Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وكلنا يرى أنَّ سعادته وفوزه واطمئنان نفسه في هذه الحياة ببره بوالديه إن وفقه اللَّه فأدركهما أو أدرك أحدهما، فهذه سعادة لا تدانيها سعادة، وطمأنينة لا تساويها طمأنينة، ومن يفعل ذلك يحصل على ثواب جزيل، وعطاء كبير من اللَّه ، فاللَّه تعالى سيرفعه ببره درجات، وسيجد ذلك ظاهرًا جليًّا في بر أبنائه به، فاللَّه لا يُضيع أعمالهم، واللَّه تعالى قد قرن طاعة الوالدين بطاعته فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وأحد الأبوين إنَّما هي امرأة؛ والمرأة لها رسالة: ورسالتها أن تبقى في بيتها لتتولى تربية أبنائها، وتنشئهم التنشئة الصالحة، ونحن نعلم أنَّ البذرة الصالحة لا تنمو إلا بسقي ورعاية، وفي أرض طيبة صالحة، فإذا كانت الأم طيبة، وعنيت بأبنائها ذكورًا وإناثًا، وربتهم تربية صالحة، فإنها تقدم بذلك خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي، إذًا هي جوهرة مصونة، والإسلام عندما أمرها أن تقيم في بيتها، وأن تحفظ نفسها من السهام المسمومة إنَّما أراد لها العزة والكرامة، ولم يُرد لها الذل والمهانة، كما كان الحال في الجاهلية: قال جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ونهاها عن إبداء الزينة فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وهذا النهي لتحفظ المرأة كرامتها، فالإسلام إذًا يحفظها، أمَّا ما يشوش به أعداء الإسلام من غير المسلمين، أو ممن -للأسف- ينتسبون إلى جلدتنا، ويتسمَّون باسم الإسلام، ويقدحون فيه، وأنَّه ليس فيه عدالة، وأنَّه مَيَّز الرجل عن المرأة، لم يدركوا دور هذا الدين، ولا سُمُوَّه، ولم يدركوا جلالته وعظمته؛ لأنَّ هذا الدين إنَّما هو دين جامع عند اللَّه ، فهو الذي أنزله على محمد بن عبد اللَّه، وهو يعلم ما يصلح هذا البشر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) ﴾ [الملك: ١٤]، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
إذًا كون المرأة لا ترث إلَّا نصف الرجل؛ لأنَّ المرأة لا تتحمل
стр. 1752
مسؤولية الرجل، وكون المرأة شهادتها في بعض الأمور على النصف من شهادة الرجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاللَّه بَيَّنَ الحكمة في ذلك؛ كونها قد تضل في هذا المقام، والإسلام لم يُقدم المرأة في الولاية؛ لأنَّ الولاية تحتاج إلى قوة وعزيمة، وهذه تتوفر في الرجال ولا تتوفر في النساء، فالمرأة عندها عاطفة ورقة فلا تستطيع أن تنهض بما ينهض به الرجال، لذلك لما طلب أبو ذر ﵁ الإمارة -وهو من خِيرة الصحابة، وممن أثنى عليهم رسول اللَّه ﷺ قال له: "يا أبا ذر، إنَّك رجل ضعيف، وإنَّها أمانة" (١) .
فالرسول ﷺ أرشده إلى أمرٍ مهم، أنَّ الإمارة تحتاج إلى قوة، وأنَّ من ينهض بها يحتاج أن يكون من أهلها، فالصلاح وحده لا يكفي، قد يوجد الصلاح في المرء لكنَّه لا يستطيع أن يسوس الناس، وأن يقودهم إلى ما فيه الخير، فإذا وجد في الإنسان ضعف فإنَّ ذلك يؤثر على سياسته، ويوجد في الإسلام ما يُعرف بالسياسة الشرعية (٢) ، فالإمامة إنَّما هي تقدم على الناس، هنا فيما يتعلَّق بالإمامة في الصلاة، وهي نوع من أنواع الإمامة؛ لأنَّ هذا رجل يتقدم في الناس فيقتدون به، فينبغي أن تتوفر فيه شروط، منها: أن يكون من أهل الصلاح، وأن يكون أمينًا (٣) ، لذلك بيَّنَ الرسولُ ﷺ أنَّ الإمام ضامن (٤) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم (١٨٢٥/ ١٦)، عن أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول اللَّه، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على مَنكبي، ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا مَن أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".(٢) السياسة: هي القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال. انظر: "البحر الرائق"، لابن نجيم (٥/ ٧٦).
وقال ابن عابدين: بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد. انظر: "حاشية ابن عابدين" (٤/ ١٥). وانظر: "السياسة الشرعية"، لعبد الوهاب خلاف (ص: ٧).(٣) سبق ذكر هذا.(٤) أخرجه أبو داود(٥١٧) ، وغيره، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :=стр. 1753
لذلك دائمًا يختار فيمن يصلي بالناس أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى، ولذلك تبين في مسألة إمامة الصغير أنَّ من العلماء من قال: لا تصح إمامة الصغير؛ لأنَّ في الصلاة أمورًا ربما أخل هذا الصغير ببعضها؛ فيترتب على ذلك فساد الصلاة (١) .
إذًا جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: لا يجوز للرجال أن يُقدموا امرأة لتؤمهم؛ لا في فرض، ولا في نفل (٢) .
وهناك مَن قال بجواز إمامتها، وقد ذكر المؤلف منهم: ابن جرير الطبري (٣) ، الحواشي
(٢١٧) .(١) سبق هذا.(٢) يُنظر في مذهب الأحناف: "البناية شرح الهداية"، للعيني (٢/ ٣٤٢)، وفيه قال: "ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة ولا صبي، أما المرأة فلقوله ﵇: "أخروهن من حيث أخرهن اللَّه"، فلا يجوز تقديمها". وانظر: "الدر المختار" للحصكفي، وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (١/ ٥٦٥).
ويُنظر في مذهب المالكية: "التاج والإكليل"، لمواق (٢/ ٤١٢)، وفيه قال: "أو امرأة) المازري: لا تصح إمامة المرأة عندنا، وليُعد صلاته مَن صلى وراءها وإن خرج الوقت. قاله ابن حبيب". وانظر: "الشرح الكبير" للشيخ الدردير، وحاشية الدسوقي (١/ ٣٢٦).
ويُنظر في مذهب الشافعية: "نهاية المحتاج" للرملي (٢/ ١٧٣)، وفيه قال: (ولا تصح قدوة رجل)، أي: ذكر، وإن كان صبيًّا، (ولا خنثى) مشكل (بامرأة)، أي: أنثى، وإن كانت صبية، (ولا خنثى) مشكل بالإجماع في الرجل بالمرأة إلا مَن شَذَّ كالمزني؛ لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم وَلَّوْا أمرَهم امرأة"، ولأن المرأة ناقصة عن الرجل، وقد يكون في إمامتها افتتان بها". وانظر: "البيان"، للعمراني (٢/ ٣٩٨).
وانظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (١/ ٦٦٧)، وفيه قال: " (ولا) تصح (إمامة امرأة) برجال؛ لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعًا: "لا تَؤُمَّن امرأةٌ رجلًا"، ولأنها لا تُؤذن للرجال، فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون".(٣) انظر: "المنتقى شرح الموطإ"، للباجي (١/ ٢٣٥)، وفيه قال: "فأما الأنوثة فإن المرأة لا تؤم رجالًا ولا نساء في فريضة ولا نافلة، وبهذا قال أبو حنيفة وجمهور الفقهاء، وروى ابن أيمن عن مالك تؤمُّ النِّساء. وقال الطبري وداود: تؤم الرجال والنساء".стр. 1754
وأبو ثور (١) ، والمزني من الشافعية (٢) ، لكن ليس معنى هذا أننا إذا وجدنا قولًا لبعض العلماء نأخذ به، فهؤلاء من أئمة الأعلام، وعندما قالوا بجواز إمامة المرأة؛ ما قالوا ذلك تشهيًّا، فينبغي أن ننتبه، فلهم وجهة نظر، ولهم تعليل، لكن لا يلزم أن يكون دليل الإنسان أو تعليله مُسَلَّمًا، فقد يستدل لهم بحديث أم ورقة الذي جاء في "سنن أبي داود" وغيره، أنَّ الرَّسُول ﷺ جعل لها مُؤذنًا، وأمرها أن تؤم أهلَ دارها (٣) ، فما وجه الدلالة من هذا الحديث لهؤلاء؟ وجه الدلالة أنَّهم قالوا: أمرها أن تؤم أهل دارها، فقد أطلق، قالوا: وأهل دارها فيهم الذكر والأنثى، ففي ذلك دليل على أنَّ المرأة تؤم الكل (٤) . الحواشي
(١) انظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٩٦)، وفيه قال: "لا يصح الائتمام بالمرأة للرجال والنساء. وأجازه أبو ثور وغيره للرجال والنساء".(٢) الذي وقفت عليه ما نقله المزني عن الشافعي مِن آثار تدل على جواز إمامتها للنساء، وهو مذهب الشافعية.
يُنظر: "مختصر المزني" (٨/ ١١٧)، وفيه قال: "باب إمامة المرأة (قال الشافعي): أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة: "أنها صلت بنسوة العصر؛ فقامت وسطهن"، وروي عن أم سلمة: "أنها أَمَّتْهُنَّ فقامت وسطهن"، وعن علي بن الحسين ﵄ أنه كان يأمر جارية له تقوم بأهله في رمضان، وعن صفوان بن سليم قال: من السنة: أن تصلي المرأة بنساء تقوم وسطهن".
وقال المازري: "لا تصح إمامة المرأة عندنا وعند أبي حنيفة لا رجالًا ولا نساء. وحكى بعض أصحابنا عن الطبري وداود وأبي ثور جواز إمامتها رجالًا ونساء، ورأيت في نقل غيرهم عن أبي ثور والمزني والطبري: أنهم أجازوا أن تؤم الرجال في التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها، وتقف خلف الرجال". انظر: "شرح التلقين" (١/ ٦٧٠).(٣) أخرجه أبو داود(٥٩٢) ، عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث بهذا الحديث، قال: "وكان رسول اللَّه ﷺ يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يُؤذن لها، وأمرها أن تَؤم أهلَ دارها، قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا"، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود"(٦٠٦) .(٤) ذكر الرجراجي حجة من قال بهذا القول، ثم رد عليه.
يُنظر: "مناهج التحصيل"، للرجراجي (١/ ٣٠١)، حيث قال: "فالأثر: ما خرَّجه =стр. 1755
وقالوا: ولأنَّ المرأة معتبرة في الصلاة؛ لأنَّها تصلي مع الجماعة وتقف وراءهم، إذًا فهي معتبرة في الإمامة، ولأنَّه إذا وجد امرأة قارئة، ولم يوجد من الرجال مَن هو قارئ، والقراءة ركن في الصلاة، فينبغي أن تصلي بهم المرأة؛ لذلك وُجِد في مذهب الحنابلة أنَّه إذا لم يوجد من الرجال قارئ أنَّ للمرأة أن تؤم، هذا قولٌ للحنابلة (١) ، وليس هذا القول هو المعروف أو المصحح في المذهب، لكن تؤم في صلاة التراويح وليس في الفرائض، وبشترطون أن تتأخر عن الرجال (٢) . الحواشي
(١) اتفق المذهب على عدم جواز إمامة المرأة للرجال في الفرائض والنوافل، وذهب بعضهم إلى جواز ذلك في صلاة التراويح فقط.
