← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

نفسه إلى اليمن (١)، وتنقل هنا وهناك؛ كل ذلك دليل رواية الحديث، وجمع المسائل، والأخذ عن العلماء؛ لأن العلم لا يكفي فيه الأخذ عن كتاب واحد. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ، أَحَدُهَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ بْنِ عَازِبِ "أَنَّهُ كانَ ﵊ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الإِحْرَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً لا يَزِيدُ عَلَيْهَا") (٢). جاء في أحاديث عن الرسول ﷺ أنه رفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وما عاد إلى رفعهم، ولكن بعض العلماء كالإمام النووي في "المجموع" لخص فيه ما جاء في كتاب البخاري، والإمام النوويُّ -كما هو معلوم- من العلماء المحققين الذين أعطاهم اللَّه قُدرةً على التأليف والتحقيق، وممن علموا بفقه الحديث، فهو مِمَّن صحَّح الحديث، واهتم بهذه المسائل، وكذلك الإمام ابن قدامة في كتابه "المغني". * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا أَيْضًا كَذَلِكَ). المؤلف عادة يأتي بالحديث كاملًا. * قوله: (وَقَالَ: "سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وكانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ (٣)، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ). نعم، اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر، وقد

стр. 1577

أثبت ذلك في مواضع ثلاثة، والحديث: "إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع رفعهما، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما، وقال: "سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد" (١). * قوله: (وَزَعَمُوا أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ) (٢). كلمة "زعموا" لا يقصد بها أحيانًا الزَّعم الذي لا يُبنى على دليل، لكن المعنى أن العدد قد يكون أكثر من خمسين. ومن الذين روى عنهم: العشرة المبشرين بالجنة، وهذا أمر اشتهر وعُرف بين الصحابة. * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَفيهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ "أَنَّهُ كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ السُّجُودِ" (٣)). حديث وائل بن حجر تكلَّم عنه العلماء من حيث السند؛ لأنه من رواية عبد الجبار بن وائل بن حجر، وهو لم يسمع عن والده فيكون الحديث منقطعًا (٤).

стр. 1578

* قوله: (فَمَنْ حَمَلَ الرَّفْعَ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ أَوْ فَرِيضَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى الإِحْرَامِ فَقَطْ تَرْجِيحًا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِمُوَافَقَةِ العَمَلِ بِهِ). رفع اليدين إنما هو واجب، وهذا قول ضعيف يُعتبر. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ). لا شك أن الأخذ بحديث عبد اللَّه بن عمر هو الأولَى؛ لأنه في "الصحيحين"، وقد جاءت أيضًا أحاديث أُخرى مؤيِّدة له، وجاءت أخبار كثير من الصحابة على رفع ذلك. * قوله: (فَرَأَى الرَّفْعَ فِي المَوْضِعَيْنِ (أَعْنِي: فِي الرُّكُوعِ وَفِي الِافْتِتَاحِ لِشُهْرَتِهِ)، وَاتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَيْهِ). يقصد عند الركوع والرفع منه. * قوله: (وَمَنْ كانَ رَأْيُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرَّفْعَ فَرِيضَةٌ، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الفَرِيضَةِ، وَمَنْ كانَ رَأْيُهُ أَنَّهُ نَدْبٌ، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَقَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُجْمَعَ هَذِهِ الزِّيَادَاتُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، فَإِذًا العُلَمَاءُ ذَهَبُوا فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَيْنِ: إِمَّا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَإِمَّا مَذْهَبَ الجَمْعِ). هذه مذاهب يسلكها المحذثون، فيتطلب معرفة السابق من اللاحق، أو المتقدم والمتأخر، فهناك مذهب الترجيح، وهناك مذهب الجمع، ولا شك أن مذهب الجمع هو أشهر هذه المسالك؛ لأنه يُمكِّن من الأخذ بجميع الأدلة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي حَمْلِ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ عَلَى النَّدْب أَو الفَرْضِ؟ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي قُلْنَاهُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَرَى الأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ ﷺ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ).

стр. 1579

فمحل الخلاف عن الأصوليين هو أن أفعال رسول اللَّه ﷺ تُحمل على الوجوب أم لَا (١)؟ * قوله: (وَمِنْهمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الأصْلَ أَنْ لَا يُزَادَ فِيمَا صَحَّ بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ مِنْ قَوْلٍ ثَابِتٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَنَّهُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مِنْ قَوْلِنَا، وَلَا مَعْنَى لِتَكْرِيرِ الشَّيْءِ الوَاحِدِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ).

стр. 1580

أفعاله ﵊ هل تُحمَل على الوجوب أم لا (١)؟ نحن نعرف أن الأصل في الأمر عندما يُطلق؛ فيُحْمَل على الوجوب ما لم تأتِ قرينةٌ تدلُّ على صَرْفِه عن الوجوب، وهذا بالنسبة إلى الأوامر. فأفعاله ﵊ في الصلاة يسندها حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، ولعلنا نفصل القول في كون الحديث على إطلاقه أم لا، وكون الأمر هنا واجب أم لا، وكل ذلك يحتاج لأدلة أُخرى. * قوله: (وَأَمَّا الحَدُّ الَّذِي تُرْفَعُ إِلَيْهِ اليَدَانِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلى أَنَّهُ المَنْكِبَانِ، وِبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلى رَفْعِهَا إِلَى الأُذُنيْن، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَذهَب بَعْضُهُمْ إِلَى رَفْعِها إِلى الصَّدْرِ، وَكلُّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا أنَّ أَثْبَتَ مَا فِي ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَعَلَيْهِ الجُمْهُورُ). هناك قولان مشهوران في ذلك: الأول: رفع اليدين إلى المنكبين (٣). وقد قال به جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بحديث عبد اللَّه بن عمر المتفق عليه. والثاني: إلى فروع الأذنين، والدليل حديث مالكٍ في "صحيح مسلم". فالقولان صحيحان، لكن الذين يأخذون برفع اليدين حذو المنكبين يقولون بأن دليله أقوى، وإن كان الكل صحيحًا كما قلنا. * قوله: (وَالرَّفْعُ إِلَى الأُذُنَيْنِ أَثْبَتُ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى الصَّدْرِ وَأَشْهَرُ). فالرفع إلى المنكبين أو الأذنين.

