وإذا كان الصحابة ﵃ يختلفون في المسائل ويرجعون، وإذا كان أكبر أفاضل الصحابة، أي أفضل هذه الأمة بعد رسول اللَّه ﷺ ، الذي لو وُزِنَ إيمانه بإيمان الأمة لرجح، وهو أبو بكر ﵁ الذي قال فيه الرسول: "سدوا عليَّ هذا الخوخات إلا خوخة (١) أبي بكر" (٢).
وقال أيضًا فيه: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" (٣).
والذي قال اللَّه عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
إذا كان أبو بكر الصحابي الجليل، الذي لازَمَ رسول اللَّه ﷺ قبل الإسلام وبعده، ورافقه في رحلته الميمونة من مكة إلى طَيْبَة الطَّيِّبة (٤).
стр. 1682
إذا كان وهو أقرب الناس إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويستشير الصحابة أحيانًا، ويسألهم في بعض الأمور، فتأتيه امرأة الجدة تسأله: ألها ميراث؟ فيقول: نظرت في كتاب اللَّه فلم أجد، ونظرت في سنة رسول اللَّه ﷺ فلم أجد، مع أنه يحفظ سنة الرسول ﷺ ، ومع ذلك لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب ليستشير الصحابة، فيأتي أحد الصحابة ممن ليس من كبارهم، فيذكر له أن رسول اللَّه ﷺ ورَّثَ الجدة الثُّلُث؛ فيعمل بقوله (١).
وكذلك عمر ﵁ لمَّا وَجد حديثَيْن في قصة الحديث الذي تكلم عن الطاعون؛ "فإذا كان بأرض فلا تدخلوها، وإذا كان بها وأنتم بها فلا تخرجوا منها (٢) "؛ حينئذ أشكل ذلك علَى عمر ﵁.
وكان أيضًا حدَثَ أنه جاء حديثان ظاهرهما التعارض، حديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (٣)، وحديث: "لا عدوى ولا طيرة" (٤)،
стр. 1683
ونزل الطاعون في مكانٍ ما، فذهب عمر إلى بلاد الشام يستشير الصحابة، فأول ما بدأ بكبار المهاجرين، ثم الأنصار، إلى أن ورَدَ إليه الحديث، فلما قال له الصحابة: "كيف أنت تفر من القدر؟ "، قال: "نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه" (١).
فتأمل في فَهْم الصحابة، حيث كان لهم فهم وتأمُّل وفقه، ومع ذلك استشاروا غيرهم، وأخذ بعضهم ما عند بعض.
وكان من الصحابة الذين يستشيرهم عمر ﵁ علي ومعاذ ﵄؛ فلما أراد أن يرسل معاذًا إلى الشام، أشار إلى أنه كان بحاجة إليه، وأنه بحاجة أن يبقى عنده في المدينة، لكنه آثر حاجة تلك البلاد البعيدة، وهكذا كان أيضًا شأن الصحابة الذبن كانوا يرسلهم وتفرقوا في الأمصار (٢).
إذًا، الصحابة ﵃ إذا كانوا يختلفون في بعض المسائل، وفاتتهم
стр. 1684
بعض القضايا، إلا أن غيرهم ممن هم دونهم أولى وأقرب؛ فالصحابة حضروا نزول القرآن، وتلَقَّوا سُنة الرسول ﷺ ، لكن لا ننسى أنَّ منهم مَن يضرب في الأسواق ويشتغل بالتجارة، ومنهم من يسافر، ومنهم مَن يكون له عذر، ومنهم أصحاب المزارع، والمصالح، فلا يدركون ويسمعون كل شيء.
لهذا، كان أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثًا، لأنه كان من أصحاب الصُّفة (١) الذين يجلسون في غرفةٍ صغيرة، يجتمعون فيها، كلٌّ متفرغون للعبادة، وهم دائمًا يتتبعون آثار رسول اللَّه ﷺ ؛ لذلك كثر حديثه، وكان أكثر الصحابة رواية في ذلك.
* قوله: (وَحَدِيثُ الأَعْمَى المَشْهُورُ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا قَائِدَ لَهُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ﵊: "أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً" هُوَ كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِهَا مَعَ عَدَمِ العُذْرِ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٢)).
المؤلف هنا خلط بين حديثين ومزج بينهما، فالحديث الذي يُشير إليه هو حديث الأعمى الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: لا أجد قائدًا يقودني إلى المسجد، وسأل رسول اللَّه ﷺ أن يرخص له، فرخص له فولَّى الرجل، فلمَّا أدبر دعاه فقال له: "أتسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فأجب"، هذا الذي يُشير إليه.
أما الآخَر فهو دمج بينه وبين حديث ابن أم مكتوم، وبعد صفحة
стр. 1685
ربما يأتي بالحديث صحيحًا؛ ولذلك سيقول: "وهذا هو نص الحديث"؛ فانتبه؛ لهذا أحيانًا يروي المؤلف الحديث ربما مِن حفظه.
* قوله: (وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْن (١) حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ") (٢).
معنى هذا أنهم يتنافسون في أمور الدنيا، ويتسابقون إليها، وإن قلَّت، لكن أمور الآخرة وبخاصة الأمور التي يعظم فيها الأجر ويكثر، كصلاة الجماعة؛ فهم لا يعنون بها، بل يتخلفون عنها.
* قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ فِيهِ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلَاةَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ" (٣)، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ") (٤).
المؤلف اقتطع منه شيئًا، وذكرناه فيما مضى بنصه، وهو طويل.
* قوله: (فَسَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مَسْلَكَ الجَمْعِ بِتَأْوِبلِ حَدِيثِ مُخَالِفِهِ، وَصَرْفِهِ إِلَى ظَاهِرِ الحَدِيثِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ. فَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ المُفَاضَلَةَ لَا يَمْنعُ أَنْ تَقَعَ فِي الوَاجِبَاتِ
стр. 1686
أَنْفُسِهَا، أَيْ: أَنَّ صَلَاةَ الجَمَاعَةِ فِي حَقِّ مَنْ فَرْضُهُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ المُنْفَرِدِ فِي حَقِّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ لِمَكَانِ العُذْرِ بِتِلْكَ الدَّرَجَاتِ المَذْكُورَةِ) (١).
أي: أنَّ أهل الظاهر (٢) أيدوا ذلك، ورتبوا ذلك على أن المفاضلة بين منفرد صلَّى بعذر، وبين صلاة الجماعة، وليس ذلك على إطلاقه، بل هذا من التأويلات التي ذكرها العلماء أيضًا.
