قد ثبت -كما مرَّ- أن الرسول ﷺ كما في حديث عبد اللَّه بن عمر، وحديث عبد اللَّه بن الزبير، وحديث وائل بن حجر: "أنه ﷺ كان يُشير بالسبابة"، واختلفوا أن تستمر الإشارة، أو تكون فقط عندما يمر بذكر التشهد ثم يُرجعها (١).
* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي وَضْعِ اليَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ).
يقصد هنا العادة، أن هذه تقدم على تلك؛ لأن هذه في حالة القيام، وتلك في حالة القعود؛ فالمقصود مسألة قبض وإرسال اليدين حال الوقوف.
стр. 1612
والكلام هنا عن الهيئة التي يكون عليها المصلي حال القيام بين إرسال يديه أو قبضهما، وهي مسألة مستحبة وليست واجبة، فإن قلنا بالقبض، بقي معنا وضع اليدين، أيضعهما تحت السُّرة أو فوقها، أم فوق الصدر، وهذا أيضًا سيأتي.
فالذي يهمنا في هذا المقام الأوْلَى في القبض أو الإرسال، وهي مسألة اختلف فيها العلماء، فالجماهير من الصحابة والتابعين والفقهاء يقولون بأن القبض هو المشروع، وهو السنة، وأما الإرسال فهو على خلاف ذلك، لكن لا يرون أن ذلك يؤثر على الصلاة بطلانًا وصحة، بل تكون صحيحة، وقد نُقل ذلك عن بعض السلف، كعبد اللَّه بن الزبير من الصحابة (١)، والحسن البصري (٢) والنخعي (٣) وابن سيرين (٤) من أئمة التابعين، وهي الرواية أيضًا المشهورة المعروفة عن الإمام مالك (٥) بأن المصلي يسجد في صلاته، أي يرسل يديه، ويُعرف بالسدل (٦)، أو يُعرف كذلك بترك اليدين ممدودتين.
وجرى على القبض أيضًا كثير من الأئمة، منهم: أبو حنيفة (٧)،
стр. 1613
والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وهي رواية ابن الحكم عن مالك (٣)، لكن المشهور في مذهب مالك هو الإرسال.
إذًا، قول مالك في الإرسال نقلٌ عن عبد اللَّه بن الزبير، وعمَّن سمعنا عن التابعين، فلماذا قال هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا؟
الجواب: نعلم أن الفقهاء عندما يقول أحدهم قولًا فهو يعتمد علَى دليل، أو أدلة، ولا شك أن الجمهور لهم أدلة، وأدلتهم أصرح في ذلك وأقوى، وهي نصٌّ في المسألة، وأما الفريق الآخر فإنهم يتمسَّكون بأحاديث أطلقت ذلك.
стр. 1614
مثال: الذين يقولون بعدم القبض، أي: بالسدل، يستدلون بحديث المسيء (١)، ويقولون إن هذا الحديث لم يرد فيه ذكر القبض.
والجواب عن ذلك كما ذكرنا وناقشنا، وكما ناقش المؤلف، أن هذه المسألة بيَّن العلماء فيها أن ما جاء في حديث المسيء خاص بالواجبات، بل لم يستقص كل الواجبات، ولم يعرض للسنن، وهذه من السنن.
أما جمهور العلماء فقد استدلوا بعدة أدلة، منها حديث أبي حازم: "أن الناس كانوا يؤمرون إذا صلى أحدهم أن يضع يمينه على شماله" (٢).
وهو ينقل عن الراوي قال: "ولا أظنه ينمي (٣) ذلك إلا إلى رسول اللَّه ﷺ "، وبهذا يعطي حكم المرفوع.
ومنها أيضًا حديث وائل بن حجر، وفيه: "فإذا قام وضع كفه أليمنى على كفه اليسرى" (٤)، أيْ أنه يقبض في الصَّلاة، وهذا في "صحيح مسلم".
стр. 1615
وجاء أيضًا في حديثٍ آخر عن وائل بن حجر، وفيه: "أن الرسول ﷺ كان يضع كفه الأيمن على ظاهر كفه الأيسر والرسغ وأيضًا الساعد" (١)، أيْ أنه يوسطها، فجزء من الكف يذهب إلى الساعد، ووسطها على الرسغ، وطرفها الأيمن على الكف، فهكذا تكون صفة أُخرى.
ووَردَ في قصة صلاة عبد اللَّه بن مسعود -وهذا دليل رابع- في هذه المسألة: "أنه كان يصلي، فمر به رسول اللَّه ﷺ وهو واضع شماله على يمينه، فأخذ الرسول ﷺ بيمينه فوضعها على شماله" (٢).
وأما ما نقل عن السلف من الصحابة فهي آثار كثيرة في هذه المسألة.
إذًا، هذه المسائل جاءت نصًّا في وصف صلاة رسول اللَّه ﷺ أنه كان يقبض في الصلاة، وأنه كان يضع كفه الأيمن على كفه الأيسر، وقد رأينا أن بعض الأحاديث أَطلق، وبعضها قيَّد ذلك، أما الآخرون -فكما قلنا- يذهبون إلى الاستدلال بحديث المسيء، وقد أشرت سابقًا إلى أن العلماء أيضًا أشاروا إلى حكمة في أمر القبض، عندما يقبض الإنسان في صلاته؛ فيكون أسلم له من أن يعبث بيديه، لأنه ربما لو ترك يديه فإنه يرفعها هنا وهناك، ويُكثر من حركتها، لكن عندما يضعهما هكذا يكون أسلم له من العبث؛ هذا أمر، والأمر الثاني، أن هذا أقرب إلى الخشوع، واللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ومعلوم أنه كل ما زاد حقيقة خشوع المرء؛ زاد ثوابه في صلاته، كما أن خشوع المرء في صلاته إنما هو دليل على سكون قلبه، واطمئنان فؤاده، بمعنى أن القلب لم يشتغل بأمور الدنيا، وإنما انصرف
стр. 1616
إلى أمور الآخرة؛ فاتجه إلى اللَّه ، لذلك تجد أن الإنسان خاشع في صلاته.
كذلك قالوا إن هذا القبض على هذه الهيئة من هيئات الصلاة فيها زيادة من التذلل والخضوع، وزيادة في الانقياد والطاعة للَّه .
ولذلك عندما ترى المصلي مرخيًا يديه، وترى آخر قابضًا يديه؛ تشعر القابض يظهر عليه الخشوع والخشية أكثر من ذلك.
إذًا، هذه الهيئة علَّل العلماء وبينوا الحكمة منها، فلا شك أن القبض كما بينَّا فيه فوائد عدة، والتي منها ما أشرنا إليه.
* قوله: (فَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الفَرْضِ، وَأَجَازَهُ فِي النَّفْلِ) (١).
