الظواهر، ويريدون ألا يَتجَاوزوها، فلمَّا رأوا أن القِرَاءَتين مُتَساويتان، أَوْجَبوا الأَمْرَين جميعًا خروجًا من الخلاف.
ولبَيَان غلطهم فيما ذهبوا إليه نقول: إنَّ المسح داخلٌ في الغَسل، فإن الغَسل إذا حصل، فقد حصل المسح تبعًا له، وإذا كان الأمر كذلك، فليس ثَمَّ سبمث يحملنا على الأخذ بوجوب الأمرين، بل يكفينا وجوب الغَسل.
والصحيح أن الخروج من الخلاف يكون في اتباع رسول الله والتَّأَسِّي به، وقد فسَّرَ لنا آية الوضوء تفصيلًا شاملًا لا يتطرق إليه شكٌّ ولا احتمالٌ في الأَحَاديث التي تَنَاولَت صفة وضوئِهِ.
وتَجْدر الإشَارة هاهنا إلى أن داودَ الظاهري لم يقل بهذا الذي قاله بعض الظاهريَّة، وإنَّما هو على وجوب الغَسل كَجَماهير العلماء.
(وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: القِرَاءَتَانِ المَشْهُورَتَانِ فِي اصدةِ الوُضُوءِ: أَعْنِي قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى المَغْسُولِ، وَقِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلَى المَمْسُوحِ).
إذًا، هناك قراءتان:
١ - قراءة النصب (١): ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: وهي نصٌّ في العطف على
стр. 212
الوجه واليدين المغسولَين، ولذلك عندما يتحدث المفسرون والفقهاء عن تقديرها الإعرابي بعد العطف يقولون: إن التقدير: "اغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق، وأرجُلَكم وامسحوا برؤوسكم"، ويعللون مجيئها متأخرةً بأن وجود الرأس فَصَلَ بين اليدين والرِّجلين في الترتيب.
٢ - قراءة الخفض (١): (وأرجلِكم): وكافة العلماء بَيَّنُوا أنَّ الخفض هنا للمجاورة، وقد ذَكَرْنَا هذا من قبل، وَسُقْنَا عليه شواهدَ كثيرةً موجودةً في كلام العرب.
(وَذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ النَّصْبِ ظَاهِرَةٌ فِي الغَسْلِ، وَقِرَاءَةَ الخَفْضِ ظَاهِرَةٌ فِي المَسْحِ كظُهُورِ تِلْكَ فِي الغَسْلِ).
وَكَون القراءتَين مشهورتَين، هذا لا يُنازَع فيه، لكن قراءة النَّصب لها تأويلات معروفة عند العلماء، منها أنها عطفٌ.
أمَّا الخفض، فإنما جاء للمجاورة، وإلا فمحله النصب؛ لأن الرِّجلَ مغسولة، والأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وفي أَمْره لأصحابِهِ تعضض هذا، وخاصة حديث عمرو بن عبسة (٢)، وتعضضه كذلك الآثار الواردة عن الصحابة كعمر (٣) وغيره.
стр. 213
(فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ فَرْضَهُمَا وَاحِدٌ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ، إِمَّا الغَسْلُ، وَإِمَّا المَسْحُ، ذَهَبَ إِلَى تَرْجِيحِ ظَاهِرِ إِحْدَى القِرَاءَتَيْنِ عَلَى القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَصَرَفَ بِالتَّأْوِيلِ ظَاهِرَ القِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى مَعْنَى ظَاهِرِ القِرَاءَةِ الَّتِي تَرَجَّحَتْ عِنْدَهُ).
وَالمؤلِّف هاهنا يُجْهِدُ نَفْسه بلا طَائِلٍ في محاولةٍ منه لإيجاد موازنةٍ بين القولين، ولكنَّا لا نرى للموازنة وجهًا في المسألة، وإنما الأمر كما قال الشاعر:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرَهُ … إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ العَصَا (١)
فنحن نُفَرِّقُ بين القراءتين والحُكم، أما القراءتان فكلاهما قراءةٌ صحيحةٌ مشهورةٌ، وَكِلَاهُمَا قراءةٌ سبعيَّةٌ قرَأ بها عَددٌ، ليسَ في هاتين القراءتين فَحَسب، بَلْ هناك قراءةٌ ثالثةٌ بالرَّفع (٢)، هي: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهذه يُقَدِّرُهَا العلماء بـ: "وأَرْجُلُكم مَغْسولةٌ" (٣)، فلا خلافَ في صحة هذه القراءات، أما الحُكْم فإنَّما ينبني على تقدير هذه القراءات، وقد فَصَّلْنَا الكلَام في هذا.
(وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ دَلَالَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ القِرَاءَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهَا عَلَى السَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَدَلَّ مِنَ الثَّانِيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا أَيْضًا، جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَاجِبِ المُخَيَّرِ ككَفَّارَةِ اليَمِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ).
стр. 214
أما التخيير في كفارة اليمين، فقد وَرَدَ نصًّا في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، حيث خُيِّرَ المُكَلَّف بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبةٍ، فأَيُّ صِنْفٍ من هذه الأصناف الثلاثة قام به المكلَّف، أَجْزَأه عن كفارة يمينِهِ.