* قوله: (قَالُوا: وَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: "صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ") (٣).
بقية الحديث: "وصلاة النائم على النصف من صلاة القائم".
* قوله: (وَأَمَّا أُولَئِكَ فَزَعَمُوا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ الأَعْمَى عَلَى نِدَاءِ يَوْمِ الجُمُعَةِ).
قد سبق أنْ بيَّنا هذا ورددناه، وبيَّنا أن في الأحاديث ما يرد هذا التوجيه.
* قوله: (إِذْ ذَلِكَ هُوَ النِّدَاءُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ الإِتْيَانُ إِلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ وَاللَّه أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ نَصَّ الحَدِيثِ هُوَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّه أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ،
стр. 1687
فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ. فقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ" (١)).
عاد المؤلف هنا فجاء بنص الحديث، وكان فيما مضى لم يأتِ بنصِّه.
* قوله: (وَظَاهِرُ هَذَا يَبْعُدُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ نِدَاءُ الجُمُعَةِ، مَعَ أَنَّ الإِتْيَانَ إِلَى صَلَاةِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ فِي المِصْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ، وَلَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَعَارَضَ هَذَا الحَدِيثَ أَيْضًا حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ المَذْكُورُ فِي المُوَطَّإِ).
في "الصحيحين" أيضًا. وحديث عتبان أيضًا بيَّنا فيه، لكنه ذكر أسبابًا، وهي عذر له؛ لأنه ذكر أنه في طريقه تكون الظلمة، وأنه طريق مُخِيف؛ ولذلك رخَّص له رسول اللَّه ﷺ .
إذًا، رجُل أعمى وطريقه مظلمٌ مخيف، فاعتبر الرسول ﷺ ذلك عذرًا له، ولذلك ذهب معه إلى بيته، وقال: "أين تحب أن أصلي لك؟ " فأشار إلى المكان؛ فصلَّى.
* قوله: (وَفِيهِ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كانَ يَؤُمُّ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّهُ تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالمَطَرُ، وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ " فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ " (٢). وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ الَّذِي دَخَلَ المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّى).
стр. 1688
هنا المؤلف سينتقل إلى مسألة أُخرى، وقبل أن ندخل في هذه المسألة هناك أيضًا خلاف بين العلماء في إقامة جماعة أُخرى في المسجد الذي تقام فيه الجماعة (١)، وللعلماء تفصيلات في ذلك، وبما أن المؤلف لم يعرض لها، فسوف نمر بها إيماءة يسيرة.
مثال: لو صلى جماعة في مسجد وهناك جماعة من الناس، فهل يقيموا الجماعة مع أنها قد سبقت أو لا؟
стр. 1689
الجواب: للعلماء تفصيل، فبعضهم يفرق بين مسجد يكون على ممر الطريق، أو يكون في الأسواق (١) التي يكثر فيها اجتماع الناس، وترَدُّدهم ومرُورهم عليها، وبين مسجدٍ في حيٍّ يكون له إمام راتب.
فرق أيضًا بين مسجد فيه إمام راتب، ومسجد يتقدَّم فيه أحد المصلين فيصلى بالناس؛ لا شك أن هذه المسألة فيها خلاف، وقد دلت الأدلة على أن الجماعة قاموا في المسجد.
وهناك من يستثني من تلك المسائل الثلاث بيت اللَّه الحرام، فيقصد به المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، فيرون أن الجماعة لا تعد فيها (٢).
стр. 1690
ومِن عُمدة الذين قالوا بالإعادة: حديث الرجل الذي دخل وقد صلى الناس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من يتصدق على هذا؟ " (١).
وفي رواية: "ألَا رجل يتصدق على هذا؟ " فقام رجل من القوم فصلى معه (٢).
لماذا قال الرسول ﵊ "ألا رجل يتصدق على هذا؟ "؛ لأنه لو صلى وحده لأدرك فضيلة الانفراد، وبلا شك معذور؛ لأن الرسول ﵊ لم ينبهْهُ، ولم يأخذ عليه تخلفه، وقد جاء وفاتته الجماعة، فأراد الرسول ﵊ لهذا الرجل أن يدرك فضل الجماعة، فطلب من أحد الحاضرين أن يصلي معه.
وورد في إحدى الروايات أن من قام وصلى معه هو أبو بكر ﵁ (٣)، لكن في هذا الحديث كما نرى: "ألا رجل يتصدق"، والرسول ﷺ جعل عمَل مَن قام وصلى مع أخيه المسلم صدقةً؛ ولذلك
стр. 1691
ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه: "كل معروف صدقة" (١)، فأي معروف يقدمه مسلم لأخيه المسلم كي يساعده في حمل شيء أو وضعه أو في إرشاده إلى طريق، أو رفع عنه ما يتأذى به، وأمثال ذلك كثيرة جدًّا، فإن ذلك يعتبر من المعروف، وكل معروف صدقة.
* قوله: (لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ).
إما أن يكون صلى منفردًا، وإما أن يكون صلى في جماعة.
والمراد من المؤلف هنا أن من دخل المسجد لا يخلو من أمرين:
إما أن يكون صلى منفردًا خارج المسجد الذي دخله.
وإما أن يكون صلى في جماعة خارج هذا المسجد.
والذي صلى في جماعة كما يكون صلى في ساحة في صحراء، أو في سوق مع مجموعة من الناس في مكان مُعَد للصلاة، أو حتى في مسجد آخر؛ فأدرك ذلك.
وهل هناك فرق بين مَن يصلي هذه الصلاة منفردًا، ثم يدخل مسجدًا من المساجد فيجد الناس يصلون، فيصلي معهم، وبين مَن يصلي في جماعة على أن هذا أدرك فضيلة الجماعة، فلماذا يكرر الصلاة، وذاك صلى منفردًا فيصلي مع الجماعة ليدرك فضيلة الجماعة.
وهناك خلاف أيضًا بين العلماء في أيِّ الصلاتين، فمن فعل ذلك فريضة أهي الأولى وتكون الثانية هي النافلة أو العكس أو أكملهما. . .، هذه أيضًا تكلم العلماء عنها (٢)، وإن كنا نرجح أنَّ
стр. 1692
الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي النافلة، كما جاء في عدة أحاديث، ومنها:
حديث أبي ذر ﵁: "إذا دخل الرجل، ووجد الناس يصلون" (١).
هذا كما قال المؤلف هذا لا يخلو من حالتين:
إما أن يكون قد أدى تلك الصلاة منفردًا، أي: وحده.
وإما أن يكون أداها في جماعة.
