← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

إذًا قُدِّمَ سالم مولى أبي حذيفة؛ لأنَّه كان أعلمهم بالقراءة في وقته، فهذا دليل آخر. وكذلك أوصى الرسولُ ﷺ قومَ عمرو بن سَلِمَة، فقال في آخر الحديث: "ولْيَؤُمكم أكثرُكم قرآنًا" (١). فهذه أدلة تدل دلالة واضحة صريحة على أنَّ الأقرأ يتقدم. وذهب الآخرون (٢) إلى أنَّ الذي يُقَدَّم الأفقه، وقالوا: إنَّ المراد بالأقرأ هنا هو الأفقه، وعَلَّلُوا ذلك بتعليلِ: أنَّ الصحابةَ ﵃ كان الأقرأُ منهم هو الأفقه، ولكنَّ الآخرين ردُّوا ذلَك، وقالوا: إنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظ، لا بخصوصه، فالخطاب عندما وُجِّه من الرسول ﷺ لا يقصد به الصحابة ﵃ وحدهم، ولكنَّه يضع تشريعًا عامًّا لهذه الأُمَّة منذ بعثته ﷺ إلى أن يرثَ اللَّهُ الأرضَ ومن عليها، ويقول: "يَؤُمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللَّه". فهذا لا يختص به الصحابة، هذا جواب. والجواب الآخر أنَّهم قالوا: قوله بعد ذلك: "فإن كانوا في القِراءة سَوَاء؛ فأعلمهم بالسُّنَّة". ذلك دليل على أنَّه ليس المراد هو الأقرأ، لأنَّه لو كان الأقرأ هو الأفقه لما نقلهم إلى المرحلة الثانية، وقال: "فإن كانوا في القِرَاءة سَوَاء؛ فأعلمهم بالسُّنَّة"، لأنَّ الأفقهَ عالم بالسُنَّةِ (٣).

стр. 1717

وجواب ثالث: أنَّه ثَبَتَ عن الرَّسُولِ ﷺ أنَّه فَاضَلَ بين الصحابة في العلم، فالصحابة ﵃ لهم من المكانةِ ما ليس لغيرهم، فلهم من المزايا ومن المحاسن ما يَختصون به عن غيرهم، ولو لم يكن لهم في ذلك إلَّا أنَّ اللَّهَ رضي عنهم في كتابه، وزكَّاهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وأثنى عليهم، وبَيَّنَ أنَّه لو أنفق أحدُنا مِثْلَ أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفَه (١)، وأنَّهم جاهدوا في اللَّه حَقَّ جهاده، وأنَّهم أدركوا رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وأخذوا العلم عنه صافيًا نقيًّا لم تَشُوبه أي شائبة، ولم يخالطه أي إشكالٍ أو شبهة، فأخذوا ذلك من مِشكاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهم الذين جالسوه، وتربوا في مدرسته، وجاهدوا معه وبعده، لكنَّهم مع ذلك كغيرهم يختلفون في درجات العِلم، فليسوا على درجة واحدة، لذلك نجد أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قال: "أَقْرَأُكم أُبَيٌّ، وأَقْضَاكم عَلِيٌّ، وأَعْلَمُكم بالحلال والحرام مُعاذٌ، وأفرضُكم زيدُ بن ثابت" (٢).

стр. 1718

إذًا بيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ أنَّ أقرأ الصحابة كان أُبَيًّا، ولذلك لمَّا تَردَّدَ في آيةٍ وهو في الصلاةِ قال: "أين أبَيٌّ؟ أَلَمْ يكن في القوم؟ ". يريد أن يَفتح عليه (١). فقد سأل عن أُبَيٍّ، ولم يسأل عن غيره، فتبيَّنَّا من هذا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قد رَتَّبهم، وليس معنى هذا أنَّ الصحابةَ لا يُدركون القرآن، ولكنَّهم على مراحل. قوله: "أقرأُكم" وهم قُرَّاء، إذًا بهذا نتبين أنَّ الأولى هو تقديم الأقرأ، ولكن لا نأتي بإنسانٍ يَحفظ القرآن ويُجوِّده، ولا يَعرف شيئًا من أحكام الصلاة فلا نُقدمه، إنَّما نقدمه إذا كان يعرف أحكام الصلاة، وهو أقرأ من غيره ممن هو أكثر فقهًا منه، فهذا يُقدَّم، وهذا من شروطِ الكمالِ، فلو قُدِّم الأقرأ مع وجود الأفقه فالصلاة صحيحة، لكن الكلام هنا فيما هو الأفضل. والعلماء ﵏ كما ذكرنا عندما يختلفون في أمرٍ من الأمور، وربما يَظن البعضُ أنَّهم لماذا يختلفون في بعض الأحاديث التي نرى وضوحها وبيانها، وهذا يقوله مَن لم يُدرك غور (٢) الأئمة ﵏، فالأئمة أقوالهم لها غور؛ يعني: فيها عُمق، تحتاج إلى مَن يدركها، فمن يدرك أقوال الأئمة، ويَسبر غورها، يعرف لماذا يختلف الأئمة، والأئمة بَشر، وليسوا مُحيطين بالعلم، وإذا كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ كما ذكرنا قد فات بعضُهم أشياء، فَمِن باب أولى أن يَفوت مَن بعدهم. إذًا العلمُ ليس محصورًا في فردٍ، ولا شكَّ أنَّ الأئمةَ من العلماءِ الأفذاذِ الذين شُهِد لهم بذلك، والذين تركوا لنا تَركة عظيمة، تزخر بها