وهَذَا في الحقيقة -كما أَسْلَفْنَا- إنَّما هو ما ذهب إليه ابن جرير الطبري، فابن جَرِيرٍ لما تساوت عنده القراءتان، حَمَلَ المسألة على التخيير كمَا هو الحال في كفارة اليمين.
أمَّا الظاهريَّة، فليسَ الأمر عندهم مماثلًا لهذا كما يوحي كلام المؤلِّف، وإما بعض الظاهرية لمَّا حملوا القراءتين على ظاهرهما، ورأوا قراءة النصب نصًّا في الغسل، وقراءة الخفض نصًّا في المسح، فحِينَئذٍ لم يَقُولوا بالتخيير، وإنما قالوا بوُجُوب الأمرين جميعًا خروجًا من الخلاف.
فَالتَّخْييرُ هُوَ مَسلَكُ ابن جريرٍ الطَّبري، ووجوب الأمرين هو مَسلَكُ بعض أهل الظاهر.
(وَللْجُمْهُورِ تَأْوِيلَاتٌ فِي قِرَاءَةِ الخَفْضِ، أَجْوَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى المَعْنَى).
فالجُمْهُورُ في تأويل قراءة الخفض على أنَّ العطف هنا لا يختصُّ بالمعنى، وإنما اختصاصه باللفظ فقط، ففي قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ لما كان لفظ (برؤوسِكم) مخفوضًا، خُفِضَ لفظ (أرجلِكم) تبعًا له؛ مراعاةً للفظ، ويبقى المعنى على خلاف ذلك (١).
стр. 215
(إِذْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي كَلَامِ العَرَبِ مِثْلَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا … بَعْدِي سَوَافِي (١) المُورِ (٢) وَالقَطْرِ (٣)
بِالخَفْضِ، وَلَوْ عُطِفَ عَلَى المَعْنَى لَرَفَعَ القَطْرَ).
وهذا البيت للشاعر المعروف زهير بن أبي سُلْمَى، يتحدث فيه عن الآثار، وعن تَغَيُّرِها نتيجة السوافي.
و"السوافي" إنما هي الرياح، ومفردها سافية؛ لأنها تسفي التراب على تلك الأماكن، فبسبب كثرة ما سفت الرياح على تلك الآثار، تراكم عليها التراب، ثم جاء المطر، فلبَّد تلك الأتربة حتى تَغيَّرَت معالِمُهَا بذلك.
والشاهد في البيتِ: قولُهُ: (سَوَافِي المُورِ وَالقَطْرِ)، فالقياس أن يقول: (والقطرُ) بالرفع؛ لأنه معطوفٌ على (سوافي) التي تقع في السياق فاعلًا يستحق الرفع.
ومثل هذا البيت الذي ذكرنا عن امرئ القيس:
كأنَّ ثبيرًا في عرانينِ (٤) وَبْلِهِ … كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ (٥) مُزَمَّلِ (٦)
و"ثبير": هذا اسمٌ لجبلٍ معروفٍ بمكةَ.
стр. 216
وامرؤ القيس في هذا البيت يُشَبِّهُ هذا الجَبلَ وَقْت انحدَار أوَّل السَّيل بالشَّيخ المُلْتَفِّ في بِجَادٍ، أيْ: في كِسَاءٍ (١).
وَالشَّاهد هاهنا قولُهُ: (مُزَمَّل)؛ حيث جاء مجرورًا، بينما القياس أن يأتي بالرفع (مُزَمَّلُ)، فهو صفة لقوله: (كبيرُ) الذي يستحق الرفع؛ لوقوعه في الجملة خبرًا لـ (كأنَّ).
وفي هذا البيت كذلك، والذي يقول فيه الشاعر:
وظل طهاة اللحم من بين منضجٍ … صفيفَ شواءٍ (٢) أو قديرٍ معجلِ (٣)
حيث جاءت (قديرٍ) مجرورةً، وكان القياس أن يقول: (صفيفَ شواءٍ أو قديرًا) بالنصب؛ لأن الطبخَ معطوفٌ على الشَّيِّ.
(وَأَمَّا الفَرِيقُ الثَّانِي وَهُمُ الَّذِينَ أَوْجَبُوا المَسْحَ، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا قِرَاءَةَ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى المَوْضِعِ كلمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا (٤)).
فالقياس في قول الشاعر أن يقول: (ولسنا بالجِبَالِ ولا الحديدِ)، ولكنه عَطَفَ على المحل، والمحل إنما هو منصوب.
وفي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، نجد المحل في قوله: (رؤوسكم) منصوبًا؛ فلو أن الباءَ محذوفة، لَكَانَ قوله: (رؤوسكم) معطوفًا على المنصوبات.
стр. 217
والعلماء في هذه الباء على أنها للإلصاق (١)، وبعضهم على أنها زائدة (٢)، وعلى كلا التقديرين يكون محلها النصب.
(وَقَدْ رَجَّحَ الجُمْهُورُ قِرَاءَتَهُمْ هَذ بِالثَّابِتِ عَنْهُ ﵊ إِذْ قَالَ فِي قَوْمٍ لَمْ يَسْتَوْفُوا غَسْلَ أَقْدَامِهِمْ فِي الوُضُوءِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ").