يُنظر: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (٢/ ٩٥، ٩٦)، وفيه قال: " (وأما المرأة) فلا يجوز أن تؤم رجلًا، ولا خنثى مشكلًا؛ لما روى جابر، عن النبي ﷺ قال: "لا تَؤُمَّن امرأة رجلًا. . . "، وكلامه يشمل الفرض والنفل، ولا نزاع في الفرض، أما في النفل فظاهر كلام الخرقي -أيضًا- المنع، وهو رواية حكاها ابن أبي موسى، وهو اختيار أبي الخطاب وأبي محمد؛ عملًا بإطلاق الحديث. ومنصوص أحمد -في رواية المروذي، وهو اختيار عامة الأصحاب- أنها يجوز أن تؤمهم في صلاة التراويح، وتكون وراءهم. . . (وشرط هذه المسألة): أن تكون قارئة وهم أميون، أو يحسنون الفاتحة أو شيئًا يسيرًا معها".(٢) ردَّ ذلك ابن قدامة، فقال: "وقال بعض أصحابنا: يجوز أن تؤم الرجال في التراويح، وتكون وراءهم؛ لما روي عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث: "أن رسول اللَّه ﷺ جعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها آن تؤم أهل دارها"، وهذا عام في الرجال والنساء.
ولنا: قول النبي ﷺ : "لا تَؤمَّنَّ امرأة رجلًا"، ولأنها لا تؤذن للرجال، فلم يجز أن تؤمهم؛ كالمجنون. وحديث أم ورقة إنما أذن لها أن تؤم نساء أهل دارها، كذلك =стр. 1756
وهنا يقع الخلاف في موقف المأموم من الإمام، هل يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام أو لا؟
في هذه المسألة خلاف، وأظن أنَّ المؤلف سيعرض لها، لكن نشير إشارة يسيرة إلى أنَّ جماهير العلماء من الأحناف، والشافعية والحنابلة يقولون: لو تقدم المأموم على الإمام فسدت صلاته (١) . والمالكية يجيزون ذلك، ويقولون: لو تقدم مأموم أو مأمومون على إمام لجاز ذلك (٢) . الحواشي
(١) مذهب الأحناف، يُنظر: "منحة الخالق"، لابن عابدين (١/ ٣٦٥)، وفيه قال: "وأعلم أن شرائط القدوة مفصلة: الأولى: أن لا يتقدم المأموم على إمامه مع اتحاد الجهة، فإن تقدم مع اختلافها كالتحلق حول الكعبة صَحَّ".
ومذهب الشافعية قولان. يُنظر: "الحاوي الكبير"، للماوردي (٢/ ٣٤١، ٣٤٢)، وفيه قال: "فأما إذا تقدم المأموم على إمامه في الموقف، فوقف قُدَّام إمامه فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون بمكة. والضرب الثاني: بغيرها. فإن كان بغير مكة ففي بطلان صلاة المأموم المتقدم على إمامه قولان: أحدهما: قاله في (القديم): صلاته جائزة؛ لأنه ليس في التقدم على الإمام أكثر من مخالفة الموقف المسنون، ومخالفة الموقف المسنون لا يمنع من صحة الصلاة. والقول الثاني: قاله في (الجديد) وهو الصحيح: صلاته باطلة؛ لقوله ﷺ : "إنَّما جعل الإمام ليؤتم به"، والائتمام: الاتباع، والمتقدم على إمامه لا يكون تابعًا، بل يكون متبوعًا، ولأن على المأموم اتِّباع إمامه في موقفه وأفعاله، فلما لم يَجز له التقدم عليه في إحرأمه وأفعاله صلاته لم يجز له التقدم عليه في موقف صلاته". وانظر: "مغني المحتاج"، للشربيني (١/ ٥١٠).
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (١/ ٦٨٣)، وفيه قال: "أما إذا تقدم المأموم عليه فيها فلا تصح صلاته؛ لتحقق التقدم، بخلاف تقدمه في الجهة المقابلة لما بإزاء الإمام، فهذا لا فرق بينه وبين يمنة الإمام ويسرته، فتصح صلاته في الجهات الثلاث، ولو كان إلى الكعبة أقرب من الإمام؛ لأنه لم يتحقق تقدمه عليه".(٢) يُنظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (١/ ٣٠٠)، وفيه =стр. 1757
ومن العلماء من جوز ذلك للحاجة، وهو رأي في مذهب الحنابلة (١) ، كما نرى في ازدحام الناس أيام الحج، أو في حالة ضيق المكان، وغير ذلك إذا وجدت علة (٢) . الحواشي
(١) يُنظر: "كشاف القناع"، للبهوتي (١/ ٤٦٥، ٤٦٦)، وفيه قال: " (ويحرم سبقه)، أي: سبق المأموم الإمام (بشيء من أفعالها، فإن ركع، أو سجد، ونحوه) كأن رفع من ركوع أو سجود (قبل إمامه عمدًا حرم). . .، (ولم تبطل) صلاته (إن رفع ليأتي به)، أي: بما سبق به إمامه (معه، ويدركه فيه)، أي: فيما سبق به. . . (فإن لم يفعل)، أي: يرجع ليأتي به مع إمامه (عالمًا عمدًا بطلت صلاته). . . (وإن فعله)، أي: ركع أو سجد، ونحوه قبل إمامه (جهلًا أو سهوًا، ثم ذكره لم تبطل) صلاته لما تقدم من أنه سبق يسير، ولحديث: "عُفي لأُمَّتي عن الخطأ والنسيان". . .، (وإن تخلف) المأموم (عنه بركعة فأكثر، لعذر من نوم أو غفلة ونحوه)؛ كزحام (تابعه) فيما بقي من صلاته، (وقضى) المأموم ما تخلف به (بعد سلام إمامه، جمعة) كانت (أو غيرها، كمسبوق) ".(٢) من ذلك -أيضًا- أن يتقدم المأموم على إمامه في الحرم.
اتفقوا على جواز تقدم المأموم الإمام إذا كان ذلك في الكعبة بأن يتحلقوا حولها، أما إذا كان يصلي أَمامَهم وهم مِن خلفه، فلا يجوز لهم التقدم عليه.
يُنظر في مذهب الأحناف: "منحة الخالق"، لابن عابدين (١/ ٣٦٥)، وفيه قال: "واعلم أن شرائط القدوة مفصلة: الأولى: أن لا يتقدم المأموم على إمامه مع اتحاد الجهة، فإن تقدم مع اختلافها كالتحلق حول الكعبة صَحَّ".
ويُنظر في مذهب الشافعية: "مغني المحتاج"، للشربيني (١/ ٤٩١)، وفيه قال: " (و) الجماعة (يستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة) ندبًا لاستقبال الجميع ضاق المسجد أم لا، خلافًا للزركشي، لكن الصفوف أفضل من الاستدارة، ويندب أن يقف الإمام خلف المقام، ولو وقف صف طويل في آخر المسجد بلا استدارة حول الكعبة جاز، على ما جزم به الشيخان، وإن كانوا بحيث يخرج بعضهم عن سمتها لو قربوا خلافًا للزركشي، (ولا يضر كونه)، أي: المأموم (أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام) منه إليها في جهته (في الأصح)؛ لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام مما يشق بخلاف جهته، ولا يظهر به مخالفة منكرة".
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (١/ ٢٧٩)، وفيه قال: =стр. 1758
أمَّا القول الصحيح في ذلك: فإنَّه لا ينبغي أن يتقدم المأموم على الإمام (١) .
وجماهير العلماء يقولون: إنَّ المرأة لا يجوز لها أن تؤم الرجال، وإن صلى رجال وراء امرأة فصلاتهم غير صحيحة (٢) ، بل من العلماء مَن يرى أنَّ المرأة لو صَفَّت مع الرجل في صف واحد لبطلت الصلاة كما عند الحنفية (٣) .
وإن كان الجمهور لا يرون بطلان الصلاة، لكن الحنفية في مذهبهم أنَّ صلاة الرجل تبطل لو صفت المرأة معه، أمَّا جمهور العلماء فلا يرون بطلان ذلك (٤) ، فما بالكم إذا تقدمت. الحواشي
(١) سبق ذكر هذا.(٢) وهو مذهب الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، كما سبق.(٣) يُنظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي"، للمرغيناني (١/ ٥٨)، وفيه قال: "ويَصُفُّ الرجال ثم الصبيان ثم النساء؛ لقوله ﵊: "لِيَلِيَنِي منكم أُولو الأحلام والنُّهى"، ولأن المحاذاة مفسدة فيؤخرن، وإن حاذته امرأة -وهما مشتركان في صلاة واحدة- فسدت صلاته إن نوى الإمام إمامتها، والقياس: أن لا تفسد، وهو قول الشافعي ﵀ اعتبارًا بصلاتها حيث لا تفسد".(٤) يُنظر في مذهب المالكية: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (١/ ٢١١)، وفيه قال: " (ومَن صلى بزوجته) المراد بامرأة ولو أجنبية (قامت خلفه)، ولا تقف عن يمينه، فلو وقفت بجنبه كالرجل كره لها ذلك، وينبغي أن يُشير لها بالتأخير، ولا تبطل صلاة واحد منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة، كما هو معلوم".
ويُنظر في مذهب الشافعية: "فتح العزيز بشرح الوجيز"، للرافعي (٤/ ٣٤٠، ٣٤١)، وفيه قال: "وإن كان معه رجل وامرأة وخنثى وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما لاحتمال أنه امرأة، والمرأة خلف الخنثى؛ لاحتمال أنه رجل، وإن حضر رجال =стр. 1759
إذًا هناك من يمنع أن تؤم المرأة الرجال مطلقًا، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا" وهذا هو رأي جماهير العلماء (١) .
وهناك من يجيز ذلك، وهذا قوله لمن يجيز ذلك مطلقًا؛ وهو قوله أبي ثور، والمزني، وابن جرير الطبري المفسر المشهور، وهناك من يجيز إمامة المرأة في الفرائض عند الحاجة؛ والحاجة أن تكون قارئة وهم لا يقرؤون، وأن تكون وراء الرجال (٢) .
ثم نعود إلى حديث أم ورقة؛ وفيه: "أن تؤم أهل دارها"، فقالوا: أهل دارها يشمل الرجال والنساء، لكن جاء في رواية عند الدارقطني: "أن تؤم نساء دارها" (٣) . قالوا: وهذه زيادة، والأخذ بها متعين، قالوا: لو لم يرد ذلك لكان المفهوم أنَّ القصد بذلك هو أن تؤم المرأة نساء مثلها (٤) . الحواشي
(١) هو مذهب الفقهاء الأربعة، كما سبق.(٢) وهو قول لبعض الحنابلة، كما سبق، ولكن قالوا بجواز ذلك في التراويح فقط، لا في جميع النوافل، ولا في الفرائض.(٣) أخرج الدارقطني في "سننه" (٢/ ٢١)، عن أم ورقة: "أن رسول اللَّه ﷺ أَذِن لها أن يُؤذن لها ويقام، وتَؤم نساءها". والحديث فيه الوليد بن جميع وهو ضعيفٌ، وأمُّه مجهولةٌ. قال ابن حبان: "لا يحتجُّ بالوليد بن جميع". انظر: "تنقيح التحقيق"، لابن عبد الهادي (٢/ ٨٢).(٤) سبق ذكر هذا من كلام ابن قدامة وغيره.стр. 1760
والمرأة إذا أَمَّت النساء فإنها تتوسطهنَّ (١) .
واستدلوا بحديث: "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" (٢) ، وهذا الحديث فيه كلام، فلو صحَّ لزال كل خلاف، وإن كنا نرى أنَّ إمامة المرأة للرجال لا تصح مُطلقًا، وهذا هو الرأي الصحيح، وهو قول الأئمة الأربعة، وهذا الحواشي
(١) وهذا مذهب الجمهور، وخالف المالكية؛ لأنهم يرون عدم جواز صلاة المرأة بالنساء، ولو جاز ذلك فتكون مثل إمامة الرجل للرجال.