стр. 1719

مكتباتنا الإسلامية، وقد يبلغ أحدُهم ما لم يبلغ الآخر، وقد يصحُّ الحديث عند هذا، ولم يصح عند الآخر. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَؤُمُّ القَوْمَ أَفْقَهُهُمْ لَا أَقْرَؤُهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ). قد ذكر مالكٌ والشافعيُّ الحكمَ بتقديم الأفقه متصلًا بعلته، لماذا تقدمون الأفقه؟ قالوا: لأنَّ المصلي بشرٌ، فقد يَنسى، وقد يَضطرب في أمرٍ من أمورِ الصلاة، أو يُحْدِث حَدَثًا من الأحداث، أو يَنوبه شيءٌ في صلاته، فمن الذي يتخلص من ذلك؟ هو الفقيهُ المُدْرِكُ (١). * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ"). هناك مَن يثير قضية؛ وربما سُئل عنها أحد الأئمة، وأظنُّه الإمام أحمد حول هذا الحديث وما يتعلَّق به، وهو حديث أبي مسعود عن تقديم رسولِ اللَّهِ ﷺ لأبي بكرٍ في مرضهِ، يعني: قَدَّم أبا بكر ولم يكن أقرأَ الصحابة، فأشار إلى أنَّ تقديمَ الرَّسُول ﷺ إنَّما كان لأمرٍ آخر؛ وهو الخلافةُ، يعني: أنَّه استخلفه في هذا الأمر، ولا يشترط في الخلافة أن يكون أفقه الناس، أو أقرؤهم (٤).

стр. 1720

لذلك نجد في كلام عمر ﵁ أيام السَّقيفة (١)، عندما اجتمع المهاجرون والأنصار، وطلب عمر من أبي بكر أن يَمُدَّ يدَه ليبايعه، قال له: "لقد ارتضاكَ اللَّهُ لأمر دينه، وارتضاك رسولُ اللَّه ﷺ لأمر ديننا؛ أَفَلَا نَرتضيك لأمر دنيانا" (٢). فهذا فيه إرهاصٌ (٣) إلى خلافة أبي بكر ﵁، فهناك مَن يرى أنَّ الرَّسُول ﷺ قد أشار إشارات لطيفة تدل على أنَّه هو الخليفة بعده، ومن ذلك أنَّ الرَّسُول ﷺ قال: "مُرُوا أبا بكر فَلْيُصَلِّ بالناسِ" (٤)، وكَرَّر ذلك

стр. 1721

مرارًا واستخلفه، فهذا دليل على تقديمه، إلى جانب ما ورد من الأحاديث العظيمة التي تُبين فضل أبي بكر، وأنَّه لو وُزِن إيمانُه بإيمان الأُمَّة لرجح (١). إذًا بهذا نتبين أنَّه لا يشترط فيمن يُصَلِّي بالناس أن يكون أعلمَهم، حتى لو كان هناك مَن هو أقرأ منه، فلا مانع أن يتقدم، لكن الحديث هنا في شرط الكمال، الأكمل في الإمام أن يكون أقرأ. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً؛ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ إِسْلَامًا، وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ"، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ) (٢). هذه مسألة لم يتكلم عنها المؤلف، ولكنها ستأتي، وهي تتعلق فيما لو زُرت أخًا لك في بيته، وكنت أعلم منه، وأُقيمت الصلاة، فمَن الذي يتقدم؟ صاحب البيت هو الذي يتقدم إلَّا أن يأذن لك، وهذه قضية حصلت مع الصحابة، فأحد الصحابة أظنُّه أبا ذر؛ أراد أن يتقدم فجذبه أحد الصحابة، وقال: يتقدم فلان (٣).

стр. 1722

إذًا الأَوْلَى أن يتقدم صاحبُ البيت، إلَّا أن يكون الذي حضر في البيت السلطان، فإنَّه يتقدم؛ لأنَّ السلطان له ولاية على كل أحد، أمَّا إذا كان من عامَّة الناس فالأولى أن يتقدم صاحب البيت (١). ولا يجلس على

стр. 1723

تَكرمته؛ يعني: على مائدته إلَّا بإذنه (١). * قوله: (لَكِنِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي مَفْهُومِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). وكذلك الإمام أحمد في هذه المسألة (٣). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ مِنَ الأَقْرَإ هَاهُنَا: الأَفْقَهَ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الفِقْهِ فِي الإِمَامَةِ أَمَسُّ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى القِرَاءَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الأقْرَأَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ هُوَ الأَفْقَهَ ضَرُورَةً، وَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ اليَوْمَ) (٤). ما زلنا في الحديث: أنَّ المقصود هو الأقرأ وليس الأفقه؛ لأنَّه لو كان الأقرأ هو الأفقه لما انتقل إلى المرحلة الثانية: "فإن كانوا في القراءة سواء؛ فاعلمهم بالسُّنَّة"، إذا كان الأقرأ هو الأفقه فلا حاجة إلى الانتقال إليها، ولكن الانتقال إليها يدل على أنَّها مرحلة ثانية (٥). * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِمَامَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إِذَا كَانَ قَارِئًا). هذه المسائل لا تنطبق عليها المسائل الكبرى التي سلكها المؤلف،

стр. 1724

لكنَّها مسائل جوهرية وأساسية، لذلك ذكرها المؤلف؛ لأنَّها متعلقة بالإمامة، لكنَّه سكت عن إمامة الأعمى (١)، والأصم (٢) ومقطوع أحد اليَدَين أو اليدين معًا أو الرِّجْلَين، أو غير ذلك (٣). ومسائل كثيرة جدًّا ما تَعَرَّض لها.

