، فهم ما أخذوا هذا الأمر تشهِّيًا ولا رغبة، وما أخذوه لأن فلانًا قال به،
стр. 1526
إنما أخذوا هذا على اقتناع مع تسليمهم بصحة الآخر وجوازه.
* قوله: (وَهُوَ: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ").
كلمة التحيات لها عدة معانِ في اللغة، فهي تأتي بمعنى العظمة، وتأتي بمعنى الملك، وتأتي بمعنى البقاء (١)، وعلى أي تصريف أو توجيه نوجه فالكلام في محله، فلما نقول العظمة؛ لا شك أن العظمة للَّه، وكذلك الملك فهو للَّه جميعًا، قال اللَّه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
أما الصلوات: فقد ذكروا في معناها أقوالًا، من بينها أنها الصلوات الخمس وقد أخذ به الأكثر.
وأما الطيبات: فهي الأعمال الصالحة.
ومما يجدر بنا التنبيه عليه: أنه أحيانًا تمر علينا عبارات مرور الكرام، لكن عندما نأخذها ونحللها نجد أنها تحمل معاني عظيمة، ولو وقفنا عندها شرحًا وتحليلًا سنخرج عن مقصود الكتاب.
والمقصود: أن كل الكلمات التي خرجت من مشكاة النبوة إنما هي من جوامع كلمه ﷺ ، قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. . . " ومنها: "جوامع الكلم" (٢).
стр. 1527
والمعنى: أنه ﷺ يقول الكلمات القليلة التي تحمل المعاني العظيمة.
ولا ننسى أن الصحابة ﵃ تربوا في مدرسته، ونهلوا من علمه وأخذوا من مشكاته ﷺ ، فتأثروا به سلوكًا ومنهجًا وسيرة واقتداءً واقتباسًا؛ ولذلك أرشد وأوصى عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن يقتدى بأصحاب رسول اللَّه ﷺ فقال: "مَن كان مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات" (١).
وقد سميت هذه التحيات بجميع ألفاظها التي وردت بالتشهد لذكر الشهادتين فيها، ومعلوم أن نواة الدين الشهادتان، وقد جاء ذكرهما في كل من تشهد عمر، وتشهد عبد اللَّه بن عباس، وتشهد عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.
وكل هذه الأمور -التحيات والزاكيات والطيبات- إنما هي تصب في هذا المقام لأجل شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه؛ فقد أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ورفعت راية الجهاد لأجلها، ولأجلها أيضًا قام العدل وقام الميزان يوم القيامة، قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
وفي حديث البطاقة أو أعمال الإنسان أنها توضع في الميزان، وأنه يؤتى بهذه الكلمة فترجح بها، قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ
стр. 1528
فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ" (١).
فهذه الكلمة إذن خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة في الميزان، ولذلك عندما يضيق صدر المرء فيكررها يجد أن نفسه قد اطمأنت، وأن صدره قد انشرح، وأن فؤاده قد استقر، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]، ولا شك أن خير ما يكرره المسلم هذه الكلمة، قال رسول اللَّه ﷺ : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (٢).
* قوله: (وَاخْتَارَ أَهْلُ الكُوفَةِ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَغَيْرُهُ تَشَهُّدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الحَدِيثِ؛ لِثُبُوتِ نَقْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ: "التَّحِيَّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ") (٤).
стр. 1529
ولا شك أننا عندما نريد أن نوازن بين هذه الروايات التي وردت، فنحن أيضًا مع الذين اختاروا تشهد عبد اللَّه بن مسعود ﵁، ولا نختاره لأنه رأي لفلان، ولكننا عندما نقيم الميزان لنقارن بين الأحاديث التي وردت في ذلك نجد أن الذي ورد في "الصحيحين" هو حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وهو أيضًا الذي أخذ به أكثر العلماء وأهل الحديث، وذلك لتقدُّمه من حيث قوة السند، وليس معنى هذا أن غيره سنده ضعيف، لكن هذا أقواها سندًا، ولنا أن نقول كذلك أنها كلها صحيحة وهذا أصحها، وللمسلم أن يأخذ بهذا أو يأخذ بذاك.
وقد نرجحه أيضًا لما نجد فيه من سهولة في الحفظ مقارنة بغيره، وربما نقول هذا لأننا تعودنا على حفظه في الصغر، واللَّه أعلم بالصواب.
* قوله: (وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ تَشَهُّدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (١)، الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ").
