← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وكلنا يرى أنَّ سعادته وفوزه واطمئنان نفسه في هذه الحياة ببره بوالديه إن وفقه اللَّه فأدركهما أو أدرك أحدهما، فهذه سعادة لا تدانيها سعادة، وطمأنينة لا تساويها طمأنينة، ومن يفعل ذلك يحصل على ثواب جزيل، وعطاء كبير من اللَّه ، فاللَّه تعالى سيرفعه ببره درجات، وسيجد ذلك ظاهرًا جليًّا في بر أبنائه به، فاللَّه لا يُضيع أعمالهم، واللَّه تعالى قد قرن طاعة الوالدين بطاعته فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وأحد الأبوين إنَّما هي امرأة؛ والمرأة لها رسالة: ورسالتها أن تبقى في بيتها لتتولى تربية أبنائها، وتنشئهم التنشئة الصالحة، ونحن نعلم أنَّ البذرة الصالحة لا تنمو إلا بسقي ورعاية، وفي أرض طيبة صالحة، فإذا كانت الأم طيبة، وعنيت بأبنائها ذكورًا وإناثًا، وربتهم تربية صالحة، فإنها تقدم بذلك خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي، إذًا هي جوهرة مصونة، والإسلام عندما أمرها أن تقيم في بيتها، وأن تحفظ نفسها من السهام المسمومة إنَّما أراد لها العزة والكرامة، ولم يُرد لها الذل والمهانة، كما كان الحال في الجاهلية: قال جل وعلا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ونهاها عن إبداء الزينة فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وهذا النهي لتحفظ المرأة كرامتها، فالإسلام إذًا يحفظها، أمَّا ما يشوش به أعداء الإسلام من غير المسلمين، أو ممن -للأسف- ينتسبون إلى جلدتنا، ويتسمَّون باسم الإسلام، ويقدحون فيه، وأنَّه ليس فيه عدالة، وأنَّه مَيَّز الرجل عن المرأة، لم يدركوا دور هذا الدين، ولا سُمُوَّه، ولم يدركوا جلالته وعظمته؛ لأنَّ هذا الدين إنَّما هو دين جامع عند اللَّه ، فهو الذي أنزله على محمد بن عبد اللَّه، وهو يعلم ما يصلح هذا البشر: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. إذًا كون المرأة لا ترث إلَّا نصف الرجل؛ لأنَّ المرأة لا تتحمل

стр. 1752

مسؤولية الرجل، وكون المرأة شهادتها في بعض الأمور على النصف من شهادة الرجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاللَّه بَيَّنَ الحكمة في ذلك؛ كونها قد تضل في هذا المقام، والإسلام لم يُقدم المرأة في الولاية؛ لأنَّ الولاية تحتاج إلى قوة وعزيمة، وهذه تتوفر في الرجال ولا تتوفر في النساء، فالمرأة عندها عاطفة ورقة فلا تستطيع أن تنهض بما ينهض به الرجال، لذلك لما طلب أبو ذر ﵁ الإمارة -وهو من خِيرة الصحابة، وممن أثنى عليهم رسول اللَّه ﷺ قال له: "يا أبا ذر، إنَّك رجل ضعيف، وإنَّها أمانة" (١). فالرسول ﷺ أرشده إلى أمرٍ مهم، أنَّ الإمارة تحتاج إلى قوة، وأنَّ من ينهض بها يحتاج أن يكون من أهلها، فالصلاح وحده لا يكفي، قد يوجد الصلاح في المرء لكنَّه لا يستطيع أن يسوس الناس، وأن يقودهم إلى ما فيه الخير، فإذا وجد في الإنسان ضعف فإنَّ ذلك يؤثر على سياسته، ويوجد في الإسلام ما يُعرف بالسياسة الشرعية (٢)، فالإمامة إنَّما هي تقدم على الناس، هنا فيما يتعلَّق بالإمامة في الصلاة، وهي نوع من أنواع الإمامة؛ لأنَّ هذا رجل يتقدم في الناس فيقتدون به، فينبغي أن تتوفر فيه شروط، منها: أن يكون من أهل الصلاح، وأن يكون أمينًا (٣)، لذلك بيَّنَ الرسولُ ﷺ أنَّ الإمام ضامن (٤).