انظر في مذهب الأحناف: "النتف في الفتاوى"، للسغدي (١/ ٧٢)، وفيه قال: "إذا أمَّ الرجلُ الرجالَ ينبغي أن يقوم قُدَّام القوم والقوم خلفه، وإذا أمَّت المرأةُ النساء ينبغي لها أن تقوم وسط القوم". وانظر: "حاشية ابن عابدين" (رد المحتار) (١/ ٥٦٥، ٥٦٦).
وانظر في مذهب الشافعية: "حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج" (٢/ ١٩٤)، وفيه قال: " (قوله: وتقف إمامتهن وسطهن) المراد: أن لا تتقدم عليهن، وليس المراد استواء مَن على يمينها ويسارها في العدد خلافًا لما توهمه بعض ضعفة الطلبة فليُحرر. (قوله: وسطهن) قرر م ر أنَّها تتقدم يسيرًا بحيث تمتاز عنهن، وهذا لا ينافي أنها وسطهن اهـ. سم على منهج. فإن لم يحضر إلا امرأة فقط وقفت عن يمينها أخذًا مما تقدم في الذكور". وأنظر: "الغرر البهجة"، لزكريا الأنصاري (١/ ٤٤٧).
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (١/ ٢٧٨، ٢٧٩)، وفيه قال: " (و) إلا (امرأة أَمَّت نساء، فـ) تقف (وسطًا) بينهن (ندبًا)؛ روي عن عائشة ﵂، ورواه سعيد عن أم سلمة، ولأنه أستر لها".
أما مذهب المالكية -كما سبق- فلا يرون جواز إمامتها أصلًا.
يُنظر: "شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة" (١/ ١٧٢)، وفيه قال: " (ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالًا ولا نساء): ما ذكره هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وروى ابن أيمن أنها تؤم النساء وإلا كره، قال عياض في "الإكمال": واختاره بعض شيوخنا. وقال اللخمي: إن عدم الرجال أَمَّت النساء، وإلا كره وصَحَّت، وعلى المشهور فَمَن أَمَّته أعاد أبدًا، لو كانت أمرأة على ظاهر قول ابن حبيب: مَن صلى خلفها أعاد أبدًا، وبه الفتوى. . . قلت: وكان بعض مَن لقيناه يذهب إلى أنها تقف آخرهن وحدها وهُنَّ أمامها؛ لقوله ﵇: "أَخِّروهن حيث أَخَّرهن اللَّه"، وكنت أُجيبه بأن معنى الحديث: إنما هو حيث تكون مأمومة، وأمَّا إذا أمت النساء على القول به، فتصير كرجل مع رجال، واللَّه أعلم".(٢) جُزء من حديث أخرجه ابن ماجه(١٠٨١) عن جابر ﵁، وضعفه الألباني في "إرواء الغليل"(٥٢٤) .стр. 1761
أمر قد اشتهر، ولم يُعلم أنَّ امرأة أَمَّت رجالًا، ولو ثبت ذلك لنُقل إلينا، ولو كان ذلك جائزًا لبيَّنه الرَّسول ﷺ ؛ لأنَّه حكم شرعي، والحكم الشرعي يجب بيانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والرسول مُبَلِّغ مُبين عن اللَّه تعالى، وهو لا يؤخر البيان عن وقته (١) .
وقد ورد عن الرَّسُول ﷺ : "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" (٢) ، وجاء في أثر عبد اللَّه بن مسعود: "أخروهنَّ من حيث أخرهنَّ اللَّه" (٣) .
فالمرأة تؤخر عن الرجال، لا لنقص فيها كما قلنا، ولكن هذه هي منزلتها، ولذلك في الحديث الصحيح: "خبرُ صفوف الرجال أولها، وآخرها شرُّها، وخبر صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٤) .
ولا ننسى أنَّ الرَّسُول ﷺ أَذِن أن يُتخذ لأم ورقة مُؤذنًا يُؤذن لها، لذلك يقول الجمهور: لا يجوز لها أن تؤذن لنفسها (٥) ، كذلك لا يجوز لها الحواشي
(١) سبق بيان هذه القاعدة.(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ١٤٩) موقوفًا عن ابن مسعود، قال: "كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يُصلون جميعًا، فكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: "أَخِّروهن حيث أخرهن اللَّه"، قال الألباني: "لا أصل له مرفوعًا، والصحيح: أنه موقوف على ابن مسعود كما في "كشف الخفاء". قلت: والموقوف صحيح الإسناد، ولكن لا يحتج به لوقفه، والظاهر أن القصة من الإسرائيليات". انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة"(٩١٨) .(٤) أخرجه مسلم (٤٤٠/ ١٣٢).(٥) يُنظر في مذهب الأحناف: "بدائع الصنائع"، للكاساني (١/ ١٥٠)، وفيه قال: " (وأما) الذي يرجع إلى صفات المؤذن فأنواع أيضًا: (منها:) أن يكون رجلًا، فيُكره أذان المرأة باتفاق الروايات؛ لأنها إن رفعت صوتها فقد ارتكبت معصية، وإن خفضت فقد تركت سنة الجهر؛ ولأن أذان النساء لم يكن في السلف، فكان من المحدثات".
ويُنظر في مذهب المالكية: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (١/ ١٧٤)، وفيه قال: "والذكورة: فلا يصح أذان المرأة ولو لنساء، فأذانها بحضرة الرجال حرام، وقيل: مكروه". =стр. 1762
أن تؤم الرجال، يعني: من باب أولى (١) ، وقاسوا ذلك -أيضًا- على الرجال.
وهناك مسألة تتفرع عن هذه، ولكن لم يذكرها المؤلف؛ وهي: للرجل أن يؤم النِّساء اللاتي هو مَحرم لهنَّ، وكذلك النساء اللاتي معهنَّ رجال؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ كان يؤم الرجال ويوجد النساء، وكذلك الصحابة (٢) . الحواشي
(١) سبق بيان هذا.(٢) اتفق الفقهاء على كراهة إمامة الرجل لنساء لا محرم معهن، وأن ذلك يجوز إذا كُنَّ محارم له.
يُنظر في مذهب الأحناف: "درر الحكام"، لمنلا خسرو (١/ ٨٦)، وفيه قال: "وكذلك يكره إذا أَمَّهن رجل في بيت وليس معهن محرم له أو زوجة، لا في المسجد مطلقًا كما في (البحر) ".
يُنظر في مذهب المالكية: "مواهب الجليل"، للحطاب (٢/ ١٢٩)، وفيه قال: "أن يكون معه امرأة أو نساء فيقفن وراءه، إلا أنه يكره له إن كان أجنبيًّا من النسوة أن يَؤمهن للخلوة بهن، وهو مع الواحدة أشد كراهة، وقال ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يؤم الرجل النساء لا رجال معهن إذا كان صالحًا. انتهى".
يُنظر في مذهب الشافعية: "البيان"، للعمراني (٢/ ٤١٣)، وفيه قال: "وإن أَمَّ رجل نساء من ذوي محارمه جاز، ولم يكره له الخلو بهن؛ لأنه يجوز له الخلو بهن، وإن كن مِن غير ذوات محارمه، فإن كن امرأة أو امرأتين كره له الخلو بهن؛ لقوله ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة، فإنَّ ثالثهما الشيطان"، فإن كن نساء كثيرًا، فهل يجوز للرجل الأجنبي الخلو بهن؛ فيه وجهان، حكاهما القاضي". =стр. 1763
ولذلك عائشة ﵂ بيَّنت أنَّ النساء كن يخرجن متلفعات لا يُعرفن من شدة الغلس (١) ، وقالت: "لو رأى رسولُ اللَّه ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" (٢) .
إذًا يصلين، لكن القصد ألَّا يخلو رجل أجنبي بنساء وحده، وأمَّا في المساجد فغير ممنوع.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَتِهَا النِّسَاءَ، فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ) (٣) .
فأمَّا إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي (٤) ، وأحمد (٥) ، ومعلوم أنَّ أم الحواشي
(١) أخرجه البخاري(٥٧٨) ، واللفظ له، ومسلم (٦٤٥/ ٢٣٢)، عن عائشة، قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغَلس".
والغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. انظر: "النهاية"، لابن الأثير (٣/ ٣٧٧).(٢) أخرجه البخاري(٨٦٩) ، ومسلم (٤٤٥/ ١٤٤)، واللفظ له، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: "لو أن رسول اللَّه ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد، كما مُنعت نساء بني إسرائيل. قال: فقلت لعمرة: أنساء بني إسرائيل مُنعن المسجد؟ قالت: نعم".(٣) سبق ذكر مذهب المالكية.(٤) يُنظر: "الحاوي الكبير"، للماوردي (٢/ ٣٥٦)، وفيه قال: "مذهب الشافعي أنه يستحب لها أن تؤم النساء فرضًا ونفلًا". وانظر: "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، للشربيني (١/ ١٦٦).(٥) يُنظر: "كشاف القناع عن متن الإقناع"، للبهوتي (١/ ٤٧٩)، وفيه قال: " (وتصح) إمامة المرأة بنساء، لما رواه الدارقطني عن أم ورقة "أنه ﷺ أَذِن لها أن تَؤُم نساء أهل دارها"".стр. 1764
ورقة كانت تؤم (١) . وقيل: عن عائشة أنها أَمَّت (٢) ، وكذلك حفصة (٣) ، ونُقل عن أبي حنيفة أنَّ إمامتها للنساء تجوز مع الكراهة (٤) .
* قوله: (وَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ).
وكذلك المزني.
* قوله: (فَأَجَازَا إِمَامَتَهَا عَلَى الإِطْلَاقِ).
وكما قال المؤلف يُعتبر قولهم قولًا شاذًّا (٥) .
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهَا أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ؛ وَلأَنَّهُ أَيْضًا لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُنَّ الحواشي
(١) تقدَّم تخريجه.(٢) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ١٤١)، وغيره، عن ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، أن عائشة "كانت تؤم النساء في التطوع، تقوم معهن في الصف".
وثبت ذلك أيضًا عن أم سلمة؛ فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٣٠)، عن أم الحسن: أنها رأت أم سلمة زوج النبي ﷺ تؤم النساء، تقوم معهن في صفهن".
وصحح الألباني هذه الآثار بمجموع طرقها، فقال: "وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها، ولا سيما وهي مؤيدة بعموم قوله ﷺ : "إنَّما النساء شقائق الرجال"". انظر: "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" (ص: ١٥٤، ١٥٥).(٣) لم أقف عليه، ولعل الصواب أنها أم سلمة، كما سبق.(٤) يُنظر في مذهب الأحناف: "التجريد"، للقدوري (٢/ ٨٦١، ٨٦٢)، وفيه قال: "قال أصحابنا: يكره للنساء أن يصلين جماعة؛ لأن الجماعة لو كانت تُستحب للنساء كما تستحب للرجال لبيَّن ذلك ﵇ وحَثَّ عليه، ولو فعل لنقل من طريق الاستفاضة، ولأنه لا يسن لهم الأذان، وكل صلاة راتبة لا أذان لها لا يستحب فعلها في جماعة؛ كالنوافل. وما احتجوا به عن أم ورقة بنت نوفل أن النبيَّ كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يُؤذن لها، وأمرها أن تؤم بأهل دارها. فهذا كان في ابتداء الإسلام، وقد كن النساء يحضرن الجماعات. أما ما روي عن عائشة أنها صلت بنسوة العصر، فقامت وسطهن. فجوابه أن هذا يدل على الجواز، والخلاف في الكراهة. ويجوز أن يَكُنَّ فَعلن ذلك على طريق التعليم".(٥) سبق ذكر هذا كله.стр. 1765
فِي الصَّلَاةِ التَّأْخِيرَ عَنِ الرِّجَالِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ لَهُنَّ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "أَخِّرُوهُنَّ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ") (١) .
هذا الحديث موقوف على عبد اللَّه بن مسعود، وليس بمرفوع، أخرجه عبد الرزاق (٢) .