стр. 1693
فهل تختلف الحال بين الأمرين، وهل هناك فرق في إعادة الصلاة بين مَن صلاها منفردًا وبين مَن صلَّاها في جماعة؟
هذه مسائل يختلف فيها العلماء.
ثم هل هناك فرق أيضًا بين إعادة الصلاة، وبين إعادة صلاة أُخرى؟ لأن هذه الصلاة المعادة -كما قلنا- على الرأي الصحيح تكون نافلة، ومعلوم أن مِن الصلوات ما نُهِيَ عن الصلاة بعده، وهو التنفل بعده، كصلاة الفجر، وصلاة العصر، حيث لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس (١)، لكن هناك خلاف بين العلماء حول صلاة النافلة بعد العصر؛ لحديث عائشة، فكما نرى هناك صلوات يمنع التنفل بعدها.
كذلك صلاة المغرب كما هو معلوم تؤدى وترًا، فهل للإنسان إذا دخل فوجد الناس يصلون، فيعيدها معهم لأنه إذا أعادها كأنه صلى وترين في ليلة، والرسول ﵊ يقول: "لا وتران في ليلة" (٢)، أو أنه يشفعها برابعة كما هو رأي لبعض العلماء، بمعنى إذا جلس الإمام وسلم، ثم يقوم فيأتي برابعة، أو إذا جلس الإمام في التشهد الأول فيبقى حتى ينتهي الإمام ثم يسلم، أيضًا يقتصر على اثنتين؛ هذا كله محل كلَام للعلماء.
وأيضًا من دخل المسجد ووجد الناس يصلون، وقد صلَّاها منفردًا أو في جماعة، لا شك أن العلماء الذين اختلفت أقوالهم في هذه المسألة ليست من المسائل الكبرى، لكن فيها عدة آراء وأقوال متنوعة أشار المؤلف إليها.
стр. 1694
* قوله: (إمَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى مُنْفَرِدًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ).
هناك قسمان:
القسم الأول: رجل صلى الصلاة منفردًا، ثم دخل فوجد الناس يصلون.
القسم الثاني: مَن صلى في جماعة ودخل.
هل هناك فرق بين أن يكون الذي صلى أيضًا في جماعة أو منفردًا يقول هذه الصلاة التي أدركها في المسجد من الصلوات التي نهي عن الصلوات التي بعدها أو لا؟
أيضًا هذه المسألة مهمة، وربما المؤلف لم يعرض لها؛ ولذلك هناك أثر عن عبد اللَّه بن عمر: "أنه جاء كما ذَكَر عنه مجاهد، فنظر في المسجد فوجد الناس يصلون، فوقف حتى انتهوا" (١).
وفي بعض الروايات: "إنه جلس على البلاط حتى فرغ الناس من الصلاة، ولما قيل له في ذلك. قال: إني قد صليت هذه الصلاة بعضها في البيت" (٢)، ثم ذكر حديث رسول اللَّه ﷺ الذي أورده المؤلف في الكتاب، "لا تصلي صلاةً في يومٍ مرَّتين".
стр. 1695
* قوله: (فَإِنْ كَانَ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَقَالَ قَوْمٌ: يُعِيدُ مَعَهُمْ كُلَّ الصَّلَوَاتِ إِلَّا المَغْرِبَ فَقَطْ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ مَالِكٌ وَأَصحَابُهُ).
هذا قول مالك (١)، ومعه جماعة غيره (٢).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا إِلَّا المَغْرِبَ وَالعَصْرَ").
أما الذي أعرف عن الحنفية (٣): أنه لا يعيد إلا الظهر والعشاء، أما البقية فلا، المغرب لحديث: "لا وتران في ليلة"، هذه رواية مذهب أبي حنيفة.
стр. 1696
* قوله: (وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: "إِلَّا المَغْرِبَ وَالصُّبْحَ" (١)، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: "إِلَّا العَصْرَ وَالفَجْرَ") (٢).
المعروف أنَّ هذا قول نافع؛ لأن الأوزاعي أعلى رتبة من الإمام مالك، وأظنُّ أن ذلك وَهم من المؤلف، وأن هذا ليس قول الأوزاعي، وإنما قول نافع مِن التابعين، أما لو كان قول الأوزاعي لكان موافقًا للإمام مالك تمامًا؛ لأنه يعيد جميع الصلوات إلا المغرب.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "يُعِيدُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا") (٣).
قال الشافعيُّ وأحمدُ (٤): يعيد جميع الصلوات، لكن المذهب الحنبلي فيه روايةٌ على أن يشفعها برابعة، ولكنَّ المذهبين يلتقيان؛ لأنه يعيد جميع الصلوات، وهذا خلاف في جزئية، وأيضًا في مذهب الشافعي: أنه يشفعها برابعة.
стр. 1697
إذًا، رأينا من العلماء أنه يرى إعادة الصلوات كلها، وهذا الرأي هو الأكثر، ومنهم الشافعية والحنابلة، بعموم الأدلة التي ستأتي.
ومنهم مَن يرى أن جميع الصلوات تُعاد إلا المغرب.
ومنهم أيضًا مَن يضم إلى جانب المغرب العصر والفجر.
ومنهم من يقول: لا يعاد إلا الفجر، لأنهم يقولون: ثبت نصًّا أنه لا صلاة بعد صلاة الصبح، أما العصر ففيه خلاف كما في الحديث، عندما أرسل عبد اللَّه بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر مولاه كريبًا ليسأل عائشة عن الركعتين بعد العصر، أن الرسول نهى عن ذلك، وأنها ذكرت أنه كان يصلي في حديثها المعروف "ركعتان ما تركهما رسول اللَّه ﷺ في بيتي قَط" (١)، فذكرت الركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر.
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى إِيجَابِ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالجُمْلَةِ لِحَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ) (٢).
اتفقوا بالجملة على إعادة الصلاة عليه، وليس تفصيلًا، لأنهم من حيث الجملة اتفقوا على إعادة الصلاة، لكن عند التفصيل بعضهم يقول يعيد الكل، وبعضهم يقول يعيد البعض؛ على اختلافٍ بينهم في البعض الذي يُعاد.
لحديث بسر بن محجن، فهذا حدث مع أبي بسر الذي هو محجن، فقد كان جالسًا مع رسول اللَّه ﷺ ، فأُذِّن للصلاة، فقام رسول اللَّه ﷺ فصلَّى بأصحابه، ومحجن جالس في مكانه، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ لاحظ أن محجن لم يتغير موضعه، فأنكر عليه ذلك، وقال: "ما منعك أن تصلي معنا، ألست برجل مسلم" (٣)، وهذه مسألة مهمة، فالرسول -عليه
стр. 1698
الصلاة والسلام- أنكر عليه ذلك الصَّنيع بقوله: "ألست برجل مسلم".