стр. 1753

لذلك دائمًا يختار فيمن يصلي بالناس أن يكون من أهل الخير والصلاح والتقى، ولذلك تبين في مسألة إمامة الصغير أنَّ من العلماء من قال: لا تصح إمامة الصغير؛ لأنَّ في الصلاة أمورًا ربما أخل هذا الصغير ببعضها؛ فيترتب على ذلك فساد الصلاة (١). إذًا جماهير العلماء؛ ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: لا يجوز للرجال أن يُقدموا امرأة لتؤمهم؛ لا في فرض، ولا في نفل (٢). وهناك مَن قال بجواز إمامتها، وقد ذكر المؤلف منهم: ابن جرير الطبري (٣)،

стр. 1754

وأبو ثور (١)، والمزني من الشافعية (٢)، لكن ليس معنى هذا أننا إذا وجدنا قولًا لبعض العلماء نأخذ به، فهؤلاء من أئمة الأعلام، وعندما قالوا بجواز إمامة المرأة؛ ما قالوا ذلك تشهيًّا، فينبغي أن ننتبه، فلهم وجهة نظر، ولهم تعليل، لكن لا يلزم أن يكون دليل الإنسان أو تعليله مُسَلَّمًا، فقد يستدل لهم بحديث أم ورقة الذي جاء في "سنن أبي داود" وغيره، أنَّ الرَّسُول ﷺ جعل لها مُؤذنًا، وأمرها أن تؤم أهلَ دارها (٣)، فما وجه الدلالة من هذا الحديث لهؤلاء؟ وجه الدلالة أنَّهم قالوا: أمرها أن تؤم أهل دارها، فقد أطلق، قالوا: وأهل دارها فيهم الذكر والأنثى، ففي ذلك دليل على أنَّ المرأة تؤم الكل (٤).

стр. 1755

وقالوا: ولأنَّ المرأة معتبرة في الصلاة؛ لأنَّها تصلي مع الجماعة وتقف وراءهم، إذًا فهي معتبرة في الإمامة، ولأنَّه إذا وجد امرأة قارئة، ولم يوجد من الرجال مَن هو قارئ، والقراءة ركن في الصلاة، فينبغي أن تصلي بهم المرأة؛ لذلك وُجِد في مذهب الحنابلة أنَّه إذا لم يوجد من الرجال قارئ أنَّ للمرأة أن تؤم، هذا قولٌ للحنابلة (١)، وليس هذا القول هو المعروف أو المصحح في المذهب، لكن تؤم في صلاة التراويح وليس في الفرائض، وبشترطون أن تتأخر عن الرجال (٢).

стр. 1756

وهنا يقع الخلاف في موقف المأموم من الإمام، هل يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام أو لا؟ في هذه المسألة خلاف، وأظن أنَّ المؤلف سيعرض لها، لكن نشير إشارة يسيرة إلى أنَّ جماهير العلماء من الأحناف، والشافعية والحنابلة يقولون: لو تقدم المأموم على الإمام فسدت صلاته (١). والمالكية يجيزون ذلك، ويقولون: لو تقدم مأموم أو مأمومون على إمام لجاز ذلك (٢).

стр. 1757

ومن العلماء من جوز ذلك للحاجة، وهو رأي في مذهب الحنابلة (١)، كما نرى في ازدحام الناس أيام الحج، أو في حالة ضيق المكان، وغير ذلك إذا وجدت علة (٢).

