← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أسجد على سبعة أعظُم. . . " (١)، فبيَّنها الرسول ﵊ غاية البيان، وحدَّدها أبلغ تحديد. ثم المنقول من صفة صلاته ﵊ أنه كان يسجد على هذه الأعضاء، ولم يُنقل أنه كان يرفع يدًا أو قدمًا في الصلاة، وإنما المعروف من صلاته ﵊ أنه كان يسجد على جميع هذه الأعضاء، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، فكل الأدلة في جانب الذين قالوا بوجوب السجود على جميع الأعضاء، وإن كان هؤلاء قلة، لكن ليس معني هذا أن ينفرد جماعةٌ وإنْ دلَّلوا بقول فيكون دليل المخالفين أكثر. ستأتي معنا مسألة مهمة، وهي مسألة صلاة الجماعة، وهي من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون، وسنرى أن أكثر الفقهاء يذهبون إلى أنها سنة (٣)، فهل نقول بأنها سنة كذلك؟ * قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ أَنْ تَكُونَ يَدُ السَّاجِدِ بَارِزَةً وَمَوْضُوعَةً عَلَى الَّذِي يُوضَعُ عَلَيْهِ الوَجْهُ). لو أن الإنسان التف بثوبٍ ويداه داخلة، هل يجوز له أن يسجد ويداه في داخل الثوب، أو لا؟ مذهب جمهور العلماء جواز ذلك، أما المالكية فيرَوْن خلاف ذلك، بل ويرَوْن أن ذلك لا يؤثر في الصلاة. ذكَر الحسن البصري، وهو من أفاضل التابعين، وأكبرهم، وعاصر كمًّا كبيرًا من الصحابةِ وروى عنهم، فروى أنَّ الصحابة كانوا يصلون وأيديهم غير بارزة (٤).

стр. 1647

* قوله: (أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شرطه؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١): "ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ أَحْسَبُهُ شَرْطَ تَمَامِهِ"). ليس شرطًا أنه يبطل الصلاة، لكن المالكية ترى ذلك. * قوله: (وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ السُّجُودِ). هم جمهور العلماء؛ بقية الفقهاء (٢). * قوله: (وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي السُّجُودِ عَلَى طَاقَاتِ العِمَامَةِ) (٣).

стр. 1648

هذا الباب فيه تغطية بعض أعضاء السجود على طاقات العمامة التي تُعْرَف فقهًا بكور العمامة، والمقصود بكور العمامة: هو الإطار، أيْ: دائرة العمامة، فإذا سجد الإنسان عليها، هل يصح سجوده أو لا؟ كذلك لو كان ثوبه واسعًا فطرحه وسجد عليه أو مثل أن يأخذ الطرف الشمال ويضعه ويسجد عليه، وغير ذلك من الأمور، هل يصح ذلك أم لا؟ * قوله: (وَلِلنَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: قَوْلٌ بِالمَنْعِ، وَقَوْلٌ بِالجَوَازِ وَقَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى طَاقَاتٍ يَسِيرَةٍ مِنَ العِمَامَةِ أَوْ كَثِيرَةٍ، وَقَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَمَسَّ مِنْ جَبْهَتِهِ الأَرْضَ شَيْءٌ أَوْ لَا يَمَسَّ مِنْهَا شَيْءٌ). المنع قال به مذهب الشافعية، لكن لا ينبغي أن نأخذه على إطلاقه، بمعنى أن هناك من يفهم مذهب الشافعية خطأ. مثال: إن هناك إنسان لو سجد على كور العمامة أو على طرف ثوبه، فصلاته لم تصح. فالشافعية يفصِّلون، بحيث أنه لو سجد على شيء من ذلك وبَدَا جزء من عضوه فسجد عليه حينئذ صلاته صحيحة، أما لو غطَّى الكل، فهذا لا يصح. ويخالف الشافعيةَ جمهورُ العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة حيث أنهم

стр. 1649

ذهبوا إلى أن السجود جائز للإنسان أن يتقي الحر فيه بطرف شماغه أو ثوبه أو يده. وسبب الخلاف هنا: أنه ورد في ذلك عدة أحاديث. فالذين يذهبون إلى عدم الجواز، وهم الشافعية، ذهبوا إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يسجد على طرف العمامة، أو على كُمه، أو على طرف ثوبه. دليلهم: فإنهم يستدلون بحديث خبَّاب بن الأرت، قال: "شكونا رسول اللَّه ﷺ شدة الحر فلم يشكنا (١) " (٢)، أي: لم يقبل شكوانا ولم يأخذ بها، لكن هذا مطلق، لأنه قد جاء حديث أنس المتفق عليه، وأصله في "صحيح مسلم" (٣) حيث ذكر فيه أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ في شدة الحر، فكان يضع أحدهم طرف ثوبه ويسجد عليه. إذًا، هذا نصٌّ في هذه المسألة، قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا يتقون الحرارة بأنهم يبسطون أطراف ثيابهم فيسجد عليها" (٤)؛ فلا شك أن مذهب الجمهور في هذا هو الأظهر، وإن كان الأصل أن الإنسان لا ينبغي أن يسجد على شيء، لكن لو احتاج إليه فليفعل ولا حرج، لكن لو سجد على طرف ثوبٍ أو عمامة أو غير ذلك، فهذا لا يبطل صلاته، إن لم تكن هناك حاجة، وهذا هو الصحيح. * قوله: (وَهَذَا الِاخْتِلَافُ كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي المَذْهَبِ). مذهب مالك وغير مالك، وهنا يريد المؤلف أن يقول إن هذه

