← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بل قد يكون صالحًا فتعتريه غفلة الصالحين (١)، أو شيء من النسيان، وهذا الراوي من هذا النوع، فهو رجل صالح، ولكنه ضُعِّف في بعض الأمور. وقد يَسْرِي إلى بعض الرواةِ الضعفُ في آخر حياتهم، بل قد يُضعَّفوا بالكلية (٢). كما ذُكِر عن ابن لَهِيعَة بأنه طارت أوراقه؛ فصار يُحدِّث من حفظه؛ فكانت روايته ضعيفة، وهذا معروف عند مَن يدرسون عِلم "مصطلح الحديث" (٣)، و"الجرح والتعديل" (٤)؛ فلا يُغتر بصلاح إنسان فقط، وليس

стр. 1542

كل مَن حدَّث يُصدَّق، كما قال عمر ﵁: "لست بالخِب (١) ولا الخب يخدعني" (٢). ويُذكر ذلك عند قول اللَّه تعالى في ذِكر المكر: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن، قويًّا ذكيًّا، لا ضعيفًا، وهذا لا يتنافى مع حسن الظن بالمؤمنين، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وهذا في كل شيء. إذًا، علينا أن نقتدي بالخليفة الراشد عمر، ومع ذلك كان يقول: "إذا بلغني مبلغًا حملته على تسعة وتسعين حسن وواحد سيئ" (٣)، لكنه في

стр. 1543

المقام الآخر لم يكن ضعيفًا، ولا يمكن أن يأتي مكَّار فيخدعه. فينبغي على المؤمن أن يحتاط لهذه الأمور. وقد عني العلماء بعلم الجرح والتعديل، ودقَّقُوا في ذلك، وحرَّرُوا مسائله، حفاظًا علَى سُنة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليُعلَم صحيحها مِن سقيمها، لأنه -كما هو معلوم- دخلَتْ في صُفوف الأُمة الإسلاميَّة فِرَقٌ، كالزنادقة (١) وغيرهم مِمَّن انحرفوا في العقيدة، وغالوا فيها أو فرَّطوا؛ فكل أولئك يريدون أن يضعوا أدلةً يثبتوا بها مذاهبهم. * قوله: (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَافِعٍ، وَبَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ" (٢)). سبق الكلام عن هذا الحديث، وضعف بعض رواته (٣). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ) (٤). أيْ في كتابه "الاستذكار"، وهو من أهم مراجع هذا الكتاب، وبخاصة فيما يتعلَّق بنقل آراء العلماء ومذاهبهم.

стр. 1544

* فائدة: ابن عبد البر له كتابان مشهوران جليلَا القدر: "التمهيد" المعروف، و"الاستذكار"، وكلاهما شرح لـ "موطأ مالك"، لكن هذا عني به من جانب الحديث، والآخر عني بالمسائل الفقهية، وإن لم يُغفل هذا وذاك (١). وقد سبق التنبيه أن المؤلف عُمدته في نقل آراء العلماء إنما هو كتاب "الاستذكار"؛ لأنه نَصَّ في موضعٍ على أنه عوَّل في نقل آراء العلماء عليه؛ فإن قُدِّر أنْ وَهِمَ في "الاستذكار" فربما يقع المؤلف هنا تباعًا. والمؤلف في حقيقة الأمر قد يقع في وهمٍ في نقل المذاهب والآراء؛ لأنه ربما ينقل القول على أنه مشهور، أو راجح؛ فيتبيَّن أنه المرجوح أو الضعيف في المذهب. * قوله: (وَحَدِيثُ عَلِيٍّ المُتَقَدِّمُ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ انْفَرَدَ بِهِ الإِفْرِيقِيُّ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ضَعِيفٌ) (٢).

стр. 1545

أمَّا مسألة النقل فلا يختص بها مَن يَهِم أحيانًا في نقل رأيه؛ فيكون هو الراجح، ويتبيَّن على خلاف ذلك. ويقع في هذا أيضًا صاحب "المغني"، وهو كتاب جليل، ومؤلفه أيضًا معروف، وكذلك يقع في ذلك النووي، رحم اللَّه الجميع. فالإنسان إذا نقل عن غيره مِن غير المذهب الذي درسه، وتمَرَّسَ فيه، وعني به، وحقَّقَ مسائله، فقد يحصل الخطأ، لأنه قد ينقل رأيًا ضعيفًا، أو رأيًا لأحد أتباع الإمام علَى أنه للإمام، وهذا يحصل في كثيرٍ مِن الكُتب ليس هذا وحده. * قوله: (قَالَ القَاضِي). القاضي، هو أبو الوليد صاحب "بداية المجتهد". * قوله: (إِنْ كَانَ أَثْبَتَ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ التَّسْلِيمِ إِلَّا بِضَرْبٍ مِنْ دَلِيلِ الخِطَابِ). من الأدلة الفعلية: أنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه "كان يخرج من صلاته بالتسليم" (١)، فهذا أمر قد اشتهر وعُرف، وقد أخذه الصحابة وتلقَّوْهُ وعمِلُوا به، وتلقَّتْهُ الأجيَالُ بعدهم مِن التَّابعِين ومَن بَعْدَهم، وأمَّا دليل الخِطَاب (٢) الذي يتكلَّم عنه، فَهُو الذي يُعرف عند الأصوليِّين ويشتهر بمفهوم المخالفة، وهذا فيه كلام معروف، فالحنفية يضعِّفونه (٣)، وغيرهم