* قوله: (وَلذَلِكَ أَجَازَ بَعْضُهُمْ إِمَامَتَهَا النِّسَاءَ إِذْ كُنَّ مُتَسَاوِيَاتٍ فِي المَرْتبَةِ فِي الصَّلَاةِ) (٣) .
إنَّما يقصد أنَّه كالحال بالنسبة للرجال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه" (٤) ، فكذلك الحال بالنسبة للنساء.
* قوله: (مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ (٥) . وَمَنْ أَجَازَ إِمَامَتَهَا، فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ وَرَقَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا" (٦) . وَفِي هَذَا البَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ؛ أَعْنِي: اخْتِلَافَهُمْ فِي الصِّفَاتِ المُشْتَرَطَةِ فِي الإِمَامِ؛ تَرَكْنَا ذِكرَهَا لِكَوْنِهَا مَسْكُوتًا عَنْهَا فِي الشَّرْعِ). الحواشي
(١) يُنظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، للقاضي عبد الوهاب (١/ ٢٩٦)، وفيه قال: "فدليلنا قوله ﷺ : "أَخِّروهن حيث أَخَّرهن اللَّه"، وفي الائتمام بهن خلاف ذلك. وقوله ﷺ : "خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها". وهذا ينفي تقديمهن. ولأن الأنوثية نقص لازم مؤثر في سقوط وجوب الصلاة، فكان مؤثرًا في منع الإمامة، كالرق والصغر، ولأن كل مَن لم يصح أن يكون إمامًا للرجال لم يصح أن يكون إمامًا للنساء؛ كالمجنون والصبي".(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) سبق ذكر مذاهب العلماء في إمامة المرأة للنساء.(٤) تقدَّم تخريجه.(٥) ثبت هذا عن عائشة وأم سلمة وأم ورقة بنت نوفل. كما سبق.(٦) تقدَّم تخريجه.стр. 1766
فالمؤلف هنا لم يذكر إلَّا قليلًا من كثيرٍ، فلم يُعرج على جميع جزئيات مسائل هذا الباب المتعلق بالإمامة، وإنَّما ذكر أصول هذا الباب، لذلك سيذكر (السموع)؛ أي: ما نطق به النَّص، كما يذكر ذلك أحيانًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسُّنَّة" (١) .
إذًا أخذ ما يتعلَّق بالقراءة، لكنَّه لم يتطرق للجزئيات الأخرى المتعلقة بذلك، ومنها التي تتعلق بالورع والصلاح، وغير ذلك.
* قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَصْدُنَا فِي هَذَا الكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ المَسَائِلِ المَسْمُوعَةِ، أَوْ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ).
يريد ما نطق به النَّصُّ: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب اللَّه"، "لا صلاةَ لفرد خلف الصف" (٢) . هذه نطق بها الرَّسُول، أو ما هو قريب من ذلك مما هو قريب من النص؛ يعني يقصد به ما نص عليه، أو ما يوافق ذلك المنصوص عليه، وهو ما نعرفه من مفهوم الموافقة، أمَّا المسائل التي تتفرع عن ذلك فلم يَعرض لها، ولذلك ذكرنا من قبل أنَّه ذكر في كتاب القذف؛ فقال: "إن أنسأ اللَّه في عمري -يعني: إن أمد اللَّه في عمري- فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك"، فلم يكتب في الفروع، وإنَّما كتب في الأصول (٣) . الحواشي
(١) تقدَّم تخريجه.(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان في "صحيحه" (٥/ ٥٧٩، ٥٨٠)، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، وكان أحد الوفد، قال: "قدمنا على رسول اللَّه ﷺ ، فصلينا خلف رسول اللَّه ﷺ ، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته إذا رجل فرد، فوقف عليه نبي اللَّه ﷺ ، حتى قضى الرجل صلاته، ثم قال له نبي اللَّه ﷺ : "استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف""، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان"(٢١٩٩) ، وبنحوه أخرجه ابن ماجه(١٠٠٣) ، وصححه الأرناؤوط.(٣) قال أبو المعالي الجويني في تعريف الفروع: "وأصح ما يقال فيها أن نقُول: كل حكم في أفعال المكَلَّفين لم يقم عليه دلالة عقل، ولا ورد في حكمه المختلف فيه دلالة سمعية قاطعة، فهو من الفروع". انظر: "الاجتهاد" (ص: ٢٧). =стр. 1767
وذكرنا أنَّ العلماء السابقين يعتبرون هذا الكتاب كتاب قواعد وليس كتاب فقه (١) .
وأنا أقصد بالقواعد هنا: القواعد الفقهية، لذلك يقسم العلماء المجموعة الفقهية إلى ثلاثة أقسام: أصول فقه -قواعد فقهية- فروع فقهية، فالأصول هو فقه، لكن اصطلح العلماء على أن يُسموه أصولًا، واصطلحوا على تسمية الفروع: فروع فقه (٢) ، واصطلحوا على تسمية القواعد: قواعد فقهية (٣) ، وإلَّا فكلها تلتقي في شيء واحد، ولذلك تمثل مجموعة واحدة أصول، ثم يأتي بعده قواعد، ثم المسائل الفرعية الكثيرة التي تُمسك بها هذه القواعد، والتي تعتبر قواعد أصولية، وموازين الحواشي
(١) ممن قال عنه كتاب "قواعد العيني"، كما سبق.(٢) سبق تعريف الأصول والفروع وذكر الفرق بينهما.(٣) يُنظر: "الفروق" للقرافي (١/ ٢) حيث قال: "فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد اللَّه منارها شرفًا وعلوًّا اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين.
والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمِه، لكل قاعدة عن الفروع في الشريعة ما لا يُحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل، وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع. وانظر: "الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية" (ص: ٢٠، ٢١).стр. 1768
يستخدمها الفقيه المجتهد حتى لا يزل عن معرفة الحق.
[أَحْكَامُ الإِمَامِ الخَاصَّةُ بِهِ]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَأَمَّا أَحْكَامُ الإِمَامِ الخَاصَّةُ بِهِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالسَّمْعِ؛ إِحْدَاهَا: هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ؟ أَمِ المَأْمُومُ هُوَ الَّذِي يُؤَمِّنُ فَقَطْ. وَالثَّانِيَةُ: مَتَى يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ؟ وَالثَّالِثَةُ: إِذَا ارْتُجَّ (١) عَلَيْهِ؛ هَلْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالرَّابِعَةُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ المَأْمُومِينَ. فَأَمَّا هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا فَرَغ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الكِتَابِ (٢) ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ، وَالمِصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ (٣) . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ الحواشي
(١) ارْتِجَ على فلان: إذا أراد قولًا، فلم يَصل إلى تمامه، وهو مأخوذ من الرِّتاج، وهو الباب المغلق، وقالوا: في كلامه رَتَجٌ، أي: تَتَعْتُعٌ وعِيٌّ. انظر: "الدلائل في غريب الحديث"، للسرقسطي (٢/ ٥٢٣).(٢) أم الكتاب: هي الفاتحة، سُمِّيت بذلك؛ لأنها أوَّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها.
وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها أفضل سور القرآن، كما أن مكة سميت أم القرى؛ لأنها أشرف البلدان.
وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها مقدَّمة على سور القرآن، فهي أصل وإمام لما يتلوها من السور.
وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يُسمَّى أمَّ الرأس؛ لأنها مجمع الحواس والمنافع". انظر: "الكشف والبيان"، للثعلبي (١/ ١٢٦، ١٢٧).(٣) قال ابن عبد البر: "ومعلوم أن قول المأموم هو (آمين)، فكذلك يجب أن يكون قول الإمام. وهذا موضع اختلف فيه العلماء: فروى ابن القاسم عن مالك: أن الإمام لا يقول: (آمين)، وإنما يقول ذلك مَن خلفه دونه، وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب مالك". انظر: "الاستذكار" (١/ ٤٧٤)، وانظر: "المدونة"، لابن القاسم (١/ ١٦٧).стр. 1769
إِلَى أَنَّهُ يُؤَمِّنُ كَالمَأْمُومِ سَوَاءً (١) . وَهِيَ رِوَايَةُ المَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ (٢) . وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَي الظَّاهِرِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي "الصَّحِيحِ"، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا" (٣) . وَالحَدِيثُ الثَّانِي: مَا أخرجَهُ الحواشي
(١) يُنظر في مذهب الأحناف: "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"، للزيلعي (١/ ١١٣)، وفيه قال: "قال ﵀: (وأمن الإمام والمأموم سرًّا)؛ لقوله ﵊: "إذا أَمَّن الإمام فَأَمِّنوا؛ فإنه مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له ما تَقَدَّم مِن ذنبه"، رواه مسلم والبخاري ومالك في الموطأ، وقالت المالكية في رواية: لا يأتي الإمام بالتأمين. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة لقوله ﵊: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين"، قسم بينهما، وهي تنافي الشركة؛ ولأن سنة الدعاء تأمين السامع لا الداعي، وآخر الفاتحة دعاء؛ فلا يُؤمن الإمام؛ لأنه داع. والحجة عليهم: ما رويناه".
ويُنظر في مذهب الشافعية: "البيان"، للعمراني (٢/ ١٩٠، ١٩١)، وفيه قال: "فإذا فرغ من الفاتحة أمَّنَ، وهو سنةٌ لكل مَن قرأ الفاتحة في الصلاة وغيرها، وهو أن يقول: (آمين)؛ لما روي عن وائل بن حجر: أنه قال: "سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: (آمين)، ومَدَّ بها صوته". وأما الجهر به: فإن كان في صلاة يُسر بها أَسَرَّ به المنفرد والإمام والمأموم؛ لأنه تابع للقراءة، وإن كان في صلاة يُجهر بها، فإن كان منفردًا أو إمامًا جهر به؛ لقوله ﷺ : "إذا أَمَّن الإمام فَأَمِّنوا". وانظر: "فتح الوهاب"، لزكريا الأنصاري (١/ ٤٨).
ويُنظر في مذهب الحنابلة: "كشاف القناع"، للبهوتي (١/ ٣٣٩)، وفيه قال: " (فإذا فرغ) من قراءة الفاتحة (قال: آمين، بعد سكتة لطيفة، ليعلم أنها ليست من القرآن)، وإنما هي طابع الدعاء، ومعناه: اللهم استجب، وقيل: اسم من أسمائه تعالى، (يجهر به إمام ومأموم معًا في صلاة جهر)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أَمَّن الإمام فأمنوا؛ فإنه مَن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له".(٢) يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (١/ ٤٧٤، ٤٧٥)، وفيه قال: "وقال جمهور أهل العلم يقول الإمام: (آمين)، كما يقولها المنفرد والمأموم. وهو قول مالك في رواية المدنيين عنه؛ منهم ابن الماجشون، ومطرف، وأبو مصعب، وابن نافع، وهو قولهم".(٣) أخرجه البخاري(٧٨٠) ، ومسلم (٤١٠/ ٧٢)، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا أَمَّن الإمام فَأَمِّنوا؛ فإنَّه مَن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، وقال ابن شهاب: وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: (آمين).стр. 1770
مَالِكٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ ﵊: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فَقُولُوا: آمِينَ" (١) . فَأَمَّا الحَدِيثُ الأَوَّلُ: فَهُوَ نَصٌّ فِي تَأْمِينِ الإِمَامِ. وَأَمَّا الحَدِيثُ الثَّانِي: فَيُسْتَدَلُّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُؤَمِّنُ لَمَا أُمِرَ المَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ الكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يُؤَمِّنَ الإِمَامُ؛ لِأَنَّ الإِمَامَ كَمَا قَالَ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (٢) . إِلَّا أَنْ يُخَصَّ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الإِمَامِ: (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ)، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الإِمَامِ فِي التَّأْمِينِ، وَيَكُونُ إِنَّمَا تَضَمَّنَ حُكْمَ المَأْمُومِ فَقَطْ (٣) . ولَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ الحواشي
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٨٧) عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين؛ فإنه مَن وافق قولُه قولَ الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه". وأخرجه البخاري عن مالك(٧٨٢) ، وأخرجه مسلم (٤١٠/ ٧٦) من طريق آخر.(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) قصد المؤلف من هذا الكلام: أن المأموم أُمِر بالتأمين بمجرد فراغ الإمام من الفاتحة، كما في الحديث، وهذا التامين من المأموم قد يكون قبل الإمام أو معه، هذا لو سلم بأن الإمام يؤمن، فإذا كان ذلك كذلك، فإن المأموم المأمور بمتابعة إمامه سوف يتقدمه في التأمين، وهذا لا يجوز، فدل ذلك على أن الإمام غير مأمور بالتأمين وإنما المأمور به المأموم فقط.