تعلمون أن بعض العلماء يعلل أن الإمام مالكًا إنما ترك ذلك لأَلَمِ كان في يديه (٢)، ويذكرون عادة عللًا في ذلك، فالإمام مالك ﵀ مَا ترك ذلك -كما يذكر بعضهم عنه- اختيارًا، وإنما لسببٍ، والإنسان كما
стр. 1617
نعلم عندما يترك أمرًا لسببٍ لا يمكن أن يحمل هذا، وأن يلزم بمثل ذلك الأمر؛ ولذلك سيأتي في الإقعاء أن عبد اللَّه بن عمر ﵄ كان يجلس؛ لأن الإقعاء له جلستان: الجلسة المعروفة عند الفقهاء، والجلسة المعروفة عند أهل اللغة (١)؛ ولذلك سنرى أنَّ المؤلف ربما يُنبه على أنَّ العبادلة كانوا يفعلون ذلك، وإذا أطلقنا العبادلة؛ فَيُراد بهم الخمسة.
وقال ابن عمر: "لا تقتدوا بي فإني كبرت" (٢).
إذًا، عبد اللَّه بن عمر كان يجلس جلسة الإقعاء، لكنه قال: "لا تقتدوا بي لأني كبرت"؛ فكان مضطرًّا؛ ولهذا عندما يكبر الإنسان يتغير حاله.
وسبق وبيَّنا أن العلل التي ذكرها العلماء في التفريق بين الجلسة الأولى في التشهد الأول والجلسة الثانية في التشهد الآخر، سبب افتراشه ﵊، وسبب التورك في الثاني، حيث قالوا: لأنه في الأول التشهد قليل لا يطول، ولأن جلسة المفترش تكون أقرب إلى القيام وأهيأ له، فلا تلحق الإنسان مشقة عندما يقوم، وخاصة إذا كان في سن متقدمة، أما الجلوس متوركًا فالتشهد الأخير يطول، وفيه راحة أكثر؛ فالإنسان أيضًا يأخذ الدعاء بكل راحة.
* قوله: (وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهُمُ الجُمْهُورُ) (٣).
هذا قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمَن بعدهم.
стр. 1618
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَتْ آثَارٌ ثَابِتَةٌ نُقِلَتْ فِيهَا صِفَةُ صَلَاتِهِ ﵊، وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى).
وهل نُقِل فيها أنه لم يكن يضع؟ فنرد عليهم بهذا، وهل ورد في حديث واحد أن الرسول ﷺ أطلق يده؟ وهذه الأحاديث التي ذكرنا: حديث أبي حازم (١)، وحديث وائل بن حجر (٢) الذي في "صحيح مسلم"، والحديث الآخر عند أبي داود في "سننه" (٣)، وغيره، وقصة عبد اللَّه بن مسعود (٤) عندما أخذ الرسول ﷺ بيده اليمني فوضعها فوق اليسرى، وفي آثار كثيرة عن الصحابة.
* قوله: (وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُؤْمَرُونَ بِذَلِكَ (٥). وَوَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ ﵊).
واللَّه يقول في القرآن الكريم: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] (٦) إذًا هذا مشار إليه في القرآن الكريم وإن لم يكن ذكره في هيئة الصلاة، لكن ذلك أيضًا مطلوب؛ ولذلك يذكر العلماء وخاصة الذين يتكلمون فيما يتعلَّق بالخطابة وغيرها، فنحن نعرف أنَّ الطُّلاب في أول حياتهم عندما يقوم الإنسان ليتكلَّم في جمعٍ مِن النَّاس تعلوه الخشية
стр. 1619
والرَّهبة والخَوف، وقد يضطرب، بل وقد ترتعد فرائصه في هذا الموقف، وهذا مجرب ومعروف، لكنه حينئذ عندما يمسك بيديه، ويلم بنفسه؛ فإنه يحس بالاطمئنان أكثر، هذا فيما يتعلَّق بالأمور العادية، أما بالنسبة للصلاة فلا شك أن القبض -كما هو ظاهر- فيه زيادة خشوع، وأيضًا العلل التي أشرنا إلى بعضها مرارًا، وقد ذكر العلماء غير ذلك، لكن لا نريد أن يطول بنا المقام.
* قوله: (فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فَرَأَى قَوْمٌ (١) أَنَّ الآثَارَ الَّتِي أَثْبَتَتْ ذَلِكَ (٢) اقْتَضَتْ زِيَادَةً عَلَى الآثَارِ الَّتِي لَمْ تُنْقَلْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ (٣)، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهَا (٤)).
وإذا جاءت الزيادة عن ثقاتٍ ولا معارضة لها، فنحن نأخذ بها، وهذه الزيادات نحن ذكرنا أكثر مما ذكر المؤلف، لكنه أيضًا قد سبق ببعض الأدلة.
* قوله: (وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ الأَوْجَبَ المَصِيرُ إِلَى الآثَارِ الَّتِي لَيْسَت فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ) (٥).
هذه ليست أكثر، وغير مسلمة، فكون جملة من الأحاديث سكتت عن الأمر لا يدل على ذلك؛ لأن هذه هيئةٌ رأى الصحابة ﵃ الرسول
стр. 1620
الكريم ﷺ يفعلها، ونقلوها عنه، ولذلك أخذوها وساروا عليها ونفذوها؛ ولذلك لم يُنقل عن أحد منهم إلا عبد اللَّه بن الزبير أنه قال بذلك، فأين القول عن بقية الصحابة أنهم سدلوا في الصلاة؟ لم نره نُقِل عن أحد منهم.
إذًا، هناك أحاديث سكتت، وأحاديث بيَّنت ذلك، ولم يرد حديث واحد فيه إرخاء اليدين وسدلها، وإنما جاء في حديث المسيء الإطلاق، وحديث المسيء إنما تحدث عن بعض الأركان لا عن جميعها (١).
* قوله: (وَلِكَوْنِ هَذِهِ لَيْسَتْ مُنَاسِبَةً لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَانَةِ).
كما ذكرنا في الآية: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢]، فالمؤلف يريد أن يُشير إلى أن هذه ربما ينظر إليها على أن الإنسان يستعين بها، ربما الإنسان إذا سدل يديه قد يتعب، لكن عندما يضم يديه يضم بعضه إلى بعض؛ فتكون في هذه إعانة في الصلاة.
والواقع أن من ينظر إلى من يقبض يرى أن هيئته هيئة خشوع، يختلف عن غيره؛ لنطبق ذلك عمليًّا عندما نجد الإنسان واقفًا هكذا مرخيًا يديه، لا نحس بالراحة، لكن عندما ننظر إلى رجل ملتزم بالسنة فإننا نحس فيه الخشوع أكثر والطمأنينة.
* قوله: (وَلِذَلِكَ أَجَازَهَا مَالِكٌ فِي النَّفْلِ وَلَمْ يُجِزْهَا فِي الفَرْضِ (٢)، وَقَدْ يَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا هَيْئَةٌ تَقْتَضِي الخُضُوعَ، وَهُوَ الأَوْلَى بِهَا).
