← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وسوف يأتي الكلام فيه مفصلًا -إن شاء اللَّه- في مسألة صلاة القائم خلف القاعد؛ يعني: إذا عجز الإمام الرَّاتب عن القيام وصلى قاعدًا، هل يصلي المأمومون وراءه قعودًا أم لا؟ فهذه مسألة فيها خلاف كبير، وهي من المسائل الكبرى التي تعرض لها العلماء. * قوله: (اتَّفَقَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الوَاحِدِ المُنْفَرِدِ أَنْ يَقُومَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ (١)؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ (٢)، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً سِوَى الإِمَامِ قَامُوا وَرَاءَهُ (٣). وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ) (٤). ١ - إن كان واحدًا وقف عن يمين الإمام (٥). ٢ - وإن كانوا أكثر من اثنين سوى الإمام وقفوا وراء الإمام دون خلاف (٦). ٣ - إنَّما الخلاف فيما لو كانوا ثلاثة وفيهم الإمام: فالصحيح المعروف أن يكونا وراء الإمام (٧). وقد علمنا أنَّ ابن مسعود صلى بصحابيه فتوسطهما، فهذا دليل لمن يجيز توسط الإمام بين المأمومين (٨). وهناك فروع كثيرة فيمن صلى عن يسار الإمام، وسيأتي الكلام

стр. 1787

-أيضًا- في صلاة الفذ؛ أي: الفرد خلف الصف (١)، وهذه من المسائل الجوهرية التي يقع فيها المسلمون كثيرًا، وهي ليست من المسائل السهلة؛ لأنَّ الكلام فيها: هل تصح الصلاة أم لا؟ * قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَا اثْنَيْنِ سِوَى الإِمَامِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا يَقُومَان خَلْفَ الإِمَامِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَالكُوفِيُّونَ (٤): بَلْ يَقُومُ الإِمَامُ بَيْنَهُما. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ). أمَّا حديث ابن مسعود فهذا مختلف فيه؛ رفعًا ووقفًا (٥).

стр. 1788

وأمَّا الآخر، لا (١). * قوله: (أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى قُمْنَا خَلْفَهُ") (٢). وهذه من الأمور التي يَستدل بها العلماء على أنَّ الحركة لمصلحة الصلاة لا تُؤثر (٣). فانظروا جاء ابن عباس فوقف عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، والرَّسُول ﷺ أخذ بذؤابته (٤)، ورَدَّه إلى الوراء قليلًا، ثم جاء به فأقامه عن يمينه، وأنَّه فعل ذلك مع جابر؛ حيث نقله من اليسار إلى اليمين، ثم جاء جابر فوقف عن يساره، فدفعهما بعد ذلك إلى الوراء (٥)، فهذه حركات

стр. 1789

متعددة حصلت من رسول اللَّه ﷺ لأمر فيه مصلحة للصلاة؛ أَلَا وهو تعليم مَن يحتاج إلى التعليم في حالة الصلاة، إذًا للإمام أن يُعلِّم في الحالات التي لا تُؤثر على بطلان الصلاة. وسيأتي الكلام -إن شاء اللَّه- عن الحركة في الصلاة، لكن الحركة التي تكون أحيانًا لغير مصلحة لا تنبغي؛ لأنَّ كثرة الحركة في الصلاة ترجع إلى خشوع الإنسان أو عدم خشوعه، فكلما كان قلب المؤمن خاشعًا مستكينًا منقادًا تجد أنَّ الخشوع يعلوه، وأنَّ الطمأنينة تستقر في قلبه، فتراه ساكنًا مُستقرًّا؛ كأنَّه شيء منصوب لا يتحرك؛ لماذا؟ لأنَّه ربط صلته باللَّه في هذا المقام العظيم، لكننا نجد من المأمومين من يتحرك؛ يرفع غترته ويضعها، أو يدخل يده في جيبه، ويحرك ساعته، أو ينظر ويأخذ قلمًا، ويرفع ثوبه، هذه من الحركات التي لا تنبغي في الصلاة؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ثم يقول بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]. ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يُكثر الحركة (١)، قال: "لو خَشَع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه" (٢). فكلما كان قلب المرء مشغولًا بأمور الدنيا منصرفًا عمَّا هو فيه تجد أنَّه يتحرك حركات؛ كأن لم يكن في الصلاة، وكلما كان الإنسان مرتبطًا

стр. 1790

بالصلاة مستقر القلب مستكينًا، فإنَّك لا ترى تلك الحركات عليه، وثواب الصلاة لا شَكَّ يزيد بزيادة خشوعها، ويقل -أيضًا- بنقصانه، وليس معنى هذا أنَّ الإنسان يتحرك كما يحلو له، وأنَّ ذلك لا يؤثر. * قوله: (وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ فَقَامَ وَسَطَهُمَا، وَأَسْنَدَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ). هذا روي مرفوعًا (١) وموقوفًا، والمشهور إنَّما هو الموقوف (٢). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ). يقصد بأبي عمر: ابن عبد البر؛ الإمام المشهور، أحد العلماء الذين اعتمد عليهم المؤلف كثيرًا في نقل آراء العلماء والاستدلال عليها. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَاخْتَلَفَ رُوَاةُ الحَدِيثِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَوْقَفَهُ، وَبَعْضُهُمْ أَسْنَدَهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (٣). وَأَمَّا أَنَّ سُنَّةَ المَرْأَةِ أَنْ تَقِفَ خَلْفَ الرَّجُلِ أَوِ الرِّجَالِ إِنْ كَانَ