стр. 1581

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ مِنَ الرُّكُوعِ وَفي الرُّكُوعِ غَيْرُ وَاجِبٍ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "هُوَ وَاجِبٌ" (٢)). * فائدة: هنا قضية مهمة؛ معلومٌ أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، بل هي الركن الثاني مِن أركان الإسلام، وقد أمر اللَّه بالمحافظة عليها، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، إلى أن قال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٧٨]. أيضًا هناك أدلة كثيرة في السنة بيَّنَتْ مكانة الصلاة وأهميتها، والمبالغة في العناية بها في كل حالٍ مِن أحوالها. وعلى ما تقدَّم يتبين أهمية الخشوع فيها، وهذا لا يحصل إلا بالاطمئنان، الذي يدل على خشوع قلب المؤمن، وعلى سكون فؤاده، وعلى تأثره بهذه الصلاة؛ ولذلك لا ينبغي للإنسان في صلاته أن يسرقها، لأن مَن يُسارع في ركوعه وسجوده إنما هذا هو أبلغ أنواع السرقة، كما جاء في الحديث، وكذلك أيضًا جاء في حديث المسيء أنَّ الرسول ﷺ قال له: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" (٣).

стр. 1582

وقد اختلف العلماء (١) في هذه المسألة، مع أن الأولَى ألَّا يحصل فيها خلاف؛ لأن الذين يقولون بالاطمئنان يرون أنه ركن من أركان الصلاة، ومعنى كونه ركنًا أنَّ الصلاة إنْ فُقِدَ الاطمئنان في ركوعها وسجودها، فسدت، ومَن يرى أنهما ليسا بركنين؛ فإنه يرى صحة الصلاة، بل إن من هؤلاء من قال: "لو حط من الركوع إلى السجود لصحت صلاته"، واستدلوا بأن اللَّه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فاللَّه أمر بالركوع والسجود، ولم يأمر بالاطمئنان فيهما؛ فعدوا هذا دليلًا على أن الواجب هو الركوع والسجود، فمن قام وركع ورفع وسجد ورفع كل هذا مسرعًا؛ يكون قد أدى الواجب؛ لأنه أدى أقل ما يسمونه واجب! لكن جمهور العلماء ردوا عليهم بأنها دعوى غير مسلَّمة؛ لأنه ورد نصٌّ عن الرسول ﷺ صريح في ذلك، في حديث المسيء عندما قال الرسول ﷺ لذلك الرجل الذي صلى ثلاثًا، فبِمَا يحسن صلاته: "إذا قمت

стр. 1583

إلى الصلاة فاستقبل القبلة ثم كبر" (١)، وفي روايةٍ أُخرى: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر مما معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" (٢)، والاعتدال هو الاطمئنان، أيْ: يعود كل عضو إلى حالته السابقة، "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا" (٣). إذًا، هذا نصٌّ صريح في هذه المسألة. وثبت في الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤)، والنسائي (٥)، والترمذي (٦) من حديث أبي مسعود البدري، أنَّ الرسول ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود"، وإقامة الظَّهر في الركوع والسجود إنما هي علامة الاطمئنان؛ لأن الإنسان لو سارع لا يمكن أن يطمئن أن يقيم ظهره لا في ركوع ولا في سجود؛ لأنه يركع ويرفع ويسجد ويرفع؛ فهذا لا يقيم ظهره. وعليه فكلاهما دليلان على أن الاطمئنان مُتعيِّن، أما بالنسبة للآية وهي قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فالواقع أنها حُجة للجمهور، وليس حجة للحنفية ومَن معهم؛

стр. 1584

لأنَّ اللَّه أمر بالركوع والسجود، وبيَّن سبحانه في آيةٍ أُخرى قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال أيضًا في آية أُخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والبيان يكون في سُنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فهِيَ تُبَيِّن مَا أَجمَلَه القرآن، وهي أيضًا تُقيِّد ما أطلقه، وتخصص عمومه، وتوضح ما ورد فيه من إجمال، تأتي السنة أحيانًا موافِقةً لنص القرآن؛ فتلتقي معه في الحُكْم، وقد تزيد على ذلك بيانًا، وربما تأتي بأحكامٍ لم ترِدْ أيضًا في القرآن، وقد ذكرنا ذلك في مناسبات عدةٍ تقدمت، كالجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها (١)، فهذه لم ترد في القرآن، ولكنها جاءت في السنة. إذًا، المسلمون مُطالَبون بأن يعمَلُوا بسنة رسول اللَّه ﷺ ، وهو القائل: "ألَا إني أُوتِيتُ القرآن ومثله معه" (٢). إذًا، سُنة الرسول بيَّنَت المراد بالركوع والسجود؛ فنحن عندما نأتي لتطبيق صفة صلاة رسول اللَّه ﷺ التي رواها جمعٌ غفير من الصحابة، نجد أن جميع الذين حكَوْها بيَّنُوا أنَّ الرسول ﷺ كان يطمئن في ركوعه، وفي سجوده، بل في كل أحوال صلاته، ويقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣)، وبيَّن أيضًا في حديثٍ آخَر "أنَّ من لم يطمئن في ركوعه وسجوده فإن هذه أبشع السرقات" (٤).

стр. 1585

إذًا، الاطمئنان في الصَّلاة رُكْن، وينبغي للمسلم ألا يتساهل فيه، لكن أن يطرأ للمؤمن عُذر فهذا أمر آخر. فقد لا يستطيع المصلي أن يقوم؛ فيسقط عنه القيام لعذرٍ لا لأن الاطمئنان غير واجب، إنما لأنه عجز عن ذلك؛ فتُعَدُّ صلاته صحيحة، لكن الحديث عن إنسانٍ قادر أن يطمئن في ركوعه وسجوده ولا يفعل ذلك. * قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: هَلْ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سُنَّةً أَوْ وَاجِبًا؛ إِذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ نَصٌّ فِي ذَلِكَ (١)). هنا الإمام مالك نفسه لم يقل شيئًا في ذلك، ولم يُنقل عنه، ومعلوم أن أشهر الكتب عند المالكية "الموطأ"، يليه مباشرة "المدونة"، وهذه رواية ابن القاسم عن الإمام مالك، حيث كان يسأل الإمام مالكًا عن مسألة فيجيبه، وأحيانًا يتوقف، وأحيانًا لا يسأل؛ فيجيب ابن القاسم (٢). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الوَاجِبُ الأَخْذُ بِبَعْضِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، أَمْ بِكُلِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ). وهذا كلام يكرره المؤلف، فاللَّه تعالى يقول: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 1586