стр. 1758

أمَّا القول الصحيح في ذلك: فإنَّه لا ينبغي أن يتقدم المأموم على الإمام (١). وجماهير العلماء يقولون: إنَّ المرأة لا يجوز لها أن تؤم الرجال، وإن صلى رجال وراء امرأة فصلاتهم غير صحيحة (٢)، بل من العلماء مَن يرى أنَّ المرأة لو صَفَّت مع الرجل في صف واحد لبطلت الصلاة كما عند الحنفية (٣). وإن كان الجمهور لا يرون بطلان الصلاة، لكن الحنفية في مذهبهم أنَّ صلاة الرجل تبطل لو صفت المرأة معه، أمَّا جمهور العلماء فلا يرون بطلان ذلك (٤)، فما بالكم إذا تقدمت.

стр. 1759

إذًا هناك من يمنع أن تؤم المرأة الرجال مطلقًا، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا" وهذا هو رأي جماهير العلماء (١). وهناك من يجيز ذلك، وهذا قوله لمن يجيز ذلك مطلقًا؛ وهو قوله أبي ثور، والمزني، وابن جرير الطبري المفسر المشهور، وهناك من يجيز إمامة المرأة في الفرائض عند الحاجة؛ والحاجة أن تكون قارئة وهم لا يقرؤون، وأن تكون وراء الرجال (٢). ثم نعود إلى حديث أم ورقة؛ وفيه: "أن تؤم أهل دارها"، فقالوا: أهل دارها يشمل الرجال والنساء، لكن جاء في رواية عند الدارقطني: "أن تؤم نساء دارها" (٣). قالوا: وهذه زيادة، والأخذ بها متعين، قالوا: لو لم يرد ذلك لكان المفهوم أنَّ القصد بذلك هو أن تؤم المرأة نساء مثلها (٤).

стр. 1760

والمرأة إذا أَمَّت النساء فإنها تتوسطهنَّ (١). واستدلوا بحديث: "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" (٢)، وهذا الحديث فيه كلام، فلو صحَّ لزال كل خلاف، وإن كنا نرى أنَّ إمامة المرأة للرجال لا تصح مُطلقًا، وهذا هو الرأي الصحيح، وهو قول الأئمة الأربعة، وهذا

стр. 1761

أمر قد اشتهر، ولم يُعلم أنَّ امرأة أَمَّت رجالًا، ولو ثبت ذلك لنُقل إلينا، ولو كان ذلك جائزًا لبيَّنه الرَّسول ﷺ ؛ لأنَّه حكم شرعي، والحكم الشرعي يجب بيانه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، والرسول مُبَلِّغ مُبين عن اللَّه تعالى، وهو لا يؤخر البيان عن وقته (١). وقد ورد عن الرَّسُول ﷺ : "لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا" (٢)، وجاء في أثر عبد اللَّه بن مسعود: "أخروهنَّ من حيث أخرهنَّ اللَّه" (٣). فالمرأة تؤخر عن الرجال، لا لنقص فيها كما قلنا، ولكن هذه هي منزلتها، ولذلك في الحديث الصحيح: "خبرُ صفوف الرجال أولها، وآخرها شرُّها، وخبر صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٤). ولا ننسى أنَّ الرَّسُول ﷺ أَذِن أن يُتخذ لأم ورقة مُؤذنًا يُؤذن لها، لذلك يقول الجمهور: لا يجوز لها أن تؤذن لنفسها (٥)، كذلك لا يجوز لها

стр. 1762

أن تؤم الرجال، يعني: من باب أولى (١)، وقاسوا ذلك -أيضًا- على الرجال. وهناك مسألة تتفرع عن هذه، ولكن لم يذكرها المؤلف؛ وهي: للرجل أن يؤم النِّساء اللاتي هو مَحرم لهنَّ، وكذلك النساء اللاتي معهنَّ رجال؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ كان يؤم الرجال ويوجد النساء، وكذلك الصحابة (٢).