стр. 1546

يحتج به، أو يحتجون ببعض أنواعه؛ فهو مفهوم شرطٍ (١) ومفهوم صفة (٢)، وله عِدَّة أنواع معروفة تعرفونها في أصول الفقه. * قوله: (وَهُوَ مَفْهُومٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الأَكْثَرِ). فهو مفهوم موافقة (٣)، وهذا حُجة، وموضع اتفاق بين العلماء (٤)، ومفهوم المخالفة هو الذي يُشير إليه وإلى ضعفه. * فائدة: ومِن المآخذ التي يأخذها البعض على هذا الكتاب: أنه أحيانًا يناقش بعض المسائل مناقشةً عقليَّةً مع وجود الأدلة. والسبب في ذلك: أنه لم يكن ﵀ متمكِّنًا أو مُطَّلِعًا كثيرًا على الأدلة؛ فعمدته هو "الاستذكار" مع أن الكتاب يفصل القول بالنسبة للأدلة، لكن المؤلف قد تفوته أدلة؛ ولذلك تراه أحيانًا في بعض المسائل لو صح الحديث، وقد يكون الحديث في "الصحيحين"، فيقول: "لو ثبت دليلًا عن طريق النقل"؛ لذلك يُعنى أحيانًا بالأدلة العقلية؛ لأنه لم يقف على الأدلة النقلية.

стр. 1547

* قوله: (وَلَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الأَلِفَ وَاللَّامَ الَّتِي لِلْحَصْرِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الخِطَابِ فِي كَوْنِ حُكْمِ المَسْكُوتِ عَنْهُ بِضِدِّ حُكْمِ المَنْطُوقِ بِهِ) (١). * قوله: (المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي القُنُوتِ). هذه آخر مسائل هذا الفصل؛ والقنوت، له معانٍ، منها: طول القيام، كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] (٢). ومن معاني القنوت: الدعاء؛ ولذلك سمي الدعاء قنوتًا (٣). والقنوت في الصَّلاة: هو الدعاء فيها (٤).

стр. 1548

والقنوت قد يكون في الخير أو في الشر، لأنه دعاء، فقَدْ يُدعَى علَى فلان أو يُدعَى له، والرسول ﷺ دعَا لأناسٍ ودعا علَى آخَرِين (١). فقد ثبت أنه: "قنَتَ ﷺ شهرًا يدعو علَى حيٍّ من أحياء العرب ثم تركه" (٢). وفي حديث آخر: "قنت شهرًا يدعو علَى رِعْل وذَكْوان" (٣). وكذلك أيضًا "دعَا رسول اللَّه ﷺ علَى عُصَية" (٤). وأيضًا: "دعا ﷺ على الذين قتلوا القُراء في بئر معونة" (٥)، وهي مسألة مشهورة عند الفقهاء وغيرهم. واختلف العلماء في كونه يقنت في كل الصلوات، وفي صلاة الفجر خاصة، أو أنه لا يقنت في أي صلاةٍ، وأن ذلك كان في أول الأمر للحاجة إليه، ثم نزل علَى رسول اللَّه ﷺ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ

стр. 1549

شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١)؛ فترك ذلك؛ لأنه قنت شهرًا ثم تركه، لكن جاء في بعض الأحاديث أنه "ظل يقنت في صلاة الصبح" وهذا هو متمسك الشافعية كما سيأتي. إذًا، سيَمُرُّ معنا أنَّ مِن العلماء مَن يرى أنَّ القنوت في صلاة الصبح مشروع، وأنه باقٍ في أيِّ حالٍ مِن الأحوال، ومنهم مَن لا يرَى القنوت مطلقًا، ومنهم مَن يرَى أنَّ القنوت يُحتاج إليه عندما تنزل بالمسلمين نازلة، كأنْ يدهمهم عدوٌّ، أو يحل بهم مرض، أو غير ذلك مِمَّا ينزل بالمسلمين في حالٍ مِن الأحوال؛ فإنهم يلجؤون إلَى اللَّه ؛ إظهارًا لضعفهم، ولحاجتهم إليه سبحانه، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. * قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ القُنُوتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مُسْتَحَبٌّ (٢)، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ (٣)). هذه قضية مصطلحية، أي: اختُلف فيها اصطلاحًا، وإلا فعندما نقرأ في كتب الشافعية نجدهم يذهبون إلى الاستحباب، وعليهِ فيرَى مالك والشافعي أن القنوت مستحب في صلاة الصبح؛ إذًا كلمة "سُنة" وكلمة "مستحب" في هذا المقام واحد.

стр. 1550

* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ القُنُوتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ) (١). أيْ أنَّ القنوت غير مشروع، وهو يوافق الإمام أحمد (٢) وغيره، لكن الإمام أحمد يستثني مسألة وهي: إذا بعث الإمام الجيوش، فإنه يقنت، أو نزلت بالمسلمين نازلة فإنه يقنت (٣)، وهذا قول كثير مِن المُحَدِّثين، كإسحاق بن راهويه (٤) وغيرهما (٥). * قوله: (وَأَنَّ القُنُوتَ إِنَّمَا مَوْضِعُهُ الوَتْرُ). هذا لا خلاف فيه، أن يقنت الإنسان في الوتر (٦)، وكذلك في آخر

стр. 1551

رمضان؛ ولذلك سيعدد المؤلف هذه الأقوال التي سيذكرها المؤلف، أو يُومئ إليها، فهي خلافات في المذاهب وآراء داخلة. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْنُتُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قُنُوتَ إِلَّا فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ فِي النِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنْهُ). لا حاجة هنا لذكر الآراء، فبعضها في المذهب الحنبلي، وبعضها في الشافعي، وهذه كلها هي الأقوال الموجودة في المذاهب وبعضها أيضًا قال بها بعض المحدثين كما أسلفنا.