وَهَذا الحديث من جُمْلة الأحاديث التي ثَبَتَت في "الصحيحين" (٣)، وقد رُويَ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص (٤)، وَكَذا عن أبي هُرَيرة (٥)، وكذلك اتفقت معهم أمُّ المؤمنين عائشة (٦) ﵃ جميعًا في اللفظ، فيما رواه عنها الإمام مسلمٌ في "صَحِيحِهِ".
(قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الغَسْلَ هُوَ الفَرْضُ؛ لِأَنَّ الوَاجِبَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ العِقَابُ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ الوَعِيدُ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا أَعْقَابَهُمْ دُونَ غَسْلٍ).
ويُحَاول المؤلِّف هاهنا أن يستنبطَ من هذه الأحاديث ما يكون حُجَّةً للَّذين يقولون بالمسح؛ فيعلل بأن الرسول ﵊ رأى أقوامًا تَوَضَّؤُوا، تَلْمَعُ أقدامُهُم بياضًا، فقال: "وَيْلٌ لِلأعْقَاب مِنَ النَّارِ"، وأنَّه ﷺ أوقع الوعيد على ترك الأعقاب بسبب ما رآه منَ لمعةٍ فيها، لا على ترك الغَسل.
стр. 218
وَهَذا يَرُدُّه أن المسحَ إنَّما هو الذي يمكن فيه حصول اللمعة، وعَدم استيعابه للمحل كاملًا، أما الغَسل فمن شأنه ألا تجد بعد تمامه مثل هذه اللُّمْعة، فهذا يعضد قول جمهور العلماء لا القول الآخر.
ولذا، ففي حديث عُمَرَ ﵁ لما رأى الرجل يصلي وفي قدمه قدر لمعةٍ لم يُصِبْهَا الماء، أَمَرَهُ بالإعادة، وَفِي بَعْض الرِّوايات في "صحيح مسلمٍ" أنها كانت قَدْرَ ظُفْرٍ، فَأَمَرَهُ أن يَتَوَضَّأَ، وقال له: "أَحْسِنْ وُضُوءَكَ" (١)، فَذَهَبَ وَتَوَضَّاَ، فالإنكار هاهنا إنَّما هو على المسح لا الغَسل.
(وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي الغَسْلِ، فَفَرْضُهُ الغَسْلُ فِي جَمِيعِ القَدَمِ، كمَا أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي المَسْحِ، فَفَرْضُهُ المَسْحُ عِنْدَ مَنْ يُخَيِّرُ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا جَاءَ فِي أَثَرٍ آخَرَ خَرَّجَهُ أَيْضًا مُسْلِئم أَنَّهُ قَالَ: فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى: "ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"، وَهَذَا الأَثَرُ وإنْ كَانَتِ العَادَةُ قَدْ جَرَتْ بِالاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَنْعِ المَسْحِ، فَهُوَ أَدَلُّ عَلَى جَوَازِهِ مِنْهُ عَلَى مَنْعِهِ، لِأَنَّ الوَعِيدَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهِ بِتَرْكِ التَّعْمِيمِ لَا بِنَوْعِ الطَّهَارَةِ، بَلْ سَكَتَ عَنْ نَوْعِهَا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا).
ولا شك أن هذا الأثر لا يؤيد ما ذهب المؤلِّف إليه، وإنما هو حُجَّةٌ لمذهب الجمهور، ولا يؤيد ما ذَهَب إليه؛ لأنَّه قال: هذه الأحاديث تدلُّ للمذهب الآخر.
وممَّا يُضْعف القولَ بالمسح أن المسحَ في اللُّغة يُطلَق على الغَسل (٢)، فالغَسل يُسمَّى غَسلًا إذا بُولِغَ فيه، وقد يُسَمَّى مسحًا، وهذا
стр. 219
معروفٌ ومشهورٌ في لغة العرب، وأكابر علماء اللغة كالأزهريِّ (١) يَذكُرُون ذَلكَ، ويَقُولون: إنَّ الإنسان يُقَال له: (تَمَسَّحْتَ) بمعنى (تَوَضَّأْتَ)، و: (تَمَسَّحْ) بمعنى (تَوَضَّأْ).
* قوله: (وَجَوَازُ الْمَسْحِ هُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى).
روي مسح الرجلين عن بعض الصحابة؛ كأنس، وابن عباس، ومن التابعين الشعبي وتعلَّق به بعض المتأخرين (٢).
ولو كان مسح الرجلين يجزئ ما أتى الوعيد بالنار على من لم يغسل عقبيه وعرقوبيه أو فاته شيء من بطون قدميه، لأنه معلوم أنه لا يعذب بالنار إلا على ترك الواجب.
وقد أجمع المسلمون أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه من قال منهم بالمسح ومن قال بالغسل فاليقين ما أجمعوا عليه.
* قوله: (وَالْغَسْلُ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْقَدَمَيْنِ مِنَ الْمَسْحِ كمَا أَنَّ الْمَسْحَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلرَّأْسِ مِنَ الْغَسْلِ، إِذْ كانَتِ الْقَدَمَانِ لَا يُنْفَى دَنَسُهُمَا غَالِبًا إِلَّا بِالْغَسْلِ، وَيُنْفَى دَنَسُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، وَذَلِكَ أَيْضًا غَالِبٌ، وَالْمَصَالِحُ الْمَعْقُولَةُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا لِلْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى يَكُونَ الشَّرْعُ لَاحَظَ فِيهِمَا مَعْنَيَيْنِ: مَعْنًى مَصْلَحِيًّا، وَمَعْنًى عِبَادِيًّا (وَأَعْنِي بِالْمَصْلَحِيِّ: مَا رَجَعَ إِلَى الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ، وَبِالْعِبَادِيِّ: مَا رَجَعَ إِلَى زَكَاةِ النَّفْسِ).