стр. 1650

الجزئيات المنتشرة موجودة في مذهب مالك، لكنه لا يريد أن يعرض لها، فكأنه يقول إنها فروع ولذلك يطول بنا الوقت، لذلك فقد التزم بأمهات المسائل، ولا يخرج عنها، وعندما نرتبط بأمهات المسائل يُسهى علينا أن نعرِّف الجزئيات المتفرعة؛ لأن كل ما أشكل علينا في مسألة لا نردها إلى أصلها، وهذا هو المنهج، فكيف استطاع المتأخرون من تلاميذ الأئمة أن يتلمسوا، وأن يعرفوا العلل التي بنَى الأئمة مذاهبهم عليها؟ تتبعوا تلك الفروع، وأخذوا يبحثون عن علل الأحكام حتى وصلوا إليها، فلما وقفوا عندها أخذوا يخرجون عن أقوال أئمتهم، وهذا هو الفقه. * قوله: (وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ). يقول: إن هذا موجود في المذهب، لكنه ليس خاصًّا به، لكنه موجود عند فقهاء الأمصار، وفقهاء الأمصار إذا أُطلِقُوا فالمقصود بهم الأربعة، لكن حقيقة الأمر ليس قاصرًا عليهم، بل هناك من الأئمة لا يقِلُّ مرتبة عنهم، كالأوزاعي في الشام، والثوري، وغيرهم. * قوله: (وَفي البُخَارِيِّ كَانُوا يَسْجُدُونَ عَلَى القَلَانِسِ وَالعَمَائِمِ (١). وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ إِبْرَازَ اليَدَيْنِ فِي السُّجُودِ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا نَكْفِتَ ثَوْبًا، وَلَا شَعْرًا" (٢)). نكفت ثوبًا ولا شعرًا، أي لا نرفعه ونتركه مرخيًّا على حاله.

стр. 1651

* قوله: (وَقِيَاسًا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ). يقرر المؤلف هنا أنك إذا أردت أن تسجد على الركبتين، هل ترفع ثوبك، فأنت منهيٌّ أن تكفت ثوبك؛ إذًا الركبتان مغطاتان، لكن يجاب عن هذا أن الأصل في الركبتين أنهما تُغطا، أما الوجه فالأصل فيه ألَّا يُغطى. * قوله: (وَعَلَى الصَّلَاةِ فِي الخُفَّيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهذَا العُمُومِ فِي السُّجُودِ عَلَى العِمَامَةِ). كذلك لو صلى الإنسان في الخفين أو في النعلين؛ فالصلاة في ذلك جائزة، ولكن ليس معنى هذا أن نصلي في الخفين، ونبرر هذا بأن الرسول ﷺ صلَّى، وأن هذه سُنة يجب علينا أن نعملها، ثم ندخل بهما في كل مكان! فلا ينبغي هذا؛ لأنه من باب التشدد. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: اتُّفِقَ عَلَى كَرَاهِيَةِ الإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنَ النَّهْي أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ كَمَا يُقْعِى الكَلْبُ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، فَبَعْضُهُمْ رَأَى أَنَّ الإِقْعَاءَ المَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ فِي الصَّلَاةِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إِقْعَاءِ الكَلْبِ، وَالسَّبُعِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لَيْسَتْ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ). هذه المسألة اختلف فيها العلماء، واختلافهم يدور حول أمرين، دون أن ندخل في التفصيلات الكثيرة. الإقعاء عند الفقهاء نوعان: أحدهما: أن ينصب المصلي قدميه، بمعنى أنه يفرشهما أو يقيمهما، ثم يجلس على عقبيه، ثم بعد ذلك يَدَع ركبتيه على الأرض، فيكون ناصبًا قدميه، جالسًا على أطراف أصابعه، ثم بعد ذلك يضع إليتيه على عقبيه.

стр. 1652

النوع الآخر: أن يجلس المصلي على إليته ناصبًا ساقيه، وبعضهم يقول: فخذيه، ويضع يديه على الأرض، وبعضهم يسكت عن ذلك (١). والجلسة التي يتكلم عنها الفقهاء، هي: نصب القدمين والجلوس على العقبين. السؤال: متى يجلسها المصلي؟ الجواب: جلوسه بهذه الطريقة يكون بين السجدتين في الركعة الأولى أو الثانية. وهناك جلسة أُخرى يدخل فيها الإقعاء في اللغة، وهي: أن يجلس على إليتيه ناصبًا ساقيه، ثم بعد ذلك يضع يديه على الأرض (٢). والحقيقة أن هناك عدة أحاديث وردت في النهي عن الإقعاء، ولكنني أقدِّم بمقدمة، وهي: أن مِن أحسن مَن تناول هذه المسألة هو الإمام البيهقي، بل من أوائل من تكلموا عن هذه المسألة تفصيلًا؛ لأنه عرض الأحاديث التي وردت في الإقعاء، وناقشها وبيَّنَ ضعفها، وانتهى إلى أنَّ الإقعاء المنهِيَّ عنه هو النوع الثاني، وتابعَهُ في ذلك أيضًا الإمام العلَّامة ابنُ الصَّلاح المعروف كلامه في هذه المسألة أيضًا، ثُم جاء أيضًا الإمام النووِيُّ وتكلم عن هذه المسألة، ولخص قول الإمامين، وتكلم عن قول الخطَّابي المحدث المعروف (٣)، الذي عارض

стр. 1653

في ذلك وخالفهما (١). ثم أثنى الإمام النووي على ما انتهى إليه الإمام البيهقي في هذه المسألة، وبيَّن أنه قد أتقن هذه المسألة وحرَّرَها، وأنه أتقنها غاية الإتقان، وأبدع فيها غاية الإبداع؛ هكذا ذكر الإمام النووي. أما عن الأحاديث التي وردت في ذلك، فمنها أحاديث نهت عن الإقعاء، بعضها موقوف، كالموقوف علَى علِيٍّ، وبعضها مرفوع إلى الرسول ﷺ ، مثل ما ورد: "نهَى أن يقعي الرجل إقعاء الكلب (٢) "، لكن ما نوع هذا الإقعاء الذي جاء في حديثه أبي حميد؟ بدايةً إن الحديث صحيح، وقد سبق أنْ مرَّ بنا، وقد بين فيه أن الرسول ﷺ إذا جلس جلسة الاستراحة فإنه يفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى، كالحال بالنسبة للتشهد الأول عند الشافعية والحنابلة الذي سبق أن تكلمنا عنه، ووافق أبا حميد عشر من الصحابة أيدوه في هذا، ووافقه أيضًا وائل بن حجر في روايته. إذًا، هذه رواية مشهورة والتي عُرفت عن النبي ﷺ ، فبعض العلماء وهو الذي انتهى إليه هؤلاء الثلاثة، إلا أن الأصل أن الصفة التي وردت في حديث أبي حميد وعائشة ووائل بن حجر هي الصفة التي بيَّنا. وهذه الصفة الأخرى لا يرون أنها مكروهة، بل بعضهم يقول