стр. 1552

* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ المَنْقُولَةِ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) (١). هذا هو أسلوب الأحاديث التي وردت في ذلك، ومن الآثار التي يُشير إليها أحاديث في "الصحيحين" أو في أحدهما. * قوله: (وَقِيَاسُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ (أَعْنِي: الَّتِي قَنَتَ فِيهَا عَلَى الَّتِي لَمْ يَقْنُتْ فِيهَا)، قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: وَالقُنُوتُ بِلَعْنِ الكَفَرَةِ فِي رَمَضَانَ مُسْتَفِيضٌ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّه ﷺ فِي دُعَائِهِ عَلَى رِعْلَ وَذَكْوَانَ، وَالنَّفَرِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ (٢)) (٣). الذين قتلوا القراء في بئر معونة (٤)، من المسائل المشهورة

стр. 1553

والمعروفة، كما أنه حصلت أيضًا قضية أُخرى فيما يتعلَّق بالقراء أيام حرب اليمامة، عندما اجتمع الصحابة عند أبي بكر وأشاروا عليه بجمع القرآن (١)، وتكرر ذلك في زمن عُمَر إلى أنْ استقر ذلك حتى الجَمْعة الأخيرة المعروفة التي استقرت في مصحف عثمان في زمنه، ومَن يدرس التاريخ التشريعي وعلوم القرآن يعرف ذلك تفصيلًا. * قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ). الليث بن سعد، هو صاحب "الرسالة"، وحصلت رسائل متبادلة بينه وبين الإمام مالك، ورسالته معروفة، وهو أيضًا أحد الأئمة الأجِلَّاء، ولكن الأئمة الأربعة خدَمهُم تلاميذهم، فدَوَّنُوا فقههم وحَفِظُوه، وأَصَّلوا أصوله، وخرَّجُوا على تلكم الأصول، وظلوا يخدمون تلك الآراء، أما الليث (٢)، وغيره، كالثوري، أو الأوزاعي لم يبقَ لهم تلاميذ يخدمون فِقْهَهُم. فالليث إمام الفقهاء والمُحَدِّثين في مصر قبل الإمام الشافعي، وله مكانة؛ فليس معنى اشتهار الأئمة الأربعة أن الفقه والعلم انحصر فيهم.

стр. 1554

* قوله: (مَا قَنَتُّ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا إِلَّا وَرَاءَ إِمَامٍ يَقْنُتُ (١)). وسبب ذلك حديث النبي ﷺ : "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (٢)، فالمتابعة في هذه الحالة مطلوبة. * قوله: (قَالَ اللَّيْثُ: وَأَخَذْتُ فِي ذَلِكَ بِالحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا أو أَرْبَعِينَ يَدْعُو لِقَوْمٍ وَيَدْعُو عَلَى آخَرِينَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه ﵎ عَلَيْهِ مُعَاتِبًا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فتَرَكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ القُنُوتَ، فَمَا قَنَتَ بَعْدَهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّه) (٣). هذا الذي ذكره عن الليث هي عدة أحاديث كثيرة متداخلة، بعضها في "الصحيحين" وبعضها في غيرهما، وكلها صحيحة، ولكن المؤلف جاء بجملتها. وهنا وقع الخلاف، فالشافعية والمالكية يتأولون ذلك، ويقولون: ترك القنوت في غير الصفة. والآخرون يقولون: بل ترك القنوت مطلقًا (٤).

стр. 1555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1556

* قوله: (قَالَ: فَمُنْذُ حَمَلْتُ هَذَا الحَدِيثَ، لَمْ أَقْنُتْ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى (٢). قَالَ القَاضِي: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي الأَشْيَاخُ أَنَّهُ كَانَ العَمَلُ عَلَيْهِ بِمَسْجِدِهِ عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ، وَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ إِلَى زَمَانِنَا أَوْ قَرِيبٍ مِنْ زَمَانِنَا). ويحيى بن يحيى من علماء الأندلس، وكان له مسجد ظل يُقنت فيه إلى وقت قريب من وقتهم، وحدثهم بهذا الأشياخ عن الأشياخ. * قوله: (وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وَخَرَّجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الظُّهْرِ، وَالعِشَاءِ الأَخِيرَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ" (٣). وَخَرَّجَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 1557

وَالسَّلَامُ: "أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى بَنِي عُصَيَّةَ" (١)). هناك دعاءان وردا في القنوت، فالأول سيذكره المؤلف، وقد أخذ به الإمام مالك، ويبدو أنَّ المؤلف إنما جاء به بالمعنى، وأنها رواية غير التي نعرفها، ربما -واللَّه أعلم- فقد تكون الروايات متعددة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَقْنُتُ بِهِ، فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ القُنُوتَ بِـ "اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ) (٢). لا شك أن الإنسان في هذه الحالة يطلب العون من اللَّه ويستغفره ويستهديه، وفي الحديث القدسي: "فاستهدوني أهدكم" (٣). * قوله: (وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَخْنَعُ (٤) لَكَ). لا شك أن في هذا الموقف التصديق والإيمان، والانقياد للَّه ، وإظهار الذل والخضوع له سبحانه.