ولهذا، نجد مِن العُلماء الذين منَعُوا إعادة الصلاة في المسجد، أو تكررها، بمعنى أنها إذا أُقِيمَت جماعة ثُم جماعة أُخرى، فالذين يقولون لا تُكرر الجماعة يعللون بأن ذلك قد يؤدي إلى الخلاف، فإذا كان هذا المسجد له إمام راتب، ثم جاء آخر فصلَّى بآخرين؛ فهذا قد يؤدي إلى الاختلاف والعداوة، وتشتيت الكلمة، وإنما صلاة الجماعة قصد بها توحيد الكلمة، وأيضًا يضاف إلى ذلك أن يتساهل الناس في الصلاة مع الإمام، لأنه يقول: إذا فاتت سأجد جماعة أخرى أصلي معهم.
لماذا قال بالجملة من ناحية أُخرى؛ لأن هذا الحديث هو قضيَّة لفردٍ واحدٍ، فمِحْجَن جلس في مكانه ولم يُصَل، ثم أنكر عليه رسول اللَّه ﷺ ، فرد قائلًا في الحديث: "صليت لأهلي"، فقال رسول اللَّه: "إذا جِئْتَ فصلِّ مع الناس"، فهذه قضية لشخص، والمؤلف يقول: وإن كانت واقعة لشخص، لكن تعم غيره.
* قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ وَلَمْ يُصَلِّ مَعَهُ: "مَا لَكَ لَمْ تُصَلِّ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ " فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ ﵊: "إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ" (١)).
من هذا الحديث تتَّضِح الدلالة بأن مَن صلى فدخل مسجدًا فوجد الناس يصلون فإنه يصلي معهم، هل العبرة هنا بعموم اللفظ أم بخصوص
стр. 1699
السبب (١)؟ وسيأتي حديث آخر يتعلَّق بمن صلى في جماعة.
* قوله: (فَاخْتَلَفَ النَّاسُ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِ هَذَا العُمُومِ بِالقِيَاسِ أَوْ بِالدَّلِيلِ).
لنتأمل، المؤلف هنا يريد أن يقول في هذا الحديث إنه وقع في قضية رجل، ولكنه عامٌّ، فإذا جئت فصلِّ ولا تقل إني صليت.
إذًا، هذا صلى خارج المسجد، فطلب منه أن يعيد الصلاة، فالحاصل أنه يريد القول في هذا العموم، فهل نعارضه بالقياس أو لا؟ هذا الذي يريد أن يوضحه، رحمه اللَّه تعالى.
* قوله: (فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ أَوْجَبَ إِعَادَةَ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (٢).
هل المؤلف يوجب عليه إعادة الصلوات؟ ينبغي أن نستبدلها؛ يحب إعادة الصلاة، وهذا القول في مذهب الحنابلة، لكنه ليس قولًا قويًّا بالنسبة إلى المذهب، لكن قول العلماء الصحيح المعروف أنه يستحب له إعادة، ولا يقال تجب عليه الإعادة، ومن يقول تجب عليهم الإعادة؛ فإنَّ وجهتهم أنَّ الثانية هي الفرض، والأولى هي النافلة، والأدلة تدل على عكس ذلك.
* قوله: (وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صَلَاةَ المَغْرِبِ فَقَطْ؛ فَإِنَّهُ خَصَّصَ العُمُومَ (٣) بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَهُوَ مَالِكٌ ﵀.
стр. 1700
قياس الشبه (١) هو قياس ضعيف، ولا ينبغي أن يخصص به العموم، لكن المؤلف اعتبر أن هذا قياس شبه، وقد يكون وجد هذا في مذهب المالكية، لكن مذهب المالكية يحتجون بحديث: "لا وتران في ليلة" (٢).
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ صَلَاةَ المَغْرِبِ هِيَ وَتْرٌ، فَلَوْ أُعِيدَتْ لَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الشَّفْعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوَتْرٍ).
صلاة المغرب وتر، فلو أُعِيدَت أشبهت صلاة الشفع، لكن هذا يبطله حقيقة وجوب سلام، كما ذكر الحنفية، وهذا توجيهٌ سليمٌ للحنَفِيَّة، حيث يصلي المصلي المغرب ثم يسلم، ثم يقوم فيصلي، إنما السلام فصل بينهما؛ فهذا يبعد ما يقوله المالكية.
* قوله: (لِأَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ سِتَّ رَكَعَاتٍ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَقِلُ مِنْ جِنْسِهَا إِلَى جِنْسِ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا).
حُولت من الوتر إلى الشفع، بعد أن كانت وترًا أصبحت شفعًا؛ فهذا هو قياس الشبه، وهو قياس ضعيف؛ لأن حجته ضعيفة.
стр. 1701
* قوله: (وَهَذَا القِيَاسُ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ قَدْ فَصَلَ بَيْنَ الأَوْتَارِ، وَالتَّمَسُّكَ بِالعُمُومِ أَولى مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ القِيَاسِ، وَأَقْوَى مِنْ هَذَا مَا قَالَهُ الكُوفِيُّونَ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَعَادَهَا يَكُونُ قَدْ أَوْتَرَ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الأَثَرِ: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ").
إن العلماء الآخرين الذين قاموا بإعادتها، قالوا: "لا وتران في ليلة"، هذا في حق من يعيد الفرض مكرَّرًا.
* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (١) فَإِنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَكُونُ نَفْلًا"، فَإِنْ أَعَادَ العَصْرَ يَكُونُ قَدْ تَنَفَّلَ بَعْدَ العَصْرِ، وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، فَخَصَّصَ العَصْرَ بِهَذَا القِيَاسِ، وَالمَغْرِبَ بِأَنَّهَا وَتْرٌ، وَالوَتْرُ لَا يُعَادُ).
قد ورد حديث "ثلاث ساعات نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حتى تطلع الشمس بازغة -أي: حتى ترتفع-، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تميل للغروب؛ أي: حتى تغرب" (٢)، هذا في أوقات النهي عمومًا.
واستثنى العلماء من ذلك: قضاء الفرائض، وصلاة الجنازة على خلاف فيها.
لكن هناك وقتان من الأوقات الخمسة: من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى الغروب.
إذًا، هذان الوقتان ورد فيهما عدة أحاديث في "الصحيحين" وغيرهما، ومنها:
стр. 1702
أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس" (١).