стр. 1654

بجوازها، وبعضهم يقول إنها سنة، أما الممنوع فهي الجلسة الثانية التي يجلس فيها على إليتيه ناصبًا ساقيه واضعًا يديه على الأرض، وبعضهم لا يذكرون اليدين ويقولون إن هذا هو الإقعاء المعروف في لغة العرب. نُقل أيضًا عن بعض الصحابة العبادلة: "عبد اللَّه بن عمر، عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير" (١) أنهم فعلوا ذلك، وقد نقل ذلك عنهم طاوس وكان يفعله، وذكر أنه تلقى هذا عن هؤلاء الصحابة، ولكن نُقل عن عبد اللَّه بن عمر أنه فعل ذلك، وقال: "لا تقلدوني فإني فعلت ذلك عندما كبرت" (٢)، لكن عبد اللَّه بن عباس عندما سُئل عن هذا النوع من الإقعاء قال: "هذه هي السُّنة" (٣)، ثم لما قيل له: إنا نرى ذلك جفاءً في الرجل، فقال: "سُنة نبيك". وفي بعض الروايات: "سنة نبيكم ﷺ " (٤). إذًا، هذا باختصار ما يتعلَّق بالإقعاء، لكن لا شك أن الأولى، والخروج من الخلاف هو ما جاء في جلسة الاستراحة، كالحال بالنسبة للتشهد الأول لما ورد في وصف ذلك عند الشافعية والحنابلة. لكن مع ذلك، نجد أن الإقعاء لمَّا نقرأ ما نُقل عن الأئمة بالنسبة للإقعاء الأول الذي قلنا أن البيهقي حققه، وتابعه ابن الصلاح والنووي (٥)

стр. 1655

حيث يرون كراهة ذلك، ولمَّا سُئل الإمام أحمد عن ذلك مرَّةً، قال: "أكرهه" (١)، ومرة قال: "لا أفعله ولا أعيب مَن يفعله" (٢)، وقال: "إن أهل الحجاز كانوا يفعلون ذلك" (٣). إذًا، المسألة كما ترون فيها تردد لبعض العلماء، لكن ذلك ليس من الأمور المنكرة التي تفعل في الصَّلاة، ومِن العلماء مَن يرى أن ذلك سنة وأنه ينبغي الأخذ بها. * قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ مَعْنَى الإِقْعَاءِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ). فينصب قدميه -كما ذكرنا- ثم يضع إليتيه على قدميه، يعني على العقبين، وهو آخر الساقين، ويضع إليتيه على ذلك. * قوله: (وَأَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ).

стр. 1656

هذا مذهب مالك وغيره، وهذا هو الإقعاء عند الفقهاء وعند الأئمة الأربعة (١). * قوله: (لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ؛

стр. 1657

لِأَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي قَدَمَيْهِ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَقُولُ: "الإِقْعَاءُ عَلَى القَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ هُوَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١). هذا نقله عنه طاوس -كما قلت آنفًا- بل هو أيضًا يفعل ذلك، وقيل لابن عباس: "نراه جفاءً بالرجل"، يعني أن يأتي الرجل فيجلس على أطراف القدمين، أيْ: علَى العقبين، فقال: "هذه سنة نبيك" أو "سنة نبيكم" (٢). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ تَرَدُّدُ اسْمِ الإِقْعَاءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى المَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى شَرْعِيٍّ: (أَعْنِي: عَلَى هَيْئَةٍ خَصَّهَا الشَّرْعُ بِهَذَا الِاسْمِ)، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى المَعْنَى اللُّغَوِيِّ قَالَ: هُوَ إِقْعَاءُ الكَلْبِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى شَرْعِيٍّ قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ إِحْدَى هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ المَنْهِيِّ عَنْهَا). المؤلف يُشير إلى ما ورد في الأحاديث: "لا تقع كما يقعي الكلب" (٣)، وأثر علِيٍّ أيضًا، والأحاديث التي وردت في ذلك، لكن هذا الإقعاء الذي نهى عنه الرسول ﷺ ووصفه كأنه إقعاء الكلب هو هذا الذي يذكره الفقهاء، أو هو الصنف الآخر. * قوله: (وَلِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ قُعُودَ الرَّجُلِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ) (٤). هذا ما رواه مالك في "الموطأ".

стр. 1658

إن الذي نقل عن طاوس -وطاوس تابعي، وهو أعلم بأحوال التابعين- هو الذي نقل أيضًا عن العبادلة أنهم كانوا يفعلون، ومنهم: عبد اللَّه بن عمر، وما قيد طاوس ذلك بعبد اللَّه بن عمر، وإنما أطلق وقال: "كانوا يفعلونه" (١). * قوله: (سَبَقَ إِلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ هِيَ الَّتِي أُرِيدَتْ بِالإِقْعَاءِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الأَسْمَاءَ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ لَهَا مَعَانٍ شَرْعِيَّةٌ يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى المَعْنَى اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ لَهَا مَعْنًى شَرْعِيٌّ، بِخِلَافِ الأَمْرِ فِي الأَسْمَاءِ الَّتِي تَثْبُتُ لَهَا مَعَانٍ شَرْعِيَّة: (أَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى المَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى المَعْنَى اللُّغَوِيِّ)). هنا يريد المؤلف أن يقول: الصلاة في اللغة إنما هي الدعاء، لكنها انتقلت بعد ذلك إلى التعريف الاصطلاحي الشرعي: "أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم"، إذًا هذه هي الصلاة. فالصلاة -كما سبق بيانه- لها معنًى لغوي، ولها مصطلح شرعي، وهو هذا الذي أشرنا إليه. إذا ترددت الأسماء بين أمرين كما نرى في الإقعاء، فالمراد هنا هل هو الإقعاء الذي اصطلح عند الفقهاء؛ النوع الأول، أم المراد به الإقعاء المنهي عنه؛ وهو الثاني وهو الذي يشبه فعلًا إقعاء الكلب؟ * قوله: (مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ). هنا يريد أن يقول إن أثر ابن عمر -لا نقول حديث، بل هو الآن يسمي الحديث أثرًا والأثر حديثًا-، يدل على أن ابن عمر نفسه جلس هذه