стр. 1725

* قوله: (اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِمَامَةِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إِذَا كَانَ قَارِئًا). معلوم أنَّ هناك طفلًا ثم صبيًّا (١) ثم يافعًا (٢) ثم شابًّا (٣)، والمراد بذلك هو الصغير الذي لم يَبلغ، والصغار يختلفون مثل الكبار، فكم مِن صغير يهبه اللَّه ذكاءً وفطنة، تجده متوقد الذكاء، تجده واسع الأفق، تجده مدركًا واعيًا، وهذا تلحظه في الطلاب الذين في المراحل الابتدائية، ولذا يتكلم العلماء عن هذه المسألة، ويذكرون قصة الصحابي الذي ذكر مَجَّةً مَجَّها رسولُ اللَّه ﷺ من دلو في بئر، أخذ دلوًا فأخذ ماءً ﷺ في فِيه،

стр. 1726

فَمَجَّه (١) في وجهه، وهو في سِنِّ الرابعة (٢). إذًا هؤلاء الصغار يختلفون، وقد يوجد من الكبار مَن ليس عنده فطنة (٣)، ولا وعي، ولا إدراك، ولذلك كما تعلمون شُرع الحَجْر (٤) على السفيه، فكم من كبير يتصرف تصرفًا لا يحصل من الصغار، لكن هناك قاعدة عامة. إذًا لماذا تردد بعضُ العلماء في كون الصغير يَؤُمُّ؟ لأنَّ الصلاة منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، فالقارئ يقرأ ولو أخطأ لرُد عليه، والتكبير يسمعه الناس، لكنَّ هناك أمورًا لا يدري عنها؛ منها الحدث، ومنها الخلل في بعض الأشياء، فالذين يمنعون ذلك، بعضهم يعلل بأنَّ الصغير قد تَفوته أمور، إذًا هذا الصغير الذي لم يبلغ الحلم، هل له أن يَؤُمَّ الناس أم لا؟ هنالك قضية معروفة: فإنَّ قوم عمرو بن سَلِمَة جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ فأرشدهم -ومما أرشدهم إليه- قوله: "وليؤمكم أكثرُكم قرآنًا"، فهذا صغير في سن السابعة - ونحن الآن نجد أنَّ الذي في سِن السابعة قد لا يُدرك شيئًا، إمَّا في السنة الأولى الابتدائية أو الثانية، لكنَّه حريص؛ يعني: كان أحرص قومه، كان يقف في طريق المسافرين، يرقب القادمين من المدينة، فيسألهم عمَّا أخذوا من رسول اللَّه ﷺ من قرآن أو عِلم، فكان يتلقى عنهم، فاجتمع عنده من القرآن ما لم يجتمع عند غيره،

стр. 1727

فلمَّا توفر فيه هذا الشرط، وفاق الكبار، وامتاز عليهم - رأوا أن يقدموه في الصلاة؛ لأنهم وجدوا أنَّ قول الرَّسُول ﷺ : "وليؤمكم أكثرُكم قرَآنًا"، إنَّما ينطبق على هذا الصبي الصغير، فقَدَّموه في الصلاة، وكان ثوبه قصيرًا، فيذكر في القصة أن اجتمعوا فتبرعوا له، فاشتروا له ما يَستر به عورته؛ لأنَّ النساء كنا يشتكين، ويقلن: "أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ؟ "، لأنَّه كان صغيرًا، فاشتروا له ذلك، قال: "فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذلِكَ القَمِيص" (١). * فائدة: سُرَّ به؛ لأنَّه صغير وجاءه ثوب، ولا نقيس ما مضى على حالنا الآن، فالمسلمون فيما مضى كانوا في حالة قلة، ما كانت تشغلهم دنياهم عن أخراهم، إنَّما كان ديدنهم الأول هو الاشتغال بأمور نافعة، وإن كانوا لم ينسوا نصيبهم من الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، لكن أمور الدنيا كانت تأتي متأخرة، فليس عندهم من الرفاهية ومن المال ومن الكماليات التي نراها الآن، ونشهدها في كل مكان، ولا القليل مما نراه، بل هذه النعم التي نرفل فيها الآن، والتي بعضنا لا يُدرك قيمتها ولا عظمها، ربما الذي عاش منا في حدود الخمسين رأى أحوال الناس فيما مضى، وأحوالهم في وقتنا الحاضر، وكيف نقلهم اللَّه تعالى من العسر إلى اليسر، ومن الضيق إلى السعة، إذًا هذه نعم من نعم اللَّه علينا تستحق منا الشكر والاعتراف بالفضل والإحسان له ، فهو الذي يهب النعم ويسلبها، والذي يعطي ويمنع،

стр. 1728

وكلما شكر العبد ربه فاللَّه يزيده نعيمًا إلى نعيمه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. إذًا، نعود إلى هذا الصغير الذي كان يُعنى بأمور دينه ويهتم بها، ويحرص على تلقي العلم؛ فقَدَّمه قومه، وفي المشهور أنه لم يلقَ رسول اللَّه ﷺ ، ولم يسمع عنه، لكنَّه كان يؤم قومَه. فاختلف العلماءُ في إمامة الصبي: ١ - فجمهور العلماء على أنَّ الصبي لا يؤم في الفرض. ٢ - والشافعية يرون أنَّه يؤم في الفرض والنفل. وأكثر العلماء على أنَّه يؤم في النفل، وأمَّا الفرض فلا (١).