стр. 1791

هُنَالِكَ رَجُلٌ سِوَى الإِمَامِ، أَوْ خَلْفَ الإِمَامِ إِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا، فَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا) (١). نعم، هذه المسألة لا خلاف فيها، وسنجدها أحد أدلة الجمهور الذين يُجيزون صلاة الفَذِّ خلف الصَّفِّ (٢). * قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ: النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا") (٣). فإذا كان مع الإمام واحد؛ سواء كان رجلًا -يعني: بالغًا- أو صبيًّا، فإنَّما موقفه يكون عن يمين الإمام، ثم بعد ذلك تكون المرأة خلفهما (٤).

стр. 1792

فلو دخل آخر فإنَّ الذي بجوار الإمام يرجع إليه، أم هل يتقدم الإمام؟ هذه مسألة: فأكثر العلماء أنَّه لا يتقدم إلَّا إذا كان المكان إلى الخلف ضيقًا، ويعود الذي عن يمين الإمام فينضم إلى صاحبه (١).

стр. 1793

لكن لو قدر أنَّه خلف الإمام اثنان فأصاب أحدهما عذرًا، بمعنى طرأ له حدث، فانصرف، فإنَّه يتقدم الذي خلف الإمام، ويقف عن يمينه. * قوله: (وَالَّذِي خَرَّجَهُ عَنْهُ -أَيْضًا- مَالِكٌ، أَنَّهُ قَالَ: "فَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ ﵊ وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا") (١). كثيرًا ما يقول المؤلف: خرَّجَه مالكٌ. فهي أحاديث متفق عليها، أو في غير "الصحيحين"، وسبب ذلك قلة اطِّلاع المؤلف على ما يتعلَّق بالحديث، فإنَّه يُركز كثيرًا على ما في "الموطأ". * قوله: (وَسُنَّةُ الوَاحِدِ عِنْدَ الجُمْهُورِ: أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ (٢)؛ لِحَدِيتِ ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ (٣). وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ عَنْ يَسَارِهِ) (٤). نُقل هذا عن سعيد بن المسيب، وهو رأي ضعيف في الحقيقة؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ لم يُقرَّ عبدَ اللَّه بن عباس على البقاء عن يساره، بل نقله وأداره وأخذ بذؤابته حتى وضعه عن يمينه (٥)، وكذلك لما جاء جابر بن عبد اللَّه

стр. 1794

أخذ بيده -أيضًا- ووضعه عن يمينه، ولما جاء جَبَّار بن صَخْر أخذ بأيديهما معًا ودفعهما إلى الخلف، فعمل صفًّا خلف الإمام (١)؛ لأنَّ موقف الإمام دائمًا في المقدمة، وتليه بعد ذلك الصفوف، وسنجد -أيضًا- أنَّ موقف الإمام وحده منفردًا في المقدمة أحد الأدلة التي يستدل بها الذين قالوا بجواز صلاة الفرد خلف الصف (٢). * قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ المَرْأَةَ الوَاحِدَةَ تُصَلِّي خَلْفَ الإِمَامِ) (٣) فالمرأة تصلي وراء الإمام إذا كان مَحْرَمًا، وأمَّا إن كان أجنبيًّا فلا يُصلي بالنساء وحده إلَّا إذا وُجد رجالٌ؛ كالصلوات التي تُقام في المساجد (٤). * قوله: (وَأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَعَ الرَّجُلِ صَلَّى الرَّجُلُ إِلَى جَانِبِ الإِمَامِ، وَالمَرْأَةُ خَلْفَهُ) (٥). إذًا، فقد بيَّنَ المؤلف جملة لا تفصيلًا موقف المأموم من الإمام: وأنَّ المأمومَ له أحوال، مرة يكون عن يمين الإمام إذا كان وحده، وإن كان معه واحد فأكثر فإنَّهم يقفون وراءه، وأنَّ موقف المرأة دائمًا يكون وراء صفوف الرجال، وخير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرُّها أولها (٦).

стр. 1795

والسبب في ذلك: هو أنَّ المرأة الأَوْلَى بها أن تبتعد عن الرجال، أمَّا الرجال فينبغي أن يتقدموا، وهو ما سيشير إليه المؤلف في هذه المسألة. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ مُرَغَّبٌ فِيهِ) (١). الصف الأول مُرغَّبٌ فيه؛ فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة صحيحة، ومن ذلك قوله ﵊: "لو يَعلم الناسُ ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٢)، حتى يصل بهم الأمر إلى أن يقوموا بالمساهمة (٣) على الصف الأول، فذلك دليل على فضله وأهميته، لذلك كان الرَّسُول ﵊ يقول: "لِيَليني منكم أُولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم" (٤). ولذلك تكلم العلماء عن هذه المسألة، وبينوا أنَّ الأولى تَقَدُّم الكبار، ثم الصغار، وهكذا (٥)، وكان