стр. 1659

الجلسة ونقله عنه طاوس، لكن نقلت عنه روايات أنه لما كبر أو كان يحس ألمًا في قدميه فعل ذلك، وهذا دليل على جوازه. إذًا، ابن عمر أيضًا نقل عنه خلاف ذلك، لكن جاء عن ابن عباس ما يعارضه، وما نقل عن ابن عباس صريح؛ لأنه قال: "هذه سنة نبيكم" (١)، إذًا رفع ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ . قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الثَّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ) إذًا المؤلف هنا لا يريد أن يبحث في أحكام صلاة الجماعة والإمامة وكل ما ورد فيها، لكنه فقط سيقتصر على أصول وقواعد المسائل. * قوله: (وَهَذَا البَابُ الكَلَامُ المُحِيطُ بِقَوَاعِدِهِ فِيهِ فُصُولٌ سَبْعَةٌ، أَحَدُهَا: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ). • المسألة الأولى في حكم صلاة الجماعة. * قوله: (وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الإِمَامَةِ، وَمَنْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَأَحْكَامِ الإِمَامِ الخَاصَّةِ بِهِ). الباب الثاني في معرفة شروط الإمامة، لأن هناك أحكام يختص بها الإمام، وهناك أحكام يختص بها المأموم، وهناك أحكام تجمع بينهما، ولا شك أن المأموم مطالب بأن يقتدي بإمامه، والإمام قد يحمل عن

стр. 1660

المأموم بعض الأشياء؛ كالقراءة، وسترة المصلي (١). ومن مسائل وأحكام الإمامة: هل يُشترط فيمن يؤم الناس أن يكون أقرأهم أو أفقههم. . إلخ، والكلام في ذلك؟ كذلك منها إمامة الفاسق (٢)،

стр. 1661

وإمامة الأعمى (١)،. . . . .

стр. 1662

وإمامة المرأة (١) أيضًا، وإمامة العبد (٢)، هذه كلها مسائل يتكلم عنها

стр. 1663

العلماء في أحكام الإمامة، واقتداء المُفترِض بالمُتنَفِّل (١)، كل هذه من

стр. 1664

المسائل التي يتكلم عنها العلماء، وقصة معاذ أيضًا في أمْرِ النبي ﷺ له بالتخفيف (١). إذًا، هناك مسائل كثيرة سنأخذها -إن شاء اللَّه-، وفي كل مسألة نضيف أشياء إلى الكتاب. * قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَقَامِ المَأْمُومِ مِنَ الإِمَامِ). يقف المأموم معه عن يمين الإمام إذا كان المأموم وحده، وإذا كانوا

стр. 1665

اثنين فلا يقف أحدهما عن يمين الإمام والآخر عن يساره، إنما الصحيح أنهما يقفان خلفه، كما جاء في حديث جابر وجبار بن صخر عندما جاء جابر فوقف عن يمين الرسول ﷺ ، ثم جاء جبار فوقف عن يساره، فأخذ بأيديهما معًا فدفعهما إلى الخلف (١). * قوله: (وَالأَحْكَامِ الخَاصَّةِ بِالمَأْمُومِينَ). وهناك أحكام تخص المأمومين، من تلكم الأحكام ألَّا يسبق المأموم إمامَه، فلا يركع قبل الإمام، وأيضًا يرفع بعده لا قبله، ولا ينبغي أن يشركه في هذا إلا فى مثل قوله "آمين" (٢)؛ فإنه يؤمِّن معه، وهذه أيضًا فيها خلاف سيأتي. * قوله: (الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَتْبَعُ فِيهِ المَأْمُومُ الإِمَامَ مِمَّا لَيْسَ يَتْبَعُهُ. الخَامِسُ: فِي صِفَةِ الِاتِّبَاعِ. السَّادِسُ: فِيمَا يَحْمِلُهُ الإِمَامُ عَنِ المَأْمُومِينَ). إذًا، هذه مقدمة لطيفة طيبة مختصرة، وهي بمثابة إطلال ومدخل إلى (كتاب الصلاة) الذي سيتكلم عنه المؤلف بالنسبة للجماعة، فقد وضع لنا أُسُسًا وقواعد يريد من خلالها أن يبين أنه سيتكلم عنها، فبهذا يكون قد قدَّم للكتاب، ولذلك لو أن أحدنا درس هذه المسائل ولو دراسة يسيرة، فعندما

стр. 1666

يقرأ هذه المقدمات لهذه القواعد يجدها أنها تقرِّب المسائل، فعندما نحفظ قواعد المذهب، أو جملة من المواعد، فنأتي لنقف عليها؛ فتعطينا تصورًا عن المذهب؛ ولذلك فإن أحسن مقارنة للمذاهب إنما تكون بين الأصول. فعندما نقارن بين المذاهب الأربعة فقهًا عن طريق القواعد، يسهل علينا ذلك؛ لأن هناك أصولًا نبني عليها، ونتمسك بها، لكن إذا أردنا أن نقارن بين المذاهب لنتتبع الفرعيات؛ فيكون حينئذٍ صعبًا علينا ذلك الأمر، وينقضي العمر ولن نستطيع الوصول إلى ذلك في الحقيقة. * قوله: (السَّابعُ: فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي إِذَا فَسَدَتْ لَهَا صَلَاةُ الإِمَامِ يَتَعَدَّى الفَسَادُ إِلَى المَأْمُومِينَ). هذا إنْ صَلَّى الإمام محدِثًا، لكن علينا أنْ نفرق بين أن يصلي الإمام محدثًا جاهلًا الحكم ولا يعلمه، والمأموم كذلك لا يعلم؛ فحينئذٍ في هذه الحال تفسد صلاة الإمام، وتجب عليه أن يعيد الصلاة، ولا تلزم الإعادة على المأموم؛ لأنه اقتدى بإمام يظن أنه على طهارة. أما لو صلَّى إنسان خلف إمامٍ يعلم أنه قد صلَّى محدِثًا؛ فلا يجوز ذلك له، ولو فعل ذلك؛ فإنه تجب عليه أن يعيد الصلاة. فهذه من ضمن المسائل المهمة، وكما هو معلوم فإن بعض هذه الأمور حصلت من بعض الصحابة، وسنُبَيِّن ذلك مع بعض الخلفاء أنه صلى محدثًا، ثم ذهب فاغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمر المأمومين بإعادتها (١). وبعضهم أصابه رعاف (٢) فقطع صلاته واستمر المأمومون في صلاتهم (٣).