معلوم أن الغسل مخالف للمسح وغير جائز أن تبطل إحدى القراءتين
стр. 220
بالأخرى فلم يبق إلا أن يكون المعنى الغسل أو العطف على اللفظ، وهذا التأويل تعضده سنة رسول الله المجتمع عليها بأنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة ومرتين وثلاثًا.
وجاء أمره في ذلك موافقًا لفعله فقال: "وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ" (١).
وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار والإتباع على اللفظ بخلاف المعنى والمراد عندها المعنى كما قال امرؤ القيس (٢):
كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍّ مُزَمَّلِ
فخفض بالجوار وإنما المزمل الرجل والإعراب فيه الرفع.
ومن هذا قراءة ابن كثير وأبي عمرو (٣): (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٍ) بالجر؛ لأن النحاس هو الدخان.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْكَعْبَيْنِ هَلْ يَدْخُلَانِ فِي الْمَسْحِ أَوْ فِي الْغَسْلِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمَسْحَ؟).
الكعبان: هما اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم.
وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: هما في مشط القدم، وهو معقد الشراك من الرجل، بدليل أنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فيدل على أن في الرجلين كعبين لا غير، ولو أراد ما ذكرتموه كانت كعاب الرجلين أربعة، فإن لكل قدم كعبين.
والصواب أنَّ محمَّدًا ﵀ لم يُرد تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين وفسر الكعب بهذا، فأما في الطهارة، فلا شك أنه العظم الناتئ.
* قوله: (وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ "إِلَى" أَعْنِي:
стр. 221
فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي اشْتِرَاكِ هَذَا الْحَرْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، لَكِنَّ الاشْتِرَاكَ وَقَعَ هُنَالِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ مَنِ اشْتِرَاكِ اسْمِ الْيَدِ، وَمِن اشْتِرَاكِ حَرْفِ "إِلَى"، وَهُنَا مِنْ قِبَلِ اشْتِرَاكِ حَرْفِ "إِلَى" فَقَطْ).
قول الله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، أي حد الغسل إلى الكعبين، وهذا يوهم أنه لا يجب إدخالهما في الغسل، وليس كذلك، بل حكمهما حكم اليدين، وقد قيل: إن الرجل من أصل الفخذ إلى القدم.
(وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْكَعْبِ مَا هُوَ، وَذَلِكَ لاشْتِرَاكِ اسْمِ الْكَعْبِ وَاخْتِلَافِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي دَلَالَتِهِ، فَقِيلَ: هُمَا العَظْمَانِ اللَّذَانِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَقِيلَ: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي طَرَفِ السَّاقِ، وَلَا خِلَافَ فِيمَا أَحْسَبُ فِي دُخُولِهِمَا فِي الْغَسْلِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُمَا عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ إِذْ كَانَا جُزْءًا مِنَ الْقَدَمِ، لِذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدُّ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ، دَخَلَتِ الْغَايَةُ فِيهِ -أَعْنِي: الشَّيْءَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَرْفُ "إِلَى" - وإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]).
لفظة (إلى) في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، هَلْ هي بمَعْنى الغَاية، فلا يَدْخل الكعبان في الأمر بالغَسل، أَمْ هي بمعنى (مَعَ)، فيَدْخل الكعبان.
هنا خلافٌ (١)، والصحيح أن الأمر بالغَسل يشمل الكعبين كذلك، والكلام في هذه الآية هو نفسه الكلام في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
стр. 222
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، والعُلَماءُ يَخْتلفون بعد ذلك فيما إذا كان ما بعدها داخلًا فيما قبلها أم لا، وهناك رأيٌ وَسَطٌ لبعض العلماء أن الغاية إذا كانت من جنس المغيَّا دَخَلَت، وإلا فلَا.
ما المراد بالكعبين في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؟ هل هما العَظمان النَّاتئان عند أسفل الساق؟ أم هما العَظْمان الموجودان على مشط القدم؟
على قولين:
القول الأول: أنَّ المراد بالكعبين إنما هما العظمان الناتئان الواقعان في مُلتَقَى الساق على جانبي القدم (١)، وأنَّ المراد إدخالهما، وجماهير العلماء على هذا القول.
القول الثاني: هُمَا العظمان الموجودان على مشط القدم، وقد نُقِلَ هذا القول عن بعض المالكية كابن القاسم (٢)، ونُقِلَ كَذَلك عن محمد بن الحسن (٣) صاحب أبي حنيفة، وإن كان بعض العلماء يُضَعِّفُ نسبة هذا القول إليه.
والقول الأول المنقول عن جماهير أهل العلم هو الصحيح في هذا، وتشهد له الأدلة المتنوعة:
أولًا: من حيث اللغة: فعامة أهل اللغة على أن المراد بالكعبين هما العظمان الناتئان على جانبي القدم.