стр. 1796

يأتي إلى رسول اللَّه ﷺ كبار المهاجرين والأنصار (١). إذًا، الصفوف الأولى مرغب فيها (٢)، ولذلك من إتمام الصفوف أن يسد الإنسان الخلل، وألَّا يترك فرجة (٣). ولذلك كان السلف ﵃ يتسابقون ويسارعون إلى الصفوف الأولى، ولا شكَّ أنَّ ميمنة الصف الأول أفضل من يساره (٤). ولكن ليس معنى هذا أن ينتقل الإنسان إلى الصف الذي يلي الصف الأول؛ فيفضل الذي بعده (٥)، فقد كان الرَّسُول ﷺ يُوصي بإتمام الصف

стр. 1797

الأول فالذي يليه، فإن كان نقص فليكن في المُؤَخَّر (١)، وهكذا الحال في تتابع الصفوف؛ كل صف يعتبر بالنسبة للذي قبله هو الأول بالنسبة له. * قوله: (وَكَذَلِكَ تَرَاصُّ الصُّفُوفِ). فكان الرَّسُول ﵊ يوصي أصحابه بتراص

стр. 1798

الصفوف (١)، وكذلك إلصاق الأقدام بعضها ببعض، وكذلك المناكب (٢)، لذلك كان الرَّسُول ﷺ يقول: "لَتُسَوُّن صفوفكم، أو لَيُخالفن اللَّهُ بين وجوهكم" (٣). وكذلك: "أَلَا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة، يُتِمُّون الصَّفَّ الأول فالأول" (٤). وهناك أحاديث عِدَّة تحضُّ على تسوية الصفوف والعناية بها؛ لأنَّ الرَّسُول ﵊ قال: "سَوُّوا صفوفَكم؛ فإنَّ تسوية الصف من تمام الصلاة" (٥). إذًا، هذا أمر: "سَوُّوا صفوفكم"، ثم ذكر العلة فقال: "فإنَّ تسوية الصَّفِّ مِن تمام الصلاة"؛ أي: من كمالها، وهذه رواية متفق عليها (٦)،

стр. 1799

وفي رواية عند البخاري: "فإنَّ تسوية الصف من إقامة الصلاة" (١)، وفي ذلك إشارة إلى قول اللَّه : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، [النساء: ٧٧]، [يونس: ٨٧]، [النور: ٥٦]، [الروم: ٣١]، [المزمل: ٢٠]. إذًا، فإنَّ تسوية الصف من إقامة الصلاة هو إشارة إلى ما في الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، أي: أُمروا ليعبدوا اللَّه، وأُمروا ليقيموا الصلاة. إذًا هذا حضٌّ من الرَّسُول ﵊ على تسوية الصفوف؛ لذلك كان يُسَوِّيها ﵊، فكان يتفقد الصفوف (٢). ومن هنا ذكر العلماء تعاون المأمومين من باب الأمر بالمعروف، ومن باب التعاون على التقوى، وهذا لا يقتصر على الإمام وحده، وإنَّما ينبغي في حقِّ كل مأموم إن رأى مُتقدمًا أو متأخرًا ينبغي أن يُنبهه إلى ذلك (٣). وتسوية الصفوف لا تقتصر فقط على إقامتها، وإنَّما -أيضًا- إتمام الصف الأول فالأول؛ لأنَّ الرَّسُول قد أرشد إلى ذلك (٤). وكذلك تسوية الصفوف عن خَلل، أي: فراغات بين الصفوف، لذلك كان الرَّسُول ﷺ يقول: "رصُّوا صُفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيدِه، إني لأرى الشيطان يَدخل من خلل الصف، كأنَّها

стр. 1800

الحَذَف (١) " (٢). أي: كالغنم الصغير يتخلل صفوف الناس، والشيطان لا شكَّ يُدرك أنَّ أهم عبادة بعد الشهادتين إنَّما هي الصلاة، ولذلك يحاول قدر وسعه أن يُشوش على المؤمن، ويشغله عن صلاته، وأن يصرفه عنها، فعلى المؤمن ألَّا يُعطي فرصة لعدوه. ولا شكَّ -أيضًا- أنَّه ورد: "وَسِّطوا الإمامَ، وسدوا الخلل" (٣). إذًا الإمام يأتي في وسط الصف، بمعنى في موازاة وسط الصف، وينبغي كذلك أن يسد الخلل؛ لثبوت الأمر بذلك. • مسألة: واختلفوا إذا صلى إنسان خلف الصف وحده. فهذه من المسائل المهمة لأبواب الصلاة، وقد نقرأها فنراها مسألة صغيرة، لكن الأمر فيها أكبر مما قد يدور في خَلَد البعض؛ لأنَّ الخلاف فيها يترتب عليه صحة الصلاة من عدمه؛ فمِن العلماء مَن يرى أنَّه إذا صلى إنسان خلف الصف في غير اضطرار فإنَّ صلاتَه باطلة (٤)، وهناك مَن يرى صحة الصلاة (٥). وقد ورد في ذلك حديثان حَسَنَان استدل بهما العلماء، وهما نصَّان صريحان على عدم صحة صلاة الرجل المنفرد خلف الصف، وقد حَذَّر من ذلك الرَّسُول ﷺ ، وأمر بإعادة صلاة الرجل (٦). وفي الحديث الآخر: وقف ينتظر رجلًا يُصلي خلف الصف، فلمَّا