قد رجع هنا إلى ما كان تكلم عنه قبلُ، إذًا فيها خضوع لا شك؛
стр. 1621
لأن أولًا المؤمن مطالَب بأن يخضع للَّه : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فالخلق كلهم يجب أن يخضعوا للَّه، وإذا كان المؤمن ينبغي أن يخضع للَّه في كل حال مِن أحواله؛ فأوْلَى أحواله أن يكون ذلك في الصلاة التي وصفها الرسول ﷺ بقوله: "والصلاة نور" (١)، وقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً يوم القيامة" (٢).
إذًا، لا شك أن الصلاة هي موضع خضوع، وفيها ذلٌّ، بل فيها انقياد وانطراحٌ بين يدي اللَّه ، فهل هناك أكثر من أن الإنسان يضع جبهته في الأرض، ويمرِّغ أشرف ما في الإنسان، هو "وجهه"؛ ولذلك يضعه في الأرض، ويلصقه فيها؟!
وسنأتي -إن شاء اللَّه- إلى مسألة يتكلم فيها العلماء حول الأعضاء التي يجب السجود عليها، وأنه يسجد على جبهته قولًا واحدًا، إلا الحنفية؛ فإنهم يرون أنه لو اقتصر على الأنف جاز.
إذًا سجوده على الوجه أليس هذا غاية الذل، والخضوع والانقياد، والتسليم للَّه ، فهو قد سلَّم أمره للَّه ، وعندما سلم أمره للَّه؛ فإنه يرجو الثواب من اللَّه وهو في حالة السجود، حيث أقرب ما يكون من ربه؛ فإذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن يكون ذليلًا خاضعًا،
стр. 1622
والذل للَّه مطلوب، والخضوع للَّه مطلوب؛ وإنما الذل للبشر والخضوع هو المنهي عنه، أمَّا أن تكرم البشر وترق لصغيرهم وتحترم كبيرهم؛ فهذا مطلوب، لكن دون أن تخضع لهم، ولا أن تذل لهم، ولا تصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة، فذلك ما لا يجوز إلا للَّه مهما كان لهذا البشر من مكانة، ومهما علَتْ مكانة هذا الإنسان، وسمت منزلته بين الناس، وحتى وإن كان من الصالحين؛ فلا ينبغي أن يخضع له، وإنما تحترم هؤلاء، وتنزلهم المنزلة اللائقة بهم، "أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم" (١)، لكن أن تصرف للمخلوق ما لا يجوز صرفه إلا للَّه؛ فذاك هو المنهي الممنوع.
* قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ).
هذه تعرف بجلسة الاستراحة، فما هي جلسة الاستراحة؟
أقول: عندما يقوم الإنسان أثناء صلاته من السجدة الثانية إلى الركعة التالية، فالبعض هنا يقومون مباشرة، والبعض يجلسون قليلًا ثم ينهضون، بمعنى أنهم يقعدون كما يقعدون في حالة التشهد الأول حتى يعود كل عظم إلى موضعه، ثم ينهضون.
والحقيقة أنه قد ورد هذا وورد هذا، وهي تُعرف فقهيًّا بـ "جلسة الاستراحة".
بهذا قد عرفنا جلسة الاستراحة، والسؤال هنا: هل جلسة الاستراحة يفعلها الإنسان المحتاج إليها الذي قد تلحقه مشقة في صلاته، أو عليه أن يجلس جلسة الاستراحة بشكل عام؛ لأنها هي سُنة قد ثبتت عن الرسول ﷺ ؟
стр. 1623
نحن نجد أن أكثر الفقهاء لا يأخذون بجلسة الاستراحة، وأن قليلًا منهم يأخذ بها، وأن الذين يأخذون بذلك هم الشافعية (١)، وهي رواية للإمام أحمد (٢)، وأن أكثر الفقهاء لا يرون جلسة الاستراحة أصلًا، لكن الحقيقة أنه قد ورد من الأدلة ما يدل عليها، وجاءت أحاديث أُخرى تدل على أن الرسول ﷺ نهض من السجود إلى القيام ولم يجلس، فبأي تلك الأدلة نأخذ؟
* قوله: (اخْتَارَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ لَا يَنْهَضَ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا).
هذا هو المعروف والمشهور من مذهب الشافعية (٣)، وهي رواية للإمام أحمد (٤)، وبها قال جمع من العلماء (٥).
* قوله: (وَاخْتَارَ آخَرُونَ أَنْ يَنْهَضَ مِنْ سُجُودِهِ نَفْسِهِ).
стр. 1624
وهذا هو قول جمهور العلماء، ومنهم: الحنفية (١)، والمالكية (٢) وهي الرواية المشهورة عند الحنابلة (٣).
* قوله: (وَبِالأَوَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَبِالثَّانِي قَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ).
الجماعة أبو حنيفة وأحمد في المشهور، وغير هؤلاء كثير.
هنا مسألة، وهي: عندما نأتي إلى قضيةٍ ما، فليس معنى ذلك أنه يلزم أن نجد كل جمهور العلماء قالوا بها، وكذلك عندما نأتي إلى الأئمة الأربعة فنجد أن أحدهم في جانب، وثلاثة في جانب؛ فلا يلزم من هذا أن يكون هذا الذي انفرد قوله ضعيفًا والثلاثة قولهم هو القوي، كما لا يلزم أيضًا أن يكون قول الجمهور هو الصحيح، وقول الآخر هو الضعيف، بل قد يكون هذا الذي انفرد عن الأئمة بقولٍ؛ فقد يكون أحدهم قوله هو القوي؛ لأنه يتمسك بحديثٍ صحيح.
стр. 1625
إذًا، ليس معنى هذا أن صحة الأقوال وترجيحها تُبنَى على الكثرة، هذا في الغالب، فنعم غالبًا ما نجد أن قول الجمهور هو الراجح، لكن هناك مسائل كثيرة في أي مذهب من المذاهب، نجد أن كثيرًا من الآراء أو عددًا من الآراء نجد أن الإمام أبا حنيفة انفرد بها، وأنها الراجحة، وأُخرى انفرد بها الإمام مالك وهي أرجح، وثالثة أيضًا وقف عندها الإمام الشافعي وهي أرجح، ورابعة أخذ بها الإمام أحمد وقوله فيها وإن انفرد به فهو أرجح من غيره؛ فعلى هذا، كل ما نريد أن نصل إليه ألَّا نجعل ترجيح الأقوال مبنيًّا على كثرة القائلين به، فلا يلزم من صحة القول كثرته، إنما متى يكون القول راجحًا بصحة دليله، فالقول الراجح هو الذي تدعمه أدلة الكتاب وتعضده أدلة السنة الصحيحة الصريحة.
ولذلك نرى أن الشافعي يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي" (١).
ومَن يعرف هذا المذهب يجد أن الشافعية أحيانًا ينسبون للإمام الشافعي ما لم يقل؛ لأنهم قالوا إنه وضع قاعدة في ذلك "إذا صح الحديث فهو مذهبي"؛ أي: إنه يقول به.