ثانيًا: الروايات والآثار:
منها الأثر المنقول عن أبي هريرة ﵁ أنه: "غَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ
стр. 223
فِي العَضُدِ، وَرِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ" (١)، فهذا يدل على أن الكعبين يُرَاد بهما العظمان الناتئان.
ومنها كذلك قوله ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا" (٢).
وقوله: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ" (٣).
وَحَديث النُّعْمَان بن بشيرٍ الذي جاء فيه: "فَكَانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَرُكْبَتَيْهِ بِرُكْبَتَيْهِ، وَكعْبَيْهِ بِكَعْبَيْهِ" (٤).
وهذا كله لا يُتَصَوَّرُ وقوعه إلا إن أُرِيدَ بالكعب العظمان الواقعان على جانبي القدم، ولا يُتَصَوَّرُ أن يكون المقصود العظم الموجود في مَعْقِل شِرَاك النعل (٥) الذي فيه عُشْرُ القدم.
وكذلك ما رُوِيَ أن الرسول ﷺ حينما كان يَسجُدُ في مكةَ، كان المشركون يؤذونه بإلقاء الحجارة عليه حتى يُدْمُوا (٦) كَعْبَيْهِ ﵊ (٧)، وهذا لا يَحصُلُ إلا في الكَعبَيْن الموجودَيْن في أسفل الساق.
فالصحيح والراجح أنهما العظمان الناتئان، والأمر في هذا ظاهرٌ وبَيِّنٌ.
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ فَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الوُجُوبِ، قَالَ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ لأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ تَوَضَّأَ قَطُّ إِلَّا مُرَتِّبًا، وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى النَّدْبِ قَالَ: إِنَّ التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ).
وَالكَلَامُ هاهنا يختصُّ بتَرْتيب الواجبَات من أفعال الوضوء، فالأئمة الأربعة انقسموا إلى فريقين في وجوب العمل بالترتيب الوارد في الآية بالنسبة لواجبات الوضوء:
الفريق الأول: الأحناف (١) والمالكية (٢): فهؤلاء على عدم وجوب الترتيب، ويروون هذا عن عليٍّ وابن مسعودٍ ﵄.
الفريق الثاني: الشافعية (٣) والحنابلة (٤): وهؤلاء على وجوب العمل بالترتيب الوارد في الآية، ويروون هذا عن عثمان (٥) وابن عباس (٦) ﵃،
стр. 226
وهذا القول إنما هو المشهور عن أحمد والشافعي، وإلا فهناك قولٌ آخَر بعَدَم الوجوب في كلا المذهبين (١)، ولكننا هاهنا نقتصر على بحث القول المشهور حتى لا نخالِفَ منهج الكتاب.
وأما أفعال الرسول ﵊ فيما إذا كانت تُحْمَل على الوجوب (٢)، أو على الندب (٣)، فالأحناف والمالكية يحملونها على الندب، ولذا قالوا باستحباب الترتيب، وأمَّا الشَّافعيَّة والحنابلة، فيَحْملونها على الوُجُوب؛ ولهذا فَهُمْ على وجوب الترتيب، وهذه قضيَّةٌ أصوليَّةٌ معروفةٌ.
ونَحْن نَقُول بأن فِعْلَ الرَّسول ﵊ إنَّما جاءَ مُوَافِقًا للآية.
أدلة الأحناف والمالكية:
الدليل الأول: الواو التي عَطَفَت أعضاء الوضوء بعضها على بعضِ في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
стр. 227
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فقد ذهبَ البصريون من النُّحاة إلى أن هذه الواو لا تفيد الترتيبَ والتنسيقَ عادةً في لغة العرب، وإنما تفيد مُطلَقَ الجَمْعِ، مما يُدخِلُ الترتيبَ في دائرة الاستحباب لا الوجوب.
الدليل الثاني: رواية عن ابن عباسٍ ﵁ جاء فيها: "أن الرسول تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ" (١)، فاستدلوا من هذه الرِّواية على عَدَم وجوب الترتيب.
الدليل الثالث: ما نُقِلَ عن علي بن أبي طالب (٢) وعبد الله بن مسعود (٣) ﵄ أنهما قالا: "لَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَاء بَدَأْتُ".
الدَّليل الرَّابع: قياس الوضوء على غُسْل الجنابة، وأن غسل الجنابة لا يُشْترَط فيه الترتيب، بل إنَّ الإنسان في غسل الجنابة إذا غمس نفسه في الماء لأجزأه عن الغُسْل دون تَرْتِيب، فاستدلوا بهذا القياس على أن الوضوءَ كذلك لا يُشْترَط فيه الترتيب مثله في ذلك مثل غسل الجنابة، إذ إن كلًّا منهما طَهَارةٌ من حَدَثٍ.
الدَّليل الخامس: أن هناك اتفاقًا على أن التَّرتيب لا يُشترَط بين العضوين المتماثلين، فلو أن إنسانًا غَسَلَ يده اليسرى قبل اليمنى لم يكن في هذا ما يبطل طهارته، بل إنَّ طهارته تبقى على صحتها رغم عُدُوله عن الأفضل إلى المفضول، وعليه فإنَّهمْ يَرَوْنَ عدم الترتيب في أعضاء الوضوء عدولًا عن الأفضل إلى المفضول لا يؤثر في صحة الوضوء.