وأما سبب ترجيح الشافعية لهذه الرواية، فقالوا (٢):
- لأن فيه اقتباسًا.
- ولأن عبد اللَّه بن عباس ﵁ من صغار الصحابة، ولا شك أنه تعلمه من النبي ﷺ متأخرًا، أي: أن هذا التشهد جاء في آخر الأمر.
стр. 1530
- وقوله في الحديث: "يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن" قالوا: وهذا دليل على تأكيده.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ ظُنُونِهِمْ فِي الأَرْجَحِ مِنْهَا، فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رُجْحَانُ حَدِيثٍ مَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ، مَالَ إِلَيْهِ، وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا كلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ كالأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَائِزِ وَفِي العِيدَيْنِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ) (١).
فقد مر بنا أن للأذان خمس صيغ: أذان بلال ﵁ وغيره، وبيَّنَّا أنها في النهاية كلها صحيحة، فالحنفية والحنابلة اختاروا أذان بلال، والمالكية اختاروا أذانًا آخر، والشافعية اختاروا كذلك، واختلف أيضًا الشافعية مع المالكية في الترجيح وغيره.
والمؤلف ذكر هذه المسألة -اختلاف صيغ الأذان- وغيرها من التكبير على الجنائز وفي العيدين لاشتراكها مع مسألة صيغ التشهد في كونها حصل فيها خلاف ما هو المقدم وما هو المختار، وكلها صحيحة وجائزة (٢).
وقد أحسن المؤلف في قوله: (وهذا هو الصواب)، فالحق أن هذه التشهدات كلها صحيحة، وللإنسان أن يختار ما يرى أنه أرجح من غيره، وأما نحن فنرجح ما جاء في حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
* قوله: (وَقَدِ اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَالَ: إِنَّهَا فَرْضٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ هُوَ التَّسْلِيمُ مِنَ
стр. 1531
الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ التَّسْلِيمُ الَّذِي يُؤْتَى بِهِ عَقِبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) (١).
فجمهور العلماء يقولون بأن الصلاة على الرسول ﷺ ليست بواجبة (٢)، وهي مشروعة، واللَّه يقول في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.
وفي الحديث: "من صلى علي صلاة واحدة صلى اللَّه عليه عشرًا".
فالصلاة على الرسول ﷺ مطلوبة وفيها فضل عظيم، لكن المسألة تتعلق بحكم، وهو هل الصلاة على الرسول ﷺ واجبة في التشهد أم لا؟
بمعنى أنه إذا قلت أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده
стр. 1532
ورسوله، هل يلزمك أن تقول الصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، ولا شك أنها وردت في الأحاديث وقد علمها الرسول ﷺ أصحابه، وقد قال الصحابي كعب بن عجرة ﵁ صاحب القصة التي وردت في الحج-: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا السَّلَامَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيد مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
إذن؛ الرسول ﷺ علمهم الصلاة عليه، لكن الكلام هنا في مسألة حكم هذه الصلاة على الرسول ﷺ ، مع العلم أن بعض العلماء لا يراها أصلًا، ومنهم من أوجبها وهو مذهب الشافعية، ورواية لأحمد، بل يقول الحنابلة هي الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد.
ودليل القائلين بوجوبها: قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
قال الإمام الشافعي في توجيه هذه الآية: "هذه الآية تدل على وجوب الصلاة عن النبي ﷺ ، وأدنى أحوالى أن يكون ذلك في الصلاة" (١).
وقوله: (في الصلاة) يعني: في التشهد، فيجب أن يقول المصلي ذلك، وذهب إلى أن هذا التسليم المذكور في الآية هو التسليم من الصلاة، بينما خالفه الجمهور في ذلك وقالوا: إنه التسليم الذي يؤتى به عقب الصلاة عليه.
ومعلوم أن الإمام الشافعي هو أول من أظهر علم الأصول، والحنفية يقولون إنهم كتبوا في ذلك ولكن ما رأيناه، وما وصل إلينا أن أول من
стр. 1533
دوَّن علم الأصول وخطه بقلمه هو الإمام الشافعي في كتابه العظيم "الرسالة" (١).
أما أكثر العلماء -الحنفية والمالكية وأحمد فى الرواية الأخرى- يقولون بعدم وجوبها (٢)، ولهم أدلة هي:
- حديث المسيء صلاته، وأن الرسول ﷺ لم يعلمها إياه.
- حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عندما علمه الرسول ﷺ التشهد، فقال له: "التحيات للَّه. . . " إلى أن قال: "أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" ثم قال بعد ذلك: "إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك"، فقالوا: لو كانت الصلاة عليه ﷺ واجبة لبينها لعبد اللَّه بن مسعود ﵁، ولما قال له: "فقد تمت صلاتك" قال له ذلك أيضًا قبل أن يذكر الصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، وهو دليل على عدم وجوبها (٣).
ونقول: لا شك أنه لا ينبغى للإنسان حقيقة أن يترك الصلاة على رسول اللَّه ﷺ في هذا المقام.
стр. 1534
* قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَوَّذَ المُتَشَهِّدُ مِنَ الأَرْبَعِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الحَدِيثِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهَا فِي آخِرِ تَشَهُّدِهِ (١). وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ. . . ". الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) (٢).
حقيقة: لم يقل بهذا القول أحد من الأئمة؛ أي: بوجوب أن يتعوذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال (٣). ولا شك أنه وردت أحاديث -بعضها في الصحيحين-
стр. 1535
حضت على قول ذلك ورغبت فيه، لكن لم يقل بذلك أحد من العلماء المشهورين.
والترتيب الذي أتى به المؤلف جاء في رواية، بينما في روايات أُخرى ورد الترتيب مخالفًا لهذه الرواية.
والحاصل: أن تقديم أو تأخير بعض هذه الأربعة لا يضر، فكل ذلك وارد وفيه سعة والحمد للَّه، وأما الذي جعل أهل الظاهر يقولون بالوجوب ورود لفظ: "فليتعوذ" وهو أمرٌ (١).
* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفُوا فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلَاةِ).
نجد في بعض الكتب المطولة، إذا أراد القارئ أن يصل إلى مسألة "التسليم"، فإنه يحتاج لأربعة أشهر على الأقل، ولكن لأنَّ المؤلف يأخذ بأمهات المسائل، وكذلك لأننا أحيانًا نعرض لكثيرٍ من المسائل التي ليست في الكتاب، ثم نرى المسألة وننبّه عليها؛ فيحسن بنا أن نأخذ مثل هذا الكتاب المجمل؛ حتى نستطيع أن نسير ونُسرع قدر المستطاع من باب الاختصار.
ومع ذلك، فلا نزال في أوله، حيث مسألة "الخروج من الصلاة"، ولعلِّي أذكر حديث علِيٍّ ﵁ الذي مرَّ بنا في عدة مسائل، أن الرسول ﷺ قال: "مفتاح الصلاة الطُّهور (٢)، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٣).
إذًا، مفتاح الدخول إلى الصلاة: الطهور؛ لأن الرسول ﷺ قال:
стр. 1536
"لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (١).
وقال: "لا يقبل اللَّه صلاةً بغير طهور، ولا صدقةً من غلول (٢) " (٣).
وقد ذكر اللَّه في آية "المائدة" التي جاءت بإيجاب الطهارة، حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
كذلك قال صلوات اللَّه عليه وسلامه: "وتحريمها التكبير" (٤)؛ لأن الإنسان عندما يُكبِّر تكبيرة الإحرام، يكون قد دخل في الصلاة؛ فَحَرُمتْ عليه أشياء كان يجوز له أن يفعلها مسبقًا، كأنْ يتكلم، أو يأكل، أو يشرب. . .، إلى غير ذلك من الأمور الممنوعة على المصلي في صلاته.
وقوله: "وتحليلها التسليم"، أيْ: كما أنه تَحرُم عليه أمور بتكبيرة الإحرام، فكذلك يحل له ما مُنع عليه بالتسليم.
وقد ورد أن الرسول ﷺ "كان يخرج من الصلاة فيسلم عن يمينه
стр. 1537
حتى يُرَى بياض خده الأيمن، ويسلم عن يساره حتى يُرى بياض خده الأيسر" (١).
وثبت عنه ﷺ : "أنه كان يبالغ في سلامه من اليسار حتى يُرى بياض خديه" (٢)، بمعنى أنه يلتفت إلى اليسار أكثر من المعتاد.
وللعلماء كلام كثير في التسليم من الصلاة، فجمهورهم يُوجِبُونَ التسليمة الأولى، وما عدا ذلك؛ فَسُنَّة.