قال القاضي عبد الوهاب في ذكر الروايتين وتوجيههما: "وفي الإمام روايتان: إحداهما لا يُؤَمِّن، وهي الظاهر، والأخرى: أنه يُؤمن، فوجه الأولى قوله ﷺ : "إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين"، فلو كان التأمين من سنُتَّه، لقال: إذا قال: آمين فقولوا، ولأن الإمام داع والمأموم مستمع؛ لأن هذا هو سبيل الدعاء أن يكون المؤمن غير الداعي. ووجه الثانية قوله: "إذا أَمَّنَ الإمام فأَمِّنُوا"، ولأنه ذِكرٌ سُنَّ للمأموم، فكان مسنونًا للإمام كسائر الأذكار المسنونة، ولأنه فصلٌ، فاستحب له التأمين كالمنفرد والمأموم". انظر: "المعونة على مذهب عالم المدينة" (ص: ٢١٩).стр. 1771
لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ يكون السَّامِعِ هُوَ المُؤَمِّنَ لَا الدَّاعِيَ (١) . وَذَهَبَ الجُمْهُورُ لِتَرْجِيحِ الحَدِيثِ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ نَصًّا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الإِمَامِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَدِيثِ الآخَرِ فِي مَوْضِعِ تَأْمِينِ المَأْمُومِ فَقَطْ لَا فِي هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ أَوْ لَا يُؤَمِّنُ؛ فَتَأَمَّلْ هَذَا (٢) . وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُتَأَوَّلَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: "فَإِذَا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا"، أَيْ: فإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ (٣) . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التَّأْمِينَ هُوَ الدُّعَاءُ. وَهَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ لِشَيْءٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا بِقِيَاسٍ، أَعْنِي: أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ: "فَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الحواشي
(١) يقصد ترجيحه عدم تأمين الإمام، وهي الرواية الأظهر عنه، كما سبق.(٢) أي: أن الجمهور الذين قالوا بتأمين الإمام لحديث: "إذا أمن الإمام فأمنوا"، ذهبوا فِي تأويل حديث المخالف من قوله ﷺ : "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين"، بأن المقصود منه: تحديد موضع تأمين الإمام، متى يُؤمن، وليس المقصود به منع الإمام من التأمين.
قال ابن قدامة في توجيه دليل المالكية: وحديثهم: لا حجة لهم فيه، وإنما قصد به تعريفهم موضع تأمينهم، وهو عقيب قول الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ لأنه موضع تأمين الإمام؛ ليكون تأمين الإمام والمأمومين في وقت واحد موافقًا لتأمين الملائكة، وقد جاء هذا مصرحًا به، كما قلنا، وهو ما روي عن الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين. والإمام يقول: آمين. فمَن وافق تأمينُه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه"، وقول النبي ﷺ في اللفظ الآخر: "إذا أَمَّن الإمام"، يعني: إذا شرع في التأمين".(٣) وهذا التأويل هو ما ذهب إليه المالكية في الرد على الجمهور بتأويل حديث: "فإذا أَمَّن الإمام فأمنوا".
يُنظر: "القبس في شرح الموطأ"، لابن العربي (ص: ٢٣٦)، وفيه قال: "قوله: "إذا أمَّنَ الإمامُ"، الحديث. قيل: معنى قوله: "إذا أَمَّن": إذا بلغ موضع التأمين؛ كقولهم: أحرم: إذا بلغ موضع الحرم. وأنجد: إذا بلغ موضع العلو، وذلك كقوله: "إِذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين"؛ ليجتمع الحديثان".стр. 1772
وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَأَمِّنُوا"، فَإِنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ الإِمَامُ (١) . وَأَمَّا مَتَى يُكَبِّرُ الإِمَامُ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يُكَبِّرُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الإِقَامَةِ وَاسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ، وَهُوَ مَذهَبُ مَالِكٍ (٢) ، وَالشَّافِعِيِّ (٣) وَجَمَاعَةٍ (٤) . وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ مَوْضِعَ التَّكْبِيرِ هُوَ الحواشي
(١) كأن المؤلف يريد أن يقول: إن الذين قالوا بعدم تأمين الإمام بنوا قولهم على أفتراض، وهو أن حديث: "فقولوا: آمين"، هو خطاب للمأمومين لا يدخل فيه الإمام، ثم ذهبوا بهذا الذي قالوه إلى أن الأمر الموجه للمأمومين بقول: آمين، هو تأمين منهم على دعاء الإمام، فلا يدخل فيه.
قال الزيلعي: "وقولهم: سنة الدعاء تأمين السامع لا الداعي غلط؛ لأن التأمين ليس فيه إلا زيادة الدعاء، والداعي أولى به، ولا حجة لهم فيما رووه، فإنه قال في آخره: فإن الإمام يقولها". انظر: "تبيين الحقائق" (١/ ١١٣).
وذكر الماوردي جوابًا آخر، فقال: "وأما استشهادهم بأن التأمين على الدعاء يكون من غير الداعي فهذا مستمر في غير الصلاة، وأما الدعاء في الصلاة فمخالف له". انظر: "الحاوي الكبير" (٢/ ١١٢).(٢) يُنظر: "التهذيب في اختصار المدونة"، للبراذعي (١/ ٢٣١)، وفيه قال: "وينتظر الإمام بعد الإقامة قليلًا بقدر تسوية الصفوف، ثم إذا كبر قرأ ولا يَتربص، وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة وقت، وذلك على قدر طاقة الناس". وانظر: "الشرح الكبير للشيخ الدردير" (١/ ٢٠٠).(٣) يُنظر: "التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، للبغوي (٢/ ٨١)، وفيه قال: "ولا يُكبر الإمام حتى يأمر بتسوية الصفوف؛ فيقول: استووا، ويستحب للقوم أن يُسووا الصفوف، ويَسُدُّوا الفُرَج". وانظر: "أسنى المطالب"، لزكريا الأنصاري (١/ ٢٢٨).
وهو مذهب الحنابلة.
يُنظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (١/ ٤١٤)، وفيه قال: " (وسُنَّ قيام إمام، فـ) قيام (مأموم) غير مقيم، (لصلاة إذا قال مقيم: قد قامت الصلاة)؛ لأن النبي ﷺ ، كان يفعل ذلك، رواه ابن أبي أوفى: ولأنه دعي إلى الصلاة، فاستحب المبادرة إليها عنده. (إن رأى) المأموم (الإمام، وإلا) بأن لم ير المأموم الإمام عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، (فـ) إنه يقوم (عند رؤيته) لإمامه، فلا يقوم حتى يرى الإمام، على الصحيح من المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وصححه المجد وغيره. . .، والمقيم يأتي بالإقامة كلها قائمًا، ولا يُحرم الإمام حتى تفرغ الإقامة. نص عليه، وهو قول جل أئمة الأمصار".(٤) نصَّ ابنُ قدامة على بعضهم، فقال: "ولا يستحب عندنا أن يكبر إلا بعد فراغه من الإقامة، وهو قول الحسن، ويحيى بن وثاب، وإسحاق، وأبي يوسف، والشافعي، وعليه جل الأئمة في الأمصار". انظر: "المغني" (١/ ٣٣٢).стр. 1773
قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الإِقَامَةَ، وَاسْتَحْسَنُوا تَكْبِيرَهُ عِنْدَ قَوْلِ المُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (١) ، وَالثَّوْرِيِّ (٢) ، وَزُفَرَ (٣) . وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ وبِلَالٍ. أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ: "أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي" (٤) . وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الكَلَامَ مِنْهُ كَانَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الإِقَامَةِ، مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ الحواشي
(١) وافقه محمد وزفر، وخالفه أبو يوسف. انظر في خلاف أبي يوسف لصاحبيه: "مختلف الرواية"، للسمرقندي (١/ ١٤٨)، وفيه قال: "قال أبو يوسف: لا يُكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة - كبَّر الإمام والقوم معه. له: أن في التأخير إدراك الإمام والقوم فضيلة القول بمثل ما قاله المؤذن، وإدراك المؤذن فضيلة تكبيرة الافتتاح، وفي التعجيل تفويت ذلك، فكان ما قلناه أولى. لهما: أن المؤذن أمين الشرع، وقد أخبر بقيام الصلاة، فيجب تصديقه بالفعل، ولأن فيه مسارعة إلى العبادة، فكان أولى. وأما القول بمثل المؤذن، قلنا: الأخبار وردت بذلك في الأذان دون الإقامة، وأما فضيلة تكبيرة الافتتاح، تكلموا في وقت إدراكها، والصحيح: أن من أدرك الركعة الأولى فقد أدرك فضيلة تكبيرة الافتتاح".
وانظر في خلاف زفر لأبي يوسف: "مختلف الرواية"، للسمرقندي (١/ ٢٧٦)، وفيه قال: "قال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قام الإمام والقوم، وإذا قال ثانيًا، كبَّروا. له: أن المؤذن أمين الشرع، فيجب تصديقه، وذلك فيما قلناه. ولنا: ما مَرَّ في باب أبي يوسف".
والمذهب على ما قاله أبو حنيفة ومحمد وزفر.
يُنظر: "مجمع الأنهر"، لشيخي زاده (١/ ٩١)، وفيه قال: " (والشروع عند قد قامت الصلاة)، أي: شروع الإمام عندما قال المؤذن: قد قامت الصلاة الأول عند الطرفين؛ لئلا يَكذب المؤذن، وفيه مسارعة للمناجاة، وقد تابع المؤذن في الأكثر فيقوم مقام الكل".(٢) يُنظر: "التمهيد"، لابن عبد البر (٩/ ١٨٨)، وفيه قال: "وقال أبو حنيفة والثوري وزفر: لا يُكبر الإمام قبل فراغ المؤذن من الإقامة، ويستحسنون أن يكون تكبير الإمام في الإحرام إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة".(٣) سبق ذكر قول زفر.(٤) أخرجه البخاري(٧١٩) .стр. 1774
كَانَ إِذَا تَمَّتِ الإِقَامَةُ، وَاسْتَوَتِ الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ يُكَبِّرُ (١) . وَأَمَّا حَدِيثُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ "أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فكَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ". أَخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ (٢) . قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ وَالإِقَامَةُ لَمْ تَتِمَّ (٣) . وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الفَتْحِ عَلَى الإِمَامِ إِذَا ارْتِجَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَالِكًا (٤) ، وَالشَّافِعِيَّ (٥) ، وَأَكْثَرَ العُلَمَاءِ أَجَازُوا الحواشي
(١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٤٧)، عن ابن جريج قال: أخبرني نافع، مولى ابن عمر قال: "كان عمر يبعث رجلًا يقوم الصفوف، ثم لا يكبر حتى يأتيه، فيخبره أن الصفوف قد اعتدلت".