стр. 1801

فرغ قال له ﵊: "استقبل صلاتَك، لا صلاة للذي خلف الصَّفِّ" (١). فهذا صريحٌ جدًّا؛ لذلك اختلف العلماء في النفي هنا: فانقسموا في هذه المسألة إلى قسمين: فجمهورٌ يذهب إلى صحة صلاة الواحد خلف الصف، وقد قلنا كثيرًا: لا يعتبر القول صحيحًا لكثرة القائلين به، فقد نجد قولًا يقول به جمع من العلماء، ويكون الرأي المخالف مع قلة أصحابه، وهو الرأي الصحيح؛ لأنَّ القول متى يُقدم؟ يُقدم ما كان وفق الأدلة من الكتاب أو السنَّة. وقد صحَّ في ذلك أنَّ الرَّسُول ﷺ أنكر على من صلى خلف الصف، وأمره أن يُعيد الصلاة (٢). فأكثر العلماء يرون أنَّ صلاة الواحد خلف الصف تجوز؛ ومنهم الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة، ومالك، والشافعي) (٣). وفريق آخر يرى أنَّ صلاة الفرد خلف الصف لا تجوز، هذا من حيث الجملة، لكن الذين قالوا: لا تجوز (٤)؛ فَصَّلوا في ذلك، فقالوا: لو ركع خلف الصف، ثم أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من الركعة، فهذا لا يدخل في ذلك، وتُعتبر صلاته صحيحة، وقد أدرك الركعة، أو لو أحرم خلف الصف، فجاء آخر وانضم إليه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع (٥).

стр. 1802

لكن الخلاف فيمَنْ صلى ركعة أو أكثر خلف الصف، هذا هو الذي يتكلم فيه العلماء (١). أو من ركع دون الصف، ثم دَبَّ (٢) إلى الصف بعد أن رفع الإمام رأسه، هذه أيضًا فيها خلاف (٣). فالذين قالوا بعدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف جماعة؛ منهم الإمام أحمد، وجماعة من التابعين، وبعض الفقهاء؛ كإسحاق (٤)، وابن المنذر (٥)،

стр. 1803

وغيرهم (١). وأمَّا الذين قالوا بأنَّها جائزة وصحيحة؛ فاستدلوا بعدة أدلة (٢): أولها: صلاة المرأة خلف الصف في حديث أنس المتفق عليه: "فصففتُ أنا واليتيم خلفه، والعجوز من ورائنا" (٣). قالوا: كون المرأة تُصلي وحدها دليل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وفي هذا المقام الصلاة واجبة في حقها لا تختلف عن الرجل،

стр. 1804

إذًا صحة صلاة المرأة دليل على جواز صلاة المنفرد خلف الصف (١). ويستدلون -أيضًا- بصلاة الإمام؛ فيقولون: الإمام يَقدم النَّاسَ فيصلي وحده، والناسُ خلفه، إذًا هو منفرد وحده، ليس عن يمينه ولا شماله أحد، ففيه دليل على أنَّ مَن صلى وحده صحت صلاته (٢). ويستدلون بحديت أبي بكرة؛ الذي أخرجه البخاري وغيره: أنَّه جاء ورسول اللَّه ﷺ قد ركع، فركع دون الصف، ثم أخذ يَدُبُّ حتى دخل في الصف، فلمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ من صلاته، قال: "مَنِ السَّاعي؟ " قال أبو بكرة: أنا يا رسول اللَّه. فقال له: "زادك اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ" (٣). أي: لا تَعُد إلى مثل ذلك، فيقولون: إنَّ الرسولَ ﷺ لم يُبطل صلاته (٤). فلو نظرنا إلى صلاة الجماعة نظرة عامة؛ لماذا سُمِّيت بهذا الاسم؟ لأنَّ المصلين يفعلونها مكانًا وزمانًا؛ أي: يفعلونها في وقت واحد، وفي مكان واحد، هذا أمر معروف، فكل جماعة إذا جاءت لتؤدي الصلاة فإنَّها تؤديها في المسجد في وقت واحد، فلو أنَّهم صلوا أمام الإمام، أو تقدم الإمامَ بعضُهم، فعامة العلماء ينكرون ذلك، وأكثرهم يرون بطلان الصلاة، عدا المالكية (٥).

стр. 1805

ولو أنَّهم صلوا خلفه بعيدًا عنه، فيقع الخلاف -أيضًا- في صحة صلاتهم (١).