إذًا، ينبغي أن يكون هذا هو قول الإمام الشافعي، وهو حقيقة رأي جميع الأئمة؛ فكلهم -رحمهم اللَّه تعالى- وغيرهم يبغي الوصول إلى الحق، ولا يريد غيره أبدًا، ولا نظن أن بعض الأئمة يُقدِّم الرأي على الحديث؛ فهذا أمر لم يصح، ولذلك نجد أن أبا حنيفة لما سُئل فيما جاء عن اللَّه؟ قال: "إذا جاء الأمر عن اللَّه؛ فعلى العين والرأس، وإذا جاء عن رسوله؛ فعلى العين والرأس، وإذا اتفق الصحابة على قول؛ أخذناه، وإذا اختلفوا؛ اخترنا من أقوالهم، وإذا جاء عن التابعين فهم رجال ونحن
стр. 1626
رجال" (١)، ويعني بذلك أن نجتهد كما اجتهدوا، وهذا يُقبل من أبي حنيفة، لأنه كما هو معلوم يُعد من التابعين (٢)، وهناك خلاف على هذا، لكن هذا هو الأشهر، ويُذكر في ذلك أنه روى حديثًا عن أنس ﵁ أحاديث منها، قال: "رأيت أنس بن مالك غائبًا يصلي في مسجد البصرة. . . " (٣)، لا شك أن أنسًا توفي وأبو حنيفة كان شابًّا يافعًا، لكن هل التقى به (٤)، هذا أمر يحتاج إلى تحقيق، فلو قلنا إنه رآه فهو تابعي، بل يذكر الحنفية أنه روى عنه هذا الحديث: "من قال لا إله إلا اللَّه خالصًا من قلبه دخل الجنة" (٥)، وهذا حديث رواه غيره، وهو حديث صحيح (٦).
ومع هذا يقول أبو حنيفة -لما قيل له فيما رآه: هذا الذي انتهيت
стр. 1627
إليه هو الحق الذي لا شك فيه؟ -؛ قال: لا أدري، لعله الباطل الذي لا شك فيه.
كذلك الحال بالنسبة للإمام مالك، كان يقول: "ما مِنَّا إلَّا رادٌّ ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر؛ يُشير إلى رسول اللَّه ﷺ " (١).
إذًا، هؤلاء بشَر يُؤخَذ من أقوالهم ويُرَد، وقد يصيب الإنسان ويخطئ، ومالك (٢) إمام دار الهجرة الذي تُضرب إليه أكباد الإبِل (٣) مِن مشارق الأرض ومغاربها، يُسأل عن عددٍ من المسائل، فيقول: لا أدري! (٤) واليوم قد يستحي طالب العلم إذا سُئل عن مسألة أن يقول: لا أدري! وهو. . مَن هو بالنسبة للإمام مالك؟!
والشافعي كما مر معنا، يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
وأحمد يقول: "لا تقلدني، ولا مالكًا، ولا الثوريَّ، ولا الأوزاعي، وخُذ مِن حيث أخذوا" (٥).
إذًا، كل ما أريد أن أصل إليه هو أنَّ رُجحَان القول يعتمد على قوة
стр. 1628
دليلِه وصِحَّته، وقد تكون الأدلة في كل الأقوال صحيحة، لكن توجد قرائن ومُرَجِّحَات أُخرى تميل بهذا القول، وتجعله مقدَّمًا علَى غيره، وقد تكون الأقوال متعادلة -كما نرى في كثيرٍ من المسائل- والترجيح يكون عند استحالة الجَمْع، فأيضًا أحيانًا يُؤخذ بالأحوط للمسلم، وأحيانًا يؤخذ بما فيه تيسير على الناس؛ لأننا نعلم أن هُناك عزائمُ، وهناك رُخَص، وبعض الناس يتشدد ويقف عند العزيمة، وهذا خطأ في الحقيقة، فالرسول ﷺ يقول: "إن اللَّه يحب أن تُؤتَى رُخَصه كلما يكره أن تؤتى معاصيه" (١)، فاللَّه -سبحانه وبحمده- عندما رخَّص لك ويسَّر لك في هذا الأمر؛ فلماذا نطرح هذه الرخصة وندَعها؟
إذًا، عندما نعمل بالرخصة قد نكون قد استجبنا لربنا، وعملنا بما جاء في سنة نبينا ﷺ .
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ الثَّابِتُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّه ﷺ يُصَلِّي "فَإِذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا" (٢)).
إذًا، هذا الحديث نصٌّ في جلسة الاستراحة إذا كان المصلي في وتر من صلاته.
ونقصد بالوتر هنا الركعات المُفردة، أي: الركعة الأولى أو الثالثة، أما الثانية فكما نعلم فيها إما الجلسة الأولى في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، أو الجلسة الأخيرة بالنسبة للصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد.
إذًا هذا الحديث نصٌّ، وهو عند البخاري في "صحيحه": "أن
стр. 1629
الرسول ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض وإنما يجلس" (١).
* قوله: (وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صِلَاتِهِ ﵊).
حديث أبي حميد ليس في "الصحيحين" لكنه أيضًا حديث صحيح.
* قوله: ("أَنَّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُوْلَى قَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ") (٢).
ولكن جاء في هذا الحديث في روايةٍ عند أبي داود في "السُّنن" وغيره، وهي صحيحة حديث أبي حميد، وفيه أيضًا: "أنَّ الرسول ﷺ عندما نهض من السجدة الثانية في الركعة الأولى قعد حتى رجع، أو عاد كل عظم إلى موضعه ثم نهض" (٣).
إذًا، هناك رواية في هذا الحديث فيها إثبات جلسة الاستراحة، لكن جلسة الاستراحة سُنة يُعمَل بها أحيانًا وقد تُترك أحيانًا.
стр. 1630
إذًا، نحن نقول الأحاديث فيها السكوت عن جلسة الاستراحة، وفي بعضها إثبات جلسة الاستراحة، فمعنى هذا أن الرسول ﷺ فعلها أحيانًا وتركها أحيانًا أُخَر؛ فنحن كذلك نفعل ما دامت قد صحت بأحاديث رسول اللَّه ﷺ ، لكن لا يلزم منها أن يفعلها الإنسان، ولا يُعاب من تركها كما لا يُعاب من فعلها.
فهذا من باب التوثيق، وهذه هيئات ثبتت عن الرسول ﷺ ، لا شك أن كلها هيئات مشروعة، ولا نقول فقط بأنَّ القصد هو أن يستريح المصلي، لا، هذا ليس فيه تعيين وإنما فيه أنه ﷺ كما رأينا لم ينهض في الحديث الأول، وفي رواية للحديث الذي جاء به حُجةٌ للجمهور.
إذًا، هنا نجد أن الجمهور لا يرون جلسة الاستراحة، ولكن الشافعي يرى ذلك؛ فمعنى هذا أن نقول بأن جلسة الاستراحة قد ثبتت، وينبغي أن نعمل بها.