стр. 1667

وهناك أيضًا قصة عمر ﵁ لمَّا طُعِن في صلاة الصبح وجُرْحُه ينزف دمًا قدَّمَ عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس، واستمر الناس في صلاتهم (١). وللعلماء كلام في هذه المسألة: إذا أحدث الإمام، أو أصابه أمر من الأمور؛ فانصرف، هل يُقَدِّم أحدًا ليصلي بالناس، أو يدع الناس فيتقدم أحدهم، أو يصلون فُرادَى (٢)؟ هذا كله سيأتي معنا -إن شاء اللَّه-، وهذه مسائل جزئية قد يبحثها المؤلف أو لا يبحثها، واللَّه أعلم.

стр. 1668

(الفَصْل الأَوَّل فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ) هذه هي أول مسألة، وهي أدق مسألة في هذا الباب، إذ فيها بيان حكم صلاة الجماعة، والأقوال في هذه المسألة أربعة، مرتبةٌ ترتيبًا من الأخف إلى أعلى من ذلك، وهناك من يقول بأن صلاة الجماعة سُنة، وهناك من يقول بأنها فرض كفاية، وهناك من يقول بأنها فرض عين، وهناك من يقول بأنها فرض عين وشرط في صحة الصلاة. والقصد بالجماعة هنا يكون بالنسبة للجماعة في الصلوات الخمس. أما صلاة الجمعة فلا تدخل معنا هنا؛ لأنه لا خلاف بين العلماء في أنَّ الجماعة عليها فرض عين، أي: واجبة. إذًا القصد بالصلوات في صلاة الجماعة هنا، أيْ: الصلوات الخمس في أوقاتها؛ لأن هناك صلوات جماعة لا تجب، مثل: - لو أن إنسانًا نذَرَ أن يصلي؛ فلا يلزمه أن يصلي جماعة. - السُّنن والنوافل لا يلزم أن تصلَّى جماعة، فبعضها تصلى فرادى،

стр. 1669

كما نرى في السنن الرواتب، وبعضها يُصلَّى جماعة كصلاة التراويح. . وفيها كلام للعلماء. - الصلوات المقضية من الفرائض الفائتة، وفيها خلاف بين العلماء، فهناك من يرى أنها تصلى جماعة، وهناك من يرى أنها تصلى فُرادَى. فقد ثبت عن الرسول ﷺ عندما نام مع بعض أصحابه عن صلاة الصبح، وقال: "قوموا بنا عن هذا الوادي" أمَر بلالًا فأذَّن، ثُم صلى بالناس، فهنا قضَوا الصلاة جماعة (١). وأيضًا أيام الخندق عندما انشغلوا عن عددٍ من الصلوات: العصر، والمغرب، والعشاء، فإن الرسول ﷺ صلَّاها بأصحابه جماعة، إذًا بناءً على هذه الأدلة فإن المقضية تُصلَّى جماعة (٢). وهناك من يخالف أيضًا في هذه المسألة، وأظن أنَّ هذه المسائل بعضها مر بنا فيما مضى. إذًا، القصد هنا حكم صلاة الجماعة، والكلام عن الجماعة

стр. 1670

للصلوات الخمس المعروفة التي نعرفها، والتي لها أوقات محددة، والتي صلَّى بها جبريل برسول اللَّه ﷺ عند البيت مرتين (١)، وبيَّن له الأوقات التي هي: صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، فكل هذه هي التي نريد أن نتكلم عن حكمها، وهي التي تجب لها الجماعة، والعلماء قد اختلفوا -كما ذكرنا- في هذه المسألة، ولا شك أن كل رأي له دليله، لكننا -كما قدَّمنا- لا ننجذب وراء كثرة الأقوال، ولا يأخذنا أن يكون هؤلاء فريق أكثر، فيكون قوله هو الحق، فقد يكون الحق مع الأكثر، وقد يكون مع الأقل، وقد يكون مع الوسط؛ إذًا هناك من العلماء من يرى أن صلاة الجماعة سُنة. وهنا قضية من القضايا المهمة جدًّا، وهي أنه قد يقول قائل: لماذا قال الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك -رحمهما اللَّه- وهما إمامان مشهوران، وكذلك في رواية للإمام الشافعي، كيف يقول هؤلاء بأن صلاة الجماعة سنة (٢)؟

стр. 1671

فنقول: هؤلاء لا شك لهم أدلة، لكن أيضًا قد تكون الأدلة تعارضها أدلة أُخرى وهو الواقع، فهؤلاء فهموا من أدلتهم أن صلاة الجماعة ليست بواجبة، والآخرون فهموا أن صلاة الجماعة فرض كفاية؛ وهذا هو مشهور مذهب الشافعية، ويستدلون بأدلةٍ هي جزء من الأدلة التي يستدل بها الذين يرون أن صلاة الجماعة فرض عين. وهناك من يرى أن صلاة الجماعة شرط، ويستدلون أيضًا بأدلة،

стр. 1672

وهناك من المذهب الحنبلي مَن يأخذ بهذا الرأي ويُعَضِّده ويُؤيِّده من المتقدمين والمتأخرين. إذًا، المسألة فيها خلاف، والكلام فيها فيه تفصيل، لكننا نحاول أن نُلِمَّ به، إذْ لا نريد دائمًا أن ندخل في الخلافات والتفريعات الطويلة في مثل هذا الشرح والتعليقات، لكن أيضًا لا نريد أن يفوتنا شيء من الأمور المهمة؛ لأنه كما هو معلوم أن المساجد بُنِيَت لهذه الصلاة، واللَّه قد بيَّنَ أهمية المساجد، والرسول ﷺ بيَّنَ صلاة الجماعة وفضلها. * قوله: (فِي هَذَا الفَصْلِ مَسْأَلَتَان، إِحْدَاهُمَا: هَلْ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَمْ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ المَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى، هَلْ يجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ مَعَ الجَمَاعَةِ الصَّلَاةَ الَّتِي قَدْ صَلَّاهَا أَمْ لَا؟) (١).