стр. 1806

والمسألة فيها تفصيل وكلام للعلماء، ولو أنَّهم صلوا واحدًا خلف واحدٍ، خالفوا تسوية الصفوف وإتمامها التي أرشد إليها رسول ﷺ ، بل لم ينقل عن السلف الصالح أنَّهم صلوا على هذا الشكل ولو مرة واحدة، وإنَّما يأتون يُتمُّون الصف الأول، ثم الذي يليه، وبهذا ننتهي إلى أنَّ صلاة الجماعة مطلوب فيها أن تُسوى الصفوف، وأن تتم، وألَّا ينتقل إلى الصف الثاني إلَّا عندما يتم ويمتلئ الصف الأول (١). فإذا ما جاء فرد فصلى خلف الصف مع وجود مكان، فكيف تصحُّ صلاته مع وجود النَّهي عن ذلك؟ هناك ظروف قد تحدث لكل إنسان، قد يأتي فيجد الصف الأول قد انتهى، والصف الثاني لا يوجد غيره، فيلتفت يمينًا ويسارًا لا يجد داخلًا، فإذا دخل معه أحدٌ زال الإشكال، فهل يجذب من في الصف؟ هذه مسألة يختلف فيها العلماء: بعض العلماء يرى الجذب، وإن كان فيه ردٌّ للمتقدم، وتأخير له، لكنَّهم يقولون: فيه إعانة على الخير، فإنَّ صاحبه المصلي سيستفيد من ذلك، ولا يعتبر تأخره قصدًا، والتعليل الآخر أنَّهم قالوا: هذا ردٌّ للإنسان بغير أخذ إذن، فهذا لا ينبغي، فهذه نظرة عامة (٢).

стр. 1807

لذلك نقول: إن لم يجد الإنسان من يصف معه فهذه حالة ضرورة، والقيام ركن، ويسقط مع العجز عنه، والقراءة ركن، وتسقط إذا عجز إنسان عنها، والركوع والسجود كذلك ركنان، ويسقطان مع العذر، إذًا إذا تعذر على الإنسان أن يَدخل صفًّا لكونه قد امتلأ، ولم يجد من يقف معه،

стр. 1808

فهذه حالة استثنائية؛ فيرى بعض العلماء صحة الصلاة (١). وخلاصة استدلال الذين قالوا بصحة صلاة الفرد خلف الصف: أولًا: وقوف المرأة وحدها. ثانيًا: وقوف الإمام. ثالثًا: حديث أبي بكرة. فما جوابهم عن الحديثين اللذين أشار المؤلف إلى أحدهما: الأول حديث وابصة بن معبد: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يُصَلِّي خلف الصف، فأمره أن يُعيد الصلاة". وهو حديث حَسَن (٢). إذًا فهو حجة، وقد احتج الذين خالفوا في تلك المسألة بأحاديث أقل درجة منه. إذًا هذا نصٌّ صريحٌ فيه إعادة الصلاة لمن صَلَّى خلف الصف. والدليل الثاني: حديث علي بن شيبان: أنَّ رسول اللَّه ﷺ عندما انصرف من صلاته رأى رجلًا يُصلي خلف الصف، فوقف نبي اللَّه ﷺ ينتظره، فلمَّا فرغ الرجل من صلاته، قال له: "استقبل صلاتَك؛ لا صلاةَ للذي خلف الصف" (٣). إذًا فالرسول ﷺ انتظره إلى أن انتهى، ثم أمره أن يُعيد الصلاة.

стр. 1809

ما جوابهم عن الحديثين: الجواب الأول: قالوا: نحن نُقر بصحة هذه الأحاديث، ونُسَلِّم بها، لكننا نقول: إنَّها محمولة على الاستحباب. وما توجيه ذلك؟ قالوا: إنَّ النَّفي في "استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف" متوجه إلى الكمال، لا إلى إلزام الصحة، أي: أنَّ الرَّسُول ﷺ قال: "لا صلاة لفرد خلف الصف"، أي: لا صلاة كاملة (١). وهذا التعليل يظهر عندما نتكلم عن وجوب القراءة في الصلاة عند الكلام على حديث عبادة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢)، فقد وجدنا أنَّ الحنفية علَّلوا بهذا التعليل (٣)، وعرفنا الرد عليهم؛ ووجود بعض الأدلة التي تنفي ذلك. إذًا قالوا: النفي هنا إنَّما هو لنفي الكمال، وقالوا: ومما يدل على ذلك أنَّ الرَّسُول ﵊ قال: "لا صلاة بحضرة الطعام" (٤). والعلماء متفقون على أنَّ الإنسان لو كانت نفسه تتوق إلى الطعام

стр. 1810

وصَلَّى فصلاته صحيحة، لكن الرَّسُول ﷺ نهى عن ذلك؛ خشية أن ينشغل فؤاد المرء، وتكون نفسه قد تعلقت بالطعام؛ فيصرفه ذلك عن خشوعه، لذلك عندما يحضر العِشاء والعَشاء؛ فإنَّه يُقَدَّم العَشاء (١). وهذا كلام فيه تفصيل (٢)، لكن القصد ألَّا يدخل الإنسان في صلاته