стр. 1558

* قوله: (وَنُخَالِعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ) (١). أيْ: نترك مَن يعصيك ويلحد في أسمائك وصفاتك. * قوله: (اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ). ونحفد، أيْ: نسارع إليك في الطاعات، وأصل الحفد كما يقوله أهل اللغة إنما هو الجد في العمل والخدمة (٢) فَهُم يُسَارعون في طاعة اللَّه ، ويتسابقون إلى ذلك؛ عملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. * قوله: (نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخَافُ عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ بِالكُفَّارِ مُلْحِقٌ (٣) "). كلمة "ملحق" فيها تحقيق لذلك، لكن يحتمل معناها الغفران أو التعذيب، لكنها في هذا المقام على نحو ما ذكرنا، وهي اسم فاعل. * قوله: (وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ العِرَاقِ السُّورَتَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (٤)) (٥).

стр. 1559

ذلك لأنه يُذكر أنها كانت مكتوبة في مصحف أُبَيٍّ، وأنها تبتدئ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١)، ونُقل ذلك عن عمر ﵁ (٢). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَإِسْحَاقُ (٤)). وأحمد (٥)، فلا يتصور البعض بقول الإمام أحمد أنه لا يري القنوت إلَّا إذا نزلت نازلة فحسب، بل هو يرى القنوت في رمضان كما بينَّا قبلُ، ويرى القنوت في الوتر، ففي هذه الحالات يدعو بهذا الدعاء، وكذلك أكثر العلماء.

стр. 1560

* قوله: (بَلْ يَقْنُتُ بِـ "اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، تبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ"). جاء هذا الدعاء بألفاظٍ متعددة، وروايات كثيرة، وهذا من ضمنها. وقد اختاره الإمام مالك (١)، وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢)، وقال: "إسناده صحيح". وهو مَرْوِيٌّ أيضًا من طريق عمر (٣). * قوله: (وَهَذَا يَرْوِيهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَلَّمَهُ هَذَا الدُّعَاءَ يَقْنُتُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ دَاوُدَ: مَنْ لَمْ يَقْنُتْ به بِالسُّورَتَيْنِ فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ (٤)). أما هذا الثاني فقد أخرجه بعض أصحاب السنن (٥)، وأحمد (٦)، وهو أيضًا حديث صحيح. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِي القُنُوتِ شَيءٌ مَوْقُوتٌ) (٧).

стр. 1561

قصد هؤلاء أنه ليس هناك شيء محدد من الدعاء كما هو الحال في دعاء يوم عرفة: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللَّه. . . " (١)، بل يُدعى بما يناسب الوضع، كما في الأدعية الكثيرة التي يقولها الإنسان في الطواف، أو السعي، حيث يذكر أدعية متعددة مما قد يخطر على بال الإنسان مما يناسب ذلك المقام. وهذا القول الذي ذكره المؤلف هو الأقرب، فليس هناك دعاء يجب علَى الإنسان أن يلتزم به، ولكن لا شك أن الإنسان يأخذ بمثل هذه الأدعية التي وردت، وله أن يضيف عليها، ولقد أضاف العلماء كثيرًا مِن الأدعية، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في الأدعية وخصص علماء الحديث أبوابًا نقلوا فيها تلك الأحاديث، فكل ما فيه خير للإنسان وسعادة له في أمر دينه ودنياه فإنه يذكره في مثل هذا المقام. ولا شك أن القنوت -كما أسلفنا- إنَّما هو لجوء إلَى اللَّه فالمسلمون إنما يلجؤون إليه للحاجة؛ فلذلك شُرع، وأقل أحواله أن يكون إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وليس معنى هذا أنه لو قام إنسان وقنت في الصبح فيقال أخطأ وخرج عن المشروع؛ لأنه قد وردَتْ أدلةٌ كما مرَّ معنا، وكيف أن العلماء جمعوا بينها.

стр. 1562

(الفَصْلُ الثَّانِي: فِي الأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانٌ) انتقل المؤلف من الأقوال إلى الأفعال، أي: الأمور التي يفعلها الإنسان في الصلاة، مثل: الركوع والرفع منه، ورفع اليدين، وضعهما على الركبتين، والسجود، وسائر أفعال المصلي في صلاته، لكن المؤلف هنا لا يعرض لكل مسائل الأفعال، وإنما هو يذكر قواعد في الأبواب. * قوله: (وَفي هَذَا الفَصْلِ مِنْ قَوَاعِدِ المَسَائِلِ ثَمَانِ مَسَائِلَ). هو اختار مسائل سماها "قواعد"؛ فهي الأسس التي تُرد إليها بقية المسائل الفرعية، لأن هناك مسائل كبرى، ومسائل صغرى، فإذا ربطت هذه المسألة بالأصول؛ حينئذ لا ضير بالتمسك بفروعها، فإن استُطِيعَ التمسك بالأصول؛ خَفَّ وسَهُل الإلمام بالفروع وردها. ولذلك شبهوا ذلك بالسُّبحة أو العقد، فكل ما له أصل يوجد تحته فروع تجمع وتُرد للأصل، كما يقال "جمع شتات المذاهب"؛ فتُلَم متفرقاتها في الحكم الواحد؛ ولهذا فكثيرًا ما بيَّنَّا أن بعض العلماء يطلق على هذا الكتاب "القواعد"، وكثيرًا ما يقول الإمام العيني: "وذكر ابن رشد الحفيد في كتابه القواعد" (١)، وأحيانًا يسمي، ويقول: "المسألة الأولى. . . "، وربما كان هو السبب في كون هذا الكتاب جاوَز أكثر من ثلاثين سنة ولا يزال يدرَّس في الجامعة؛ لأننا لن نجد كتابًا يلتقي عليه مذاهب متعددة مثله.