стр. 1729

فالذين قالوا: لا يؤم في الفرض استدلوا بأدلة: منها قوله ﷺ في حديث علي بن أبي طالب ﵁: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (١). ومعنى "رفع القلم" يعني: رفع التكليف، أي: أنَّ الصغير غير مكلف، فيقول هؤلاء: إنَّ الصغير غير مكلف، فالشريعة رفعت عنه القلم، وأنتم لو جعلتموه إمامًا لكلفتموه بأمر جلل، فكأنَّكم بذلك وضعتم القلم عليه، وهذا الحديث قد أشار إلى رفع القلم عنه (٢).

стр. 1730

واستدلوا أيضًا بما نقل عن عبد اللَّه بن عباس، أنَّه قال: "لا يَؤُمُّ غلامٌ حتى يَحتلم" (١)، أي: حتى يبلغ الحُلُم؛ وهو سن البلوغ (٢). والذين قالوا بجواز إمامة الصبي استدلوا بأدلة: منها أولًا: حديث عمرو بن سَلِمَة، وهو أنَّه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين، وهذه قضية يقولون: قد اشتهرت، وانتشر أمرها، ولا يبعد أن تكون وصلت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقد عرفها الصحابة، ولم يُنكر ذلك الصنيع، فلم يُنقل أن أحدًا منهم أنكر ذلك العمل، فدل على أنها قضية قد انتشرت ووقعت وعرفت، وكان يؤم قومه والرسول ﷺ قال لهم: "وليؤمكم أكثرُكم قرآنًا" (٣).

стр. 1731

قالوا: فهذا نصٌّ صريحٌ في الدلالة على جواز إمامة الصغير، ثم عادوا وقالوا: وأمَّا ما نُقل عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "لا يؤم غلامٌ حتى يَحتلم"، قالوا: فقد عارضه ما نُقل عن عائشة ﵂ أنها ترى إمامة الصبيان (١). فهذا قول صحابي عارضه قول صحابية، فلا يمكن أن يقدم أحدهما على الآخر، فنرجع إلى الأصل (٢). وقالوا: وأمَّا حديث "رُفع القلم عن ثلاثة" فليس فيه ما يمنع إمامة الصغير، وإنما لم يوضع عليه التكليف؛ أي: أنَّه غير مكلف، وليس في الحديث أنَّ صلاته لا تصح، إذًا صلاته تصح إذا صلاها، فكذلك الحال إذا صلى بغيره. وقالوا: ومما يدل على صحة صلاته حديث أنس المتفق عليه: "فصففتُ أنا واليتيم خلفه، والعجوز مِن وراءنا" (٣).

стр. 1732

والشاهد أنَّه اعتدَّ بهذا الصبي؛ لأنَّه لو لم يعتد به لوقف أنس إلى جنب رسول اللَّه ﷺ عن يمينه ولم يعتد بهذا اليتيم، والمقصود باليتيم الذي مات والده ولم يَبلغ (١). إذًا هو صغير ومع ذلك قال: "فصففتُ أنا واليتيمُ خلفَه"، فدل ذلك على أنَّه مُعتبر، فاعتبر في إقامة الجماعة، واعتبر في الصف، قالوا: فهذا يدل على صحة صلاته، ومن صحت صلاته صحت إمامته (٢). * قوله: (فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ (٣)؛ لِعُمُومِ هذا الأثر) (٤). إذا كنا نقول: تصح إمامة الصغير، فليس معنى هذا أننا نُفضله على غيره، فإذا وجدنا القارئ فنقدم الأكبر؛ لأنَّ فيه الكمال، وهو مدرك، وقد نضج فكره، نعم قد نجد من بعض الصغار -كما عرفنا- من وهبهم اللَّه فكرًا نيرًا ومعرفة وحصافة وبُعدَ نَظر وإدراكًا وعقلًا، لكن المعروف في الغالب أنَّ الكبير يدرك ما لا يُدركه الصغير، لذلك رُفع عنه القلم.

стр. 1733

يبقى بعد ذلك الكلام عن الذي نرجحه في هذه المسألة، هو كسابقتها أرى أنَّ مذهب الشافعية هو الأقرب (١)، وأنَّه إذا وُجد صغير، وهو أقرأ من غيره، وكان هذا الصغير ممن يدرك أمور الصلاة، ولا يُخل بها، ويعرف ذلك، فلا مانع من تقديمه في أمر الصلاة، بدل أن يقدم عامي يلحن في القراءة أو يخلط فيها، فالأولى أن يقدم الصغير، ونرى في عصرنا هذا مَن يحفظ القرآن، وهو في سن السابعة أو الثامنة، وعندهم من حسن الأصوات ومن الإتقان ما لا يوجد عند كثير ممن تخرجوا في الكليات، هذا أمر نشهده ونسمعه، وربما يمر بنا في كل يوم، إذًا هذا فضل من اللَّه سبحانه، وهذه نعمة عظيمة منحها هؤلاء الصغار، ولكن نريد أن يُضاف إلى ذلك أن يعرفوا ما يتعلَّق بأحكام الصلاة، فلا نقدم صغيرًا يقرأ ولا يعرف ماذا يحصل في الصلاة، ولا يعرف شيئًا من أحكامها. * قوله: (ولحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ كانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ صَبِيٌّ) (٢). الأثر (٣): يُقصد به الحديث الذي مَرَّ في المسألة الأولى، وأنا نبهت