стр. 1811

وهو حاقن، أو بحضرة طعام يشتهيه، فهذه الأمور تشغله في صلاته، وتصرف ذهنه عنها، وتقلل خشوعه، ينبغي أن يتجرد منها قبل أن يدخل في الصلاة، إذًا هذه أدلة الذين قالوا بصحة الصلاة خلف الصف. أمَّا الذين قالوا بعدم صحتها: فدليلهم ما ذكرناه من الحديثين. فما الجواب عن أدلة الجمهور الذين استدلوا بهذه الأدلة: أولًا: نأخذ دليلهم الأول؛ وهو صلاة المرأة خلف الصف، فهم يقولون: المرأة تصلي خلف الصف، وصلاتها صحيحة، فما المانع أن يكون الرجل كذلك. والجواب عن ذلك: إنَّ هذا قياس، والقياس عادة إنَّما يكون فيما يلحق مسكوتًا عنه، بمنطوق في حكم؛ لعلة تجمع بينهما (١). ولا يُعرف في القياس أن يُقاس منطوق على منطوق يخالفه في الحكم. فبالنسبة إلى المرأة ورد النص بأنَّ هذا هو موقفها؛ أن تكون وراء الصفوف، وورد -أيضًا- أنَّ من صلى خلف الصف خلافها فصلاته غير صحيحة. إذًا هذا نص، وهذا نص، فكيف نلحق نصًّا نطق به الرَّسُول ﷺ

стр. 1812

بنصٍّ آخر مع اختلافهما في الحكم، المعروف قياسًا أن يلحق مسكوتًا عنه بمنطوق به في حكم يجمع بينهما، والقياس: هو إلحاق أصل بفرع في حكم؛ لعلة تجمع بينهما، هذا اختلاف بين العلماء في تعريف القياس. لكن أن تلحق ما نُص عليه على ما نص عليه مع اختلاف الحكم أيضًا، فهذا أمر مردود وغير صحيح. فهذا كمن يقيس الربا على البيع؛ فاللَّه سبحانه قد نص على ذلك في كتابه فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ نص اللَّه على تحريمه، وجاءت سنة رسول اللَّه ﷺ لتُبين حقيقة الربا، وتبين الممنوع، أنواع الربا، وتحذر من ذلك (١). فلا يقاس بعد ذلك الربا على البيع، لأنَّ هذا معاملة، وهذا معاملة. وجه الرد: أنَّ صلاة المرأة جاء النَّص عليها في حديث أنس: "فصففتُ أنا واليتيم خلفه، والعجوز مِن ورائنا" (٢). إذًا هذا حضر في صلاة أَمَّ الرَّسُول ﷺ فيها، وجعل موقفها خلف النَّاسِ منفردًا، ولو جاء إليها غيرها من النساء ينضمون إليها؛ أي: يلحقن بها، وأمَّا إذا انفردت فتصلي، وصلاتها صحيحة؛ لورود النص في ذلك. والجواب الثاني عن الإمام: أنَّهم قاسوا من يُصلي خلف الصف بمن يُصلي أمام الصف، وقصدوا الإمام بذلك. والجواب: أنَّ الإمام ورد فيه النَّص، فهذا هو الموقف الذي حدده الرَّسُول ﷺ للإمام الذي وقف فيه، وأنَّه أمام الصفوف، إذًا هذا منطوق به، فلا ينبغي أن نُلحق ممنوعًا ورد النص بمنعه، فموقف الإمام أمام

стр. 1813

الناس هو السنة، وموقف المرأة خلف الرجال هي السنة، فكيف نقيس أمرًا منهيًّا عنه بأمرٍ وردت الأدلة بإثبات سُنِّيَّته، هذه من الأدلة التي قال بها هؤلاء. وأمَّا الاستدلال بحديث أبي بَكرة: فالحقيقة أنَّ حديث أبي بكرة لا حجة فيه؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ قال: "زادك اللَّهُ حرصًا ولا تَعُدْ"، ورسول اللَّه ﷺ لم يُبين في هذا المقام أنَّه لو بقي الإنسان خارج الصف فإنَّ صلاته صحيحة (١). إذًا بهذا نتبين أنَّ الأمر ليس من الأمور السَّهلة. وأمَّا دعوة أنَّ النفي نفي كمال؛ فهذا غير صحيح؛ لأنَّ الأمر ليس نفي الكمال. ومن العلل التي يستدلون بها، يقولون: مما يدل على صحة الصلاة، أنَّه لو كانت صلاة الواحد خلف الصف غير جائزة لما وقف رَسُول اللَّه ﷺ ينتظر الرجل، وإنَّما أعلمه من أول الأمر بقول: "انصرف من صلاتك" (٢). والجواب: أنَّه ما عُرف عن الرَّسُول ﷺ التَّسرع في هذه الأمور، إذًا كون الرَّسُول ﷺ وقف عنده، فهذا دليل على بطلان الصلاة، لا على صحتها؛ لأنَّه لو كانت صلاته صحيحة لنبه الرَّسُول ﷺ إلى الأَوْلَى، لكنَّه

стр. 1814

في الحديث الأول أمره أن يُعيد الصلاة، فلا يمكن أن يأمر الرَّسُول ﷺ رجلًا أن يُعيد الصلاة وقد صلَّاها صحيحة، إلَّا في حالات. إذًا بهذا نتبين أنَّه لا ينبغي أن يصلي الإنسان خلف الصف إلَّا أن تكون هناك حاجة لضرورة، فيُعتبر عندها داخل في حكم أهل الأعذار، ونرى أنَّ كثيرًا من الأحكام تَسقط في حالة العذر. باختصار القياس هنا غير وارد، لأنَّ الأصل في القياس أن يُلحق مسكوت عنه بمنطوق به، أمَّا أن يُلحق منطوق به منهي عنه بمنطوق به أمر به، أو هو سنة، فهذا قياس -حقيقة- مع الفرق، وهو غير صحيح. * قوله: (وَتَسْوِيَتُهَا لِثُبُوتِ الأمر بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَلَّى إِنْسَانٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِي. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ (١)، وَجَمَاعَةٌ: صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ (٢). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ وَابِصَةَ، وَمُخَالَفَةُ العَمَلِ لَهُ (٣).