وهناك من يجعلون التسليم ثلاثًا، فواحدة عن يمينه التي يحل بها الخروج من الصلاة، والثانية للإمام، والثالثة للمأمومين (٣).
وللفقهاء كلام كثير في هذه المسألة لم يتعرض له المؤلف، وربما يأتي بشيء مناسب ليُذكر لاحقًا.
* قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ بِوُجُوبِهِ).
فجمهور العلماء من المالكية (٤)،. . . . .
стр. 1538
والشافعية (١)، والحنابلة (٢) يوجبون التسليم من الصلاة، ويرَوْنَ أنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من الصلاة إلَّا بسَلام؛ لأنه كما دخل فيها مكبرًا تكبيرة الإحرام، فكذلك ينبغي أن يخرج منها بأمرٍ مشروع ألَا وهو السلام.
أما الحنفية (٣) فلا يرون ذلك، بل له أن يخرج منها بأي أمرٍ يُخرجه، كانتقاض وضوئه أو إذا أكل، أو حتى انصرف منها دون تسليم، ونحو ذلك، فكله عندهم لا يبطل الصلاة، وإن كان أصلًا من مبطلاتها، أما الآخرون فيرونها من المبطلات.
стр. 1539
إذًا، ليس للمسلم أن يخرج من صلاته إلا بالتسليم عند الجمهور، سِوَى الحنفية.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوهُ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الوَاجِبُ عَلَى المُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ تَسْلَيمةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ اثْنَتَانِ).
دليل الجمهور: "وتحليلها التسليم"، وهناك أدلة كثيرة أن الرسول ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، لكن عُمدتهم "وتحليلها التسليم"، ولم يُنقل عن الرسول ﷺ أنه انصرف من صلاةٍ مِن الصلوات دون تسليم، ولا أصحابه ﵃؛ لذلك فإن هذا الأمر انتشر، ونقله العلماء جيلًا بعد جيل (٢)، أما الخروج بغير تسليم؛ فهو اعتماد على أن ذلك لم يُذكر في حديث المسيء صلاته، لكن علينا أن نعلم أن ذلك الحديث سكت عن كثيرٍ مِن الأحكام (٣)، أما كونهم يستدلون بحديث عبد الرحمن الإفريقي؛ فإنه حديث ضعيف، وسيذكره المؤلف وينبه عليه.
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مَذْهَبَ ظَاهِرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُهُ
стр. 1540
-﵊ فِيهِ: "تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ تَسْلَيمَتَان، فَلِمَا ثَبَتَ مِنْ "أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ"، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ حَمَلَ فِعْلَهُ عَلَى الوُجُوبِ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ لِلْمَأْمُومِ تَسْلِيمَتَيْنِ وَللْإِمَامِ وَاحِدَةً (١)، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ المَأْمُومَ يُسَلِّمُ ثَلَاثًا: الوَاحِدَةُ لِلتَّحْلِيلِ، وَالثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ، وَالثَّالِثَةُ لِمَنْ هُوَ عَنْ يَسارِهِ).
هذا قول المؤلف -واللَّه أعلم بحقيقته- فلم أدقق البحث في مذهب المالكية، والعهدة عليه، ولكني أعرف أن هناك من يقول بثلاث تسليمات (٢).
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الإِفْرِيقِيُّ).
* هنا فائدة:
لا نفهم مِن أنَّ الراوي ضعيف، أي: ضعيف في سلوكه واعتقاده،
стр. 1541
بل قد يكون صالحًا فتعتريه غفلة الصالحين (١)، أو شيء من النسيان، وهذا الراوي من هذا النوع، فهو رجل صالح، ولكنه ضُعِّف في بعض الأمور.
وقد يَسْرِي إلى بعض الرواةِ الضعفُ في آخر حياتهم، بل قد يُضعَّفوا بالكلية (٢).
كما ذُكِر عن ابن لَهِيعَة بأنه طارت أوراقه؛ فصار يُحدِّث من حفظه؛ فكانت روايته ضعيفة، وهذا معروف عند مَن يدرسون عِلم "مصطلح الحديث" (٣)، و"الجرح والتعديل" (٤)؛ فلا يُغتر بصلاح إنسان فقط، وليس
стр. 1542
كل مَن حدَّث يُصدَّق، كما قال عمر ﵁: "لست بالخِب (١) ولا الخب يخدعني" (٢).
ويُذكر ذلك عند قول اللَّه تعالى في ذِكر المكر: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، قويًّا ذكيًّا، لا ضعيفًا، وهذا لا يتنافى مع حسن الظن بالمؤمنين، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وهذا في كل شيء.