стр. 1734

عليه؛ لأنَّ في بعض النسخ ما فهم المحقق قصدَ المؤلف، فقد علق عليه وقال: "ما بين القوسين زائد في النسخة المصرية". وهذه الزيادة في الواقع صحيحة، والمؤلف ربما اعتبر المسألة الثانية متممة للأولى، فقوله: "لهذا الأثر": أي: الدليل الذي يستدل به القائلون بجواز إمامة الصبي، وهو حديث: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب اللَّه"، قالوا: فهذا عام يشمل الصغير وغيره. * قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ مُطْلَقًا) (١). ورد في بعض الروايات: "وهو ابن سبع سنين" (٢). * قوله: (وَأَجَازَ قَوْمٌ فِي النَّفْلِ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ فِي الفَرِيضةِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ) (٣). الذين أجازوه في النفل: المالكية والحنابلة، وعند الحنفية كذلك، ولكنَّهم يكرهون ذلك (٤).

стр. 1735

* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلْ يَؤُمُّ أَحَدٌ قِي صَلَاةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالمَأْمُومِ؟) (١). من الأدلة التي يستدل بها في هذه المسألة (٢): قصة معاذ ﵁: أنَّه كان يصلي مع رسول اللَّه ﷺ صلاة عشاء الآخرة، أي: يصلي الفرض، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، فهي له تطوع، ولهم مكتوبة؛ أي: العشاء (٣). * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ الفَاسِقِ). هذه مسألة مِن أدق المسائل وأهمها، والفُسَّاق (٤) أنواع؛ فهناك فاسق

стр. 1736

مبتدع يدعو، وهناك مِن أهل الفسق مَن يُعرفون بأهل البدع وأهل الأهواء، والذين يرتكبون بعض المحرمات (١). وقد يكون الفسق -أيضًا- يتعلَّق بأمر من أمور العقيدة، ومنهم من ينتسب إلى الإسلام، وقد ألحدوا في أسماء اللَّه وصفاته (٢)، وهناك مَن

стр. 1737

عَطَّل بعضَ أحكام الشريعة الإسلامية (١). وقبل أن ندخل في هذا الموضوع نحب أن نُذكِّر بقول الرَّسول ﷺ : "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة". قلنا: مَن هي يا رسول اللَّه؟ قال: "الجماعة" (٢). وفي رواية أُخرى: "مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٣). وقد توسع العلماء بما يتعلَّق بإمامة الفاسق، والفسق ليس نوعًا واحدًا؛ فهناك مبتدع يدعو إلى بدعته، وهناك مبتدع يُصِرُّ على بدعته ولا يَهجرها، وشتان بين الاثنين (٤).

стр. 1738

واعلموا أنَّ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب هذه الأمة، وأنَّه من فروض الكفاية، وقد اختص اللَّه سبحانه وتعال به هذه الأمة، وأنَّ عليها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥]. ويقول الرَّسُول ﷺ : "لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السَّفيه" (١). فالأمر بالمعروف واجب (٢). وهناك من العلماء مَن لا يرى الصلاة خلف الفاسق (٣)، لماذا؟

стр. 1739

لأنَّك إن صليت خلف الفاسق قد يستمر في فسقه، وقد يتأثر به غيره من المسلمين، ولكن عندما يُهجر الفاسق ويُترك قد يحس أنَّ المجتمع قد أعرض عنه، وأنَّ الناس قد نبذوه (١)، وأنَّه لا مكانةَ له في المجتمع إلَّا أن يَعود إلى رُشده، فيصلح من أموره، وبذلك ربما تستقيم أحوالَه. ويقولون: إنَّ الذي تصلي وراءه ينبغي أن تأمره بالمعروف، فإن لم يرتاع فلا تُصَلِّ خلفَه، فكيف تصلي وراء إنسان مبتدع (٢)؟! وكان عبد اللَّه بن عمر يصلي وراء الخشبية -وهم بعض الخوارج- وقد اختلف العلماء في تعريف الخشبية، مَن هم (٣)؟

стр. 1740

فقال بعضهم: هم قومٌ أنكروا صفات اللَّه ، وقالوا: بأنَّ اللَّهَ لا يتكلم، وقالوا بخلق القرآن. وقال آخرون: هم صنف من الشيعة، أو غير ذلك، فالعلماء لهم أقوال، لكنَّ الخشبية فرقة مُنحرفة (١). فسُئل عبد اللَّه بن عمر عن ذلك -وهذا من حيث العموم- فقال: "مَن قال: حيَّ على الصلاه أجبناه، ومن قال: حي على الفلاح أجبناه، ومَن قال: حي على قَتل المسلم. قلنا: لا" (٢). وهو مذهبنا بالنسبة للصلاة في العموم؛ فقد نُقل عن الإمام أحمد أنَّه كان يصلي وراء المعتزلة (٣). وهذا في الصلوات العامة؛ كصلوات الجمع، وكذلك العيدين،