стр. 228
أدلة الشافعية والحنابلة:
الدليل الأول: أن مجيء الآية على هذا النسق والترتيب هو في حد ذاته دليل يجب اتِّباعه.
الدليل الثاني: قوله ﷺ عندما صَعدَ الصَّفَا: "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (١)، ورغم عَدَم ورود هذا الحديث في الوضوء إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيجب البدء بما بدأ الله به.
الدليل الثالث: أنه من المعلوم في لغة العرب أنهم إذا ذَكَرُوا أشياءَ متجانِسَةً، فإنهم يذكرونها مُتَوَالِيَةً، ولا يُدخِلُونَ بين النَّظيرَيْن غيرَ مُجَانِسٍ لهما إلا لِسَبَب، والله سبحانه تعالى في هذه الآية ذَكَرَ غَسْلَ الوجه، ثم غَسْلَ اليدَيْن، ثم ذَكَرَ بعد ذلك مَسْحَ الرَّأْسِ قبل أن يَذكُرَ غَسْلَ الرِّجلَين، فهاهنا جاء ذِكْرُ ممسوحٍ بين مَغسُولَيْنِ، وهذا الفصل بين النَّظيرَين بغير مُجَانِسٍ لهما لا يأتي في لغة العرب إلا لغايةٍ وغَرَضٍ، فلا نرى غايةً في مثل هذا الأمر إلا الترتيب مما يدلُّ على تَعَيُّنِ الترتيب ووجوبه.
الدليل الرابع: أن من عادة العرب أنهم إذا ذَكَرُوا الأشياء المتقاربة، فإنهم يَذكُرون الأقربَ فالأقربَ، ولا يضعون أَبْعَدَ بين أَقْرَبَيْنِ إلا لغايةٍ وفائدةٍ لُغَويَّةٍ، والله قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ثمَّ قَالَ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، فَذِكْرُ اللهِ تَعَالى لليدين بين الوجه والرأس إنما هو من بَاب ذِكْرِ الأبَعْدِ بين الأَقْرَبَين؛ لأنَّ الرأسَ أَقْرَبُ إلى الوجه من اليدين، فلا بد مِنْ وجود علَّةٍ لُغَويَّةٍ وغايةٍ شرعيةٍ في هذا، هذه العلة والغاية إنما هى وجوب التَّرتيب الوارد في الآية.
الدليل الخامس: أن الرسولَ ﷺ لم يُنْقَل عنه في صفة وضوئه أنه تَوَضَّأَ بغير هذا الترتيب، هذا مع تَعَدُّدِ مَنْ نقلوا صفة وضوئه ﷺ وكثرتهم، بَلْ إن كل الأحاديث التي وردَت في هذا الشأن اتفقَت على ترتيبه ﷺ على
стр. 229
وَفْقِ الترتيب الوارد في الآية، كأحاديث عثمانَ (١) وعليِّ (٢) وعبد الله بن زيدٍ (٣) ﵁، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فعليه وَجَبَ اتباع هذا الترتيب، لكونه من سنة النبي ﷺ الفعلية المبيِّنَة لأمر الله .
وَكَذلك لم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه أجَاز لأحدِ العدولَ عن هذا الترتيب، ولا نُقِلَ عن أَحَدٍ من الصحابة أيضًا أنه لم يَأْتِ بالوضوء مرتَّبًا، فهذا كلُّه يدلُّ على تَعَيّنِ الترتيب ووُجُوبه.
النقاش بين الفريقين:
أما استدلال الأحناف والمالكية بما هو منسوب لعبد الله بن عباس ﵄، فقد ردَّه الفريق الآخر بجهالته، وعدم ثبوته.
وأما استدلالهم بقياس الوضوء على غُسل الجنابة، فقد ردَّه الشافعية (٤) والحنابلة (٥) بأنه قياس مع الفارق؛ لأن بَدَنَ الجنب يُعتَبَر بمثابة العضو الواحد، أما أعضاء الوضوء، فإنها مُجَزَّأَةٌ مُقَسَّمَةٌ، لا بد أن تأتي عُضْوًا عُضْوًا، ولا ينبغي أن نقيسَ أعضاء متعددة على عضو واحد.
وَرَدُّوا كذلك ما ذَهَبَ إليه الأحناف والمالكية من القول باستحباب الترتيب لا وجوبه بأن الآية اقتَصَرَتْ على ذِكْرِ الفرائض، ولم تتطرق إلى
стр. 230
المُستَحَبَّاتِ، بَلْ إنَّ الآية قد وَردَتْ بصيغة الأمر، والأصلُ في الأمر اقتضاؤُهُ الوجوبَ، وإذا كان حكم هذه الأعضاء الأربعة الواردة في الآية محل اتفاق بين الفريقين، فلا وجه حِينَئذٍ للقول باستحباب الترتيب.
وأمَّا رواية عليٍّ وابن مسعود: "لَا أُبَالِي بأَيِّ أَعْضَاءٍ بَدَأتُ"، قَدْ فَسَّرَها الإمامُ أحمدُ (١) وغيرُهُ من العلماء (٢) بأنَّ المَراد بذلك أنهم كانوا لا يبالون هل بدؤوا باليسرى أم باليمنى، وإن كان الأفضل إنما هو تَقْديم اليمنى.