إذًا، هذا نهي؛ ومَن يعيد الصلاة فإنها تكون نافلة، وكأنه تنفَّل بعد ذلك، وهذه مسألة فيها خلاف، فهل هذا مستثنى لورود نصوص فيها، ومن يقول بجواز ذلك؟
* قوله: (وَهَذَا قِيَاسٌ جَيِّدٌ إِنْ سَلَّمَ لَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ الأَخِيرَةَ لَهُمْ نَفْلٌ).
يسلِّم الشافعي بهذا؛ لأن مذهب الشافعي الجديد يرى هذا، لكن الشافعية يعارضون من جانب آخر، ومثلهم الحنابلة، وسلموهم بأن الثانية هي النفل، والأولى هي الفريضة، لكنهم يعارضون من جانب آخر، ويقولون بعموم الأدلة لا تفرق بين المغرب، "لا وتران في ليلة"، في هذه الحالة.
تلك قضايا مُستثناة "من دخل المسجد"، وردت أحاديث خاصة تخصص هذا الحديث.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ العَصْرِ وَالصُّبْحِ فِي ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ لَمْ تَخْتَلِفِ الآثَارُ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ) (٢).
تفريق بين صلاة النافلة والتطوع بعد صلاة الصبح، فالاختلاف الذي أشرنا إليه في حديث عائشة "ركعتان ما تركهما رسول اللَّه ﷺ في بيتي
стр. 1703
قَط. . ." (١)، فذكرت الركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر، لكن هذا أشكل على عبد اللَّه بن عباس، وعلى نسوة بني مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، فانتدبوا إلى هذه المهمة كريبًا مولى ابن عباس وأرسلوه إلى عائشة ﵂ يُقرئها السلام ويسألها، فذكر لها عن هؤلاء الصحابة وأنهم سألوا عن أن رسول اللَّه ﷺ ينهى عن الصلاة بعد العصر، وهي أيضًا تقول بها، فعائشة لم تجب ذاك السائل، وإنما أحالته إلى أم سلمة ﵂، فذكرت له القصة المعروفة، أنها "رأت رسول اللَّه ﷺ يصلي بعد العصر، فاستغربت لأنه ينهى عن ذلك، فقال: أتاني وفد من بني عبد القيس لإسلام قومه، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر"" (٢).
فالرسول ﷺ ما كان يصلي تطوعًا بعد العصر، ولكنه انشغل بأمر مهم، وهو مجيء الوفد عليه ليعلنوا إسلام قومهم، فشُغل رسول اللَّه ﷺ ، واهتم بأمرهم، فلم يصل الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر.
وهذه مسألة فيها خلاف كثير، وربما يعود إليها المؤلف؛ لأن مِن العلماء مَن يرى أن الصلاة بعد العصر خاصة برسول اللَّه ﷺ ، وقد ورد في ذلك حديث.
стр. 1704
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَهَلْ يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى؟ فَأَكثَرُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُ، مِنْهُمْ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٢).
هذه مسألة مختلفة؛ لأنهم يفرقون، فإن مَن صلَّى منفردًا وفاتته صلاة الجماعة فكأنه إذا عادها مدركٌ فضل الجماعة، وإن كانت الأخيرة نافلة بالنسبة له، لكنه بالنسبة لمن صلَّاها في جماعة؛ فهذا فيه تكرار لما هو بالنسبة إلى الإمامين الشافعي وأحمد، فقولهم في هذه المسألة متَّفِق، والشافعية والحنابلة لا يفرقون بين مَن صلى منفردًا أو في جماعة ودخل المسجد، فلا يرون فرقًا في ذلك.
* قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يُعِيدُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ: أَحْمَدُ (٣)،
стр. 1705
وَدَاوُدُ (١)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ) (٢).
وكذلك الإمام الشافعي (٣)، وهذا هو الصحيح في مذهبهم.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ مَفْهُومِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ" (٤)).
هذا هو حديث عبد اللَّه بن عمر، وذكرنا قصةً عن عبد اللَّه بن عُمَر أنه أقيمت عنده الصلاة فنظر في المسجد ووجدهم يصلون، وهذه قضية نقلها عنه مجاهد (٥).
إذًا، هذا أمر موقوف على عبد اللَّه بن عمر، ثم لما رأى أنه لم يُصلِّ مع الناس، قال: إني قد صليت، وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تصل صلاة في يوم مرتين".
стр. 1706
وهل معنى هذا أن الإنسان لا يعيدها مع الجماعة، وأن القصد أنه لا ينبغي للإنسان أن يصلي الفرض ثم يكرره؟ في هذا أيضًا أقاويل لبعض العلماء.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ "أَنَّهُ أَمَرَ الَّذِينَ صَلَّوْا فِى جَمَاعَةٍ أَنْ يُعِيدُوا مَعَ الجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ").
هذه القصة حصلت مع الرجُلين اللذَيْن كانا في مسجد الخيف، وهذا كان في صلاة الصبح، وفي هذه القصة حُجة للشافعية والحنابلة الذين يقولون: لا فرق بين صلاة وصلاة؛ لأن هذا حدث في صلاة الصبح، وإذا كان في صلاة الصبح فالعصر أولى؛ لأن العصر فيه خلاف، أما التطوع والفجر فليس فيهم خلاف في منع ذلك.
بمعنى أن العلماء متفقون على المنع بعد التطوع، وبعد صلاة الصبح، وقولهم ضعيف في هذه المسألة، أما العصر ففيه خلاف مشهور معروف، وأظن أن المؤلف سيأتي إليه، لأنه من المسائل المشهورة.
إذن في قصة الرجلين اللذَيْنِ جاءا إلى مسجد الخيف في مِنًى وجلسا في مؤخرة المسجد، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ ومن معه، نظر فوجدهم في مؤخرة المسجد، فقال: "عليَّ بهما" فجاؤوا بهما ترتعد مفاصلهما، يظنون أنهما ارتكبا خطأ، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، قالوا: صلينا في رحالنا، فأرشدهم رسول اللَّه ﷺ إلى ما ينبغي أن يفعلانه، فقال: "إذا صليتم في رحالكم وإذا أتيتم مسجدًا فيه جماعة فصلوا مع الجماعة، فإنها تكون لكم نافلة" (١)، فهذا دليل واضح، لأنه أنكر عليهم هذا الصنيع، وأخبرهم بأن يُعيدا الصلاة مع الجماعة، وكان ذلك في صلاة الصبح؛ فتبين من ذلك أن صلاة الصبح تُعاد، وإذا أعيدت صلاة الصبح؛ فإن العصر أيضًا يُعاد من باب أولى.