стр. 1563

* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ). * فائدة: اهتم العلماء بوضع القواعد؛ لأنها لم تكن مُدوَّنة إلا في أواخر القرن الثالث، وبزغَت في القرن الرابع، حتى بلغَتْ مجدها في القرن الثامن؛ فظهرت كتب القواعد، واتضحت معالمها، وعرفت حدودها، ثم بعد ذلك فرَّع العلماء عليها ودقَّقوا، ولكنهم لمَّا رأوا ضعف الهمم، وانصراف طالب العلم عن الحفظ والعناية بالمسائل؛ دفعهم ذلك إلى العناية بوضع القواعد الفقهية، لتربط الفقيه بأصول المسائل، وتُطلعه على المذاهب. ولذلك، فكتب القواعد مهمة جدًّا لدارس الفقه، ولا يستغنى عنها؛ لأنها في نفس الوقت كالأصول، لأن الدارس عندما يدرس المقارنة بين المسائل في مذاهب كبرى يستطيع أن يعرف أي الآراء المذهبية يسلك. أما مسألة رفع اليدين في الصلاة، فمن المسائل المهمة التي قد يظن البعض أن غاية ما قاله العلماء فيها إنها سُنة؛ فلماذا ينشغل الناس بهذا كثيرًا؟ نعم، إنها سنة، ولكننا في هذه الحياة لا نسعى لتحصيل الفضل فحسب، بل لنتعب، لعلَّ اللَّه يهبنا ثوابًا جزيلًا. ورفع المصلي يديه يتكرر في الصلاة بتكرُّر الصلوات؛ الفرض منها والنفل، وهناك مواضع مُتَّفَق عليها، كرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام (١)، وهناك مواضع مختلَف فيها، كالرفع من الركوع (٢).

стр. 1564

والناس يتفاوتون في الحياة، فمنهم مَن تشغله بعض أمور دنياه؛ فتصرفه عن آخرته، ومنهم مَن يُقبِل على اللَّه بقلبه؛ فمن إقباله على اللَّه أن يتقرب إليه بالنوافل، "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها. . . " (١).

стр. 1565

ومما يدل على أهميه مسألة رفع اليدين في الصلاة: أن الإمام البخاري ﵀ قَلَّ أنْ يجمع أحاديث في مسألة، ومع ذلك فقد عني برفع اليدين، وكتب فيها ليثبت ذلك، وكتابته إنما جاءت إثباتًا عن طريق الأدلة الصحيحة (١). واعتنى غيره من العلماء بها كذلك فدل ذلك على أهميتها. وتُرفع اليدان حذو المنكبين أو إلى الأذنين كِلَا القولين صحيح، ولكن معظم العلماء (٢) يذهبون إلى القول الأول، أي: رفعهما إلى المنكبين؛ لأن حديث "الصحيحين" (٣) ورد بذلك.

стр. 1566

وخالف الحنفية (١) في هذا، فيذهبون إلى رفعهما إلى الأذنين؛ اعتمادًا على الحديث في "صحيح مسلم" (٢) وغيره، فلا يجوز حينئذٍ الإنكار على المخالف؛ فلكلٍّ دليله مِن سُنة رسول اللَّه ﷺ . واختلفوا كذلك في مواضع رفع اليدين في الصلاة على ثلاثة مواضع: ١ - عند افتتاح الصلاة. ٢ - وعند الركوع. ٣ - وعند الوقوف. * قوله: (فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: فِي حُكْمِهِ). أيْ: حُكم الرفع، وهذا مما يدل على أن مسائل هذا الكتاب من المسائل الكبرى، إذْ ذكر فيه الفروض، وضم إليها هذه المسألة. والمواضع: أولًا: حكم رفع اليدين في الصلاة. ثانيًا: المواضع التي ترفع الأيدي في الصلاة.

стр. 1567

ثالثًا: الحد الذي يرفع إليه المصلي يديه. فهذه ثلاث مسائل، ولكنها مسائل صُغرى تحت مسألة كبرى. * قوله: (وَالثَّانِي: فِي المَوَاضِعِ الَّتِي تُرْفَعُ فِيهَا مِنَ الصَّلاةِ. وَالثَّالِثُ: إِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِرَفْعِهَا). * فائدة: كما قلنا إن الكتاب عليه بعض المآخذ، فعلينا ذِكر بعض المميزات، فمن مزاياه أنه لم يُسبق إلى حُسن هذا الترتيب، وكما قلتُ من قبل إنَّ كثيرًا مِمَّن كتبوا في الدراسات الحديثة استفادوا كثيرًا من هذا الكتاب؛ لأنه يؤسس، ثم بعد ذلك يفصِّل، ثم بعد ذلك يبدأ في دراسة المسألة. وبعض المسائل يعطيها حقها، كما في "قراءة القرآن في الركوع" (١)، فهو في كل مسألة يدرسها دراسة محرَّرَة ينتهي فيها إلى الترجيح؛ نجد أنه