стр. 1815

وَحَدِيثُ وَابِصَةَ هُوَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا صَلَاةَ لِقَائِمٍ خَلْفَ الصَّفِّ") (١). المؤلف خلط بين الحديثين: فهذا الذي أشار إليه هو حديث عَلِيِّ بن شيبان. ١ - فأمَّا حديث وابصة بن معبد ﵁ فهو: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رأى رجلًا يُصلي خلف الصف، فأمره أن يُعيد الصَّلاة" (٢)). ٢ - وأمَّا حديث علي بن شيبان ﵁ فهو: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ عندما انصرف من صلاته رأى رجلًا يُصلي خلف الصف، فوقف نبي اللَّه ينتظره، فلمَّا فرغ الرجل من صلاته. قال له: "استقبل صلاتَك، لا صلاة للذي خلف الصف" (٣). * قوله: (وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ قِيَامُ العَجُوزِ وَحْدَهَا خَلْفَ الصَّفِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (٤). وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ، لِأَنَّ سُنَّةَ النِّسَاءِ هِيَ القِيَامُ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَكَانَ أَحْمَدُ -كَمَا قُلْنَا- يُصَحِّحُ حَدِيثَ وَابِصَةَ) (٥). فالشافعيُّ يرى أنَّ قيام المرأة خلف الصف دليل على صحة الصلاة؛ لأنَّ الصلاة مطلوبة من الكل، فلماذا يُفَرَّق بين الرجل والمرأة؟

стр. 1816

والجواب: أنَّ مكان المرأة إنَّما هو التأخر، فالرَّسولُ ﵊ أَقَرَّ هذه المرأة، فجعلها خلف أنس واليتيم. وهناك أمر بإعادة الصلاة، فالرسول هو الذي وضعها، وهناك هو الذي نهى الرجل أن يصلي وحده. * فائدة: " قضية الصَّلاة بين السَّواري" (١): أحيانًا يُترك الصف ويُصَلَّى بين السواري؛ وهي الأعمدة، وهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، والخلاف فيها بالنسبة إلى المأموم (٢). أمَّا الإمام فلا بأس أن يقف بين السواري، لماذا؟

стр. 1817

لأنَّ الإمام لا يوجد انقطاع في صَفِّه، وقد نُهي عن الصلاة بين السواري لوجود ما يقطع الصفوف، ويؤثر عليها (١). ومع ذلك فإنَّ كثيرًا من العلماء يُجيز ذلك، ولكن ورد ذلك في حديث تنازع فيه العلماء: أنَّهم كانوا يُنهون عن الصلاة بين السواري (٢)؛ فمنهم مَن يرى أنَّه لا ينبغي أن يحصل، لكنَّه لا يبطل الصلاة، وإنَّما هو مكروه، والبعض لا يرى به بأسًا.

стр. 1818

والقصد هنا التفريق بين الإمام وغيره، فهناك أحكام يختلف فيها الإمام عن المأموم. * قوله: (وَكَانَ أَحْمَدُ -كَمَا قُلْنَا- يُصَحِّحُ حَدِيثَ وَابِصَةَ (١). وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ من مُضْطَرِب الإِسْنَادِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ) (٢). هذا كلام غير صحيح، وإنَّما حديث وابصة هو حديث حَسَن (٣). * قوله: (وَاحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَلَمْ يَأْمُرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالإِعَادَةِ، وَقَالَ لَهُ: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ") (٤). فهذه مسألة فرعية يختلف فيها العلماء: لو أن إنسانًا دخل المسجد فوجد الإمام راكعًا وبينه وبين الصف مسافة، هل له أن يَركع، ثم يدبُّ وهو راكع حتى يدخل في الصف، أم لا؟ فأكثر العلماء على أنَّ له أن يفعل ذلك، مع تفصيل بينهم، فبعضهم يُفرق بين قُربه من الصف وبُعده، وبعضهم يفرق بين أن يكون الداخل فردًا

стр. 1819

أو جماعة، فبعضهم يقول: إذا كان الداخل قريبًا من الصف فلا مانع أن يركع ثم يدب ماشيًا، فيلحق ويدخل في الصف، والبعض يقول: لا، فإن كان أكثر من واحد، بمعنى جماعة، فيفعل؛ لأنَّ الجماعة تتحقق (١)؛ خروجًا من حديث: "لا صلاةَ لِمَن خَلف الصف"، وهذا في مذهب الحنفية (٢). إذًا هناك من ينظر إلى المسافة (٣).