стр. 1673

وهذا إذا سمع النداء فإنه يؤخذ هذا من الحديث، وليس معنى هذا أنه لو كان إنسانًا أصمَّ، أو لا يسمع، أو في مكانٍ مُغلَق عليه بالنوافذ -على سبيل المثال-، فقد يكون بينك وبين المسجد أمتارًا ولا تسمع النداء، كمن يعمل مكيِّفًا للهواء ويغلق النوافذ، فليس هذا هو المراد، إنما المراد أنه إذا وجد مؤذنًا سواء سمع أو لم يسمع، وهذا أيضًا فيه خلاف للعلماء. * قوله: (أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى؛ فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا). أي: اختلفوا في حكم صلاة الجماعة للصلوات الخمسة المفروضة. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ) (١). نعم، هو كما ذكر جمهور الفقهاء، حيث ذهبوا إلى أنها سُنة، ونحن عندما نقول الجمهور؛ فإننا نعني بهم الفقهاء، ولا شك أنَّ الإمامين أبا حنيفة ومالكًا، ورواية للشافعي، وهي رواية في مذهب أحمد -وإن لم تكن قوية-؛ هؤلاء جميعًا يذهبون إلى أنها سُنة، ويستدلون على هذا بعدة أدلة: أولًا: حديث "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (٢).

стр. 1674

وفي رواية: "تفضُل صلاة الجماعة عن صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة" (١). ثانيًا: قصة الرجلين اللذَيْن جاءا في مسجد الخيف، وجلسَا في مؤخِّرة المسجد ولم يصليا مع القوم، فاستدعاهم رسول اللَّه ﷺ وقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " فقالَا: صلينا في رحلنا، فأرشدهم الرسول ﷺ بقوله: "إذا صليتما في رحالكما وأتيتما مسجد جماعة فصليا، فإنها تكون لكما نافلة" (٢). ثالثًا: حديث أبي ذر ﵁، كيف أنت إذا كان عليك أُمَراء يؤخِّرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمرني؟ قال: "صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها تكون لك نافلة أخيرة" (٣). وجه الدلالة من هذه الأدلة، لأننا ينبغي في هذا المقام أن نبين ذلك؛ لأن هذه مسألة مهمة وجوهريَّة، لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام. فهؤلاء يقولون إن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، وكلمة "أفضل" اسم تفضيل -كما هو معلوم-، واسم التفضيل دائمًا يأتي للموازنة بين شيئين أحدهما متقدِّم والآخَر متأخِّر (٤)، يكون المتقدم أفضل من

стр. 1675

المتأخر، فتقول: "زيد أفضل من بكر"، فأنت في هذه الحال لم تنفِ الفضل عن بكر، ولكنك أعطيت زيدًا فضلًا أكثر؛ وعلى هذا فَهُم يقولون في هذه الحالة إلن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، فيكون هذا الحديث أثبَتَ الفضل للطرفَيْنِ سواء مَن صلَّى منفردًا أو مَن صلَّى في جماعة، لكنه ميَّزَ بينهما، فأعطَى مَن صلَّى في جماعةٍ فضلًا أكبر، وحدَّدَهُ في روايةٍ: "بخمس وعشرين درجة" (١)، وفي أُخرى: "بعشرين درجة" (٢)، وفي ثالثة: "بسبع وعشرين درجة" (٣). وعلى هذا، فالفضل ثبت للاثنين معًا، لمن يصلي في جماعة، ولمن يصلي منفردًا؛ قالوا: لو كانت صلاة جماعة واجبة لما ثبت الفضل لِمَن صلَّى منفردًا؛ لأنكم تقولون صلاة الجماعة شرط، والشرط لا يصح المشروط إلا بوجوده، أو تكون فرض عين، وإذا كانت فرض عين، فمعنى ذلك أنَّ مَن تركها آثِم. وكيف يُقال عن إنسانٍ آثم في ارتكاب أمرٍ يحصل له الفضل بسببه؟! إذًا، هذا خلافُ مَا أخبَر به الرسول ﷺ . هكذا قالوا، ونحن ننقل رأيهم وتعليلهم، وليس معنى ذلك أننا معهم، لا يلزم. فهؤلاء أخذوا من هذه المفاضلة أنَّ الفضل ثبت للطرفين، لمن يصلي الصلاة المفروضة منفردًا، ولمن يصليها في جماعة. وهذا في غير حق المعذور؛ لأن المعذور أمره يختلف إن كان لديه عذر من خوف أو مرض، وغير ذلك من أعذار سيأتي الكلام عنها، لكننا نتكلم عن إنسانٍ قادر لم يحل به عذر، ويستطيع أن يصلي

стр. 1676

في المسجد، ولا يلحقه ضرر بذلك؛ حينئذ هذا هو الذي نتكلم عنه. ووجه استدلالهم بقصة الرجلين: "ما منعكما أن تصليا مع الجماعة" قالَا: "صلَّينا في رحلنا" (١). أنهم قالوا: إن الرسول ﷺ لم ينكر عليهما أنهما صلَّيَا في رحلهما، ولم يسألهما، لِمَ صلَّى كل منكما وحده؟ لكنه أنكر عليهما صنيعيهما؛ لأنهما اعتزلَا الناس. أما قصة الرجل الآخر الذي اعتزل المصلين (٢)؛ لأن هذا أمر منكر، فالآن لو أُقِيمَت الصلاة ووُجِدَ إنسان في زاوية، وكل الناس ينظرون إليه، كيف لهذا أن يتخلى عن صلاة الجماعة؟ إذًا، فقد أوقعَا نفسَيْهمَا في رِيبةٍ وشكٍّ؛ ولذلك سيأتي الكلام لاحقًا عمَّن دخَل المسجد ووجد النَّاس يُصلُّون، فهل يصلي معهم أو لا؟ ثم يختلفون فِيمَن صلَّى الصلاة في جماعةٍ ومَن صلَّاها سابقًا منفردًا. وأيضًا بعضهم يرَى أن الإنسان لو مرَّ بمسجدٍ وقد صلَّى؛ لا ينبغي أن يدخل، لكنه لو دخل فينبغي أن يصلي، أقل ما يكون في الأمر أن يبعد عن نفسه الشبهة؛ حتى لا يُرمَى بالنفاق. إذًا، هنا قالوا: والرسول ﷺ لم ينكر عليهما صلاتهما في رحلهما، ولم يقل بأن صلاة الجماعة واجبة، بالرغم من أن هذا موطن يتطلب البيان، لكن مع ذلك فقد أرشدهم الرسول ﷺ إلى ذلك الأمر؛ فقالوا: لو كانت صلاة الجماعة واجبة، لبيَّنَ لهم الرسول ﷺ ذلك، وهذا أهم ما يستدل به أصحاب هذا القول. والمصنف كان يقصد بالجمهور: الحنفية، والمالكية، وهي أيضًا