стр. 1763

ولذلك عائشة ﵂ بيَّنت أنَّ النساء كن يخرجن متلفعات لا يُعرفن من شدة الغلس (١)، وقالت: "لو رأى رسولُ اللَّه ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" (٢). إذًا يصلين، لكن القصد ألَّا يخلو رجل أجنبي بنساء وحده، وأمَّا في المساجد فغير ممنوع. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَتِهَا النِّسَاءَ، فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَمَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ) (٣). فأمَّا إمامتها النساء فأجاز ذلك الشافعي (٤)، وأحمد (٥)، ومعلوم أنَّ أم

стр. 1764

ورقة كانت تؤم (١). وقيل: عن عائشة أنها أَمَّت (٢)، وكذلك حفصة (٣)، ونُقل عن أبي حنيفة أنَّ إمامتها للنساء تجوز مع الكراهة (٤). * قوله: (وَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ). وكذلك المزني. * قوله: (فَأَجَازَا إِمَامَتَهَا عَلَى الإِطْلَاقِ). وكما قال المؤلف يُعتبر قولهم قولًا شاذًّا (٥). * قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهَا أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ؛ وَلأَنَّهُ أَيْضًا لَمَّا كَانَتْ سُنَّتُهُنَّ

стр. 1765

فِي الصَّلَاةِ التَّأْخِيرَ عَنِ الرِّجَالِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ يَجُوزُ لَهُنَّ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "أَخِّرُوهُنَّ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ") (١). هذا الحديث موقوف على عبد اللَّه بن مسعود، وليس بمرفوع، أخرجه عبد الرزاق (٢). * قوله: (وَلذَلِكَ أَجَازَ بَعْضُهُمْ إِمَامَتَهَا النِّسَاءَ إِذْ كُنَّ مُتَسَاوِيَاتٍ فِي المَرْتبَةِ فِي الصَّلَاةِ) (٣). إنَّما يقصد أنَّه كالحال بالنسبة للرجال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه" (٤)، فكذلك الحال بالنسبة للنساء. * قوله: (مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ (٥). وَمَنْ أَجَازَ إِمَامَتَهَا، فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ وَرَقَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا، وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا" (٦). وَفِي هَذَا البَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ؛ أَعْنِي: اخْتِلَافَهُمْ فِي الصِّفَاتِ المُشْتَرَطَةِ فِي الإِمَامِ؛ تَرَكْنَا ذِكرَهَا لِكَوْنِهَا مَسْكُوتًا عَنْهَا فِي الشَّرْعِ).

стр. 1766

فالمؤلف هنا لم يذكر إلَّا قليلًا من كثيرٍ، فلم يُعرج على جميع جزئيات مسائل هذا الباب المتعلق بالإمامة، وإنَّما ذكر أصول هذا الباب، لذلك سيذكر (السموع)؛ أي: ما نطق به النَّص، كما يذكر ذلك أحيانًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسُّنَّة" (١). إذًا أخذ ما يتعلَّق بالقراءة، لكنَّه لم يتطرق للجزئيات الأخرى المتعلقة بذلك، ومنها التي تتعلق بالورع والصلاح، وغير ذلك. * قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَصْدُنَا فِي هَذَا الكِتَابِ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ المَسَائِلِ المَسْمُوعَةِ، أَوْ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالمَسْمُوعِ). يريد ما نطق به النَّصُّ: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب اللَّه"، "لا صلاةَ لفرد خلف الصف" (٢). هذه نطق بها الرَّسُول، أو ما هو قريب من ذلك مما هو قريب من النص؛ يعني يقصد به ما نص عليه، أو ما يوافق ذلك المنصوص عليه، وهو ما نعرفه من مفهوم الموافقة، أمَّا المسائل التي تتفرع عن ذلك فلم يَعرض لها، ولذلك ذكرنا من قبل أنَّه ذكر في كتاب القذف؛ فقال: "إن أنسأ اللَّه في عمري -يعني: إن أمد اللَّه في عمري- فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك"، فلم يكتب في الفروع، وإنَّما كتب في الأصول (٣).