стр. 1568

يستوفي القول فيها، وهذا الغالب عليه، ولا شك أنه معذور في هذا؛ لأن وضْع كتابه يقتضي الإجمال. * قوله: (فَأَمَّا الحُكْمُ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ) (١). يذكر هنا الفرع الأول من المسألة، وهو حكم رفع اليدين في الصلاة، وذهب إلى أنه سُنة، لكن العلماء يختلفون في المواضع التي يتم فيها الرفع؛ إذًا لا يقولون بالوجوب. وهناك مَن يقول بالوجوب كما سيذكُر، وذلك عند تكبيرة الإحرام، وقد نُقِل ذلك عن الحُمَيْدِي شيخ البخاري (٢)، وأحمد بن السري (٣)، ولو قلنا بهذا؛ فالمخالف عليه وِزر. * قوله: (وَذَهَبَ دَاوُدُ (٤) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ).

стр. 1569

لكن داود يُعمِّم، لكنه -كما ذكر ابن عبد البر- قال: لم يقل لأحد هؤلاء الذين يقولون بالوجوب؛ فالمسلم عنده لو لم يرفع يديه بَطلت صلاته (١). فهم لا يقولون ببطلان الصلاة، لكن يؤكدون عليها؛ فالمسلم -بحمد اللَّه- لا تلحقه مشقة، كما قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فنحن مطالبون بأنْ نستجيب لأوامر اللَّه وأوامر رسوله، ومُطالَبون أيضًا بأن نقتدي بمنهج رسول اللَّه -عليه أفضل الصلاة والسلام- القائل: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، فكما رفع يديه في مواضع؛ فما أحسَن أن نرفع أيدينا فيها. أمَّا دعوة أن ذلك لم يرد في حديث المسيء (٣)، فكثير من أحكام الصلاة لم ترد فيه كذلك، فلو وقفنا عند هذا الحديث؛ لعطَّلنا كثيرًا مِن أحكام الصلاة، وقد سبق أن أقمنا حُجَّةً على الحنفية في قولهم بعدم وجوب التشهد؛ لأنهم يرون وجوب الجلوس بقدر التشهد، وهذا مِمَّا لم يَرِد في حديث المسيء، كما أقمنا الحُجة أيضًا علَى المالكية؛ لأنهم قالوا بوجوب التسليم، والتسليم ليس موجودًا في حديث المسيء، وليس معنى هذا أن يُنسَب لإمام رأيٌ، ويكون رأيه مرجوحًا ويخالفه غيره، فهذا الإمام يكون قد تغيَّر، فهو له وجهة نظر، وقد يكون له دليل، وقد يكون دليل غيره أقوى منه، فهذه مسائل طويلة جدًّا، وهناك من كتب فيها.

стр. 1570

* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا أَقْسَامًا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ فَقَطْ). وهنا لم يعارضهم المؤلف؛ لأن كتابه مُجمَل ومُقنَّن، لا يتطرق إلى كل الجزئيات، ولا حرج من وراء هذا الغرض الذي وضعه المؤلف. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ (١)، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ (٢)، أَعْنِي: عِنْدَ الِانْحِطَاطِ فِيهِ، وَعِنْدَ الِارْتِفَاعِ مِنْهُ).

стр. 1571

والاستفتاح، أي: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، أي: عند الهوي إلى الركوع فيرفع يديه، وأيضًا عندما يرفع رأسه منه، وهناك تفصيلات؛ مِمَّا يدُلُّ أنَّ المؤلِّف لا يتتبَّع جزئيات العلماء، حيث تكلموا أيضًا فيما لو رفع يديه ممدودتا الأصابع أو غير ذلك؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث أن الرسول كان يمدهم مدًّا. وجاء عند الشافعية ممدودة الأصابع، وعند الحنابلة بضم الأصابع. وهكذا أيضًا في المسائل الأخرى هناك جزئيات كبيرة لا يتعرض لها المؤلف، لكنها ليست في الأهمية كأهمية رفع اليدين نفسها، كونك مثلًا تمد يديك مستقيمة أو تفردهما أو تضم الأصابع، فهذه الجزئيات الخلاف فيها أخف من الخلاف في الأصل. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فِي هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ، وَعِنْدَ السُّجُودِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يُرْفَعُ فِيهَا). مِن المواضع المعروفة كما بينَّا سابقًا، والتي وردت فيها أدلة صحيحة ثابتة: - عند تكبيرة الإحرام، وقد ورد في ذلك حديث عبد اللَّه بن عمر (١). - وعند الركوع، والرفع منه، وورد في ذلك حديث صحيح "أن الرسول ﵊ رفعَهُما عندما قام من التشهد الأول من السجدتين" (٢). إذًا، فهذه أربعة مواضع ينبغي أن نحافظ عليها، ونرفع اليدين فيها؛ اقتداءً برسول اللَّه ﷺ ، ولا شك أنَّنا نسعى إلى الاقتداء به ﷺ .