стр. 1707
أما صلاة المغرب فقد نُقِل عن حذيفة ﵁ أنه أعاد صلاة الظهر، والعصر، والمغرب (١)، وورد ذلك أيضًا عن غيره من الصحابة (٢).
* قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ بُسْرٍ يُوجِبُ الإِعَادَةَ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ إِذَا جَاءَ المَسْجِدَ).
حديث بسر عام، ولا يفرق بين مَن صلَّى منفردًا أو في جماعة؛ فالتخصيص يحتاج إلى دليل، نعَمْ الرجل كان صلى وحده، لما وجده في مؤخرة المسجد، وقال: "صليت في أهلي" (٣)، ويحتمل أيضًا أن يكون صلى منفردًا، لكن لو سلمنا بذلك، على قول المؤلف إنه عام؛ إذًا هذا إذا كان يخص منفردًا دون الجماعة لبينه؛ لأن هذا رجل أخطأ الحكم، والرسول ﵊ يتكلم عن ذلك في حضور ومشهد من الصحابة؛ فيُعَد هذا بيانًا، واللَّه يقول له: " ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ".
والقاعدة الأصولية المعروفة: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (٤).
إذًا، هذا بيان لا يجوز تأخيره، ولو كان هناك فرق بين مَن صلَّى
стр. 1708
منفردًا ومَن صلَّى في جماعة وأدرك الجماعة؛ لبيَّنه رسول اللَّه ﷺ غاية البيان؛ لأن الناس بحاجة إليه، كما بيَّن للأعرابي عندما أخطأ في صلاته حين لم يطمئن (١)، وبيَّن للرجل الذي صلَّى خلف الصف، وقال: "استقبل صلاتك لا صلاة لمن خلف الصف" (٢)، بل بقي الرسول ﷺ ينتظره حتى فرغ من صلاته، وقال له: "استقبل صلاتك، لا صلاة لمن خلف الصف"؛ لأن ذلك حكم، فانتظره حتى انتهى.
فالرسول ﵊ في كل موضع يرى البيان فيه متعين، فيبينه، لأن اللَّه أرسله ليبين للناس ما أنزل إليهم ليبيِّن الأحكام، ويوضح ما يحتاجون إليه في أمور آخرتهم ودنياهم، ولذلك كان يوضح لهم حتى الأمور اليسيرة.
* قوله: (فَإِنَّ قُوَّتَهُ قُوَّةُ العُمُومِ، وَالأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ العَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصِّ لَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ).
القاعدة الأصولية المعروفة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (٣)، وهي قاعدة أصولية، وتصلح أيضًا أن تكون قاعدةً فقهية (٤).
стр. 1709
* قوله: (وَصَلَاةُ مُعَاذٍ مَعَ النَّبِيِّ ﵊.
صلاة معاذ من أوضح الأدلة على ذلك، وَيبني الفقهاء عليها مسألةً مشهورة، وهي "اقتداء المفترض بالمتنفل" (١)، فإن معاذًا ﵁ كان يصلي مع رسول اللَّه ﷺ في مسجده، ثم يعوفى إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، وهي صلاة العشاء (٢)، وكان يدرك بها فضيلة الصلاة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، وأيضًا خلف رسول اللَّه ﷺ ، ثم يعود فيصلي بقومه تلك الصلاة، فينوي النفل وهم ينوون الفرض؛ لأنه لا يمكن أن ينوي الفرض لأنه لا يجوز للإنسان أن يصلي الفريضة مرتين.
* قوله: (ثُمَّ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الجَمَاعَةِ، فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الآثَارِ مَذْهَبَ الجَمْعِ وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ).
تتعدد المسالك التي يسلكها الفقهاء عندما تتعارض الأدلة، فهناك:
مسلك النسخ، والنسخ يحتاج معرفة المتقدم مِن المتأخر (٣).
стр. 1710
وهناك مسلك الترجيح، والترجيح ينبغي أن يُبنى على صحة الدليل، وأيضًا عدم تطرُّق الاحتمال إليه.
وهناك مذهب الجمع، والجمع بلا شك هو أولى هذه المرتبات؛ لأننا عندما نجمع بين الأدلة لا بد من الأخذ بمجموعها، وعندما نرجح بعضها على بعض فلا ينبغي أن نرجح إلا أن يكون سبب الرجحان ظاهرًا، ويكون هذا الرأي دليله قويًّا، وأن يكون صحيحًا وأن لا يكون المخالف أقوى دلالةً منه.
* قوله: (أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ؛ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ" (١)).
هذا الحديث مطلق وعام، فهل المراد به ألا يصلي الإنسان الفريضة ثم يكررها مرة أُخرى، أو المراد أن يصلي الفريضة ثم يعيدها مع جماعة، وينوي الفريضة مرة أُخرى؟
كل ذلك محتمل؛ إذًا هذا الذي يتدارك إليه هذا الحديث، وليس
стр. 1711
المراد ألَّا تصلي صلاة واحدة في يوم مرتين إلا تُعيد الفريضة، وتنوي بالثانية نفلًا مع جماعة؛ لأن الأدلة الأخرى دلت على هذا، ونرجو أن يكون قد وضح المراد.
* قوله: (وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا صَلَاةَ المُنْفَرِدِ فَقَطْ لِوُقُوعِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: "لَا تُصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ" (١) إِنَّمَا ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ الوَاحِدةَ بِعَيْنِهَا مَرَّتَيْنِ، يَعْتَقِدُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا فَرْضٌ، بَلْ يَعْتَقِدُ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الفَرْضِ، وَلَكِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا).
هل الأولى الفرض أو الثانية؟
هذه مسألة فيها كلام للعلماء (٢)، ولا شك أن القول الصحيح كما في حديث أبي ذر وغيره أن الأولى فرض والثانية نفل، حتى وإن كان صلَّى الأولى منفردًا فيؤخرون الصلاة عن وقتها، قال: "فما تأمرني؟ قال: صلِّ الصلاة في وقتها، وإن أدركتها معهم فصلِّ، فتكون لك نافلة" (٣).
وفي بعض الروايات كذلك، لكن الأولى فرض، والثانية تكون تطوعًا.
стр. 1712
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُنْفَرِدِ، أَعْنِي: أَلَّا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ المُنْفَرِدُ صَلَاةً وَاحِدةً بعَيْنِهَا مَرَّتَيْنِ).