стр. 1677

رواية للشافعية، وإن كان المتأخرون مِن الشافعية يُصَحِّحُونَ الرواية الأخرى، وهي أنها فرض كفاية، بحيث لو قام بها جماعة سقط عن البقية. أما في حال وجوبها، لو تركها أهل قرية، أو كذلك مدينة، أو بدو مجتمِعُون -أيْ غير رحل، وغير مسافرين- فإنهم يُقاتَلُون عليها. * قوله: (أَوْ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ). أما مَن يرَوْا أنها فرض كفاية فيختلفون، وأكثرهم يروا أن يُقاتَلوا عليها، وبعضهم لا يرى هذا (١). ومَن يرون أنها سُنة وشعيرة ينبغي إظهارها، يقولون لو أصَرَّ النَّاسُ علَى تركها؛ لَقُوتِلُوا عليها؛ ولذلك كان الرسول ﷺ إذا أراد أن يغزُوَا قومًا انتظر، فإن سمِعَ الأذان توقف، وإن لم يسمع غار عليهم (٢)؛ فمن هنا نأخذ دليلًا. وهذا يبيِّن لنا أهمية صلاة الجماعة، وأن اللَّه لم يُسْقِطهَا حتى في حالة الخوف، حيث قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. فهذا الموقف هو موقف التخفيف، ولو كان هناك موضع تخفَّف فيه صلاة الجماعة؛ لما كان هناك موقف أحوج إلى التخفيف من هذا الموقف! فها هم كانوا يرون العدو أمامهم، ويرونه رأي العين يتربص بهم الدوائر، ومع ذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه صلوا الصلاة جماعةً، ومع ذلك حصل إخلال في أركانها وشروطها وواجباتها، لكن لم تسقط الجماعة. . بل تجاوز عما حصل من إخلال فيها، فذلك أمر يدل على عظم

стр. 1678

صلاة الجماعة، وعلى تأكيدها؛ لأن اللَّه لم يخفف عن المؤمنين أكثر مما حصل في صلاة الخوف، ولذلك لو حصلت منهم غفلة طرفة عين لربما انقضَّ عليهم الأعداء، لكنهم في هذه الحالة يصلون إلى غير القبلة، ولو كان إلى غير القبلة؛ إذًا لن يمكن حتى لا يتمكن العدو. فتأمل! وسوف نصل -إن شاء اللَّه- إلى (باب صلاة الخوف)، لنتعرف على صفاتها السبع من بين أنك تصلي جزءًا مع الإمام ثُم تنصرف، وتحرص على بعض صفاتها، ثم تعود مرة أُخرى وتصلي لتتم معه وغير ذلك. إذًا، الذين يقولون بأنَّ صلاة الجماعة فرض عين أدلتهم كثيرة جدًّا، لا نستطيع أن نستقصيها، لأنها كثيرة، وهي صريحة، ووجه الدلالة منها بَيِّنٌ وواضح، وكذلك الذين يقولون أيضًا بأنها شرط يفهمون من أدلة الذين يقولون بأنها فرض عين أنها تدل علَى شرطيتها، فلنتابع الكتاب، ونعلق تعليقاتنا اليسيرة لنتأمل. * قوله: (وَذَهَبَتِ الظَّاهِرِيَّةُ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ) (١). أيْ إنهم يقولون بأنها فرض عين، وشرط في صحة الصلاة، وفرقٌ بَيْنَ مَن يقول بأنها فرض عين وليست بشرط، وبين من يقول بأنها شرط. فإنَّ مَن يرى أنها فرض عين لو صلَّاها الإنسان منفردًا غير معذور

стр. 1679

فصلاته صحيحة لكنه يأثم، أما مَن يرى أنها شرط فهنا تكون صلاته غير صحيحة، ويلزمه أن يعيدها. . وهذه مسألة خطيرة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ مَفْهُومَاتِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ). أنبه هنا على قضية مهمة، وهي أنَّ حتى الذين يقولون بأنها فرض عين، فبعضهم يرى أنها لا تصح أن يصلي الإنسان منفردًا. لكن لو صلَّاها، هل تعتبر صحيحة أو لا؟ أيضًا في ذلك خلاف بينهم، فبعضهم يصححها، وبعضهم قال: نحْذَر ذلك. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ ﵊: "صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً أَوْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١)). بعضهم يقول الخمس والعشرون هي السبع والعشرون، لكن إذا حذف منها صلاة المنفرد وصلاة الجماعة؛ بقي ما بينها، وهي التي أشار إليها الحديث الآخر. * قوله: (يَعْنِي: أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الجَمَاعَاتِ مِنْ جِنْسِ المَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهَا كَمَالٌ زَائِد عَلَى الصَّلَاةِ الوَاجِبَةِ). أيضًا من الأدلة ذكرنا مِن قبل وعلَّقنا عليها تعليقًا قليلًا: الحديث الصحيح في السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفي أوله: "إمام عادل، شاب نشأ في طاعة اللَّه، ورجل قلبه معلق بالمساجد" (٢)، ولم يقل: قلبه معلق بالمشاهد أو بالبيوت أو بغيرها، بل قلبه معلق بالمساجد؛ لأن الذي تعلق قلبه بالمساجد فبالضرورة قلبه معلَّق

стр. 1680

بربه؛ لأن في هذه المساجد يزداد الخشوع؛ فيزداد الثواب في هذه المساجد، وكذلك كلما تقدم الناس إلى الصفوف الأولى كلما كانوا لربهم أقرب، وفي صلاتهم أخشع، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا (١) عليها لاستهموا عليها" (٢). وقال ﷺ : "من غدا إلى المسجد أو راح أعد اللَّه له نزلًا من الجنة كلما غدا أو راح" (٣)، فبعد هذه الفضائل، هل يريد الإنسان أن يتركها، ويزهد فيها؟! * قوله: (فَكَأَنَّهُ قَالَ ﵊: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ أَكْمَلُ مِنْ صَلَاةِ المُنْفَرِدِ). المؤلف هنا يريد أن يفسر الحديث على رأي هؤلاء. * قوله: (وَالكَمَالُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الإِجْزَاءِ) (٤). هذه القضية في الحقيقة نسمعها كثيرًا خصوصًا نحن طلاب العلم الذين ندرس الفقه، وخاصة الذين يدرسون الفقه المقارَن، ويُقصد به المقارن بين المذاهب لا المقارن بين الشريعة وغيرها، فهؤلاء كثيرًا ما تجد يساور عند بعضهم اختلاف الأئمة، فأقول: هذا الإمام ما دام قال هذا القول؛ فيُعتد به، لأنه أعلم، بل هذا الإمام له دليل، وقد اجتهد في هذا القول بناءً على أدلة من الكتاب والسنة، لكنه في نفس الوقت لم يُحِط علمًا بكل شيء من الأدلة والسُّنن.