القول الراجح من هذين القولين:
لا شك أن القول بوجوب الترتيب أَوْلَى وَأَقْرَبُ، لِظُهُورِ أدلته وقوتها، ولاتفاقه مع نَسَقِ النَّصِّ القرآني، وَلِكَوْنِهِ فِعْلَ الرسول ﷺ الذي دَاوَمَ عليه، فبالرغم من وُجُود أَحَاديث كثيرة نَقَلَتْ صفة وُضُوء الرَّسُول ﷺ ، وبالرَّغم من اختلاف بعض الرِّوايات فيما بينها في بعض الصفات، كما وَرَدَ في وُضُوئه: "مرةً مرةً" (٣)، وَوَرَدَ في مُقَابِلِهِ "مَرَّتَين مَرَّتَين" (٤)، و"ثَلَاثًا ثَلَاثًا" (٥)، وكذلك ما وَرَدَ أنه أَمَرَ بِأَخْذِ ماءٍ لِلأُذُنَين (٦) وَوَرَدَ خلافُ ذلك، وبالرغم من كل هذا، لكن لَمْ يَرِدْ حديثٌ صحيحٌ واحدٌ في أنه تَرَكَ الترتيبَ في وضوئِهِ، وهذا لا شَكَّ يَدُلُّ على ملازمتِهِ له.
стр. 231
كَمَا أنَّ التَّرْتيبَ هو المَنْقول من فِعْلِ الصَّحابة رضوان الله عليهم، مما يحملنا على اتباعه والوقوف عنده.
بَلْ إن في اتباع هذا القول اتباعًا للأحوط، وخروجًا من الخلاف، عملًا بقول النَّبيِّ ﷺ : "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (١)، فَتَارِكُ الترتيبِ لا رَيْبَ أنه يَبْقَى في شَكٍّ مِن أَمْرِهِ، والمؤمن يَنْبغي له أن يبتعد دائمًا عن مَظَانِّ الخلاف.
مَسَائل متعلِّقة بقضيَّة الترتيب:
وَفِي هَذِهِ المسائل يَتَبيَّن لنا مدى دقَّة الفقهاء في تناول المسائل وبَحْثها، ولا شكَّ أن هذا من أهمِّ النتائج التي يخرج بها الدارس من دراسة المسائل الفقهية المقارَنة.
المسألة الأولى: لو أن إنسانًا تَوَضَّأَ دون ترتيب وَفْقَ المذهب الأول، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ أَوَّلًا، ثم مَسَحَ رَأْسَهُ، ثم غَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ثم بعد هذا غَسَلَ وَجْهَهُ، فهل يَبْطُلُ بذلك وضوؤُهُ أم لا؟
فالقائلون بوجوب الترتيب من فقهاء الشافعية والحنابلة لا يقولون ببطلان وضوئِهِ في هذه المسألة، ولكن يَحكُمون بإلغاء ما يتعلق بغَسلِ الرِّجلين ومَسحِ الرأس وغَسلِ اليدين، لِيَبْقَى غَسلُ الوجه ثابتًا مستقرًّا شريطة أن يكون مصحوبًا بالنيَّة، والنيَّة -كَمَا هو معلومٌ - إنَّما هي شرطٌ من شروط صحَّة الوضوء عند جمهور العلماء عدا الحنفية، وقد فَصَّلْنَا القَوْلَ في هذا الأمر سابقًا (٢).
وقالوا (٣): إنَّه لو كَرَّرَ ذلك مرةً ثانيةً، فَحِينَئذٍ يُضَافُ إلى الوجه غَسْلُ
стр. 232
اليدين، ثمَّ لو كرَّرَهُ ثالثةً، يَثبُتُ مَسْحُ الرَّأْسِ، ثمَّ لو كَرَّرَهُ الرابعة، فقَدْ أَتَمَّ وُضوءَ.
المَسْألة الثانية: لو أنَّ إنسانًا علَيه حَدَثَانِ فَاغْتَسَلَ، هل يجزئه غُسْلُهُ عن الحَدَثَيْنِ أم لا؟
المشهور مِن مذاهب العلماء (١) أن هذا مجزئٌ عن الحدثين، وأنه
стр. 233
يندرج تحت القاعدة الفقهيَّة التي تقول: "إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا، دَخَلَ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ غَالِبًا" (١).
فَهَذِهِ قاعدةٌ فقهيَّةٌ مشهورةٌ، وبعض الفقهاء يُقرِّرُها بأسلوبٍ آخَرَ، فيقول: "إِذَا اجْتَمَعَتْ عِبَادَتَان مِنْ جِنْسٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَيْسَتْ إِحْدَاهُمَا مَفْعُولَةً عَلَى جِهَةِ القَضَاءِ، وَلَا عَلَى جِهَةِ التَّبَعِيَّةِ لِلأُخْرَى، تَدَاخَلَتْ أَفْعَالُهُمَا، وَاكْتُفِيَ فِيهِمَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ" (٢).
فَلَوْ أنَّ إنسانًا نسي صلاة ظهر الأمس، ثم تذكرها في وقت صلاة ظهر اليوم، فصلاة الظهر لهذا اليوم لا لكفيه لأداء الحاضرة وقضاء الفائتة، لأنه كما في الحديث الصحيح: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ" (٣)، ولأن الصَّلاة ركنٌ لا يَسقُطُ بالنِّسْيان، ولذلك تجد العلماء قد قَيَّدوا ذلك بعَدَم كون إحدى العبادتين مَفعُولَةً على جهة القضاء.