انتهينا من هذه المسألة، إذًا الإنسان دخل إلى المسجد، أو أقيمت الصلاة وهو في المسجد، وإن كان قد صلى؛ فينبغي عليه أن ينضم إلى الجماعة في أي صلاة من الصلوات، ولا ينبغي أن يتخلف عنهم؛ لِمَا رأينا من الأدلة التي وردت في هذه المسألة أيضًا؛ لعدم إيقاع المسلم نفسه في مواضع الشبهة.
وقد رأينا أن الرسول ﷺ أنكر على محجن، وكذلك أنكر على الرجلين في مسجد الخيف.
إذًا، فالمسلم دائمًا يحاول أن يكون مع الجماعة، وهذه أيضًا من محاسن صلاة الجماعة ومزاياها، فلها فوائد كثيرة، ومحاسن عظيمة، ومن محاسنها وفوائدها أن يجتمع المسلمون، ويتعاونوا على البر والتقوى، وهذا إظهار للمنافقين، وكبت لأعداء الإسلام.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
الفَصْلُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الإِمَامَةِ، وَمَنْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، وَأَحْكَامِ الإِمَامِ الخَاصَّةِ بِهِ
وَفِي هَذَا الفَصْلِ مَسَائِلُ أَرْبَعٌ، المَسْأَلَةُ الأَولَى: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ).
لا شكَّ أنَّ أحكام الصَّلاة لَقِيت عناية كبيرة من الفقهاء، فالصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، ولذلك جاءت أقوالُ العلماء فيها مُفَصَّلة، وإن
стр. 1713
كان هذا الكتاب أَجْمَلَ فيها، لكنَّه أيضًا ذكر حظًّا أو جُمَلًا مهمة في مباحث الصلاة.
وأول هذه المسائل: مَنْ يَؤَمُّ الناسَ؟
العلماء متفقون من حيث الجملة على أنَّ الأَوْلَى أن يتقدم الناسَ مَنْ هو أكثر فقهًا، أو قراءةً، فهذان لا خلاف في تقديم أحدهما (١).
لكن هل الأولى أن يُقَدَّم الأفقه أو الأقرأ؟
العلماء عندما يقولون بتقديم الأقرأ؛ يقصدون بذلك أن يكون على معرفة بالفقه والأحكام المتعلقة بالصلاة، فلا يكفي أن يكون قارئًا ويجهل أحكام الصلاة.
كذلك الذين يقولون بتقديم الأفقه؛ يَنُصُّون على أنَّه ينبغي أن يكون قارئًا.
لكن الخلاف: إذا وُجد فقيه وقارئ، وكان أحدهما أفقه والآخر أقرأ، فأيهما يُقدم؟ هذا هو محل الخلاف بين العلماء.
فمنهم من يُقدم الأقرأ، أخذًا بنصِّ هذا الحديث وغيره، ومنهم من يُقَدِّم الأفقه فيقولون: إنَّ الإمامَ يحتاج إلى الفقه أكثر من حاجته إلى القراءة، فَيَكْفِيه القراءة المطلوبة في الصلاة، لكنَّه قد تنتابه (٢) أمورٌ في الصلاة لا يستطيع أن يَتصرف فيها إلَّا مَن كان على علم ودراية بالفقه، فإن لم يكن كذلك فربما أخَلَّ بشرطٍ من شروط الصلاة، أو ركن من أركانها، وقد يُؤدي ذلك الخَلل إلى فسادِها، فقد يعود من ركنٍ إلى واجبٍ أو سُنَّة، وذلك يُخل بالصَّلاة.
стр. 1714
إذًا يرى من يقول بتقديم الأفقه: أنَّ الفقه أهم في الصلاة منه بالنسبة للقراءة.
والأئمة الأربعة انقسموا إلى قسمين: فريق منهم يرى تقديم الأقرأ؛ وهم الحنفية (١) والحنابلة (٢).
والفريق الآخر يرى تقديمَ الأفقه؛ وهم المالكية (٣)، والشافعية (٤).
стр. 1715
ومدار الخلاف يدور حول الحديث الذي ذكره المؤلف، وهو قوله ﷺ : "يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب اللَّه" (١).
إذًا هذه رتبة أولى يَعقبها ثانية: "فإن كانوا في القِراءة سواء: فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سَوَاء؛ فأقدمهم هجرة"، وفي رواية: "فأقدمهم سِلْمًا" (٢)؛ أي: إسلامًا.
إذًا "يَؤُمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب اللَّه"، ومعنى يؤم: يتقدم؛ مِن أَمَّ يَؤُمُّ (٣).
أمَّا المأموم فهو مِن ائتم يَأتم، أي: اقتدى (٤). إذًا هناك إمامٌ ومُأْتَمٌّ.
فالإمامُ: هو الذي يَتقدم الناسَ، ويُصَلِّي بهم.
ومن الأدلة التي تدل على تقديم الأقرأ على الأفقه: أنَّ الرسول ﷺ قال: "إذا اجتمع ثلاثةٌ فليَؤمهم أحدُهم، وأحقُّهم بالإمامة أقرأُهم"، والحديث في "صحيح مسلم" (٥).
وروي عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ أنَّه لمَّا قدم المهاجرون الأولون، فنزلوا موضعًا في قباء تَقدمهم سالم مولى أبي حذيفة، قال: "وكان أكثرُهم قرآنًا" (٦)، وكان من بينهم عمر بن الخطاب.
стр. 1716
إذًا قُدِّمَ سالم مولى أبي حذيفة؛ لأنَّه كان أعلمهم بالقراءة في وقته، فهذا دليل آخر.
وكذلك أوصى الرسولُ ﷺ قومَ عمرو بن سَلِمَة، فقال في آخر الحديث: "ولْيَؤُمكم أكثرُكم قرآنًا" (١).
فهذه أدلة تدل دلالة واضحة صريحة على أنَّ الأقرأ يتقدم.
وذهب الآخرون (٢) إلى أنَّ الذي يُقَدَّم الأفقه، وقالوا: إنَّ المراد بالأقرأ هنا هو الأفقه، وعَلَّلُوا ذلك بتعليلِ: أنَّ الصحابةَ ﵃ كان الأقرأُ منهم هو الأفقه، ولكنَّ الآخرين ردُّوا ذلَك، وقالوا: إنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظ، لا بخصوصه، فالخطاب عندما وُجِّه من الرسول ﷺ لا يقصد به الصحابة ﵃ وحدهم، ولكنَّه يضع تشريعًا عامًّا لهذه الأُمَّة منذ بعثته ﷺ إلى أن يرثَ اللَّهُ الأرضَ ومن عليها، ويقول: "يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللَّه". فهذا لا يختص به الصحابة، هذا جواب.