هل الواجب أن نأخذ بأول الأسماء؟ إن قلنا: نعم؛ نقول: مجرد الركوع والرفع منه، والسجود والرفع منه دون اطمئنان كافٍ. وإن قلنا: لا؛ يجب الأخذ بأول الاسم وآخره. فإذا أخذنا بأن الركوع تتمته الاطمئنان، والسجود تتمته الاعتدال وهو الاطمئنان؛ فهذا هو مراد المؤلف، وكثيرًا ما يكرر مثل ذلك. * قوله: (فَمَنْ كَانَ الوَاجِبُ عِنْدَهُ الأَخْذَ بِبَعْضِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَمْ يَشْتَرِطْ الِاعْتِدَالَ فِي الرُّكُوعِ، وَمَنْ كَانَ الوَاجِبُ عِنْدَهُ الأَخْذَ بِالكُلِّ اشْتَرَطَ الِاعْتِدَالَ). هنا المؤلف جاء بها بأسلوبه الخاص، فعرض المسألة، وإلا المراد بها عند الحنفية ومَن معهم هو كما ذكرنا، يقولون: الآية اقتصرت على الركوع والسجود، وفي آية أُخرى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ إذًا دل ذلك على أن الواجب هو الركوع والسجود والقيام، أمَّا الاطمئنان فليس بواجب. * قوله: (وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ لِلرَّجُلِ الَّذِي عَلَّمَهُ فُرُوضَ الصَّلَاةِ: "ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا" (١)؛ فَالوَاجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ فَرْضًا). إذًا، المؤلف يذهب مذهب القول بوجوب الاطمئنان وفرضيته، وهذا ظاهر. * قوله: (وَعَلَى هَذَا الحَدِيثِ عَوَّلَ كُلُّ مَنْ رَأَى أَنَّ الأَصْلَ لَا تُحْمَل أَفْعَالُهُ ﵊ فِي سَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهَا فِي هَذَا الحَدِيثِ عَلَى الوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ).

стр. 1587

اشتهر حديث المسيء أنه اقتصر على الواجبات، وبعضهم يقول على الأركان، واقتصاره هذا دليل على أنَّ ما ذُكر فيه واجب؛ فكأنه يرد على الحنفية ومَن معهم؛ لأنهم كثيرًا ما استدلوا به على عدم الوجوب، لأنه لم يُذكر فيه؛ فها نحن في هذه المسألة وجدنا أمرًا قد ذُكر في حديث المسيء، ألا وهو الاطمئنان الذي جاء نصًّا عن الرسول ﷺ ، فكأنهم بذلك ناقضوا الأصل الذي أسسوه ووضعوا عليه قاعدتهم (١). فعدم أخذهم بوجوب أو بفرضية الاطمئنان في الصلاة دليل على التَّناقض، وهذا هو ما يُشير إليه المؤلف. فالمؤلف يعني بأن كثيرًا من أفعال الرسول ﷺ في الصلاة هل هي واجبة أو ليست بواجبة، وكما هو معلوم أن الفقهاء أحيانًا يطلقون الواجب ويعممونه، وقد يعنون به الركن، كما جاء هنا؛ لأن الاطمئنان في الركوع والسجود ركن عند الشافعية (٢) والحنابلة (٣)، ومعلوم أنَّ

стр. 1588

الركن (١) يختلف عن الواجب (٢)، بمعنى أنه لو لم يطمئن في ركوعه ولا سجوده؛ لَمَا صحَّت صلاته، أما الواجب فَيُجبَر بسجود السهو؛ كالتشهد الأول عند مَن يوجبه، وكالحنابلة في روايةٍ (٣)، ومَن معهم. * قوله: (وَمِنْ قِبَلِ هَذَا لَمْ يَرَوْا رَفْعَ اليَدَيْنِ فَرْضًا). فهم لم يروا رفع اليدين فرضًا؛ لأنه لم يُذكر في حديث المسيء كما علَّلُوا، وقد سبق الرد على تناقضهم. * قوله: (وَلَا مَا عَدَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ وَالقِرَاءَةَ مِنَ الأَقَاوِيلِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا). في قوله: (ولا ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة)، معلومة بالنسبة للأقوال من الأركان، فتكبيرة الإحرام ركن، وكذلك قراءة الفاتحة، إلَّا في حَقِّ مَن عجَز عنها، أو كما ذكرنا سابقًا: مَن دخل وقد وجد الإمام راكعًا؛ فإنها تسقط عنه، فهل تسقط عنه لعذره لأنه لم يدركها، أو أنَّ الإمام يحملها عنه؟ هذه أيضًا مسائل يختلف فيها العلماء. * قوله: (فَإِنَّهُ أَصْلٌ مُنَاقِضٌ لِلْأَصْلِ الأَوَّلِ وَهُوَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ المَسَائِلِ).

стр. 1589

* قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي هَيْئَةِ الجُلُوسِ). يقصد المؤلف بهيئة الجلوس، أيْ: الجلوس بالنسبة للتشهدين، فهو لا يقصد فيما يبدو ويظهر الجلوس بين السجدتين، وإنما يقصد هنا الجلوس في التشهد الأول، والتشهد الأخير، فما هي كيفية جلوس المصلي في التشهد الأول؟ وحكمه، وحكم الجلوس الثاني؟ ثم بعد ذلك ستأتي مسألةٌ أُخرى يتحدَّث فيها عن الصفة التي يجلس فيها المصلي في التشهد، وهل تختلف الحال بين التشهدين أو لا؟ هناك من يسوي بينهما، وهناك مَن يُفرِّق، وأقوال العلماء ستأتي -إن شاء اللَّه- مُفصَّلة، مع دليل كل منهم. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: "يُفْضِي بِأَلْيَتَيْهِ إِلَى الأَرْضِ، وَيَنْصُبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى وَيَثْنِي اليُسْرَى" (١)، وَجُلُوسُ المَرْأَةِ عِنْدَهُ كَجُلُوسِ الرَّجُلِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: "يَنْصُبُ رجْلَه اليُمْنَى وَيَقْعُدُ عَلَى اليُسْرَى"). هنا بيان كيفية الجلوس: قال المالكية بالتَّوَرُّك، وهو أن يجلس المصلِّي علَى وِرْكِه، فينصب رجله اليُمنى ويُقدِّم رِجْلَه اليُسرى، فيضعها بين فخذه وساقه، ثم يجلس على وركه (٢). وقال الحنفية بالافتراش (٣)، وهو أن ينصب اليُمنى، ويفرش اليُسرى ويجلس عليها.