* قوله: (فَأَخَذَ بِالحَدِيثِ الأَوَّلِ الشَّافِعِيُّ، (١) وَأَخَذَ بِالثَّانِي مَالِكٌ (٢)).
وأخذ بالثاني الجمهور وليس مالكًا وحده، ومعه أبو حنيفة وأحمد وغير هؤلاء.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا سَجَدَ، هَلْ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ؟) (٣).
стр. 1631
هذه قضية أيضًا مهمة، والكلام فيها كثير، ويحصل فيها الخلاف إذا سجد الإنسان؛ فأول ما يصل الأرض ويلامسها هي ركبتاه أو يداه، بمعنى هل يُقدِّم اليدين أو يُقدم الركبتين؟
وللجواب نقول: إنه قد ورد في هذا أحاديث، وفي ذاك أحاديث، كُل ذلك ورد عن الرسول ﷺ ، ولذلك فمِن أحسن مَن رأيته كتب في هذا الإمام النووي ﵀ في كتابه "المجموع"، عندما أراد أن يدرس المسألة، قدم لها، وقال: "صح في هذه أحاديث، وفي هذه أحاديث، لكننا نعرض الأحاديث، من باب بيان المسائل" (١)، وتكلم عن هذه المسألة، وتكلم عنها غيره أيضًا.
стр. 1632
لكن قد ثبت أن الرسول ﷺ قدَّم يديه، وثبت أيضًا أنه قدَّم رُكبتيه، وجاء في هذه أحاديث وفي هذه أحاديث.
فمن الأحاديث التي جاءت في تقديم الرُّكبتين: حديث وائل بن حجر (١)، ومِن الأحاديث التي جاءت في تقديم اليدين: حديث أبي هريرة (٢).
ووردت أيضًا آثار عن الصحابة ﵃ في هذه، وهذه.
وبعض العلماء من المحققين حاولوا أن يدرسوا هذه المسألة، وأن يجمعوا ما فيها، وأن يدققوا البحث فيها، وأذكر منهم ابن القيم (٣) ﵀ ومعلوم أن ابن القيم عندما يدرس مسألة من المسائل فإنه يعني بتحقيقها وتدقيقها، وهو بذلك يأخذ برأي القائلين بتقديم الركبتين (٤)، ويرى أيضًا أن الحديث الذي جاء فيه تقديم اليدين حصل فيه قلب، أيْ: انقلب على الرواة (٥).
стр. 1633
ونقول: إنْ فعل هذا؛ فهو صحيح، وإن فعل هذا؛ فهو صحيح، لكن أيهما الأفضل والأوْلَى؟
* قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ اليَدَيْنِ) (١).
ثم تجدهم يختلفون في بروك الجَمَل (٢)، هل يقدم يديه أو يقدم رجليه؟ فبعضهم يقول هذا، وبعضهم يقول ذاك؛ لأن النهي عن التقديم جاء فيه: "ولا يبرك بروك الجمل"، وهذا ورد بتقديم الركبتين، ولكنهم يرون أن هذا انقلب، والمؤلف سيذكر هذا الحديث.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ حُجْرٍ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ") (٣).
إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه أولًا، ثم بعد ذلك يتبعها باليدين.
* قوله: (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ") (٤).
стр. 1634
بروك البعير؛ هل هو يقدم رجليه أو يديه؟
هم يقولون (١): "وليضع ركبتيه قبل يديه"، حصل فيه قلب هكذا يقولون، لكن جاءت آثار عن الصحابة تؤيد هذا وتؤيد هذا، وأحيانًا أيضًا الإنسان قد يحتاج أن يقدم يديه، فقد تلحقه مشقة بالنسبة للركبتين، وتجد مثلًا بعضهم يقول: إن تقديم اليدين فيه تجنب لِأَنْ يكفت الإنسان ثوبه؛ لأنَّ بعضهم إذا جاء على ركبتيه ربما يكف ثوبه ويرفعه، بينما إذا أقبل بيديه لا يحصل ذلك، لكن لا شك أن الأشهر هو تقديم الركبتين.
* قوله: (وَكانَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) (٢).
ورد عن السلف هذا (٣)، وورد عنهم هذا.
* قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ).
يقصد المؤلف أن بعض أهل الحديث، إنما هو الإمام الخطابي، وتكلم ﵀ عن هذا في شرحه على "سنن أبي داود"، فالمقصود هنا هو الإمام الخطابي وهو من علماء الحديث، بل من العلماء المحققين أصحاب الشأن.
стр. 1635
* قوله: (حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) (١).
يعني يقدمه من حيث السند؛ إذًا قال: بأنَّ حديث أبي هريرة حصل فيه قلب.
* قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ يَكُونُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: الوَجْهِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، لِقَوْلِهِ ﵊: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ" (٢)).
هنا ندخل فى مسألة جوهرية ومهمة، وسنرى أن الخلاف فيها أن بعض العلماء يرى أن لو كان الإنسان سجَدَ على جبهته فقط هل يكفيه، لأنه قد يصعب عليه، بمعنى أنه لو كان رافع الركبتين أو رافع القدمين فصلاته صحيحة، وبعضهم يرى عدم صحة ذلك.
فنجد أن الرسول ﵊ قال: "أمرت أن أسجد على سبعة. . . "، ففي الحديث قال: "اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة" (٣).
وفي بعض الأحاديث "الجبهة. . . " (٤)، ثم عدد الباقي، ومعنى ذلك
стр. 1636
أن الأحاديث يختلف بعضها عن بعض، فليس ذِكْر اليدين أولًا أنها قبل الوجه، إنما القصد أنها وردت في الحديث.
وفى بعض الروايات جاء ذكر الأنف مع الجبهة (١).
وفي بعضها سكت، وفي بعضها أن الرسول ﵊ "سجد على جبهته" (٢)، في معنى الحديث، أي: على شعره، ومعنى هذا أنه سجد على بعض جبهته؛ ولذلك يختلف العلماء في بعض المسائل:
فلو سجد المصلي على جبهته دون أنفه، هل تصح صلاته أم لا؟
ولو سجد على أنفه دون جبهته، هل تصح صلاته أم لا؟
ولو سجد على بعض جبهته، هل تصح صلاته أم لا؟
ولو سجد رافعًا قدميه، هل تصح صلاته أم لا؟
وكذلك الحال بالنسبة إلى الركبتين، فهذه قضية مهمة، ونحن نعلم أنَّ السجود ركنٌ مِن أركان الصلاة، وكذلك الاطمئنان ركن من أركان الصلاة كالحال في الركوع؛ لأن الركوع أيضًا ركن من أركان الصلاة، وكذلك الرفع من الركوع، وأيضًا الاطمئنان في الركوع والسجود هما ركن، وكذلك السجود. . .
إذًا، هذه مسألة فيها خلاف كبير بين العلماء، وهي مِن الأمور التي يتجنب فيها الإنسان الخلاف.