стр. 1572

* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ تَعْلِيمُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ لِفِعْلِهِ ﵊ وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَكَبِّرْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِرَفْعِ يَدَيْهِ). هذا ردٌّ عليه أن ذلك الحديث مقْتصر على الفرائض، والصحيح أنه مقتصر على بعض الفرائض لا كل الفرائض؛ فكيف نجعله حجة في عدم ثبوت رفع اليدين، مع أن القول في ذلك أنه سُنة؟ يقال لهم: احتجوا مع الذين يقولون بالوجوب، أمَّا أن تحتجوا به على الذين يقولون بسُنيته، فهذا احتجاج في غير محله، وقد وردت أحاديث كثيرة جدًّا في "الصحيحين" كلها تُثبت الرفع. * قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: "أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" (١)، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي تُرْفَعُ فِيهَا، فَذَهَبَ أَهْلُ الكُوفَةِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ فُقَهَائِهِمْ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ المُصَلِّي يَدَيْهِ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ فَقَطْ). هؤلاء الذين كانوا يسمونهم بـ "مدرسة العراق"، حيث كان هناك مدرستان: "مدرسة الحجاز"، ويمثلها الإمام مالك، و"مدرسة العراق"، ويقال لها: "مدرسة أهل الرأي". وسفيان الثوري من رواة الأحاديث، ومن الأئمة الذين لا يقل

стр. 1573

درجتهم عن الإمام أبي حنيفة، ومن تلاميذ أبو حنيفة: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. * قوله: (وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (١)، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤) وَجُمْهُورُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٥) إِلَى الرَّفْعِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ). أبو ثور ينسبه البعض إلى الشافعي، ولكنه أيضًا من العلماء المجتهدين الذين لهم رأي، فلا إشكال أنَّ أتباع الأئمة لهم آراء، كأبي يوسف -مثلًا- لم يوافق أبا حنيفة في كل شيء، بل له آراء انفرد بها، وكذلك محمد بن الحسن الذي يُعدُّ صاحب الفضل الأكبر في هذا المذهب، حيث دَوَّن مسائله وعني به؛ ولذلك فكتُبهُ تأتي في المقدمة، ومع ذلك فقد خالف إمامَهُ في بعض المسائل، لأن هذا الخلاف الذي كان يقصده ينتهي إلى وفاق لا إلى اختلاف، ولم يكن خلافًا من أجل الشهرة، ولكن لأنه ظهر له الحق، وقد يكون الحق مع الإمام، إذًا، فكلهم يريدون الحق.

стр. 1574

* قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ بَعْضِ أُولَئِكَ فَرْضٌ، وَعِنْدَ مَالِكٍ سُنَّةٌ) (١). فهو سُنة عند مالك وحده، أما غيره فلم يقل أحد مِن الأئمة الثلاثة بالفرضية، حتى وإنْ اقتصر أبو حنيفة (٢) على تكبيرة الإحرام إلا أنه لم يقل أحد بأنها ركن أو واجب. * قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ إِلَى رَفْعِهَا عِنْدَ السُّجُودِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ. وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ كُلِّهِ اخْتِلَافُ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمُخَالَفَةُ العَمَلِ بِالمَدِينَةِ لِبَعْضِهَا). عمَلُ أهل المدينة (٣) كان معروفًا وقتئذٍ أنه هو الحُجة عند المالكية؛ لأنها كانت دار الهجرة، ومقر رسول اللَّه ﷺ ، وقد تجمَّع الصحابة فيها، ومنها خرجوا وإليها عادوا؛ إذًا، فهذه الأمور التي نراها في الكيل أو الوزن أو في بعض المسائل أخذوها عن الجيل الذي قبلهم من أهل المدينة ﵃. لأن الذين يخالفون يرون أن العلم ليس مقصورًا فقط على أهل المدينة، فالصحابة تفرَّقُوا، منهم مَن ذهب إلى البصرة، ومنهم من ذهب إلى الكوفة، ومنهم من ذهب إلى مكة، وكذلك إلى الطائف، وكل منهم

стр. 1575

يحمل عِلمًا عن الرسول ﷺ ؛ ولذلك قد نجد هنا آراء فقهية متعددة، حتى إنَّ الإمام الشافعي ﵀ دوَّن مذهبَيْهِ الجديد والقديم في العراق، ووقف على أدلةٍ لم يُقَف عليها، وليس معنى هذا أن كلَّ ما دوَّنه كان خطأً، بل توجد مسائل في القديم أقوى أدلةً من الجديد، وينص عليها بعض محققي الشافعية، لكن الإمام الشافعي وجَدَ مدرسةً أيضًا في مصر تستند إلى كثيرٍ من الأدلة، وأخذ عنها وروَى. كذلك مِن الصحابة مَن سافر إلى الشام ليأخذ حديثًا واحدًا بلَغهُ أنَّ أحَدَ الصَّحابة حفظه عن رسول اللَّه، وهذا ثابت في "صحيح البخاري" (١). كذلك فعل كل الأئمة، فالشافعيُّ -مثالًا- كم مرة دخل العراق، وذهب إلى مكة، وكان يلقي دروسه فيها، وكان الإمام أحمد يأخذ بيد إسحاق ليستمع إلى هذا، وكان كثيرًا يدعو للشافعي (٢) وسافر الإمام أحمدُ

стр. 1576

نفسه إلى اليمن (١)، وتنقل هنا وهناك؛ كل ذلك دليل رواية الحديث، وجمع المسائل، والأخذ عن العلماء؛ لأن العلم لا يكفي فيه الأخذ عن كتاب واحد. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ، أَحَدُهَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبِ "أَنَّهُ كانَ ﵊ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الإِحْرَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً لا يَزِيدُ عَلَيْهَا") (٢). جاء في أحاديث عن الرسول ﷺ أنه رفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وما عاد إلى رفعهم، ولكن بعض العلماء كالإمام النووي في "المجموع" لخص فيه ما جاء في كتاب البخاري، والإمام النوويُّ -كما هو معلوم- من العلماء المحققين الذين أعطاهم اللَّه قُدرةً على التأليف والتحقيق، وممن علموا بفقه الحديث، فهو مِمَّن صحَّح الحديث، واهتم بهذه المسائل، وكذلك الإمام ابن قدامة في كتابه "المغني". * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا أَيْضًا كَذَلِكَ). المؤلف عادة يأتي بالحديث كاملًا. * قوله: (وَقَالَ: "سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وكانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ (٣)، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ). نعم، اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر، وقد