стр. 1590

أما الشافعية (١) والحنابلة (٢) فقد فصَّلوا، ولم يختلفوا إلا في صورة واحدةٍ، وهي في الصلاة التي ليس فيها إلَّا تشهد واحد (٣). فالشافعية يقولون فيها بالتورك؛ لأنهم يعتبرونه تشهدًا أخيرًا. أما الحنابلة فيقولون بالافتراش؛ لأنهم يرون أنه التشهد الأول. أما أدلة أقوالهم، فكما يلي: استدل أصحاب المذهب الحنفي على قولهم بالافتراش بحديث عائشة وهي تصف صلاة رسول اللَّه ﷺ كيف كان يجلس؛ "كان ينصب رجله اليمنى، ويجلس على اليسرى (٤) "، لكنه مُطلَق، ولم تُخصِّص فيه أن هذا

стр. 1591

كان في التشهد الأول أو الأخير، وكذلك استدلوا بحديث وائل بن حجر؛ "أنَّ الرسول ﷺ كان ينصب رجله اليمنى". أما المالكية فاستدلوا بما ورد في حديث عبد اللَّه بن الزبير، "أنَّ الرسول ﷺ كان إذا جلَسَ للتشهد؛ أطلق قدَم رجله اليسرى ووضعها بين فخذه وساقه" (١)، وهذا أيضًا أطلق ولم يخصص في التشهد الأول أو الثاني. لكن سيأتي حديث أبي حميد (٢)، يحدِّث أنَّ الرَّسُول ﷺ يفرِّق في جِلْسَته بين التشهُّدين، فهو يفترش في الأول ويتورَّك في الثاني. لكن وقع الخلاف -كما قلنا- بين الشافعية والحنابلة في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد؛ كصلاة الفجر، وصلاة الجمعة، وصلاة التطوع، فهي صلوات ليس فيها إلَّا تشهد واحد، فهل نلحق هذا التشهد بالتشهد الأخير؛ لأنه يتلوه السلام ويعقبه، أو نعتبره كالتشهد الأول، لأنه لم يسبقه تشهد؟ هذا هو سر الخلاف بين المذهبين، وقبل ذلك وبعده لو جلس المصلي على أي هيئة من هيئات الصلاة متوركًا على مذهب الشافعية، أو مفترشًا على مذهب الحنفية؛ فصلاته صحيحة، وكذلك الحال بالنسبة للحنابلة.

стр. 1592

إذًا، اختلف العلماء هنا فيما هو الأفضل، ولا سيما أن هؤلاء الفقهاء مِن علماء السنة، وكل منهم يسعى أن يكون فعله وقوله وفْق السنة؛ إذًا هذا هو الخلاف. * قوله: (وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الجَلْسَةِ الوُسْطَى وَالأَخِيرَةِ، فَقَالَ فِي الوُسْطَى بِمِثْلِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الأَخِيرَةِ بِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ). وقد سماها (الوسطى) لأنها تقدمها ركعتان ويعقبها أيضًا ركعتان؛ فجاءت في وسط الصلاة، ونحن نعرِّفها بجلسة التشهد الأول، والثانية بالتشهد الثاني، أو الأخير، لأنه ليس بعده شيء. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الآثَارِ). فكل فريق يتمسك بأدلته، لكن أدلة المالكية والحنفية جاءت مُطْلقَة، حيث لم تنص على أن هذه الجلسة كانت في التشهد الأول أو الأخير، وإنما بيّنت أن الرسول فعلها، ومع هذا جاءت أحاديث أُخرى فحددت لنا الكيفية التي كان يجلس عليها الرسول ﷺ ، وهو أن له حالتين فى الجلوس: حالة في التشهد الأول، وحالة في التشهد الأخير. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ آثَارٍ؛ أَحَدُهَا: وَهُوَ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقٍ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ الوَارِدِ فِي وَصْفِ صَلَاتِهِ ﵊). يقول العلماء: إن ما جاء في حديث أبي حميد وافقَهُ عليه عشرةٌ من الصحابة؛ إذًا هذا سندٌ آخَر لهذا الحديث، مع قوة هذا الحديث وكونه فصَّل المقام، لكن جاء فِعل عشرة من الصحابة أيضًا ملتقيًا مع ما في حديث أبي حميد. * قوله: (وَفِيهِ "وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى).

стр. 1593

أيْ: إذا جلس بعد الركعتين، فبعد أن انتهى من الركعة الأولى والثانية يجلس الجلسة الوسطى التي قال المؤلف: (أي للتشهد الأول). * قوله: (وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَنَصَبَ اليُمْنَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ") (١). وهذا ما يُعرَف بالتورُّك (٢)، أما الافتراش (٣) بأن تفرش رجلك اليسرى وتجلس عليها. وقد سبق تعريف ذلك. * قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، وَفِيهِ: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ نَصَبَ اليُمْنَى وَقَعَدَ عَلَى اليُسْرَى") (٤). هذا الحديث حُجة للحنفية الذين يقولون بالافتراش مطلقًا، حيث أخذوا به على عمومه، ومثله حديث عائشة الصحيح، ولم يورده المؤلف، وفيه: "أن الرسول ﷺ كان إذا جلس نصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى" (٥). * قوله: (وَالثَّالِثُ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى، وَتَثْنِيَ اليُسْرَى") (٦).

стр. 1594

يدل هذا الحديث على أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ ولذلك اعتبره العلماء بمنزلة المرفوع إلى الرسول ﷺ . * قوله: (وَهُوَ مُدْخَلٌ فِي المُسْنَدِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَرَاهُمُ الجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ اليُمْنَى، وَثَنَى اليُسْرَى، وَجَلَسَ عَلَى وِرْكِهِ الأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (١)، فَذَهَبَ مَالِكٌ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِهَذَا الحَدِيثِ (٢)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ وَائِلٍ (٣). وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَ الجَمْعِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ (٤)).

стр. 1595

ذهب الشافعيُّ إلى الترجيح؛ لأن حديث أبي حميد جاء مُفصَّلًا ومُبيِّنًا هيئة الجلسة في التشهد، أما الحنابلة يلتقون معهم إلَّا في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد، فعند الحنابلة يجلس مفترشًا، وعند الشافعية متورِّكًا؛ لأنه الشافعية نظرتهم أنه تشهد أخير، وأولئك يقولون هو مثل التشهد الأول؛ لأنه أول تشهد. * قوله: (وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ مَذْهَبَ التَّخْيِيرِ (١)). مذهب التخيير قد رُوِي عن كثيرٍ مِن العلماء لا الطبري فقط، ويَعْنُونَ به الجواز، لكن الأفضل والأوْلَى القول الأوَّل، وهو المفصَّل؛ عملًا برأي الشافعية والحنابلة. * قوله: (وَقَالَ: هَذِهِ الهَيْئَاتُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ وَحَسَنٌ فِعْلُهَا لِثُبُوتِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، فَإِنَّ الأَفْعَالَ المُخْتَلِفَةَ أَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ عَلَى التَّخْيِيرِ مِنْهَا عَلَى التَّعَارُضِ). لذلك، نحن نقول: إن الأحاديث عندما يكون ظاهرها التعارض، ويوجد أحاديث يمكن أن تلتقي معها، فنرد تلك، بل أنا لا أرى تعارضًا في الأحاديث؛ كحديث عائشة، وحديث وائل بن حجر، وبين حديث عبد اللَّه بن الزبير الذي لم يذكره المؤلف؛ لا تعارض بينهم، بل الأخير