والجواب الآخر أنَّهم قالوا: قوله بعد ذلك: "فإن كانوا في القِراءة سَوَاء؛ فأعلمهم بالسُّنَّة".
ذلك دليل على أنَّه ليس المراد هو الأقرأ، لأنَّه لو كان الأقرأ هو الأفقه لما نقلهم إلى المرحلة الثانية، وقال: "فإن كانوا في القِرَاءة سَوَاء؛ فأعلمهم بالسُّنَّة"، لأنَّ الأفقهَ عالم بالسُنَّةِ (٣).
стр. 1717
وجواب ثالث: أنَّه ثَبَتَ عن الرَّسُولِ ﷺ أنَّه فَاضَلَ بين الصحابة في العلم، فالصحابة ﵃ لهم من المكانةِ ما ليس لغيرهم، فلهم من المزايا ومن المحاسن ما يَختصون به عن غيرهم، ولو لم يكن لهم في ذلك إلَّا أنَّ اللَّهَ رضي عنهم في كتابه، وزكَّاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وأثنى عليهم، وبَيَّنَ أنَّه لو أنفق أحدُنا مِثْلَ أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفَه (١)، وأنَّهم جاهدوا في اللَّه حَقَّ جهاده، وأنَّهم أدركوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وأخذوا العلم عنه صافيًا نقيًّا لم تَشُوبه أي شائبة، ولم يخالطه أي إشكالٍ أو شبهة، فأخذوا ذلك من مِشكاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهم الذين جالسوه، وتربوا في مدرسته، وجاهدوا معه وبعده، لكنَّهم مع ذلك كغيرهم يختلفون في درجات العِلم، فليسوا على درجة واحدة، لذلك نجد أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: "أَقْرَأُكم أُبَيٌّ، وأَقْضَاكم عَلِيٌّ، وأَعْلَمُكم بالحلال والحرام مُعاذٌ، وأفرضُكم زيدُ بن ثابت" (٢).
стр. 1718
إذًا بيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ أقرأ الصحابة كان أُبَيًّا، ولذلك لمَّا تَردَّدَ في آيةٍ وهو في الصلاةِ قال: "أين أبَيٌّ؟ أَلَمْ يكن في القوم؟ ". يريد أن يَفتح عليه (١).
فقد سأل عن أُبَيٍّ، ولم يسأل عن غيره، فتبيَّنَّا من هذا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قد رَتَّبهم، وليس معنى هذا أنَّ الصحابةَ لا يُدركون القرآن، ولكنَّهم على مراحل.
قوله: "أقرأُكم" وهم قُرَّاء، إذًا بهذا نتبين أنَّ الأولى هو تقديم الأقرأ، ولكن لا نأتي بإنسانٍ يَحفظ القرآن ويُجوِّده، ولا يَعرف شيئًا من أحكام الصلاة فلا نُقدمه، إنَّما نقدمه إذا كان يعرف أحكام الصلاة، وهو أقرأ من غيره ممن هو أكثر فقهًا منه، فهذا يُقدَّم، وهذا من شروطِ الكمالِ، فلو قُدِّم الأقرأ مع وجود الأفقه فالصلاة صحيحة، لكن الكلام هنا فيما هو الأفضل.
والعلماء ﵏ كما ذكرنا عندما يختلفون في أمرٍ من الأمور، وربما يَظن البعضُ أنَّهم لماذا يختلفون في بعض الأحاديث التي نرى وضوحها وبيانها، وهذا يقوله مَن لم يُدرك غور (٢) الأئمة ﵏، فالأئمة أقوالهم لها غور؛ يعني: فيها عُمق، تحتاج إلى مَن يدركها، فمن يدرك أقوال الأئمة، ويَسبر غورها، يعرف لماذا يختلف الأئمة، والأئمة بَشر، وليسوا مُحيطين بالعلم، وإذا كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ كما ذكرنا قد فات بعضُهم أشياء، فَمِن باب أولى أن يَفوت مَن بعدهم.
إذًا العلمُ ليس محصورًا في فردٍ، ولا شكَّ أنَّ الأئمةَ من العلماءِ الأفذاذِ الذين شُهِد لهم بذلك، والذين تركوا لنا تَركة عظيمة، تزخر بها
стр. 1719
مكتباتنا الإسلامية، وقد يبلغ أحدُهم ما لم يبلغ الآخر، وقد يصحُّ الحديث عند هذا، ولم يصح عند الآخر.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَؤُمُّ القَوْمَ أَفْقَهُهُمْ لَا أَقْرَؤُهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ).
قد ذكر مالكٌ والشافعيُّ الحكمَ بتقديم الأفقه متصلًا بعلته، لماذا تقدمون الأفقه؟
قالوا: لأنَّ المصلي بشرٌ، فقد يَنسى، وقد يَضطرب في أمرٍ من أمورِ الصلاة، أو يُحْدِث حَدَثًا من الأحداث، أو يَنوبه شيءٌ في صلاته، فمن الذي يتخلص من ذلك؟ هو الفقيهُ المُدْرِكُ (١).
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ").
هناك مَن يثير قضية؛ وربما سُئل عنها أحد الأئمة، وأظنُّه الإمام أحمد حول هذا الحديث وما يتعلَّق به، وهو حديث أبي مسعود عن تقديم رسولِ اللَّهِ ﷺ لأبي بكرٍ في مرضهِ، يعني: قَدَّم أبا بكر ولم يكن أقرأَ الصحابة، فأشار إلى أنَّ تقديمَ الرَّسُول ﷺ إنَّما كان لأمرٍ آخر؛ وهو الخلافةُ، يعني: أنَّه استخلفه في هذا الأمر، ولا يشترط في الخلافة أن يكون أفقه الناس، أو أقرؤهم (٤).
стр. 1720
لذلك نجد في كلام عمر ﵁ أيام السَّقيفة (١)، عندما اجتمع المهاجرون والأنصار، وطلب عمر من أبي بكر أن يَمُدَّ يدَه ليبايعه، قال له: "لقد ارتضاكَ اللَّهُ لأمر دينه، وارتضاك رسولُ اللَّه ﷺ لأمر ديننا؛ أَفَلَا نَرتضيك لأمر دنيانا" (٢).
فهذا فيه إرهاصٌ (٣) إلى خلافة أبي بكر ﵁، فهناك مَن يرى أنَّ الرَّسُول ﷺ قد أشار إشارات لطيفة تدل على أنَّه هو الخليفة بعده، ومن ذلك أنَّ الرَّسُول ﷺ قال: "مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلِّ بالناسِ" (٤)، وكَرَّر ذلك