стр. 1741

أمَّا بقية الصلوات: فإن وجدت مَن تصلي وراءه غير هؤلاء -أقصد أهل الفسق- فصلِّ، ولا تصلِّ وراء أهل الفسق؛ لأن ذهابك إلى التقي وتركك للفاسق ربما يُحيي ضميره، ويعود إلى طريق الرشد (١)، لكن الفاسق الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يُجاهر بها فيُصَلَّى وراءه (٢). والعلماء مختلفون في هذا: فمنهم من يجيز ذلك مطلقًا؛ وهم الشافعية، شريطة ألَّا يَكفر ببدعته، فإن حكم العلماء بكفر هذا الإنسان فلا تجوز الصلاة خلفه؛ لأنَّه بمنزلة الكافر (٣). * قوله: (فَرَدَّهَا قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ، وَأَجَازَهَا قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ). ١ - مَن أجازها بإطلاق: مذهب الشافعية (٤) والحنفية (٥)، وهي رواية

стр. 1742

ضعيفة للإمام أحمد (١)، لكن الإمام أحمد من أكثر العلماء تفصيلًا في هذه المسألة؛ لأنه سُئل عن المعتزلة؟ فقال: "يُصَلَّى وراءهم" (٢). وسُئل عن بعض الفرق؟ قال: "لا يُصَلَّى وراءهم" (٣). ٢ - والذين رَدُّوها هم الجمهور (٤).

стр. 1743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1744

* قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مَقْطُوعًا بِهِ، أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِهِ). مقطوعًا به: أي معروفًا به، فهذا معتزلي، أو من الخوارج، أو هذا إنسان يشرب الخمر. * قوله: (فَقَالُوا: إِنْ كَانَ فِسْقُهُ مَقْطُوعًا بِهِ، أَعَادَ الصَّلَاةَ المُصَلِّي وَرَاءَهُ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا اسْتُحِبَّتْ لَهُ الإِعَادَةُ فِي الوَقْتِ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الأَبْهَرِيُّ تَأَوُّلًا عَلَى المَذْهَبِ) (١). هذا عند المالكية (٢). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ بِتَأْوِيلٍ، أَوْ يَكُونَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، مِثْلَ الَّذِي يَشْرَبُ النَّبِيذَ) (٣).

стр. 1745

هذا عند الحنابلة، يعني: يُفَرِّقون بين مَن يشرب الخمر وبين إنسان يشرب من النَّبيذ ما لا يُسكره، لأنَّ من شرب المسكر فالأدلة القطعية على تحريمه، لا خلاف بين العلماء في ذلك؛ لأنَّ الرَّسُول ﵊ يقول: "كُلُّ مُسكر خمر، وكل خمر حرام" (١)، ويقول ﵊: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢). ومن قال بالصلاة وراء هؤلاء (٣): استدلوا بقول رسول اللَّه ﷺ : "صلوا خلف مَن قال: لا إله إلَّا اللَّهُ، وعلى مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ" (٤)، وهو حديث ضعيفٌ (٥). لكن أُثر عن بعض الصحابة أنَّهم صلوا خلف الفُسَّاق (٦)، لكن شريطة ألَّا تصل البدعة أو الفسق إلى حد الكفر (٧). * قوله: (وَيَتَأَوَّلُ أَقْوَالَ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَجَازُوا الصَّلَاةَ وَرَاءَ المُتَأَوِّلِ، وَلَمْ يُجِيزوهَا وَرَاءَ غَيْرِ المُتَأَوِّلِ (٨). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا: أَنَّهُ شَيْءٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ، وَالقِيَاسُ فِيهِ مُتَعَارِضٌ).

стр. 1746

لا خلاف بين العلماء أنَّه يجب أن يُختار للإمامة أصلح الناس لذلك، أي: التقي الورع الصالح، فلا ينبغي أن يُختار فاجر مع وجود مؤمن تقي. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الفِسْقَ لَمَّا كَانَ لَا يُبْطِلُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ المَأْمُومُ مِنْ إِمَامِهِ إِلَّا صِحَّةَ صَلَاتِهِ فَقَطْ -عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُ عَنِ المَأْمُومِ- أَجَازَ إِمَامَةَ الفَاسِقِ) (١). لو وجد إمام فاسق لكن فسقه في بعض الأمور؛ كارتكاب الصغائر، ولكن ترك هذا الإمام يترتب عليه ضرر أكبر، نوازن بين المصلحتين؛ لذلك لا ينبغي لإنسان أن يُشدِّد في أمر من الأمور، فالإنسان يُراعي المصلحة؛ لأنَّ الشريعة الإسلامية قامت على مراعاة المصالح (٢). * قوله: (وَمَنْ قَاسَ الإِمَامَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَاتَّهَمَ الفَاسِقَ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي صَلَاةً فَاسِدَةً، كَمَا يُتَّهَمُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَكْذِبَ لَمْ يُجِزْ إِمَامَتَهُ (٣).

стр. 1747

وَلِذَلِكَ فَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ بِتَأْوِيلٍ أَوْ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَإِلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا يَرْجِعُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ مَقْطُوعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِهِ). مقطوعًا به، أي: يجاهر ببدعته، ويدعو إليها. أمَّا غير مقطوع به: فإنَّه لا يُظهرها، ففوق بين أن يرتكب الإنسان ذنبًا ويدافع عنه ويدعو إليه، وبين من يعتقد فيه ذلك، وبين إنسان أخطأ في أمر ويخفي نفسه (١). * قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَقدُورٍ فِي تَأْوِيلِهِ، وَقَدْ رَامَ. . .). رام: أي: قَصَدَ. * قوله: (. . . أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنْ يُجِيزُوا إِمَامَةَ الفَاسِقِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ" (٢). قَالُوا: فَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ فَاسِقًا مِنْ غَيْرِ فَاسِقٍ (٣)، وَالِاحْتِجَاجُ بِالعُمُومِ فِي غَيْرِ المَقْصُودِ ضَعِيفٌ).