стр. 1681

وإذا كان الصحابة ﵃ يختلفون في المسائل ويرجعون، وإذا كان أكبر أفاضل الصحابة، أي أفضل هذه الأمة بعد رسول اللَّه ﷺ ، الذي لو وُزِنَ إيمانه بإيمان الأمة لرجح، وهو أبو بكر ﵁ الذي قال فيه الرسول: "سدوا عليَّ هذا الخوخات إلا خوخة (١) أبي بكر" (٢). وقال أيضًا فيه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" (٣). والذي قال اللَّه عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. إذا كان أبو بكر الصحابي الجليل، الذي لازَمَ رسول اللَّه ﷺ قبل الإسلام وبعده، ورافقه في رحلته الميمونة من مكة إلى طَيْبَة الطَّيِّبة (٤).

стр. 1682

إذا كان وهو أقرب الناس إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويستشير الصحابة أحيانًا، ويسألهم في بعض الأمور، فتأتيه امرأة الجدة تسأله: ألها ميراث؟ فيقول: نظرت في كتاب اللَّه فلم أجد، ونظرت في سنة رسول اللَّه ﷺ فلم أجد، مع أنه يحفظ سنة الرسول ﷺ ، ومع ذلك لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب ليستشير الصحابة، فيأتي أحد الصحابة ممن ليس من كبارهم، فيذكر له أن رسول اللَّه ﷺ ورَّثَ الجدة الثُّلُث؛ فيعمل بقوله (١). وكذلك عمر ﵁ لمَّا وَجد حديثَيْن في قصة الحديث الذي تكلم عن الطاعون؛ "فإذا كان بأرض فلا تدخلوها، وإذا كان بها وأنتم بها فلا تخرجوا منها (٢) "؛ حينئذ أشكل ذلك علَى عمر ﵁. وكان أيضًا حدَثَ أنه جاء حديثان ظاهرهما التعارض، حديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (٣)، وحديث: "لا عدوى ولا طيرة" (٤)،

стр. 1683

ونزل الطاعون في مكانٍ ما، فذهب عمر إلى بلاد الشام يستشير الصحابة، فأول ما بدأ بكبار المهاجرين، ثم الأنصار، إلى أن ورَدَ إليه الحديث، فلما قال له الصحابة: "كيف أنت تفر من القدر؟ "، قال: "نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه" (١). فتأمل في فَهْم الصحابة، حيث كان لهم فهم وتأمُّل وفقه، ومع ذلك استشاروا غيرهم، وأخذ بعضهم ما عند بعض. وكان من الصحابة الذين يستشيرهم عمر ﵁ علي ومعاذ ﵄؛ فلما أراد أن يرسل معاذًا إلى الشام، أشار إلى أنه كان بحاجة إليه، وأنه بحاجة أن يبقى عنده في المدينة، لكنه آثر حاجة تلك البلاد البعيدة، وهكذا كان أيضًا شأن الصحابة الذبن كانوا يرسلهم وتفرقوا في الأمصار (٢). إذًا، الصحابة ﵃ إذا كانوا يختلفون في بعض المسائل، وفاتتهم

стр. 1684

بعض القضايا، إلا أن غيرهم ممن هم دونهم أولى وأقرب؛ فالصحابة حضروا نزول القرآن، وتلَقَّوا سُنة الرسول ﷺ ، لكن لا ننسى أنَّ منهم مَن يضرب في الأسواق ويشتغل بالتجارة، ومنهم من يسافر، ومنهم مَن يكون له عذر، ومنهم أصحاب المزارع، والمصالح، فلا يدركون ويسمعون كل شيء. لهذا، كان أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثًا، لأنه كان من أصحاب الصُّفة (١) الذين يجلسون في غرفةٍ صغيرة، يجتمعون فيها، كلٌّ متفرغون للعبادة، وهم دائمًا يتتبعون آثار رسول اللَّه ﷺ ؛ لذلك كثر حديثه، وكان أكثر الصحابة رواية في ذلك. * قوله: (وَحَدِيثُ الأَعْمَى المَشْهُورُ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِدَ لَهُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ﵊: "أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً" هُوَ كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِهَا مَعَ عَدَمِ العُذْرِ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٢)). المؤلف هنا خلط بين حديثين ومزج بينهما، فالحديث الذي يُشير إليه هو حديث الأعمى الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: لا أجد قائدًا يقودني إلى المسجد، وسأل رسول اللَّه ﷺ أن يرخص له، فرخص له فولَّى الرجل، فلمَّا أدبر دعاه فقال له: "أتسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فأجب"، هذا الذي يُشير إليه. أما الآخَر فهو دمج بينه وبين حديث ابن أم مكتوم، وبعد صفحة

стр. 1685

ربما يأتي بالحديث صحيحًا؛ ولذلك سيقول: "وهذا هو نص الحديث"؛ فانتبه؛ لهذا أحيانًا يروي المؤلف الحديث ربما مِن حفظه. * قوله: (وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْن (١) حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ") (٢). معنى هذا أنهم يتنافسون في أمور الدنيا، ويتسابقون إليها، وإن قلَّت، لكن أمور الآخرة وبخاصة الأمور التي يعظم فيها الأجر ويكثر، كصلاة الجماعة؛ فهم لا يعنون بها، بل يتخلفون عنها. * قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ فِيهِ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ" (٣)، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ") (٤). المؤلف اقتطع منه شيئًا، وذكرناه فيما مضى بنصه، وهو طويل. * قوله: (فَسَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مَسْلَكَ الجَمْعِ بِتَأْوِبلِ حَدِيثِ مُخَالِفِهِ، وَصَرْفِهِ إِلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ. فَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ المُفَاضَلَةَ لَا يَمْنعُ أَنْ تَقَعَ فِي الوَاجِبَاتِ
следующие страницы →