стр. 1577

أثبت ذلك في مواضع ثلاثة، والحديث: "إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع رفعهما، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما، وقال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد" (١). * قوله: (وَزَعَمُوا أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ) (٢). كلمة "زعموا" لا يقصد بها أحيانًا الزَّعم الذي لا يُبنى على دليل، لكن المعنى أن العدد قد يكون أكثر من خمسين. ومن الذين روى عنهم: العشرة المبشرين بالجنة، وهذا أمر اشتهر وعُرف بين الصحابة. * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَفيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ "أَنَّهُ كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ السُّجُودِ" (٣)). حديث وائل بن حجر تكلَّم عنه العلماء من حيث السند؛ لأنه من رواية عبد الجبار بن وائل بن حجر، وهو لم يسمع عن والده فيكون الحديث منقطعًا (٤).

стр. 1578

* قوله: (فَمَنْ حَمَلَ الرَّفْعَ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ أَوْ فَرِيضَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى الإِحْرَامِ فَقَطْ تَرْجِيحًا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِمُوَافَقَةِ العَمَلِ بِهِ). رفع اليدين إنما هو واجب، وهذا قول ضعيف يُعتبر. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ). لا شك أن الأخذ بحديث عبد اللَّه بن عمر هو الأولَى؛ لأنه في "الصحيحين"، وقد جاءت أيضًا أحاديث أُخرى مؤيِّدة له، وجاءت أخبار كثير من الصحابة على رفع ذلك. * قوله: (فَرَأَى الرَّفْعَ فِي المَوْضِعَيْنِ (أَعْنِي: فِي الرُّكُوعِ وَفِي الِافْتِتَاحِ لِشُهْرَتِهِ)، وَاتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَيْهِ). يقصد عند الركوع والرفع منه. * قوله: (وَمَنْ كانَ رَأْيُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرَّفْعَ فَرِيضَةٌ، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الفَرِيضَةِ، وَمَنْ كانَ رَأْيُهُ أَنَّهُ نَدْبٌ، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ الزِّيَادَاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، فَإِذًا العُلَمَاءُ ذَهَبُوا فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَيْنِ: إِمَّا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَإِمَّا مَذْهَبَ الجَمْعِ). هذه مذاهب يسلكها المحذثون، فيتطلب معرفة السابق من اللاحق، أو المتقدم والمتأخر، فهناك مذهب الترجيح، وهناك مذهب الجمع، ولا شك أن مذهب الجمع هو أشهر هذه المسالك؛ لأنه يُمكِّن من الأخذ بجميع الأدلة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي حَمْلِ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ عَلَى النَّدْب أَو الفَرْضِ؟ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي قُلْنَاهُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَرَى الأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ ﷺ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ).

стр. 1579

فمحل الخلاف عن الأصوليين هو أن أفعال رسول اللَّه ﷺ تُحمل على الوجوب أم لَا (١)؟ * قوله: (وَمِنْهمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الأصْلَ أَنْ لَا يُزَادَ فِيمَا صَحَّ بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ مِنْ قَوْلٍ ثَابِتٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا، وَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ الشَّيْءِ الوَاحِدِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ).

стр. 1580

أفعاله ﵊ هل تُحمَل على الوجوب أم لا (١)؟ نحن نعرف أن الأصل في الأمر عندما يُطلق؛ فيُحْمَل على الوجوب ما لم تأتِ قرينةٌ تدلُّ على صَرْفِه عن الوجوب، وهذا بالنسبة إلى الأوامر. فأفعاله ﵊ في الصلاة يسندها حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، ولعلنا نفصل القول في كون الحديث على إطلاقه أم لا، وكون الأمر هنا واجب أم لا، وكل ذلك يحتاج لأدلة أُخرى. * قوله: (وَأَمَّا الحَدُّ الَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ اليَدَانِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلى أَنَّهُ المَنْكِبَانِ، وِبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلى رَفْعِهَا إِلَى الأُذُنيْن، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَذهَب بَعْضُهُمْ إِلَى رَفْعِها إِلى الصَّدْرِ، وَكلُّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا أنَّ أَثْبَتَ مَا فِي ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ الجُمْهُورُ). هناك قولان مشهوران في ذلك: الأول: رفع اليدين إلى المنكبين (٣). وقد قال به جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه. والثاني: إلى فروع الأذنين، والدليل حديث مالكٍ في "صحيح مسلم". فالقولان صحيحان، لكن الذين يأخذون برفع اليدين حذو المنكبين يقولون بأن دليله أقوى، وإن كان الكل صحيحًا كما قلنا. * قوله: (وَالرَّفْعُ إِلَى الأُذُنَيْنِ أَثْبَتُ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى الصَّدْرِ وَأَشْهَرُ). فالرفع إلى المنكبين أو الأذنين.
следующие страницы →