стр. 1748

يَسْتدلون بحديث: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (١)، وهذا الحديث فيه كلام. وأكثر ما يعتمد عليه الذين قالوا بصحة الإمامة خلف الفاسق: الآثار التي ثبتت عن الصحابة أنَّهم صلَّوا خلف الفُسَّاق. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْقَ أَنْ يَكُونَ فِسْقُهُ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، أَوْ فِي أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنِ الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُقُوعُ صَلَاتِهِ صَحِيحَةً). مَأْخَذُ هذا القَوْل: أنَّ الفسق إذا كان في شروط الصلاة، فقد أخلَّ في الصلاة؛ كالإمام إذا أحدَث، وأما إذا كانت صلاتُهُ في نفسه صحيحةً، فيَنْبغي أن تكون صلاة غيره خلفَه صحيحة. * قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي إِمَامَةِ المَرْأَةِ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ). هذه قضية قد تجرنا إلى شيء من التفصيل، فلو عدنا وأخذنا نقلب صفحات التاريخ، ونعرض ما يتعلَّق بالمرأة في سُنَّة رسول اللَّه ﷺ لاحتاج ذلك منَّا إلى كثير من الوقت، لكننا نومئ (٢) إماءة يسيرة، ونلم إلمامة قصيرة في كل ما يتعلَّق بالمرأة، هنا الأمر يتعلَّق بالإمامة، والإمامة فيها اقتداء، وإنما جعل الإمام ليُؤتم به (٣)، فهناك إمام يتقدم الناسَ، وهناك

стр. 1749

مأمومون يتبعونه في صلاته؛ إذا كبَّر كبَّرُوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا سجد سجدوا، إذًا هم يقتدون به في أفعاله وأقواله، والمرأة في هذا المقام لا تَؤم الرجال، وإن كان فيها خلاف، وليس معنى هذا أنَّ ذلك لنقص في المرأة، أو لأنَّ المرأة لا قيمة لها، فنحن عندما نُجري موازنة يسيرة بين حال المرأة في الجاهلية قبل مبعث رسول اللَّه ﷺ وبين حالتها بعد أدن جاء هذا الإسلام، لوجدنا فرقًا كبيرًا بين أحوال النساء قبل وبعد بعثة رسول اللَّه ﷺ ، فكانت المرأة في الجاهلية حقيرة، لا قيمة لها، فكان ينزل بها كل أنواع الذل والمهانة والاحتقار، فإذا ما توفي عنها زوجها أُلْقي عليها ثوب، فيحجزها قريبُ الزوج (١)، وكانوا يَئِدودنَ البنات (٢)، وكانت المرأة تعتد حولًا كاملًا (٣)، فجاء الإسلام فنقلها من حالٍ إلى حال، وكما قال اللَّه : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وبنو آدم هم الذكر والأنثى، وكلامنا يتعلَّق بالأنثى، والنساء شقيقات الرجال (٤)، والإسلام قد كرم المرأة، وليس معنى أنَّ المرأة لا ترث إلَّا

стр. 1750

نصف الرجل، أو أنَّها في بعض أنواع الشهادات شهادتها على النصف من الرجل، أو أنَّها لا تتولى الإمارة، أو أنَّها لا تتقدم الناس في صلاة الجماعة - أنها ليست مكرمة. فهذه الأمور وإن كانت تدل على نقص المرأة؛ فإنما هو نقص يتعلَّق بمطالبتها ببعض الأحكام، لكنها في ذاتها مكرمة معززة، ويكفي في ذلك أن النساء إنَّما هن أمهات الرِّجال، ولما سُئل الرَّسُول ﷺ : مَن أَحَقُّ الناس بحسن صحابتي؟ ذكر أمه مرارًا، وفي الأخيرة قال: "ثم أبوك" (١). ذلكم دليل على مكانة المرأة، وأنَّ الجنة تحت أقدام الأمهات (٢)، وأنَّ الرَّسُول ﷺ قال للرجل الذي أراد أن يجاهد وعنده أبواه: "ففيهما فجاهد" (٣).

стр. 1751

وكلنا يرى أنَّ سعادته وفوزه واطمئنان نفسه في هذه الحياة ببره بوالديه إن وفقه اللَّه فأدركهما أو أدرك أحدهما، فهذه سعادة لا تدانيها سعادة، وطمأنينة لا تساويها طمأنينة، ومن يفعل ذلك يحصل على ثواب جزيل، وعطاء كبير من اللَّه ، فاللَّه تعالى سيرفعه ببره درجات، وسيجد ذلك ظاهرًا جليًّا في بر أبنائه به، فاللَّه لا يُضيع أعمالهم، واللَّه تعالى قد قرن طاعة الوالدين بطاعته فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وأحد الأبوين إنَّما هي امرأة؛ والمرأة لها رسالة: ورسالتها أن تبقى في بيتها لتتولى تربية أبنائها، وتنشئهم التنشئة الصالحة، ونحن نعلم أنَّ البذرة الصالحة لا تنمو إلا بسقي ورعاية، وفي أرض طيبة صالحة، فإذا كانت الأم طيبة، وعنيت بأبنائها ذكورًا وإناثًا، وربتهم تربية صالحة، فإنها تقدم بذلك خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي، إذًا هي جوهرة مصونة، والإسلام عندما أمرها أن تقيم في بيتها، وأن تحفظ نفسها من السهام المسمومة إنَّما أراد لها العزة والكرامة، ولم يُرد لها الذل والمهانة، كما كان الحال في الجاهلية: قال جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ونهاها عن إبداء الزينة فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وهذا النهي لتحفظ المرأة كرامتها، فالإسلام إذًا يحفظها، أمَّا ما يشوش به أعداء الإسلام من غير المسلمين، أو ممن -للأسف- ينتسبون إلى جلدتنا، ويتسمَّون باسم الإسلام، ويقدحون فيه، وأنَّه ليس فيه عدالة، وأنَّه مَيَّز الرجل عن المرأة، لم يدركوا دور هذا الدين، ولا سُمُوَّه، ولم يدركوا جلالته وعظمته؛ لأنَّ هذا الدين إنَّما هو دين جامع عند اللَّه ، فهو الذي أنزله على محمد بن عبد اللَّه، وهو يعلم ما يصلح هذا البشر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. إذًا كون المرأة لا ترث إلَّا نصف الرجل؛ لأنَّ المرأة لا تتحمل