стр. 1596

حجة المالكية، فلا تتعارض مع حديث أبي حميد الذي أورده المؤلف؛ لأنه يجمع تلك الأحاديث كلها، تلك جاءت مجملة، وهذا جاء مبيّنًا لها. * قوله: (وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ التَّعَارُضُ أَكْثَرَ فِي الفِعْلِ مَعَ القَوْلِ أَوْ فِي القَوْلِ مَعَ القَوْلِ). هذه مسألة أُخرى، فقد يتعارض قولٌ مع قول، أو قول مع فعل، وهذه مسائل أصولية معروفة. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الجَلْسَةِ الوُسْطَى وَالأَخِيرَةِ). هنا عاد مرةً أُخرى إلى ما كُنا أشرنا إليه في الجلسة الوُسطى والأخيرة، وحُكم الجلوس للتشهدين الأول والأخير. وهذه المسألة مرَّتْ بنا، لكن لا مانع من التعرض لها، لا سيما وقد ذكرتها خشية أن لا يذكرها المؤلف، لأن الكتاب -كما كررتُ مرارًا- مجمل، ويأخذ بالمسائل الكبرى. إذًا، ذكرنا أنَّ العلماء اختلفوا في كيفية الجلسة الوسطى وحكمها، وقلنا إنه لا شك أن أكثر العلماء وفيهم الأئمة (أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)،

стр. 1597

ورواية للإمام أحمد) (١) يرون أن الجلوس لهذا التشهد ليس بواجب، بل سُنة. لكن ذهب فريق آخر من العلماء، كاللَّيث، وإسحاق بن راهويه (٢)، ورواية أُخرى للإمام أحمد (٣)، -وأظن- داود الظاهري (٤)، ذهبوا جميعًا إلى وجوب الجلوس للتشهد الأول. وأدلتهم: فالذين قالوا بعدم الوجوب، علّلوا بأنه لم يُذكر في حديث المسيء؛ لأنه ذكر الواجبات، فلو كان الجلوس للتشهد الأول واجبًا لذُكر، وكذلك هذا أيضًا بالنسبة للتشهد الأخير. كما استدلوا بما هو أقوى عندهم، فقالوا بسقوط السهو، كما جاء في حديث عبد اللَّه بن بحينة (٥).

стр. 1598

* فائدة: بحينة صحابية، وابنها صحابي (١). وحديث عبد اللَّه بن بحينة متفق عليه، "أن الرسول ﷺ قام بالاثنتين ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم" (٢)؛ وبناءً عليه يقولون: لو كان التشهد الأول واجبًا لمَا تركه الرسول ﷺ ، وإنما جبره بسجود السهو؛ لأنه سُنة، وهذا أقوى دليل لهم؛ لأن الذين قالوا بوجوبه يفرقون أيضًا بين أن يتركه الإنسان متعمدًا، أو ساهيًا؛ فيقولون: لو تركه الإنسان ساهيًا يجبره بسجود السهو، ولا يؤثر في صحة صلاته؛ لأن هذا حصل من الرسول ﷺ ، لكنْ أنْ يتعَمَّد الإنسان القيام تاركًا التشهد الأول؛ فهؤلاء أو بعضهم يقولوا بأن صلاته لا تصح، ويلزمه أن يعيد. أما حُجة مَن قالوا بوجوبه، فاستدلوا بحديث عبد اللَّه بن عباس: "التحيات للَّه. . . " (٣)، فقالوا بأن الأمر في الحديث يقتضي الوجوب، وقول "التحيات للَّه" (٤) إنما يقال في التشهدين الأول والأخير؛ فيلزم منه الجلوس. أيضًا قالوا بأنه لم يُنقل عن الرسول ﷺ أنه ترك السجود إلا بمثل هذه الحال التي في حديث عبد اللَّه بن بحينة، وقد جبره بسجود السهو؛

стр. 1599

فقياسًا على التشهد الأخير نقول بأنه واجب، إذْ لا فرق بين هذا التشهد وبين التشهد الأول. يُعترض على هؤلاء بأن يقال: كون الرسول ﷺ قام منه ولم يعد، فلو كان واجبًا لما تركه، ولكنه جبر ذلك بسجود السهو، فاعتُبر بدلًا، ونحن نجد في محظورات الإحرام في الحج يترك الإنسان محظورات الحج، وبعض المحظورات يجبرها بدم؛ لأنه ليس عامدًا. ولا شك أن هذه من المسائل التي لا ينبغي للمسلم أن يتركها، وقد رأينا أنَّ هناك مَن يوجب هذه الجلسة ويرى أن الصلاة لا تصح مِن المتعمد تركها. * فائدة: النسيان (١) أحد الأسباب التي اعتبرتها الشريعة الإسلامية في التخفيف، فقد ذكَر العُلمَاء أسباب التخفيف، والتي منها: السفر، والمرض، والاستكراه، والقصور، والنسيان، قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفي الحديث: "إن اللَّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" (٢). كما أن النسيان طبيعة البشر، بل قد حصل النسيان للرسول ﷺ ، في حديث ذي اليدين، حيث سلَّم من اثنتين، ولما سُئل: أقصرت الصلاة؟ قال: "ما قصرت وما نسيت" (٣)، ثمِ سأل الصحابة، فأخبروه، فعاد وأتم الصلاة، فبما أنه قد نَسِي فمَن دونه أَوْلَى.

стр. 1600

فالنسيان معتدٌّ به شرعًا، إذًا هذا أمر قد يسقط بالنسيان على أن تجبره بسجود السهو، فلو لم تسجد للسهو؛ ففيه خلاف بين العلماء، سنبحثه إن شاء اللَّه تفصيلًا عندما نأتي لأبواب سجود السهو. * قوله: (فَذَهَبَ الأَكْثَرُ فِي الوُسْطَى إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ، وَشَذَّ قَوْمٌ وَقَالُوا: إِنَّهَا فَرْضٌ). وهذا خطأ من المؤلف في الحقيقة، فهذا القول لا يعتبر شذوذًا، فقد قال به الليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية للإمام أحمد (١)، وقال به داود، وغيرهم (٢). * قوله: (وَكَذَلِكَ ذَهَبَ الجُمْهُورُ فِي الجلْسَةِ الأُخْرَى إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ) (٣).

стр. 1601

يقصد بالأخرى الأخيرة، أما الجلسة الأخيرة فيلتقي فيها الأئمة كلهم، وهي رواية للإمام مالك كما بينَّا فيما مضى أنها ليست واجبة لكنهم يوجبون التسليم، أما الحنفية فيوجبون الجلسة لا التشهد، وقد عرفنا رأيه فيما مضى. * قوله: (وَشَذَّ قَوْمٌ). هذا في الأخرى. * قوله: (فَقَالُوا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ).