وثبت ذلك أيضًا عن عثمان، أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١٠٤) وغيره، عن مالك بن أبي عامر: "أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته، قَلَّ ما يَدَعُ ذلك إذا خطب: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحَظِّ مثل ما للمنصت السامع، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف، وحاذوا بالمناكب؛ فإن اعتدال الصفوف من تمام الصلاة"، ثم لا يكبر، حتى يأتيه رجال قد وَكَّلهم بتسوية الصفوف، فيخبرونه أن قد استوت، فيُكبر".(٢) أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤/ ٢٩٢)، بإسناده عن أبي عثمان: "أن بلالًا قال: اشترطت على رسول اللَّه ﷺ أن لا يسبقني بآمين"، وأخرجه أبو داود(٩٣٧) . قال الألباني: "إسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين أبي عثمان وبلال، وبذلك أعله الدارقطني والبيهقي". انظر: "ضعيف أبي داود - الأم"(١٦٧) .(٣) قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث بلال محتجًّا به لمذهب الأحناف: "فكان ما في هذا الحديث ما قد دل أنه كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في صلاته بعد دخوله فيها طائفة من فاتحة الكتاب قبل فراغ بلال من إقامته، وهذا يدل على ما كان أبو حنيفة يذهب إليه في الإمام: أنه يكبر للصلاة إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، قبل فراغه من إقامته. وقد روي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب ﵁". انظر: "شرح مشكل الآثار" (١٤/ ٢٩٢).(٤) انظر: "الجامع لمسائل المدونة"، لابن يونس (٢/ ٦٦٧)، وفيه قال: "قال مالك: وإذا وقف الإمام في قراءته فليفتح عليه مَن كان خلفه، وإن كان هذا في صلاة وهذا في صلاة أُخرى فلا يفتح أحدهما على صاحبه، ولا ينبغي لأحد أن يفتح على مَن ليس معه في صلاة". وانظر: "المختصر الفقهي"، لابن عرفة (١/ ٢٤٨).(٥) انظر: "البيان"، للعمراني (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠)، وفيه قال: "وإن ارتج على الإمام. . . فقد قال الشافعي في موضع: (ولا يُلقن)، وقال في موضع؛ (يلقن). قال أصحابنا: =стр. 1775
الفَتْحَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ (١) . وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَدَّدَ فِي آيَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: أَيْنَ أُبَيٌّ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِي القَوْمِ؟ "، أَيْ: يُرِيدُ الفَتْحَ عَلَيْهِ (٢) . وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُفْتَحُ عَلَى الإِمَامِ" (٣) . الحواشي
(١) يُنظر: "الاستذكار"، لابن عبد البر (١/ ٤٣٩)، وفيه قال: "وكره الكوفيون الفتح على الإمام".
وفي مذهب الأحناف لا يجوز، وتفسد به الصلاة قياسًا.
يُنظر: "بدائع الصنائع"، للكاساني(٢٣٦١١) ، وفيه قال: "إن كان الفاتح هو المقتدي به فالقياس هو فساد الصلاة إلا أنا استحسنا الجواز؛ لما روي: أن رسول اللَّه ﷺ قرأ سورة (المؤمنون) فترك حرفًا، فلما فرغ قال: "ألم يكن فيكم أُبَي؟ ". قال: نعم يا رسول اللَّه، قال: "هَلَّا فَتحت عليَّ". فقال: ظننتُ أنها نسخت فقال ﷺ : "لو نُسِخت لأنبأتُكم"، وعن علي ﵁ أنه قال: "إذا استطعمك الإمام فأطعمه. . . "، ولأن المقتدي مضطر إلى ذلك لصيانة صلاته عن الفساد عند ترك الإمام المجاوزة إلى آية أُخرى، أو الانتقال إلى الركوع". وانظر: "تبيين الحقائق"، للزيلعي (١/ ١٥٦).(٢) هو مِن حديث أبي داود وابن حبان، وقد سبق تخريجه.(٣) أخرجه أبو داود، وهو ضعيف. وقد سبق تخريجه.стр. 1776
وَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَالمَنْعُ مَشْهُورٌ عَنْ عَلِيٍّ (١) ، وَالجَوَازُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَشْهُورٌ (٢) . وَأَمَّا مَوْضِعُ الإِمَامِ فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوا أَنْ يَكُونَ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ المَأْمُومِينَ، وَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا مِنْ ذَلِكَ اليَسِيرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٣) . وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ؛ أَحَدُهُمَا: الحواشي
(١) الذي جاء عن علي ﵁ هو القول بالجواز. فقد أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢/ ٢٥٥) وغيره، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي أراه، عن علي، قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه"، وصححه الألباني في أثناء كلامه، وقال له طرق يقوي بعضها بعضا. أنظر: "ضعيف أبي داود - الأم"(١٦١) .
قال الماوردي في معنى الحديث: "معناه: إذا ارتج على الإمام فَلَقِّنوه". انظر: "الحاوي الكبير" (٢/ ٤٤٤).
أما المنع: فجاء عن عليٍّ ﵁ مرفوعًا عن رسول اللَّه ﷺ ، أخرجه أبو داود(٩٠٨) ، بإسناده، عن الحارث، عن علي، ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا عليُّ، لا تفتح على الإمام في الصلاة". قال أبو داود: "أبو إسحاق لم يسمع من الحارث، إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها".
قال الألباني: "هذا إسناد ضعيف؛ للانقطاع الذي ذكره المصنف. والحارث: هو ابن عبد اللَّه الأعور، لا يُحتج به، كما قال البيهقي، والحديث منكر؛ لمخالفته أثرًا عن عليٍّ، وبعض الأحاديث المرفوعة". انظر: "ضعيف أبي داود - الأم"(١٦١) .(٢) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ١٤٣)، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع قال: "كنت ألقن ابن عمر في الصلاة فلا يقول شيئًا".(٣) مذهب المالكية المنع مطلقًا سواء كان في تعليم أو غيره إلا ما كان من الارتفاع اليسير فيجوز. ووافقهم الأحناف والحنابلة. أما الشافعية فمذهبهم -أيضًا- المنع، لكن خالفوا الجمهور في أنهم استثنوا من المنع الحاجة؛ كتعليم الإمام للمأمومين ونحوه فقالوا بالاستحباب في هذه الحالة.
انظر في مذهب المالكية: "التهذيب في اختصار المدونة"، للبراذعي (١/ ٢٤٨، ٢٤٩)، وفيه قال: "ولا يصلي الإمام على شيء أرفع مما يُصَلِّي عليه أصحابه، فإن فعل أعادوا أبدًا؛ لأنهم يعبثون، إلا الارتفاع اليسير مثل ما كان بمصر فتجزئهم الصلاة". وانظر: "مواهب الجليل"، للحطاب (٢/ ١١٨).
وفي مذهب الأحناف. انظر: "البنااية شرح الهداية"، للعيني (٢/ ٤٥٢)، وفيه قال: " (ويكره أن يكون الإمام وحده على الدكان)، ش: وقد ذكرنا أن المراد من الدكان الموضع، والموضع مبتنى يجلس عليه مثل الدكة. . . ولم يذكر المصنف مقدار ارتفاع الدكان الذي يكره عليه، فقيل: قدر ارتفاع قامة الرجل الذي هو متوسط =стр. 1777
الحَدِيثُ الثَّابِتُ "أَنَّهُ ﵊ أَمَّ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ؛ لِيُعَلِّمَهُمُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَزَلَ مِنْ عَلَى المِنْبَرِ" (١) . وَالثَّانِي: مَا الحواشي
(١) أخرج البخاري(٩١٧) ومسلم (٥٤٤/ ٤٤) عن سهل بن سعد الساعدي: "أن رجالًا أتوه، وقد امتروا في المنبر مِمَّ عُودُه؟ فسألوه عن ذلك، فقال: واللَّه إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وُضع، وأول يوم جلس عليه رسول اللَّه ﷺ ، أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى فلانة -امرأة من الأنصار قد سَمَّاها سهل-: "مُرِي غلامَك النَّجَّار أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس"، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول اللَّه ﷺ صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: "أيُّها الناس، إنما صنعتُ هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي"".стр. 1778
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ، فَجَذَبَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ (١) ؟! وَقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الإِمَامَةَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) : أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ (٣) . وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَحْمِلُ بَعْضَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَنِ المَأْمُومِينَ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَنِ المَأْمُومِينَ (٤) ). الحواشي
(١) أخرجه أبو داود(٥٩٧) ، وصححه الألباني في: "صحيح أبي داود - الأم"(٦١٠) .(٢) هذا الحديث من أدلة الجمهور الذين قالوا بعدم اشتراط نية الإمامة في الصلاة، كما سيأتي.
انظر: "بحر المذهب"، للروياني (٢/ ٢٥٥)، وفيه قال: "لو افتتح الصلاة بنية الانفراد، ثم جاء آخر فصلى خلفه صحَّ ائتمامه به وإن لم ينو الإمام إمامته، وبه قال جماعة العلماء. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: لا يُصَلِّي خلفه إلا أن ينوي الإمام إمامته، فإن لم ينو فسد صلاتهم، واحتجوا بما روي عن رسول اللَّه ﷺ فأطلق قال: "الأئمة ضمناء"، ولا تضمن إلا بعلم العلم، وهذا غلط؛ لما روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "بِتُّ في بيت خالتي ميمونة فقام رسول اللَّه ﷺ فأطلق القربة فتوضأ، ثم أوكأ القِربة، ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ، ثم جئت فوقفت عن يساره، فأخذني بيمني"، وروي: "فأخذني برأسي، وحولني إلى يمينه"، ولم يكن نوى الإمامة فيها"".(٣) أخرجه البخاري(١٨٣) ، ومسلم (٧٦٣/ ١٨٢) "عن كريب، مولى ابن عباس أن عبد اللَّه بن عباس أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، فاضطجعتُ في عرض الوسادة، واضطجع رسول اللَّه ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول اللَّه ﷺ ، حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول اللَّه ﷺ ، فتوضأ ثم قام يصلي. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يَفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح".(٤) الجمهور على عدم اشتراط نية الإمامة، وخالف الحنابلة فقالوا باشتراطها. =стр. 1779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = فمذهب الأحناف على أن نية الإمامة ليست شرطًا إلا إذا أمَّ نساء فليزمه نية الإمامة.
انظر: "بدائع الصنائع"، للكاساني (١/ ١٢٨)، وفيه قال: "وهل يحتاج إلى نية الإمامة؟
أما نية إمامة الرجال فلا يحتاج إليها، ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم.
وأما نية إمامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عتد أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ليس بشرط، حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا، خلافًا لزفر، قاس إمامة النساء بإمامة الرجال، وهناك النية ليست بشرط كذا هذا، وهذا القياس غير سديد، لأن المعنى يُوجب الفرق بينهما، وهو أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل فربما تُحاذيه فتفسد صلاته، فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال".
ومذهب المالكية: أنه لا يشترط نية الإمامة إلا في الجمعة ونحوها. انظر: "شرح مختصر خليل"، للخرشي (٢/ ٣٨)، وفيه قال: "لا يشترط نية الإمامة إلا في أربعة مواضع:
أحدها: إذا كان إمامًا في الجمعة؛ لأن الجماعة شرط في صحتها فيلزمه أن ينوي الإمامة وإلا بطلت عليه؛ لانفراده، وعليهم لبطلانها عليه.
ثانيها: الجمع ليلة المطر خاصة؛ لأنه لا بد فيه من الجماعة. . .
ثالثها: الصلاة في الخوف الذي أُدِّيت فيه على هيئتها بطائفتين؛ إذ لا تصح كذلك إلا بجماعة، فإن لم ينو الإمامة بطلت على الطائفتين وعلى الإمام.
رابعها: الإمام المستخلف يلزمه أن ينوي الإمامة؛ ليميز بين نية الإمامية والمأمومية، إذ شرط الاستخلاف أن يكون خلف الإمام جماعة فلو لم يكن خلفه إلا واحد لم يصح له الاستخلاف".