стр. 1767

وذكرنا أنَّ العلماء السابقين يعتبرون هذا الكتاب كتاب قواعد وليس كتاب فقه (١). وأنا أقصد بالقواعد هنا: القواعد الفقهية، لذلك يقسم العلماء المجموعة الفقهية إلى ثلاثة أقسام: أصول فقه -قواعد فقهية- فروع فقهية، فالأصول هو فقه، لكن اصطلح العلماء على أن يُسموه أصولًا، واصطلحوا على تسمية الفروع: فروع فقه (٢)، واصطلحوا على تسمية القواعد: قواعد فقهية (٣)، وإلَّا فكلها تلتقي في شيء واحد، ولذلك تمثل مجموعة واحدة أصول، ثم يأتي بعده قواعد، ثم المسائل الفرعية الكثيرة التي تُمسك بها هذه القواعد، والتي تعتبر قواعد أصولية، وموازين

стр. 1768

يستخدمها الفقيه المجتهد حتى لا يزل عن معرفة الحق. [أَحْكَامُ الإِمَامِ الخَاصَّةُ بِهِ] قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَأَمَّا أَحْكَامُ الإِمَامِ الخَاصَّةُ بِهِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالسَّمْعِ؛ إِحْدَاهَا: هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ؟ أَمِ المَأْمُومُ هُوَ الَّذِي يُؤَمِّنُ فَقَطْ. وَالثَّانِيَةُ: مَتَى يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ؟ وَالثَّالِثَةُ: إِذَا ارْتُجَّ (١) عَلَيْهِ؛ هَلْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالرَّابِعَةُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ المَأْمُومِينَ. فَأَمَّا هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا فَرَغ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الكِتَابِ (٢)، فَإِنَّ مَالِكًا ذَهَبَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ، وَالمِصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ (٣). وَذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ

стр. 1769

إِلَى أَنَّهُ يُؤَمِّنُ كَالمَأْمُومِ سَوَاءً (١). وَهِيَ رِوَايَةُ المَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَي الظَّاهِرِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي "الصَّحِيحِ"، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا" (٣). وَالحَدِيثُ الثَّانِي: مَا أخرجَهُ

стр. 1770

مَالِكٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ ﵊: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فَقُولُوا: آمِينَ" (١). فَأَمَّا الحَدِيثُ الأَوَّلُ: فَهُوَ نَصٌّ فِي تَأْمِينِ الإِمَامِ. وَأَمَّا الحَدِيثُ الثَّانِي: فَيُسْتَدَلُّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُؤَمِّنُ لَمَا أُمِرَ المَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ الكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يُؤَمِّنَ الإِمَامُ؛ لِأَنَّ الإِمَامَ كَمَا قَالَ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (٢). إِلَّا أَنْ يُخَصَّ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الإِمَامِ: (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ)، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ الإِمَامِ فِي التَّأْمِينِ، وَيَكُونُ إِنَّمَا تَضَمَّنَ حُكْمَ المَأْمُومِ فَقَطْ (٣). ولَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ

стр. 1771

لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ يكون السَّامِعِ هُوَ المُؤَمِّنَ لَا الدَّاعِيَ (١). وَذَهَبَ الجُمْهُورُ لِتَرْجِيحِ الحَدِيثِ الأوَّلِ لِكَوْنِهِ نَصًّا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الإِمَامِ، وَإِنَّمَا الخِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَدِيثِ الآخَرِ فِي مَوْضِعِ تَأْمِينِ المَأْمُومِ فَقَطْ لَا فِي هَلْ يُؤَمِّنُ الإِمَامُ أَوْ لَا يُؤَمِّنُ؛ فَتَأَمَّلْ هَذَا (٢). وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُتَأَوَّلَ الحَدِيثُ الأَوَّلُ بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: "فَإِذَا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا"، أَيْ: فإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ (٣). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التَّأْمِينَ هُوَ الدُّعَاءُ. وَهَذَا عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ لِشَيْءٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ مِنَ الحَدِيثِ إِلَّا بِقِيَاسٍ، أَعْنِي: أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِهِ: "فَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ

стр. 1772

وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَأَمِّنُوا"، فَإِنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ الإِمَامُ (١). وَأَمَّا مَتَى يُكَبِّرُ الإِمَامُ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يُكَبِّرُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الإِقَامَةِ وَاسْتِوَاءِ الصُّفُوفِ، وَهُوَ مَذهَبُ مَالِكٍ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣) وَجَمَاعَةٍ (٤). وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ مَوْضِعَ التَّكْبِيرِ هُوَ

стр. 1773

قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الإِقَامَةَ، وَاسْتَحْسَنُوا تَكْبِيرَهُ عِنْدَ قَوْلِ المُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيِّ (٢)، وَزُفَرَ (٣). وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ وبِلَالٍ. أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ: "أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي" (٤). وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الكَلَامَ مِنْهُ كَانَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الإِقَامَةِ، مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ

стр. 1774

كَانَ إِذَا تَمَّتِ الإِقَامَةُ، وَاسْتَوَتِ الصُّفُوفُ حِينَئِذٍ يُكَبِّرُ (١). وَأَمَّا حَدِيثُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ "أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فكَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ". أَخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ (٢). قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ وَالإِقَامَةُ لَمْ تَتِمَّ (٣). وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الفَتْحِ عَلَى الإِمَامِ إِذَا ارْتِجَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَالِكًا (٤)، وَالشَّافِعِيَّ (٥)، وَأَكْثَرَ العُلَمَاءِ أَجَازُوا

стр. 1775

الفَتْحَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ (١). وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَدَّدَ فِي آيَةٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: أَيْنَ أُبَيٌّ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِي القَوْمِ؟ "، أَيْ: يُرِيدُ الفَتْحَ عَلَيْهِ (٢). وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُفْتَحُ عَلَى الإِمَامِ" (٣).

стр. 1776

وَالخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، وَالمَنْعُ مَشْهُورٌ عَنْ عَلِيٍّ (١)، وَالجَوَازُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَشْهُورٌ (٢). وَأَمَّا مَوْضِعُ الإِمَامِ فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوا أَنْ يَكُونَ أَرْفَعَ مِنْ مَوْضِعِ المَأْمُومِينَ، وَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا مِنْ ذَلِكَ اليَسِيرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٣). وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ؛ أَحَدُهُمَا:

стр. 1777

الحَدِيثُ الثَّابِتُ "أَنَّهُ ﵊ أَمَّ النَّاسَ عَلَى المِنْبَرِ؛ لِيُعَلِّمَهُمُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَزَلَ مِنْ عَلَى المِنْبَرِ" (١). وَالثَّانِي: مَا

стр. 1778

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ، فَجَذَبَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ (١)؟! وَقَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَنْوِيَ الإِمَامَةَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢): أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ (٣). وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَحْمِلُ بَعْضَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَنِ المَأْمُومِينَ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَنِ المَأْمُومِينَ (٤)).

стр. 1779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1780

(الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَقَامِ المَأْمُومِ مِنَ الإِمَامِ، وَالأَحْكَامِ الخَاصَّةِ بِالمَأْمُومِينَ) * قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: اتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ) (١). أي: أنَّ موقف المأموم من الإمام إذا كانا اثنين فقط؛ إمام ومأموم، أن يقف المأموم عن يمين الإمام.