стр. 1602

وهذا نقل عن الزهري (١)، والنخعي (٢)، وابن سيرين (٣)، وأظن نقل أيضًا عن علِيٍّ ﵁ (٤)، لكن هذا يحتاج إلى تبين. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ تَعَارُضُ مَفْهُومِ الأَحَادِيثِ، وَقِيَاسُ إِحْدَى الجلْسَتَيْنِ عَلَى الأخرى، وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ: "اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا" (٥)، فَوَجَبَ الجُلُوسُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا). لكن هذا الجلوس لم نأمر به، وليس في التشهد كما هو معلوم؛ لأنه أرشده في ركعةٍ واحدة، ثم قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (٦)، لكن الدليل القطعي لذلك هو أن الرسول ﷺ قال: "قولوا: التحيات للَّه" (٧)، وهذا لا يتم إلا عن طريق الجلوس، وفعَلَهُ الرسول ﷺ ، ودَاوَمَ عليه، ولم يُنقل عنه أنه تركه، بل قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٨)، فلم ينقل عن الرسول ﷺ أنه ترك، ولا عن أحد من الصحابة.

стр. 1603

* قوله: (فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا قَالَ: إِنَّ الجُلُوسَ كلَّهُ فَرْضٌ، وَلِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الثَّابِتِ). يقصد به المتفق عليه، ويقولون إن أم ابن بحينة اسمها عبدة، وبحينة لقبها (١). * قوله: ("أَنَّهُ ﵊ أَسْقَطَ الجلْسَةَ الوُسْطَى، وَلَمْ يَجْبُرْهَا، وَسَجَدَ لَهَا"، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْقَطَ رَكْعَتَيْنِ فَجَبَرَهُمَا، وَكَذَلِكَ رَكْعَةٌ؛ فَهِمَ الفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا الفَرْقَ بَيْنَ حُكْمِ الجَلْسَةِ الوُسْطَى وَحُكْمِ الرَّكْعَةِ، وَكَانَتْ الرَّكْعَةُ عِنْدَهُمُ فَرْضًا بِإِجْمَاعٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الجَلْسَةُ الوُسْطَى فَرْضًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ فَرَّقَ الفُقَهَاءُ بَيْنَ الجَلْسَتَيْنِ). يعني يريد المؤلف أن يقول: إنَّ الرسول ﷺ في الجلسة الأولى أو الوسطى قام من اثنتين، ثم لما فرغ ﷺ من صلاته سجد سجدتين للسهو ثم سلم، فكونه لم يعد إليها دلَّ علَى عدم وجوبه، ولم يحصل ذلك في الجلسة الأخيرة؛ فدلّ ذلك علَى التفريق بينهما، هذه لازمة، وهذه غير لازمة، بل واجبة وغير واجبة. * قوله: (وَرَأَوْا أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ إِنَّمَا يَكُونُ لِلسُّنَنِ دُونَ الفُرُوضِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَرْضٌ قَالَ: السُّجُودُ لِلجلْسَةِ الوُسْطَى شَيْءٌ يَخُصُّهَا دُونَ سَائِرِ الفَرَائِضِ). كونه من السنن، فهذا غير مسلَّم؛ لأن الإنسان إن لم يرفع يده، لا يسجد للسهو، كذلك أيضا ترك سُنة من سنن الصلاة؛ فلا يسجد للسهو في مثل هذه الحالة.

стр. 1604

* قوله: (وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ). إذًا، كلام المؤلف بأنه ليس هناك دليل على أنها ليست بفرض. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمَا كلَيْهِمَا سُنَّةٌ فَقَاسَ الجلْسَةَ الأَخِيرَةَ عَلَى الوُسْطَى بَعْدَ أَنِ اعْتَقَدَ فِي الوُسْطَى بِالدَّلِيلِ الَّذِي اعْتَقَدَ بِهِ الجُمْهُورُ أَنَّهَا سُنَّةٌ). يعني عكس، لما أثبت بالدليل أن الوسطى ليست بواجبة؛ ألحق بها الجلسة الأخيرة، فقال: كما أن هذه هي جلسة لا تجب، كذلك أيضًا لا تجب بوجود جامع بينهم، ألا وهو الجلسة في كلٍّ، إذْ هذا جلوس وهذا جلوس. وهناك قضية يسيرة، بالنسبة لما مر بنا في الافتراش وغيره، أننا عرَضنا أن بعض العلماء قالوا بالافتراش، وبعضهم بالتورك، وبعضهم فصَّل، فنجد أن العلماء كثيرًا ما يعنون في الفقه بالبحث عن النكت، وعن الحكم، مثل أن يطرح بعضهم لماذا يجلس الإنسان في التشهد الأول مفترشًا وفي الثاني متوركًا، فيبحثون في الحكم وسبب التفريق. وذلك يعود أن بعضهم يتعلل بأن هذا يُعتبر معرفة للداخل اللاحق بالصلاة أن هذا الذي يصلي هل هو في الجلسة الوسطى أو الأخيرة؛ فيعرف في أي الركعات هو، فيكون في هذا زيادة فائدة. كذلك يعللون بأن الجلسة الأولى لا يطول التشهد فيها، والنهوض إلى القيام أخف على المصلي، بخلاف ما إذا جلس متوركًا فإنه قد يتعب، وخاصة إذا تقدمت به السن؛ وهذه أيضًا زيادة فائدة. فمثل هذه النكت نجد أن العلماء يذكرونها للتفريق بين هذا وذاك. * قوله: (فَإِذًا السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ آيِلٌ إِلَى مُعَارَضَةِ الِاسْتِدْلَالِ لِظَاهِرِ القَوْلِ أَوْ ظَاهِرِ الفِعْلِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ أَيْضًا مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الجلْسَتَيْنِ كِلَيْهِمَا فَرْضٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَفْعَالَهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 1605