ومذهب الشافعية: أن نية الإمامة لا تجب إلا في الجمعة، أما ما عداها فمندوب، ومن تركها حرم فضيلة الجماعة.
انظر: "روضة الطالبين"، للنووي (١/ ٣٦٧)، وفيه قال: "لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة، سواء اقتدى به الرجال أو النساء. وحكى أبو الحسن العبادي عن أبي حفص البابشامي والقفال: أنه تجب نية الإمامة على الإمام. وأشعر كلامه بأنهما يشترطانها في صحة الاقتداء، وهذا شاذ منكر، والصحيح المعروف الذي قطع به الجماهير: أنها لا تجب. لكن هل تكون صلاته صلاة جماعة ينال بها فضيلة الجماعة إذا لم ينوها؟ وجهان. أصحهما: لا ينالها؛ لأنه لم ينوها". وانظر: "أسنى المطالب"، لزكريا الأنصاري (١/ ٢٢٦، ٢٢٧).
ومذهب الحنابلة على أنه يشترط نية الإمامة للإمام ونية الائتمام للمأموم.
انظر: "الروض المربع"، للبهوتي (ص: ٨٥)، وفيه قال: " (ويجب) للجماعة (نية) =стр. 1780
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَقَامِ المَأْمُومِ مِنَ الإِمَامِ، وَالأَحْكَامِ الخَاصَّةِ بِالمَأْمُومِينَ)
* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ) (١) .
أي: أنَّ موقف المأموم من الإمام إذا كانا اثنين فقط؛ إمام ومأموم، أن يقف المأموم عن يمين الإمام. الحواشي
(١) انظر في مذهب الأحناف: "درر الحكام"، لمنلا خسرو (١/ ٨٧)، وفيه قال: " (ويقف الواحد عن يمينه)، أي: يمين الإمام؛ "لأنه ﷺ صَلَّى بابن عباس ﵄ فأقامه عن يمينه"، ولا يتأخر عن الإمام في ظاهر الرواية".
انظر في مذهب المالكية: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (١/ ٢١٠)، وفيه قال: "والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه".
انظر في مذهب الشافعية: "الإقناع في حَلِّ ألفاظ أبي شجاع"، للشربيني (١/ ١٦٦)، وفيه قال: "ويُسن أن يقف الذكر ولو صبيًّا عن يمين الإمام، وأن يتأخر عنه قليلًا للاتِّباع، واستعمالًا للآداب".
انظر في مذهب الحنابلة: "شرح منتهى الإرادات"، للبهوتي (١/ ٢٨٠)، وفيه قال: " (ولا يصح) أن يقف الواحد (خلفه)؛ لأنه يكون فذًّا، (ولا) يصح أن يقف مأموم فأكثر (مع خلو يمينه)، أي: الإمام (عن يساره) إن صلى ركعة فأكثر؛ لأنه خالف موقفه لإدارته ﷺ ابن عباس وجابرًا لمَّا وَقَفَا عن يساره".стр. 1781
فما الحكم لو وقف عن يساره (١) ؟
علمنا أنَّ الرسولَ ﷺ نقل عبدَ اللَّه بن عباس مِن يساره إلى يمينه (٢) ، وكذلك أخذ بيد جابر بن عبد اللَّه فأداره حتى أقامه عن يمينه (٣) ، فعرفنا بذلك نصًّا أنَّ موقف الواحد يكون عن يمين الإمام.
وهذه المسألة لم يذكرها المؤلف؛ وهي لو جاء رجل ووقف عن يسار الإمام وأتم الصلاة؛ فهل تصح صلاته أم لا؟
اختلف العلماء في هذا؛ فجماهير العلماء يرون صحة الصلاة مع الكراهة، وهناك مَن منع ذلك، والذين أجازوا ذلك قالوا: إنَّ الرَّسُول ﷺ وإن نقل ابن عباس وجابر فإنَّه أقرهما؛ لأنَّهما لم يستأنفا الصلاة، فلم تفسد صلاتهم، مع أنَّهما دخلا عن يسار الرَّسُول ﷺ ، فهذه مسألة فرعية (٤) . الحواشي
(١) قال ابن المنذر بعد أن ذكر اتفاقهم على وقوف المأموم عن يمين الإمام: "وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: عن سعيد بن المسيب أنه قال: يُقيمه عن يساره. والقول الثاني. عن النخعي، وهو إذا كان الإمام خلفه رجل واحد فليقم من خلفه ما بين وبين أن يركع، فإن جاء أحد وإلا قام عن يمينه، فإذا كان اثنان قام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره". انظر: "الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف" (٤/ ١٧١).(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) أخرجه مسلم(٣٠١٠) عن جابر ﵁، وفيه قال: "ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يَسار رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه سلم- بيدينا جميعًا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه".(٤) ذهب الجمهور إلى أن المأموم إذا وقف عن يسار الإمام فإن هذا مكروه، لكن صلاته صحيحة، وخالف في ذلك الحنابلة، فقالوا ببطلان صلاته.
انظر في مذهب الأحناف: "بدائع الصنائع"، للكاساني (١/ ١٥٩)، وفيه قال: "ولو وقف عن يساره جاز؛ لأن الجواز متعلق بالأركان، ألا ترى أن ابن عباس وحذيفة ﵄ وَقَفَا في الابتداء عن يسار رسول اللَّه ﷺ ثم جوز اقتداءهما به؟ ولكنه يكره؛ لأنه ترك المقام المختار له، ولهذا حول رسول اللَّه ﷺ ابن عباس وحذيفة".стр. 1782
والمسألة التي معنا موقف الواحد يكون عن يمين الإمام، فإذا جاء اثنان فإنَّهما يقفان خلف الإمام (١) . الحواشي
(١) اتفق الفقهاء على أنهما إذا كانا اثنين فإنهما يقفان خلف الإمام، إِلا من وجه عند الحنابلة من أنه يجوز للإمام أن يتوسطهما في الصف.
انظر في مذهب الأحناف: "حاشية ابن عابدين" (١/ ٥٦٨)، وفيه قال: "إذا اقتدى بإمام فجاء آخر يتقدم الإمام موضع سجوده، كذا في "مختارات النوازل". وفي "القهستاني" عن الجلابي أن المقتدي يتأخر عن اليمين إلى خلف إذا جاء آخر. اهـ. وفي "الفتح": ولو اقتدى واحد بآخر، فجاء ثالث يجذب المقتدي بعد التكبير، ولو جذبه قبل التكبير لا يضره، وقيل: يتقدم الإمام. اهـ. ومقتضاه: أن الثالث يقتدي متأخرًا، ومقتضى القول بتقدم الإمام أنه يقوم بجنب المقتدي الأول. والذي يظهر أنه ينبغي للمقتدي التأخر إذا جاء ثالث فإن تأخر، وإلا جذبه الثالث إن لم يخش إفساد صلاته".
وانظر في مذهب المالكية: "الفواكه الدواني"، للنفراوي (١/ ٢١٠، ٢١١)، وفيه قال: " (و) مفهوم الواحد أنه يستحب أن (يقوم)، أي: يصلي (الرجلان فأكثر خلفه) =стр. 1783
ونُقل عن عبد اللَّه بن مسعود الصحابي الجليل: أنَّ الإمام يتوسطهما، فإنَّه قد صلى بصاحبيه الأسود وعلقمة فتوسطهما (١) .
ولكن المعروف - والذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة؛ كحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، وحديث جابر بن عبد اللَّه، وجَبَّار بن الحواشي
(١) أخرجه مسلم (٥٣٤/ ٢٦)، عن الأسود، وعلقمة، قالا: "أتينا عبد اللَّه بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا وطَبَّق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه".стр. 1784
صَخْر، وهو حديث صحيح (١) - أنَّ موقف الاثنين يكون وراء الإمام.
وهناك قضية أُنَبِّه عليها: الذين يرون أنَّ صلاة الواحد لا تصح عن يسار الإمام (٢) ، هؤلاء يُفَرِّقون بين أن يكون وراء الإمام أحد أو لا؟ فإن كان وراء الإمام أحد تصح الصلاة (٣) ، ويستدلون بقصة صلاة رسول اللَّه ﷺ مع أبي بكر في مرضه، فقد جاء الرَّسُول ﷺ فجلس عن يسار أبي بكر، وكان ﷺ مريضًا في ذاك الوقت وأبو بكر كان يصلي (٤) ؛ فاختلف العلماء مَن الإمام في تلك الصلاة؟ الحواشي
(١) تقدَّم تخريجه.(٢) وهم الحنابلة، كما سبق.(٣) هو وجه عند الحنابلة.
انظر: "المغني"، لابن قدامة (٢/ ١٥٦، ١٥٧)، وفيه قال: "فإن وقف عن يسار إمامه وخلف الإمام صف، أحتمل أن تصح صلاته؛ لأن النبي ﷺ جلس عن يَسَار أبي بكر، وقد روي أن أبا بكر كان الإمام، ولأن مع الإمام من تنعقد صلاته به، فصح الوقوف عن يساره، كما لو كان معه عن يمينه آخر، واحتمل أن لا تصح؛ لأنه ليس بموقف إذا لم يكن صف، فلم يكن موقفًا مع الصف كأمام الإمام". وانظر: "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" (٢/ ١١٢).
وكذلك قالوا بأن مَن صلى عن يسار الإمام لا تفسد صلاته إذا وقف أحد عن يمين الإمام.
قال ابن قدامة: "وأما إذا وقف عن يسار الإمام، فإن كان عن يمين الإمام أحد صَحَّت صلاته؛ لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، فلما فرغوا قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل. رواه أبو داود، ولأن وسط الصف موقف للإمام في حَقِّ النساء والعراة، وإن لم يكن عن يمينه أحد، فصلاة من وقف عن يساره فاسدة، سواء كان واحدًا أو جماعة". انظر: "المغني" (٢/ ١٥٥، ١٥٦). وانظر: "مطالب أولي النهى"، للرحيباني (١/ ٦٨٥).(٤) أخرجه البخاري(٧١٣) ، ومسلم (٤١٨/ ٩٥)، عن عائشة، قالت: "لما ثَقل رسول اللَّه ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مُروا أبا بكر أن يصلي بالناس. . . "، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه ﷺ في نفسه خِفَّة، فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ ، فجاء رسول اللَّه ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللَّه ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁".стр. 1785
والظاهر: أنَّ الإمام هو أبو بكر، لكن مِن العلماء مَن رأى أنَّ الإمام هو رسول اللَّه ﷺ ، وأنَّ أبا بكر كان مُبَلِّغًا عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنَّ أبا بكر أراد أن يتأخر، فأمره الرَّسُول أن يمكث في مكانه (١) . الحواشي
(١) اختلف الفقهاء في أيِّهما كان إمامًا في هذه الصلاة. فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الإمام كان الرسول ﷺ . وذهب الأحناف والمالكية إلى أن الإمام كان أبا بكر ﵁.
انظر في مذهب الشافعية: "المجموع شرح المهذب"، للنووي (٤/ ٢٦٥)، حيث ذكر رواية صلاة النبي خلف أبي بكر، فقال: "فجاء فجلس عن يسار أبي بكر فكان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر"، رواه البخاري ومسلم، هذا لفظ إحدى روايات مسلم، وهي صريحة في أن النبي ﷺ كان الإمام، لأنه جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: "يُصلي بالناس"، ولقوله: "يقتدي به أبو بكر".
وانظر في مذهب الحنابلة: "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"، للمرداوي (٢/ ٣٨)، وفيه قال: "قال المجد في "شرحه"، وابن تميم، وصاحب، "مجمع البحرين": لا تختلف الروايات عن الإمام أحمد أن النبي ﷺ لما خرج من مرضه بعد دخول أبي بكر في الصلاة: أنه كان إمامًا لأبي بكر، وأبو بكر كان إمامًا للناس".