стр. 1781

فما الحكم لو وقف عن يساره (١)؟ علمنا أنَّ الرسولَ ﷺ نقل عبدَ اللَّه بن عباس مِن يساره إلى يمينه (٢)، وكذلك أخذ بيد جابر بن عبد اللَّه فأداره حتى أقامه عن يمينه (٣)، فعرفنا بذلك نصًّا أنَّ موقف الواحد يكون عن يمين الإمام. وهذه المسألة لم يذكرها المؤلف؛ وهي لو جاء رجل ووقف عن يسار الإمام وأتم الصلاة؛ فهل تصح صلاته أم لا؟ اختلف العلماء في هذا؛ فجماهير العلماء يرون صحة الصلاة مع الكراهة، وهناك مَن منع ذلك، والذين أجازوا ذلك قالوا: إنَّ الرَّسُول ﷺ وإن نقل ابن عباس وجابر فإنَّه أقرهما؛ لأنَّهما لم يستأنفا الصلاة، فلم تفسد صلاتهم، مع أنَّهما دخلا عن يسار الرَّسُول ﷺ ، فهذه مسألة فرعية (٤).

стр. 1782

والمسألة التي معنا موقف الواحد يكون عن يمين الإمام، فإذا جاء اثنان فإنَّهما يقفان خلف الإمام (١).

стр. 1783

ونُقل عن عبد اللَّه بن مسعود الصحابي الجليل: أنَّ الإمام يتوسطهما، فإنَّه قد صلى بصاحبيه الأسود وعلقمة فتوسطهما (١). ولكن المعروف - والذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة؛ كحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، وحديث جابر بن عبد اللَّه، وجَبَّار بن

стр. 1784

صَخْر، وهو حديث صحيح (١) - أنَّ موقف الاثنين يكون وراء الإمام. وهناك قضية أُنَبِّه عليها: الذين يرون أنَّ صلاة الواحد لا تصح عن يسار الإمام (٢)، هؤلاء يُفَرِّقون بين أن يكون وراء الإمام أحد أو لا؟ فإن كان وراء الإمام أحد تصح الصلاة (٣)، ويستدلون بقصة صلاة رسول اللَّه ﷺ مع أبي بكر في مرضه، فقد جاء الرَّسُول ﷺ فجلس عن يسار أبي بكر، وكان ﷺ مريضًا في ذاك الوقت وأبو بكر كان يصلي (٤)؛ فاختلف العلماء مَن الإمام في تلك الصلاة؟

стр. 1785

والظاهر: أنَّ الإمام هو أبو بكر، لكن مِن العلماء مَن رأى أنَّ الإمام هو رسول اللَّه ﷺ ، وأنَّ أبا بكر كان مُبَلِّغًا عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنَّ أبا بكر أراد أن يتأخر، فأمره الرَّسُول أن يمكث في مكانه (١).

стр. 1786

وسوف يأتي الكلام فيه مفصلًا -إن شاء اللَّه- في مسألة صلاة القائم خلف القاعد؛ يعني: إذا عجز الإمام الرَّاتب عن القيام وصلى قاعدًا، هل يصلي المأمومون وراءه قعودًا أم لا؟ فهذه مسألة فيها خلاف كبير، وهي من المسائل الكبرى التي تعرض لها العلماء. * قوله: (اتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ (١)؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ (٢)، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً سِوَى الإِمَامِ قَامُوا وَرَاءَهُ (٣). وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ) (٤). ١ - إن كان واحدًا وقف عن يمين الإمام (٥). ٢ - وإن كانوا أكثر من اثنين سوى الإمام وقفوا وراء الإمام دون خلاف (٦). ٣ - إنَّما الخلاف فيما لو كانوا ثلاثة وفيهم الإمام: فالصحيح المعروف أن يكونا وراء الإمام (٧). وقد علمنا أنَّ ابن مسعود صلى بصحابيه فتوسطهما، فهذا دليل لمن يجيز توسط الإمام بين المأمومين (٨). وهناك فروع كثيرة فيمن صلى عن يسار الإمام، وسيأتي الكلام

стр. 1787

-أيضًا- في صلاة الفذ؛ أي: الفرد خلف الصف (١)، وهذه من المسائل الجوهرية التي يقع فيها المسلمون كثيرًا، وهي ليست من المسائل السهلة؛ لأنَّ الكلام فيها: هل تصح الصلاة أم لا؟ * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا يَقُومَان خَلْفَ الإِمَامِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَالكُوفِيُّونَ (٤): بَلْ يَقُومُ الإِمَامُ بَيْنَهُما. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ). أمَّا حديث ابن مسعود فهذا مختلف فيه؛ رفعًا ووقفًا (٥).