إذًا، علينا أن نقتدي بالخليفة الراشد عمر، ومع ذلك كان يقول: "إذا بلغني مبلغًا حملته على تسعة وتسعين حسن وواحد سيئ" (٣)، لكنه في
стр. 1543
المقام الآخر لم يكن ضعيفًا، ولا يمكن أن يأتي مكَّار فيخدعه. فينبغي على المؤمن أن يحتاط لهذه الأمور.
وقد عني العلماء بعلم الجرح والتعديل، ودقَّقُوا في ذلك، وحرَّرُوا مسائله، حفاظًا علَى سُنة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليُعلَم صحيحها مِن سقيمها، لأنه -كما هو معلوم- دخلَتْ في صُفوف الأُمة الإسلاميَّة فِرَقٌ، كالزنادقة (١) وغيرهم مِمَّن انحرفوا في العقيدة، وغالوا فيها أو فرَّطوا؛ فكل أولئك يريدون أن يضعوا أدلةً يثبتوا بها مذاهبهم.
* قوله: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَافِعٍ، وَبَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ" (٢)).
سبق الكلام عن هذا الحديث، وضعف بعض رواته (٣).
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ) (٤).
أيْ في كتابه "الاستذكار"، وهو من أهم مراجع هذا الكتاب، وبخاصة فيما يتعلَّق بنقل آراء العلماء ومذاهبهم.
стр. 1544
* فائدة:
ابن عبد البر له كتابان مشهوران جليلَا القدر: "التمهيد" المعروف، و"الاستذكار"، وكلاهما شرح لـ "موطأ مالك"، لكن هذا عني به من جانب الحديث، والآخر عني بالمسائل الفقهية، وإن لم يُغفل هذا وذاك (١).
وقد سبق التنبيه أن المؤلف عُمدته في نقل آراء العلماء إنما هو كتاب "الاستذكار"؛ لأنه نَصَّ في موضعٍ على أنه عوَّل في نقل آراء العلماء عليه؛ فإن قُدِّر أنْ وَهِمَ في "الاستذكار" فربما يقع المؤلف هنا تباعًا.
والمؤلف في حقيقة الأمر قد يقع في وهمٍ في نقل المذاهب والآراء؛ لأنه ربما ينقل القول على أنه مشهور، أو راجح؛ فيتبيَّن أنه المرجوح أو الضعيف في المذهب.
* قوله: (وَحَدِيثُ عَلِيٍّ المُتَقَدِّمُ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ انْفَرَدَ بِهِ الإِفْرِيقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ضَعِيفٌ) (٢).
стр. 1545
أمَّا مسألة النقل فلا يختص بها مَن يَهِم أحيانًا في نقل رأيه؛ فيكون هو الراجح، ويتبيَّن على خلاف ذلك.
ويقع في هذا أيضًا صاحب "المغني"، وهو كتاب جليل، ومؤلفه أيضًا معروف، وكذلك يقع في ذلك النووي، رحم اللَّه الجميع.
فالإنسان إذا نقل عن غيره مِن غير المذهب الذي درسه، وتمَرَّسَ فيه، وعني به، وحقَّقَ مسائله، فقد يحصل الخطأ، لأنه قد ينقل رأيًا ضعيفًا، أو رأيًا لأحد أتباع الإمام علَى أنه للإمام، وهذا يحصل في كثيرٍ مِن الكُتب ليس هذا وحده.
* قوله: (قَالَ القَاضِي).
القاضي، هو أبو الوليد صاحب "بداية المجتهد".
* قوله: (إِنْ كَانَ أَثْبَتَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ التَّسْلِيمِ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنْ دَلِيلِ الخِطَابِ).
من الأدلة الفعلية: أنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه "كان يخرج من صلاته بالتسليم" (١)، فهذا أمر قد اشتهر وعُرف، وقد أخذه الصحابة وتلقَّوْهُ وعمِلُوا به، وتلقَّتْهُ الأجيَالُ بعدهم مِن التَّابعِين ومَن بَعْدَهم، وأمَّا دليل الخِطَاب (٢) الذي يتكلَّم عنه، فَهُو الذي يُعرف عند الأصوليِّين ويشتهر بمفهوم المخالفة، وهذا فيه كلام معروف، فالحنفية يضعِّفونه (٣)، وغيرهم