فالبعض على سبعة أعضاء، والبعض على سبعة أعظُم، والقصد هنا أن يسجد الإنسان على جبهته وأنفه، وكذلك يسجد على كفيه وعلى ركبتيه وعلى أطراف القدمين؛ هذا الذي ورد، لكن هل السجود بهذه الهيئة
стр. 1637
واجب متعين، أو يكفي فيه بعضه، هذا الذي سيتحدث عنه المؤلف.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى وَجْهِهِ وَنَقَصَهُ السُّجُودُ عَلَى عُضْوٍ مِنْ تِلْكَ الأَعْضَاءِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟) (١).
стр. 1638
فالإنسان إذا سجد على وجهه سواء، قلنا على الجبهة والأنف ورَفَع القدمين أو رفع قدمًا أو رفع يدًا، هل يعتبر سجوده صحيحًا أم لا؟
اختلفوا في حكم هذه المسألة، وسبب الخلاف فيها الحديث، كما ظاهر وصريح دلاته على المدعي، "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء"، ما هي الأعظُم؟
بيَّنهَا الرسول ﷺ بيانًا شافيًا: الجبهة، واليدين، والرُّكبتَيْن، والقدَمين، ثم يأتي الفقهاء فيفصلونها ويقولون: الجبهة، والأنف، وبعد ذلك: الكفين على الركبتين وأطراف القدمين.
إذًا، هذه أمور سبعة: "الوجه، ثم اليدان، ثم الركبتان، والقدمان"، إذًا الأمر أن يسجد على سبعة أعضاء بعضهم يقول: السجود يجب أن يكون على الوجه وحده، وعللوا بأن أصل السجود لا يكون إلا في الوجه، ولذلك نجد في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره، أن الرسول ﵊ قال: "سجد وجهي للَّه الذي خلقه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره" (١).
فالشاهد في هذا الحديث: "سجد وجهي للَّه"، قالوا إنَّ مَن يضع رجله أو يده أو قدمه لا يُسمَّى ساجدًا؛ وعلى هذا فالسجود يختص بالوجه؛ والمتعين هنا والفرض إنما هو السجود على الوجه، ثم يختلف
стр. 1639
هؤلاء هل الواجب هنا السجود على الوجه؛ لأن الرسول ﷺ في بعض الأحاديث قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة. . . " (١)، وأشار إلى الأنف، فيكون معنى هذا أن الأنف والجبهة شيء واحد، فهل يقتصر على هذا؟ هذا هو مدار الكلام.
وبعض العلماء (٢) -وهم قلة- يقولون: إن الأكمل في السجود أن يسجد على جميع الأعضاء، لكن لو ترك شيئًا منها غير الوجه، كأنْ يقتصر على الأنف وحدها هل تصح صلاته؟
الجواب: الذين قالوا بعدم وجوب السجود إلا على الوجه حُجتهم الحديث "سجد وجهي للَّه"، وقالوا إن السجود يكون على الوجه دون غيره، فلو أن إنسانًا وضع يده لا يقال سجد، لكن لا ننسى أن السجود لا يمكن أن يكون على الوجه إلا بانضمام الأعضاء إليه، وإلا فهل يمكن أن يسجد الإنسان دون أن يستعين ببقية أعضائه؟ بالطبع لا يمكن، بل إن الإنسان عندما يسجد في الصلاة بغير أن يضع كفيه على الأرض مع ركبتيه ويديه، فلا بد وأنه يحتاج إلى بعض هذه الأشياء، وكذلك الإنسان أيضًا عندما يسجد سجدة الشكر والتلاوة وغيرهما فإنه يحتاج إلى هذه الأعضاء.
إذًا، إن قلنا إن السجود في الأصل يطلق على الوجه؛ فهذا هو الأصل، لكن السجود لا يتم إلا بانضمام هذه الأعضاء إلى الوجه، هذا هو القول الصحيح.
стр. 1640
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ اسْمَ السُّجُودِ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الوَجْهَ فَقَطْ).
قالوا أيضًا: لا يُسمَّى الإنسان ساجدًا إلا عندما يسجد على وجهه.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: تَبْطُلُ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى السَّبْعَةِ الأَعْضَاءِ لِلْحَدِيثِ الثَّابِتِ).
هذا مشهور، وهو مذهب الإمام أحمد (١) ﵀ وكذلك مذهب غيره.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ فَقَدْ سَجَدَ عَلَى وَجْهِهِ) (٢).
هذا أمرٌ مسلَّم أنَّ مَن سجد على وجهه: على جبهته وأنفه، فهو ساجد، لكن مَن سجد على الجبهة وحدها أو على الأنف وحده، هل يُسمَّى ساجدًا؟
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَجَدَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ دُونَ أَنْفِهِ جَازَ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ لَمْ يَجُزْ).
هذا قول مالك (٣)، وهو أيضًا عند الشافعي (٤)، ورواية عند الإمام
стр. 1641
أحمد (١)، ويعني هذا أن لو سجد إنسان على جبهته، فنحن لا نتكلم عن بقية الأعضاء، فهو لم يسجد على الأنف، وهنا تصح صلاته عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة أيضًا في رواية عنهم، وللحنابلة رواية أُخرى (٢) أن صلاته لا تصح إلا بالسجود عليهما معًا؛ لأن الرسول ﵊ أمر بالسجود على الجبهة والأنف، وفي رواية: على الجبهة، وأشار إلى الأنف.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "بَلْ يَجُوزُ ذَلِك" (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا" (٤)).
وهذا في رواية، لكن في رواية أُخرى عند مالك، كالحال بالنسبة إلى مذهب الحنابلة.
стр. 1642
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الوَاجِبُ هُوَ امْتِثَالُ بَعْضِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَمْ كُلِّهِ).
الحديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم"، ولم تأتِ مُطْلَقة، بل جاء الرسول ﵊ وفصَّلهَا، وبيَّنهَا بيانًا شافيًا "الجبهة. . . "، وفي بعض الروايات: "والأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين"، فبيَّن هذه الأعضاء.
وقال: "أُمِرت"، والأمر يقتضي الوجوب، ثُم بيَّن المأمور به وحدده في هذه الأعضاء.
هل مِن المُمكن أن نطرح حديثًا صحيحًا ثُم نأخذ بأدلَّةٍ عامَّة؟ هذا هو محل النقاش والسؤال، ولا شك أنَّ الأولَى والأرجح في هذه المسألة أن يسجد الإنسان على هذه الأعضاء، أما أن يُعذَر الإنسان بأنه لا يستطيع أن يسجد علَى عضو مِن هذه الأعضاء، فـ "الضرورات تبيح المحظورات".
كذلك يسقط عن الإنسان أن القراءة ركن في الصلاة، ومع ذلك تسقط عن الإنسان الذي لا يتكلم، وهنا يختلف العلماء. . .
الإنسان الأخرس الذي لا يتكلم، هل يلزمه أن يحرك لسانه؟ هذه أيضًا مسألة يختلفون فيها.