وَالسَّلَامُ- عِنْدَهُ الأَصْلُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلَاةِ مَحْمُولَةً عَلَى الوُجُوبِ). هم يقولون هذه أفعال الرسول، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، وهو أيضًا عندما ترك الجلسة الأولى أو الوسطى إنما تركها ناسيًا، ولذلك سجد للسهو، ولم يُعلم عنه أنه تركها في غير النسيان. * قوله: (حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِذًا الأَصْلَانِ جَمِيعًا يَقْضِيَانِ هَاهُنَا أَنَّ الجُلُوسَ الأَخِيرَ فَرْضٌ). يقصد بالأصلين: القول والفعل. * قوله: (وَلِذَلِكَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ إِلَّا القِيَاسُ وَأَعْنِي: بِالأَصْلَيْنِ القَوْلَ وَالعَمَلَ). يقصد بالعملِ الفعلَ، يعني أقوال الرسول وأفعاله، ولا يقصد به عمل أهل المدينة. * قوله: (وَلِذَلِكَ أَضْعَفُ الأَقَاوِيلِ: مَنْ رَأَى أَنَّ الجَلْسَتَيْنِ سُنَّةٌ وَاللَّه أَعْلَمُ). هذا كلَام صحيح، فالقول بأنَّ كلا الجلستين سنة ضعيفٌ جدًّا ولا مستند له، لكن نأتي بعد ذلك إلى أن الجلسة الأخيرة جماهير العلماء يرون وجوبها، وأنها ركن، والجلسة الأولى الأحوط للمسلم ألا يدعها، فإن نسِيَها؛ فالحمد للَّه هذه الشريعة كما نعلم بنيت على اليُسر. ولذلك، نجد أنَّ الرسول ﷺ عندما أرسل معاذًا وأبا موسى الأشعري ﵄ إلى اليمن، كانت أولى وصاياه، قال: "بشرا ولا تنفرا،

стр. 1606

ويسرا ولا تعسرا" (١)؛ فالمؤمن دائمًا يبشر بالخير، ولا ينفر الناس من طاعة اللَّه ، ولا يأتي بالأسباب التي قد تنفر الناس، بل يدلهم على طريق اليسر؛ لأنه ربما لو دعَا الناس إلى ما فيه العسر لتثاقل العباد، وصعبت عليهم الأمور؛ فأدى ذلك إلى تقصيرهم فيها. ووسطية الإسلام نعني بها أن الإسلام جاء وسطًا، لا غلُوَّ فيه ولا إفراط، ولا تفريط، كما أن الإسلام يقصد بالتيسير في هذه الشريعة، أي: أنها بُنِيَت علَى اليسر في الأصل، فلم تأتِ لتشق على الناس، وإنما تُكَلِّف الناس بما في وسعهم، ولذلك عندما يلحق المؤمن ضرر في أمر من الأمور، فإن هذه الشريعة تخفف عنه وتتجاوز. ولا يدخل في هذا ما يتتبعه بعض الناس من البحث عن الرُّخَص في المذاهب، كأنْ تجد البعض يبحثون عن الفتاوى والأقوال الضعيفة والشاذة، ما دامت هذه الأقوال فيها تخفيف. وعلى كل حال، المسألة هذه فيها كلام طويل، ولعلها تأتي مناسبة -إن شاء اللَّه- لنفصل القول فيها. * قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ كَفَّهُ اليُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُمْنَى وَكَفَّهُ اليُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ اليُسْرَى، وَيُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ"). يشير المؤلف إلى حديث عبد اللَّه بن عمر، ولم يأتِ بلفظه، وإنما أورد معناه، وقد ورد في وضع اليدين على الركبتين، أو الفخذين عدة أحاديث، منها: ما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جلس أو قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته

стр. 1607

اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وأشار بالسبابة" (١). ومثله حديث عبد اللَّه بن الزبير، وهو أيضًا قريب من لفظه، ولكنه أطول منه تفصيلًا، وقد جاء فيه: "أن الرسول ﷺ كان إذا جلس في الصلاة -يعني للتشهد في الصلاة- وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى" (٢). ومثله أيضًا حديث وائل بن حجر، ففيه إشارة إلى مثل ذلك، لكنه زاد على ما في هذين الحديثين حديث عبد اللَّه بن عمر، وحديث ابن الزبير، وكلاهما في "صحيح مسلم". وحديث وائل بن حجر فيه أنَّ الرسول ﷺ : "إذا قعد في الصلاة -أي: للتشهد- وضع مرفقه الأيمن على فخده الأيمن، وعقد الخنصر والتي تليه، -أي: البنصر- وحلَّق بالإبهام والوسطى، وأشار بالسبابة" (٣). وفي بعض الروايات: "كان يُشير بالسبابة" (٤). ففي الحديث الأول يُشير بالسبابة، وفي حديث عبد اللَّه بن الزبير يُشير

стр. 1608

بإصبعه، وكذلك في حديث وائل بن حجر؛ فتبيَّن لنا أن الرسول ﷺ هكذا يُشير بالسبابة. لكن هل يقف بها هكذا دون تحريك فتكون علامة على الإشارة، أو لا بد من تحريكها؟ كل ذلك ورد، ومِن العلماء مَن يرجح هذا، ومنهم من يرجح ذاك، وكل هذا سُنة (١). * فائدة: نجد أن مِن العلماء مَن يسمي الإصبع التي تلي الإبهام بين الوسطى

стр. 1609

والإبهام بالسبابة، وبعضهم يسميها بالسباحة، وقد وردت تسميتها بالسبابة في الأحاديث. وسبب تسميتها بالسبابة: أن الإنسان يُشير بها عند المخاصمة والاختلاف، أو عند اشتداد النقاش (١). وقيل: سميت بالسباحة؛ لأن الإنسان يسبح بها، ويرفعها عند نطقه لكلمة التوحيد (٢). وهذا يؤكد لنا أنَّ العلماء يبحثون دائمًا، ويحاولون البحث عن علل الأحكام وحِكَمِها. ورأينا من بحوثهم كذلك أن الرسول ﷺ كان يضع يديه على ركبتيه، وبينوا الحِكمة من ذلك، وهناك اختلافات وتفصيلات كثيرة للعلماء في هذه المسألة؛ فمما قالوه أنه كان في أول الأمر يضع المصلي كفه على كفه بين فخديه، وهذا رأي منسوخ، بالأحاديث. كذلك من بحوثهم هل يضع المصلي كفه الأيمن على فخده الأيمن فقط أم يضع جزءًا من كفه على الركبة؟ وهل يجعل الأصابع مستقيمة إلى جهة القبلة، أم يثنيها على الركبة. . . كل هذه أقوال، وتفصيلات، وفروع لا يعرض لها المؤلف؛ لأنها لا تأثير لها في أمر الصلاة، لكنها من الأمور التي يستحب للمصلي أن يفعلها. * قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ مِنْ هَيْئَات الجُلُوسِ المُسْتَحْسَنَةُ فِي الصَّلَاةِ) (٣).