стр. 1752

مسؤولية الرجل، وكون المرأة شهادتها في بعض الأمور على النصف من شهادة الرجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاللَّه بَيَّنَ الحكمة في ذلك؛ كونها قد تضل في هذا المقام، والإسلام لم يُقدم المرأة في الولاية؛ لأنَّ الولاية تحتاج إلى قوة وعزيمة، وهذه تتوفر في الرجال ولا تتوفر في النساء، فالمرأة عندها عاطفة ورقة فلا تستطيع أن تنهض بما ينهض به الرجال، لذلك لما طلب أبو ذر ﵁ الإمارة -وهو من خِيرة الصحابة، وممن أثنى عليهم رسول اللَّه ﷺ قال له: "يا أبا ذر، إنَّك رجل ضعيف، وإنَّها أمانة" (١). فالرسول ﷺ أرشده إلى أمرٍ مهم، أنَّ الإمارة تحتاج إلى قوة، وأنَّ من ينهض بها يحتاج أن يكون من أهلها، فالصلاح وحده لا يكفي، قد يوجد الصلاح في المرء لكنَّه لا يستطيع أن يسوس الناس، وأن يقودهم إلى ما فيه الخير، فإذا وجد في الإنسان ضعف فإنَّ ذلك يؤثر على سياسته، ويوجد في الإسلام ما يُعرف بالسياسة الشرعية (٢)، فالإمامة إنَّما هي تقدم على الناس، هنا فيما يتعلَّق بالإمامة في الصلاة، وهي نوع من أنواع الإمامة؛ لأنَّ هذا رجل يتقدم في الناس فيقتدون به، فينبغي أن تتوفر فيه شروط، منها: أن يكون من أهل الصلاح، وأن يكون أمينًا (٣)، لذلك بيَّنَ الرسولُ ﷺ أنَّ الإمام ضامن (٤).

стр. 1753

لذلك دائمًا يختار فيمن يصلي بالناس أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى، ولذلك تبين في مسألة إمامة الصغير أنَّ من العلماء من قال: لا تصح إمامة الصغير؛ لأنَّ في الصلاة أمورًا ربما أخل هذا الصغير ببعضها؛ فيترتب على ذلك فساد الصلاة (١). إذًا جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: لا يجوز للرجال أن يُقدموا امرأة لتؤمهم؛ لا في فرض، ولا في نفل (٢). وهناك مَن قال بجواز إمامتها، وقد ذكر المؤلف منهم: ابن جرير الطبري (٣)،

стр. 1754

وأبو ثور (١)، والمزني من الشافعية (٢)، لكن ليس معنى هذا أننا إذا وجدنا قولًا لبعض العلماء نأخذ به، فهؤلاء من أئمة الأعلام، وعندما قالوا بجواز إمامة المرأة؛ ما قالوا ذلك تشهيًّا، فينبغي أن ننتبه، فلهم وجهة نظر، ولهم تعليل، لكن لا يلزم أن يكون دليل الإنسان أو تعليله مُسَلَّمًا، فقد يستدل لهم بحديث أم ورقة الذي جاء في "سنن أبي داود" وغيره، أنَّ الرَّسُول ﷺ جعل لها مُؤذنًا، وأمرها أن تؤم أهلَ دارها (٣)، فما وجه الدلالة من هذا الحديث لهؤلاء؟ وجه الدلالة أنَّهم قالوا: أمرها أن تؤم أهل دارها، فقد أطلق، قالوا: وأهل دارها فيهم الذكر والأنثى، ففي ذلك دليل على أنَّ المرأة تؤم الكل (٤).

стр. 1755

وقالوا: ولأنَّ المرأة معتبرة في الصلاة؛ لأنَّها تصلي مع الجماعة وتقف وراءهم، إذًا فهي معتبرة في الإمامة، ولأنَّه إذا وجد امرأة قارئة، ولم يوجد من الرجال مَن هو قارئ، والقراءة ركن في الصلاة، فينبغي أن تصلي بهم المرأة؛ لذلك وُجِد في مذهب الحنابلة أنَّه إذا لم يوجد من الرجال قارئ أنَّ للمرأة أن تؤم، هذا قولٌ للحنابلة (١)، وليس هذا القول هو المعروف أو المصحح في المذهب، لكن تؤم في صلاة التراويح وليس في الفرائض، وبشترطون أن تتأخر عن الرجال (٢).
следующие страницы →