فعندما يعجز الإنسان عن القراءة، هل يلزمه أن يحرك لسانه؛ لأن اللسان هو الوسيلة إلى القراءة؟
كذلك إنسان أصلع، لا شعر في رأسه، هل يلزمه في الحج عندما يؤدي نسُك الحج والعمرة أن يمر الموسى عليه (١)؟
стр. 1643
كل هذه قضايا محل خلاف، والصحيح أنَّ ذلك لا يلزم؛ لأنه عجز عن ذلك.
أيضًا لو أن إنسانًا أراد أن يسجد، ولو سجد على جبهته أو وضع أنفه على الأرض سال منه الدم؟
فكلها قضايا تكلم عنها العلماء؛ إذًا، كل مقامٍ يلحق الإنسان فيه ضرر؛ فإن الشريعة الإسلامية لاحظَتْ ذلك الأمر، ويَسَّرَت، وخفَّفَتْ على النَّاس، لكن بغير أن يلحق الإنسان الضرر؛ فينبغي للمسلم أن يقف عند حدود هذه الشريعة ولا يتجاوزها.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵊ الثَّابِتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ (١) "، فَذَكرَ مِنْهَا الوَجْهَ. فَمَنْ رَأَى أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ بَعْضُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، قَالَ: إِنْ سَجَدَ عَلَى الجَبْهَةِ أَوِ الأَنف أَجْزَأَهُ).
إذًا، الفقهاء يختلفون هذا الاختلاف الواسع مع وجود دليل النص، فالاختلاف أتى من أنهم اختلفوا في فهم الحديث، ولم يجئ في الحديث هل مفهومه الوجوب أو لا، لكنهم أخذوا بأن السجود عندما يُطلق فيدل على الوجه، وأيدوا ذلك بالحديث: "سجد وجهي للَّه الذي خلقه وصوره"؛ فهذا دليل أيضًا كما ذكر المؤلف.
وعندما يأمر بأمر، هل تأدية بعض ذلك الشيء يكفى أو لا؟ كما رأينا في مسح الرأس أن اللَّه ، يقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فاللَّه أمر بمسح الرأس، وجاءت السُّنة لتبيِّن أن الرسول بدأ بمقدمة رأسه حتى مؤخرتها وعاد، ومع ذلك اختلف العلماء.
стр. 1644
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ السُّجُودِ يَتَنَاوَلُ مَنْ سَجَدَ عَلَى الجَبْهَةِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ سَجَدَ عَلَى الأَنْفِ أَجَازَ السُّجُودَ عَلَى الجَبْهَةِ دُونَ الأَنْفِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ تَحْدِيدُ البَعْضِ الَّذِي هُوَ امْتِثَالُهُ هُوَ الوَاجِبُ مِمَّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ).
البعض يرى في عبارات هذا الكتاب صعوبة، لكن المؤلف له مناهج متعددة، فتجد أنه يوجز في مواضع يتطلب المقام فيها التفصيل، وأحيانًا يفصل في مواضع قد لا يحتاج فيها الأمر إلى كل التفصيل، فهذه مسألة مما فصل فيه، ولو أضاف لها شيئًا من الأدلة؛ لكان أَوْلَى.
* قوله: (وَكَانَ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّيْءِ، فَرَأَى أَنَّ بَعْضَهَا يَقُومُ فِي امْتثَالِهِ مَقَامَ الوُجُوبِ، وَبَعْضَهَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَتَأَمَّل هَذَا، فَإِنَّهُ أَصْلٌ فِي هَذَا البَابِ، وَإِلَّا جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِنْ مَسَّ مِنْ أَنْفِهِ الأَرْضَ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ تَمَّ سُجُودُهُ).
يحكي قول مَن يقول إنَّ مجرد أنْ يمسَّ جزءٌ ولو يسيرًا من الأنف أو الجبهة فيعتبر ساجدًا؛ وذلك لأن العلماء يتكلمون عن أمور وربما تركوا بعضها، لأننا قلنا إن هذا الكتاب ليس كتابًا مستوعبًا، وإنما هو كتاب أصول ومسائل، لا كتاب فروع، لأنه لو كان كتاب تفريع؛ لاحتاجت كل مسألة إلى أضعاف مضاعفة؛ لذلك فإن المؤلف أخذ أهم المسائل أو البارز منها، والتي تحدَّثَت عنها النصوص نصًّا أو ظاهرًا، كما قال ما نطق به النص أو ما هو قريب من النص.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الوَاجِبَ هُوَ امْتِثَالُ كلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَالوَاجِبُ عِنْدَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الجَبْهَةِ وَالأنف. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ (١): "إِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ قَدْ أَزَالَهُ فِعْلُهُ ﵊ وَبَيَّنَهُ").
стр. 1645
يتكلم عن روايةٍ عند الشافعي، والشافعيَّة لديهم روايتان، واحدة يوجبون فيها السجود على الجبهة والأنف، ورواية يقتصرون على الجبهة، لكن لا يكفي عندهم الأنف كالمالكية والحنابلة.
* قوله: (فَإِنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى الأنف وَالجَبْهَةِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّهُ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الطِّينِ وَالمَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُفَسِّرًا لِلْحَدِيثِ المُجْمَلِ).
وقال المؤلف أيضًا إن هذا دليل إضافي، على أن الرسول ﵊ سجد في موضع فيه ماء وطين؛ فبقي أثر ذلك على جبهته وأنفه، فدل هذا الفعل على أنه كان يسجد عليهما لا على أحدهما أو بعض أحدهما.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: "وَقَدْ ذَكرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكرُوا فِيهِ الأنف، وَالجَبْهَةَ") (١).
يريد هنا أنه جاء في بعض الروايات إثبات الأنف إلى جانب الجبهة.
* قوله: (قَالَ القَاضِي أَبُو الوَلِيدِ: "وَذَكرَ بَعْضُهُمُ الجَبْهَةَ فَقَطْ").
القاضي أبو الوليد هو المؤلف نفسه، فهل هذا هو قوله عن نفسه؟ لأن من العلماء من يتكلم عن نفسه فيقول هكذا، أو قد يكون من تلاميذه، أو من روى "بداية المجتهد" عنه.
* قوله: (وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ، وَذَلِكَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ).
الحُجة في أن يقول مالكٌ إن في بعض الروايات ذكر الجبهة فقط، وفي بعضها ذكرهما معًا الجبهة والأنف، لكن نحن في مثل هذا المقام الذي حصل فيه خلاف يبقى لدينا حديث أزال الإشكال، وهو: "أمرت أن
стр. 1646
أسجد على سبعة أعظُم. . . " (١)، فبيَّنها الرسول ﵊ غاية البيان، وحدَّدها أبلغ تحديد.