стр. 1610

الأمر كما ذكر المؤلف ﵀، ليست تلكم مِن واجبات الصلاة، ولا مِن أركانها، وإنما هي من الهيئات التي يستحب أن يفعلها المصلي؛ لأن الذين نقلوا لنا الهيئة التي صلى بها رسول اللَّه ﷺ بينوا أنه كان يفعل ذلك، لكن كما رأينا ألفاظ الأحاديث تختلف، وقد تتعدد، لكنها كلها تلتقي حول هذا الأمر: أن المصلي يضع كفه الأيمن على فخذه الأيمن، أو على ركبته، وكذلك لأنه في بعض الأحاديث، ورد أنه يضع مرفقه على فخذه الأيمن، ثم بعد ذلك يعقد الخنصر (١) والبنصر (٢) ويحلق بالإبهام (٣) والوسطى ويشير بالسبابة، كذلك ورد ذلك بالنسبة لليسار في وضعها، أما الإشارة فهي في اليمين، أما اليد اليسرى أو الكف اليسرى فإنه لا يحركها، واختلفوا في أن يضعها مقبوضة الأصابع أو مبسوطة، فمنهم من يرى أن له أن يفرج الأصابع، لكن ليس تفريجًا فاحشًا، وبعضهم يقول: لا يفرج الأصابع إنما يتركها مقبوضة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيكِ الأَصَابعِ لِاخْتِلَافِ الأَثَرِ فِي ذَلِكَ، وَالثَّابِتُ أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ فَقَطْ) (٤).

стр. 1611

قد ثبت -كما مرَّ- أن الرسول ﷺ كما في حديث عبد اللَّه بن عمر، وحديث عبد اللَّه بن الزبير، وحديث وائل بن حجر: "أنه ﷺ كان يُشير بالسبابة"، واختلفوا أن تستمر الإشارة، أو تكون فقط عندما يمر بذكر التشهد ثم يُرجعها (١). * قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وَضْعِ اليَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ). يقصد هنا العادة، أن هذه تقدم على تلك؛ لأن هذه في حالة القيام، وتلك في حالة القعود؛ فالمقصود مسألة قبض وإرسال اليدين حال الوقوف.

стр. 1612

والكلام هنا عن الهيئة التي يكون عليها المصلي حال القيام بين إرسال يديه أو قبضهما، وهي مسألة مستحبة وليست واجبة، فإن قلنا بالقبض، بقي معنا وضع اليدين، أيضعهما تحت السُّرة أو فوقها، أم فوق الصدر، وهذا أيضًا سيأتي. فالذي يهمنا في هذا المقام الأوْلَى في القبض أو الإرسال، وهي مسألة اختلف فيها العلماء، فالجماهير من الصحابة والتابعين والفقهاء يقولون بأن القبض هو المشروع، وهو السنة، وأما الإرسال فهو على خلاف ذلك، لكن لا يرون أن ذلك يؤثر على الصلاة بطلانًا وصحة، بل تكون صحيحة، وقد نُقل ذلك عن بعض السلف، كعبد اللَّه بن الزبير من الصحابة (١)، والحسن البصري (٢) والنخعي (٣) وابن سيرين (٤) من أئمة التابعين، وهي الرواية أيضًا المشهورة المعروفة عن الإمام مالك (٥) بأن المصلي يسجد في صلاته، أي يرسل يديه، ويُعرف بالسدل (٦)، أو يُعرف كذلك بترك اليدين ممدودتين. وجرى على القبض أيضًا كثير من الأئمة، منهم: أبو حنيفة (٧)،

стр. 1613

والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وهي رواية ابن الحكم عن مالك (٣)، لكن المشهور في مذهب مالك هو الإرسال. إذًا، قول مالك في الإرسال نقلٌ عن عبد اللَّه بن الزبير، وعمَّن سمعنا عن التابعين، فلماذا قال هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟ الجواب: نعلم أن الفقهاء عندما يقول أحدهم قولًا فهو يعتمد علَى دليل، أو أدلة، ولا شك أن الجمهور لهم أدلة، وأدلتهم أصرح في ذلك وأقوى، وهي نصٌّ في المسألة، وأما الفريق الآخر فإنهم يتمسَّكون بأحاديث أطلقت ذلك.

стр. 1614

مثال: الذين يقولون بعدم القبض، أي: بالسدل، يستدلون بحديث المسيء (١)، ويقولون إن هذا الحديث لم يرد فيه ذكر القبض. والجواب عن ذلك كما ذكرنا وناقشنا، وكما ناقش المؤلف، أن هذه المسألة بيَّن العلماء فيها أن ما جاء في حديث المسيء خاص بالواجبات، بل لم يستقص كل الواجبات، ولم يعرض للسنن، وهذه من السنن. أما جمهور العلماء فقد استدلوا بعدة أدلة، منها حديث أبي حازم: "أن الناس كانوا يؤمرون إذا صلى أحدهم أن يضع يمينه على شماله" (٢). وهو ينقل عن الراوي قال: "ولا أظنه ينمي (٣) ذلك إلا إلى رسول اللَّه ﷺ "، وبهذا يعطي حكم المرفوع. ومنها أيضًا حديث وائل بن حجر، وفيه: "فإذا قام وضع كفه أليمنى على كفه اليسرى" (٤)، أيْ أنه يقبض في الصَّلاة، وهذا في "صحيح مسلم".

стр. 1615

وجاء أيضًا في حديثٍ آخر عن وائل بن حجر، وفيه: "أن الرسول ﷺ كان يضع كفه الأيمن على ظاهر كفه الأيسر والرسغ وأيضًا الساعد" (١)، أيْ أنه يوسطها، فجزء من الكف يذهب إلى الساعد، ووسطها على الرسغ، وطرفها الأيمن على الكف، فهكذا تكون صفة أُخرى. ووَردَ في قصة صلاة عبد اللَّه بن مسعود -وهذا دليل رابع- في هذه المسألة: "أنه كان يصلي، فمر به رسول اللَّه ﷺ وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ الرسول ﷺ بيمينه فوضعها على شماله" (٢). وأما ما نقل عن السلف من الصحابة فهي آثار كثيرة في هذه المسألة. إذًا، هذه المسائل جاءت نصًّا في وصف صلاة رسول اللَّه ﷺ أنه كان يقبض في الصلاة، وأنه كان يضع كفه الأيمن على كفه الأيسر، وقد رأينا أن بعض الأحاديث أَطلق، وبعضها قيَّد ذلك، أما الآخرون -فكما قلنا- يذهبون إلى الاستدلال بحديث المسيء، وقد أشرت سابقًا إلى أن العلماء أيضًا أشاروا إلى حكمة في أمر القبض، عندما يقبض الإنسان في صلاته؛ فيكون أسلم له من أن يعبث بيديه، لأنه ربما لو ترك يديه فإنه يرفعها هنا وهناك، ويُكثر من حركتها، لكن عندما يضعهما هكذا يكون أسلم له من العبث؛ هذا أمر، والأمر الثاني، أن هذا أقرب إلى الخشوع، واللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ومعلوم أنه كل ما زاد حقيقة خشوع المرء؛ زاد ثوابه في صلاته، كما أن خشوع المرء في صلاته إنما هو دليل على سكون قلبه، واطمئنان فؤاده، بمعنى أن القلب لم يشتغل بأمور الدنيا، وإنما انصرف
следующие страницы →