стр. 1820

وقد نُقل عن عبد اللَّه بن الزُّبَير أنَّه قال: "إذا دخل أحدكم ووجد الإمام راكعًا فليركع دون الصف، ثم يدب حتى يدخل في الصف، إنَّ ذلك من السُّنَّة" (١). فهذا حجة للعلماء عمومًا على أنَّ للإنسان فِعْلَ ذلك، وإن

стр. 1821

كان الأولى ألَّا يفعل، ولكن لو فعل؛ فجائز؟ نعم، بعضهم يُقيد، والشافعي ما منع، ولكنَّه قَيَّد ذلك بقرب المسافة (١). * قوله: (وَلَوْ حُمِلَ هَذَا عَلَى النَّدْبِ لَمْ يَكُنْ تَعَارُضٌ: (أَعْنِي: بَيْنَ حَدِيثِ وَابِصَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ) (٢)). وقال الجمهور -أيضًا- بأنَّ الأمر محمول على الاستحباب، أي: يستحب أن لا يُصلى الإنسان منفردًا (٣). ولكننا نقول: إنَّ الأمرَ أكبر من ذلك، فالأمر واضح جدًّا، ولا ينبغي لإنسان أن يُصلي خلف الصف، فالحقيقة أنَّ الإنسان لا تطمئن نفسه أن يُصلي خلف الصف وهو معذور، فما بالك إذا كان بغير عذر؟! * قوله: (المَسْأَلةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الأَوَّلُ فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَيَسْمَعُ الإِقَامَةَ، هَلْ يُسْرِعُ المَشْيَ إلى المَسْجِدِ أَمْ لَا؛ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَرُوِيَ عَنْ عَمْرٍو (٤)، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُسْرِعُونَ المَشْيَ إِذَا سَمِعُوا الإِقَامَةَ (٥).

стр. 1822

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (١)، وَأَبِي ذَرٍّ (٢)، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابة: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ السَّعْيَ، بَلْ أَنْ تُؤْتَى الصَّلَاةُ بِوَقَارٍ (٣) وَسَكِينَةٍ (٤). وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ (٥)؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ:

стр. 1823

"إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ؛ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ" (١)). هذه مسألة مهمة، وتقع كثيرًا في زمننا هذا؛ يعني: عندما يسمع الإنسان الإقامة ما هو الأَوْلى في حَقِّه؟ يَخُبُّ (٢) مُسرعًا - يجري أو

стр. 1824

يهرول (١) - أو أنَّه يمشي؟ فهناك ثواب كُلما قارب الخطَى، سيكسب في كل خطوة يخطوها حسنة، يرفع ويضع (٢)، وهناك سيدرك الصلاة، أو يتمهل ويقضي ما فاته من الصلاة، فأيهما الأولى؟ نحن عندما نَعرض أحاديثَ رسول اللَّه ﷺ نجد أنَّها صريحة الدلالة بعدم الإسراع؛ لأنَّ الرسولَ ﷺ قال في حديث أبي هريرة: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السَّكينة والوقار، فما أدركتم فَصَلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا" (٣)، وفي رواية عند النسائي: "وما فاتكم فاقضوا" (٤)، وفي حديث أبي قتادة المتفق عليه أيضًا، قال: بينما كُنَّا نصلي مع النَّبِيِّ ﷺ إذ سمع جلبة (٥) أصوات، فلمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ من صلاته، قال: "ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا الصلاة، فقال ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة؛ فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتمُّوا" (٦). فهذان حديثان متفقٌ على صحتهما، كل واحد منهما نص صريح

стр. 1825

في عدم السعي والإسراع حين سماع الإقامة، وإنَّما يمشي الإنسان بآداب مَن يمشي إلى الصلاة بسكينة، يعني: بهدوء، وأن يَظهر عليه الوقار، وهذا هو شأن مَن يسعى إلى الصلاة، مَن يذهب إلى عبادة من أَجَلِّ العبادات، إذًا يمشي بسكينة ووقار، ولا يُسرع كأنَّه منطلق من أمر من أمور الدنيا، هذا هو رأي الأئمة الأربعة، وغيرهم، هذا رأيُ جماهير العلماء (١). ولكن نُقل عن بعض السلف؛ كابن مسعود وغيره، كما ذكر المؤلف (٢)، نُقل عنهم أنَّهم قالوا بالإسراع إلى الصلاة. وهذا كلام يحتمل -أيضًا- التفصيل في الإسراع إلى الصلاة، وألَّا يتباطأ، لكن هل نُقل عنهم أنَّ الإنسان يمشي إليها مُسرعًا؟ عندما ننظر في عموم أدلة الشريعة نجد أنَّها تَحُضُّ على الإسراع في فعل الخيرات والمسابقة؛ فاللَّه تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ إلخ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] إذًا هذا أمر بالمسارعة في فعل الخيرات، ولكن هذا مطلق، واللّه تعالى يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨]، فيه مسابقة إلى الخيرات، ويقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [الواقعة: ١٠] فهذه أدلة عامة، والأحاديث التي معنا خاصة بالصلاة، وهي صريحة في أنَّ الإنسان لا يأتي إليها مُسرعًا، وإنَّما يأتي إليها ماشيًا بسكينة، وطمأنينة، ووقار. * قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ هَذَا الحَدِيثُ، أَوْ رَأَوْا أَنَّ الكِتَابَ يُعَارِضُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا
следующие страницы →