وانظر في مذهب الأحناف: "المعتصر من المختصر"، لأبي المحاسن الملطي (١/ ٧٣، ٧٤)، وفيه قال: "وقد روى عنها قالت: "صَلَّى النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا". وروى عنها: "أن أبا بكر صلى بالناس ورسول اللَّه ﷺ بالصف". ففي هذين الحديثين أنه ﷺ كان مصليًّا بصلاة أبي بكر مأمومًا فيها، ثم نظرنا في قول ابن عباس وعائشة فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، فوجدنا محتملًا أن المراد كان يصلي بقدر طاقته ﷺ عليها للمرض الذي كان فيه؛ إذ طاقة المريض ليس كطاقة الصحيح، وقد كانت السُّنَّة التي أُمر الأئمة بها أن يُصلوا بصلاة أضعفهم".
وانظر في مذهب المالكية: "الاستذكار"، لابن عبد البر (٢/ ١٧٣)، وفيه قال: "واحتج ابن القاسم في ذلك بأن قال: حَدَّثَنِي مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن رسول اللَّه ﷺ خرج وهو مريض، وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس إلى جنب أبي بكر؛ فكان أبو بكر هو الإمام، وكان رسول اللَّه ﷺ يصلي بصلاة أبي بكر، وقال: "ما ماتَ نبيٌّ حتى يَؤُمَّه رجلٌ مِن أُمَّته". قال ابن القاسم: قال مالك: والعمل عندنا على حديث ربيعة هذا، وهو أحبُّ إليَّ". وانظر: "البيان والتحصيل"، لأبي الوليد بن رشد (١/ ٣٣٣).стр. 1786
وسوف يأتي الكلام فيه مفصلًا -إن شاء اللَّه- في مسألة صلاة القائم خلف القاعد؛ يعني: إذا عجز الإمام الرَّاتب عن القيام وصلى قاعدًا، هل يصلي المأمومون وراءه قعودًا أم لا؟ فهذه مسألة فيها خلاف كبير، وهي من المسائل الكبرى التي تعرض لها العلماء.
* قوله: (اتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ (١) ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ (٢) ، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً سِوَى الإِمَامِ قَامُوا وَرَاءَهُ (٣) . وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ) (٤) .
١ - إن كان واحدًا وقف عن يمين الإمام (٥) .
٢ - وإن كانوا أكثر من اثنين سوى الإمام وقفوا وراء الإمام دون خلاف (٦) .
٣ - إنَّما الخلاف فيما لو كانوا ثلاثة وفيهم الإمام: فالصحيح المعروف أن يكونا وراء الإمام (٧) .
وقد علمنا أنَّ ابن مسعود صلى بصحابيه فتوسطهما، فهذا دليل لمن يجيز توسط الإمام بين المأمومين (٨) .
وهناك فروع كثيرة فيمن صلى عن يسار الإمام، وسيأتي الكلام الحواشي
(١) سبق ذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة.(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) انظر: "الإقناع في مسائل الإجماع"، لابن القطان (١/ ١٤٧)، وفيه قال: "وكذلك أجمعوا إن كانوا ثلاثة سوى الإمام أن يقوموا خلفه".(٤) سبقت هذه المسألة، وأنَّ مذهب الجميع على أنهما يقفا خلف الإمام، إِلَّا من وجه عند الحنابلة من أنه يجوز للإمام أن يتوسطهما في الصف.(٥) سبقت.(٦) سبقت.(٧) سبقت.(٨) تقدَّم تخريجه.стр. 1787
-أيضًا- في صلاة الفذ؛ أي: الفرد خلف الصف (١) ، وهذه من المسائل الجوهرية التي يقع فيها المسلمون كثيرًا، وهي ليست من المسائل السهلة؛ لأنَّ الكلام فيها: هل تصح الصلاة أم لا؟
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا يَقُومَان خَلْفَ الإِمَامِ (٢) .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣) ، وَالكُوفِيُّونَ (٤) : بَلْ يَقُومُ الإِمَامُ بَيْنَهُما. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ).
أمَّا حديث ابن مسعود فهذا مختلف فيه؛ رفعًا ووقفًا (٥) . الحواشي
(١) الفذ: "الفاء والذال كلمة واحدة تدل على انفراد وتفرق. من ذلك الفذ، وهو الفرد". انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (٤/ ٤٣٨).(٢) سبق ذكر هذا. وهو مذهب الحنابلة، كما سبق.(٣) الثابت عن الأحناف كما سبق أنهما إذا كانا اثنين فإن الإمام يتقدهما، وخالف أبو يوسف فقال بتوسط الإمام لهما.
قال القدوري: "ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه، فإن كان اثنين تقدم عليهما". انظر: "مختصر القدوري" (ص: ٢٩).
وذكر المرغيناني خلاف أبي يوسف، فقال: "وإن أَمَّ اثنين تَقَدَّم عليهما"، وعن أبي يوسف ﵀ يتوسطهما، ونقل ذلك عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. ولنا: أنه ﵊ تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما، فهذا للأفضلية، والأثر دليل الإباحة". انظر: "الهداية في شرح بداية المبتدي".(٤) انظر: "إكمال المعلم بفوائد مسلم"، للقاضي عياض (٢/ ٦٣٦)، وفيه قال: "وقوله: "فصففتُ أنا واليتيمُ وراءه، والعجوزُ مِن ورائنا": حجة لكافة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، خلافًا لأبي حنيفة والكوفيين في قولهم: يكونان عن يمينه ويساره، وقد تقدم هذا".
وهو قول عند الحنابلة كما سبق.(٥) قال ابن عبد البر: "وهذا الحديث لا يصحُّ رفعه، والصحيح عندهم فيه التوقيف على ابن مسعود أنه كذلك صلى بعلقمة والأسود، وحديث أنس أثبت عند أهل العلم بالنقل، واللَّه أعلم". انظر: "التمهيد" (١/ ٢٦٧).
وذكر الجويني عن الشافعي وجهًا آخر في الرد على حديث ابن مسعود، فقال: =стр. 1788
وأمَّا الآخر، لا (١) .
* قوله: (أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى قُمْنَا خَلْفَهُ") (٢) .
وهذه من الأمور التي يَستدل بها العلماء على أنَّ الحركة لمصلحة الصلاة لا تُؤثر (٣) .
فانظروا جاء ابن عباس فوقف عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، والرَّسُول ﷺ أخذ بذؤابته (٤) ، ورَدَّه إلى الوراء قليلًا، ثم جاء به فأقامه عن يمينه، وأنَّه فعل ذلك مع جابر؛ حيث نقله من اليسار إلى اليمين، ثم جاء جابر فوقف عن يساره، فدفعهما بعد ذلك إلى الوراء (٥) ، فهذه حركات الحواشي
(١) وهو حديث جابر الذي سيذكره المؤلف.(٢) تقدَّم تخريجه.(٣) قال ابن عبد البر: "وفيه أن العمل القليل في الصلاة لا يضرُّها؛ مثل: المشي إلى الفُرج، والتقدم اليسير، والتأخر، إذا كان ذلك مما ينبغي عمله في الصلاة؛ لأن السنة في الجماعة خلف الإمام في أن الواحد يقوم عن يمينه إِلَّا أن الاثنين مختلف فيهما والثلاثة فما زاد". انظر: "الاستذكار" (٢/ ٢٧٣).(٤) الذؤابة: الضفيرة، وكل خصلة من خصل الشعر تضفر قواها فهي ضفيرة، وجمعها: ضفائر. انظر: "تهذيب اللغة"، للأزهري (١٢/ ١٠).(٥) تقدَّم تخريجه.стр. 1789
متعددة حصلت من رسول اللَّه ﷺ لأمر فيه مصلحة للصلاة؛ أَلَا وهو تعليم مَن يحتاج إلى التعليم في حالة الصلاة، إذًا للإمام أن يُعلِّم في الحالات التي لا تُؤثر على بطلان الصلاة.
وسيأتي الكلام -إن شاء اللَّه- عن الحركة في الصلاة، لكن الحركة التي تكون أحيانًا لغير مصلحة لا تنبغي؛ لأنَّ كثرة الحركة في الصلاة ترجع إلى خشوع الإنسان أو عدم خشوعه، فكلما كان قلب المؤمن خاشعًا مستكينًا منقادًا تجد أنَّ الخشوع يعلوه، وأنَّ الطمأنينة تستقر في قلبه، فتراه ساكنًا مُستقرًّا؛ كأنَّه شيء منصوب لا يتحرك؛ لماذا؟ لأنَّه ربط صلته باللَّه في هذا المقام العظيم، لكننا نجد من المأمومين من يتحرك؛ يرفع غترته ويضعها، أو يدخل يده في جيبه، ويحرك ساعته، أو ينظر ويأخذ قلمًا، ويرفع ثوبه، هذه من الحركات التي لا تنبغي في الصلاة؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]. ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يُكثر الحركة (١) ، قال: "لو خَشَع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه" (٢) .
فكلما كان قلب المرء مشغولًا بأمور الدنيا منصرفًا عمَّا هو فيه تجد أنَّه يتحرك حركات؛ كأن لم يكن في الصلاة، وكلما كان الإنسان مرتبطًا الحواشي
(١) لم أقف عليه من قول عمر ﵁.(٢) أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" مرفوعًا (٣/ ٢١٠)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه"، وقال الألباني: "موضوع". انظر: "إرواء الغليل"(٣٧٣) .
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٤٨٢)، قال: "رأى سعيد بن المسيب رجلًا وهو يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه"، وضعفه الألباني حيث قال: "والمعروف أنه من قول سعيد، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وفيه رجل لم يُسم. وقال ولده: فيه سليمان بن عمرو مُجمع على ضعفه". انظر: "إرواء الغليل" (٢/ ٩٣).стр. 1790
بالصلاة مستقر القلب مستكينًا، فإنَّك لا ترى تلك الحركات عليه، وثواب الصلاة لا شَكَّ يزيد بزيادة خشوعها، ويقل -أيضًا- بنقصانه، وليس معنى هذا أنَّ الإنسان يتحرك كما يحلو له، وأنَّ ذلك لا يؤثر.
* قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ فَقَامَ وَسَطَهُمَا، وَأَسْنَدَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ).
هذا روي مرفوعًا (١) وموقوفًا، والمشهور إنَّما هو الموقوف (٢) .
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ).
يقصد بأبي عمر: ابن عبد البر؛ الإمام المشهور، أحد العلماء الذين اعتمد عليهم المؤلف كثيرًا في نقل آراء العلماء والاستدلال عليها.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَاخْتَلَفَ رُوَاةُ الحَدِيثِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَوْقَفَهُ، وَبَعْضُهُمْ أَسْنَدَهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (٣) .
وَأَمَّا أَنَّ سُنَّةَ المَرْأَةِ أَنْ تَقِفَ خَلْفَ الرَّجُلِ أَوِ الرِّجَالِ إِنْ كَانَ الحواشي
(١) أخرجه مسلم (٥٣٤/ ٢٨) بإسناده، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، أنهما دخلا على عبد اللَّه، فقال: "أصلى من خلفكم؟ قال: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى، قال: هكذا فعل رسول اللَّه ﷺ ". قال الزيلعي: "وقال النووي في "الخلاصة": الثابت في "صحيح مسلم" أن ابن مسعود فعل ذلك، ولم يقل: هكذا كان رسول اللَّه ﷺ يفعله". انظر: "نصب الراية"، للزيلعي (٢/ ٣٣).
وأخرجه أبو داود(٦١٣) ، عن هارون بن عنترة، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، قال: "استأذن علقمة، والأسود، على عبد اللَّه، وقد كنا أطلنا القعود على بابه، فخرجت الجارلة، فاستأذنت لهما فأذن لهما، ثم قام فصلى بيني وبينه، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللَّه ﷺ فعل". وصححه الألباني في: "إرواء الغليل"(٥٣٨) .(٢) سبق ذكره.(٣) سبق ذكره.следующие страницы →