стр. 1788

وأمَّا الآخر، لا (١). * قوله: (أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى قُمْنَا خَلْفَهُ") (٢). وهذه من الأمور التي يَستدل بها العلماء على أنَّ الحركة لمصلحة الصلاة لا تُؤثر (٣). فانظروا جاء ابن عباس فوقف عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، والرَّسُول ﷺ أخذ بذؤابته (٤)، ورَدَّه إلى الوراء قليلًا، ثم جاء به فأقامه عن يمينه، وأنَّه فعل ذلك مع جابر؛ حيث نقله من اليسار إلى اليمين، ثم جاء جابر فوقف عن يساره، فدفعهما بعد ذلك إلى الوراء (٥)، فهذه حركات

стр. 1789

متعددة حصلت من رسول اللَّه ﷺ لأمر فيه مصلحة للصلاة؛ أَلَا وهو تعليم مَن يحتاج إلى التعليم في حالة الصلاة، إذًا للإمام أن يُعلِّم في الحالات التي لا تُؤثر على بطلان الصلاة. وسيأتي الكلام -إن شاء اللَّه- عن الحركة في الصلاة، لكن الحركة التي تكون أحيانًا لغير مصلحة لا تنبغي؛ لأنَّ كثرة الحركة في الصلاة ترجع إلى خشوع الإنسان أو عدم خشوعه، فكلما كان قلب المؤمن خاشعًا مستكينًا منقادًا تجد أنَّ الخشوع يعلوه، وأنَّ الطمأنينة تستقر في قلبه، فتراه ساكنًا مُستقرًّا؛ كأنَّه شيء منصوب لا يتحرك؛ لماذا؟ لأنَّه ربط صلته باللَّه في هذا المقام العظيم، لكننا نجد من المأمومين من يتحرك؛ يرفع غترته ويضعها، أو يدخل يده في جيبه، ويحرك ساعته، أو ينظر ويأخذ قلمًا، ويرفع ثوبه، هذه من الحركات التي لا تنبغي في الصلاة؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]. ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يُكثر الحركة (١)، قال: "لو خَشَع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه" (٢). فكلما كان قلب المرء مشغولًا بأمور الدنيا منصرفًا عمَّا هو فيه تجد أنَّه يتحرك حركات؛ كأن لم يكن في الصلاة، وكلما كان الإنسان مرتبطًا

стр. 1790

بالصلاة مستقر القلب مستكينًا، فإنَّك لا ترى تلك الحركات عليه، وثواب الصلاة لا شَكَّ يزيد بزيادة خشوعها، ويقل -أيضًا- بنقصانه، وليس معنى هذا أنَّ الإنسان يتحرك كما يحلو له، وأنَّ ذلك لا يؤثر. * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ فَقَامَ وَسَطَهُمَا، وَأَسْنَدَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ). هذا روي مرفوعًا (١) وموقوفًا، والمشهور إنَّما هو الموقوف (٢). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ). يقصد بأبي عمر: ابن عبد البر؛ الإمام المشهور، أحد العلماء الذين اعتمد عليهم المؤلف كثيرًا في نقل آراء العلماء والاستدلال عليها. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَاخْتَلَفَ رُوَاةُ الحَدِيثِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَوْقَفَهُ، وَبَعْضُهُمْ أَسْنَدَهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (٣). وَأَمَّا أَنَّ سُنَّةَ المَرْأَةِ أَنْ تَقِفَ خَلْفَ الرَّجُلِ أَوِ الرِّجَالِ إِنْ كَانَ
следующие страницы →