ثم المنقول من صفة صلاته ﵊ أنه كان يسجد على هذه الأعضاء، ولم يُنقل أنه كان يرفع يدًا أو قدمًا في الصلاة، وإنما المعروف من صلاته ﵊ أنه كان يسجد على جميع هذه الأعضاء، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، فكل الأدلة في جانب الذين قالوا بوجوب السجود على جميع الأعضاء، وإن كان هؤلاء قلة، لكن ليس معني هذا أن ينفرد جماعةٌ وإنْ دلَّلوا بقول فيكون دليل المخالفين أكثر.
ستأتي معنا مسألة مهمة، وهي مسألة صلاة الجماعة، وهي من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون، وسنرى أن أكثر الفقهاء يذهبون إلى أنها سنة (٣)، فهل نقول بأنها سنة كذلك؟
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ أَنْ تَكُونَ يَدُ السَّاجِدِ بَارِزَةً وَمَوْضُوعَةً عَلَى الَّذِي يُوضَعُ عَلَيْهِ الوَجْهُ).
لو أن الإنسان التف بثوبٍ ويداه داخلة، هل يجوز له أن يسجد ويداه في داخل الثوب، أو لا؟
مذهب جمهور العلماء جواز ذلك، أما المالكية فيرَوْن خلاف ذلك، بل ويرَوْن أن ذلك لا يؤثر في الصلاة.
ذكَر الحسن البصري، وهو من أفاضل التابعين، وأكبرهم، وعاصر كمًّا كبيرًا من الصحابةِ وروى عنهم، فروى أنَّ الصحابة كانوا يصلون وأيديهم غير بارزة (٤).
стр. 1647
* قوله: (أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شرطه؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): "ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ أَحْسَبُهُ شَرْطَ تَمَامِهِ").
ليس شرطًا أنه يبطل الصلاة، لكن المالكية ترى ذلك.
* قوله: (وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ).
هم جمهور العلماء؛ بقية الفقهاء (٢).
* قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي السُّجُودِ عَلَى طَاقَاتِ العِمَامَةِ) (٣).
стр. 1648
هذا الباب فيه تغطية بعض أعضاء السجود على طاقات العمامة التي تُعْرَف فقهًا بكور العمامة، والمقصود بكور العمامة: هو الإطار، أيْ: دائرة العمامة، فإذا سجد الإنسان عليها، هل يصح سجوده أو لا؟
كذلك لو كان ثوبه واسعًا فطرحه وسجد عليه أو مثل أن يأخذ الطرف الشمال ويضعه ويسجد عليه، وغير ذلك من الأمور، هل يصح ذلك أم لا؟
* قوله: (وَلِلنَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: قَوْلٌ بِالمَنْعِ، وَقَوْلٌ بِالجَوَازِ وَقَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى طَاقَاتٍ يَسِيرَةٍ مِنَ العِمَامَةِ أَوْ كَثِيرَةٍ، وَقَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَمَسَّ مِنْ جَبْهَتِهِ الأَرْضَ شَيْءٌ أَوْ لَا يَمَسَّ مِنْهَا شَيْءٌ).
المنع قال به مذهب الشافعية، لكن لا ينبغي أن نأخذه على إطلاقه، بمعنى أن هناك من يفهم مذهب الشافعية خطأ.
مثال: إن هناك إنسان لو سجد على كور العمامة أو على طرف ثوبه، فصلاته لم تصح.
فالشافعية يفصِّلون، بحيث أنه لو سجد على شيء من ذلك وبَدَا جزء من عضوه فسجد عليه حينئذ صلاته صحيحة، أما لو غطَّى الكل، فهذا لا يصح.
ويخالف الشافعيةَ جمهورُ العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة حيث أنهم
стр. 1649
ذهبوا إلى أن السجود جائز للإنسان أن يتقي الحر فيه بطرف شماغه أو ثوبه أو يده.
وسبب الخلاف هنا: أنه ورد في ذلك عدة أحاديث.
فالذين يذهبون إلى عدم الجواز، وهم الشافعية، ذهبوا إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على طرف العمامة، أو على كُمه، أو على طرف ثوبه.
دليلهم: فإنهم يستدلون بحديث خبَّاب بن الأرت، قال: "شكونا رسول اللَّه ﷺ شدة الحر فلم يشكنا (١) " (٢)، أي: لم يقبل شكوانا ولم يأخذ بها، لكن هذا مطلق، لأنه قد جاء حديث أنس المتفق عليه، وأصله في "صحيح مسلم" (٣) حيث ذكر فيه أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ في شدة الحر، فكان يضع أحدهم طرف ثوبه ويسجد عليه.
إذًا، هذا نصٌّ في هذه المسألة، قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا يتقون الحرارة بأنهم يبسطون أطراف ثيابهم فيسجد عليها" (٤)؛ فلا شك أن مذهب الجمهور في هذا هو الأظهر، وإن كان الأصل أن الإنسان لا ينبغي أن يسجد على شيء، لكن لو احتاج إليه فليفعل ولا حرج، لكن لو سجد على طرف ثوبٍ أو عمامة أو غير ذلك، فهذا لا يبطل صلاته، إن لم تكن هناك حاجة، وهذا هو الصحيح.
* قوله: (وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي المَذْهَبِ).
مذهب مالك وغير مالك، وهنا يريد المؤلف أن يقول إن هذه
стр. 1650
الجزئيات المنتشرة موجودة في مذهب مالك، لكنه لا يريد أن يعرض لها، فكأنه يقول إنها فروع ولذلك يطول بنا الوقت، لذلك فقد التزم بأمهات المسائل، ولا يخرج عنها، وعندما نرتبط بأمهات المسائل يُسهى علينا أن نعرِّف الجزئيات المتفرعة؛ لأن كل ما أشكل علينا في مسألة لا نردها إلى أصلها، وهذا هو المنهج، فكيف استطاع المتأخرون من تلاميذ الأئمة أن يتلمسوا، وأن يعرفوا العلل التي بنَى الأئمة مذاهبهم عليها؟
تتبعوا تلك الفروع، وأخذوا يبحثون عن علل الأحكام حتى وصلوا إليها، فلما وقفوا عندها أخذوا يخرجون عن أقوال أئمتهم، وهذا هو الفقه.
* قوله: (وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).
يقول: إن هذا موجود في المذهب، لكنه ليس خاصًّا به، لكنه موجود عند فقهاء الأمصار، وفقهاء الأمصار إذا أُطلِقُوا فالمقصود بهم الأربعة، لكن حقيقة الأمر ليس قاصرًا عليهم، بل هناك من الأئمة لا يقِلُّ مرتبة عنهم، كالأوزاعي في الشام، والثوري، وغيرهم.
* قوله: (وَفي البُخَارِيِّ كَانُوا يَسْجُدُونَ عَلَى القَلَانِسِ وَالعَمَائِمِ (١). وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ إِبْرَازَ اليَدَيْنِ فِي السُّجُودِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا نَكْفِتَ ثَوْبًا، وَلَا شَعْرًا" (٢)).
نكفت ثوبًا ولا شعرًا، أي لا نرفعه ونتركه مرخيًّا على حاله.