وكَذَلكَ على سبيل المثال: السنن الرواتب لا تتداخل مع الصلوات المفروضة.
لكن تحية المسجد -مثلًا- تتداخل مع صلاة الفريضة، فلو أنَّكَ جئتَ، فَوَجدْتَ الصلاة قَدْ أقيمت، ولم تُدْرِك تحيةَ المسجد، فَكَثيرٌ من العلماء نَصَّ (٤) على أنَّ صلاة الفريضه حِينَئذٍ تُغْنِيكَ عن تحية المسجد،
стр. 234
بمعنى أن تحيَّة المسجد تدخل فيها، ومن المعلوم أن الداخل إلى المسجد مُطالَمب بأداء رَكعَتَيْن؛ لقولِهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكعَتَيْنِ" (١).
وكَذَلك تَتدَاخلُ تكبيرة الإحرام، فلو دخلتَ في الصلاة، وَكَان الإمامُ قَدْ رَكَعَ، وَفَاتَتْكَ تَكْبيرة الإحْرَام، فنويت بتكبيرتك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، تداخَلَت وأجزَأَتْكَ.
فَهَذا الكلامُ يَنْطبق على قياس الأحناف والمالكية الوضوءَ على غُسْل الجَنابة في قَوْلهم بعَدَم وُجُوب الترتيب، لأنَّ هناك فرقًا ظاهرًا بين العبادتين، فلو أن الجُنُبَ صَبَّ الماءَ على رأسه، فسال على بدنه، كان ذلك مُعتَبَرًا، بخلاف المتوضئ أنه لو سال الماء من وجهه على يده لم يُعتَبَر هذا؛ ولهذا قال الشافعية والحنابلة: إن هذا قياسٌ مع الفارق (٢).
(وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ المَسْنُونِ وَالمَفْرُوضِ مِنَ الأَفْعَالِ قَالَ: إِنَّ التَّرْتِيبَ
стр. 235
الوَاجِبَ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الأَفْعَالِ الوَاجِبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ قَالَ: إِنَّ الشُّرُوطَ الوَاجِبَةَ قَدْ يَكُونُ فِي الأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً).
أمَّا الترتيب بين سُنَنِ الوضوء، كتقديم المَضْمَضة على الاستنشاق، ومثل ذلك، هَلْ هُوَ على الوُجُوب أم لا؟ وهل يجوز للإنسان مثلًا أن يَتَمَضْمَضَ قبل أن يغسلَ يديه أم لا؟
الجواب: أمَّا مَنْ قالوا بعَدَم وجوب التَّرْتيبِ بين الواجبات، فهؤلاء قالوا كذلك بعدم وجوبه بين السُّنن، ولا خلاف بينهم في هذا (١).
وأمَّا الذين قالوا بوجوبه بين الواجبات، فمنهم مَن أَوْجَبَ كذلك الترتيبَ بين السُّنَنِ، وجَعَلَهُ مما لا ينبغي العدول عنه (٢).
ولَا شَكَّ أن سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ إنَّما هي بيان لكتاب الله ، وقَدْ بَيَّنَ الله تَعالَى هذا في كتابه غايةَ البيان في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فهذه السُّنَّة قد أيَّدَت بعض هذه الأحكام، والتقت مع القرآن فيها جملةً وتفصيلًا، إلى جانب أنَّها قد
стр. 236
أضَافت لنا أحكامًا جديدةً لم تكن موجودةً في كتاب الله ، كمَا هو الحال في تَحْريم الجمع بين المرأة وعمَّتها، وبين المرأة وخالتها (١)، فهذا الكلام حُجَّة على القائلين بالوقوف عند كتاب الله، وَعَدم الاحتجاج بالسُّنة، ويستدلُّون على ذلك بقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، بَلْ إنَّ هناكَ زيادةً في سُنَّة الرسول ﷺ لا تَتعَارض مع كتاب الله ؛ لأنهما مصدران جاءا عن طريقٍ واحدٍ.
فهناك من الأحكام ما لم يرد في كتاب الله تعالى، وإنما علمناه عن طريق السنة النبوية المطهَّرة، كالمضمضة والاستنشاق، والبياض الذي بين العِذَارِ (٢) والأذن، وتحديد الرأس طولًا وعرضًا، كل هذا إنما ورد في السنة (٣) لا الكتاب، فينبغي أن نتنبَّه لهذا الأمر؛ لأننا نسعى إلى أن تكون أفعالنا متوافقةً قَدْرَ الإمكان مع منهج الرسول ﷺ لا سيما في الوضوء الذي هو شرظ من شروط صحة الصلاة، والذي قال عنه الرسول ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (٤).
وقال أيضًا: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ" (٥).
وقال كَذَلك: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ" (٦).
(المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشُّرُوطِ: اخْتَلَفُوا فِي المُوَالَاةِ فِي أَفْعَالِ الوُضُوءِ).
стр. 237
وَ"المُوَالَاة" (١): هي عدَم التفريق، بمَعْنى ألَّا يُفَرِّقَ المتوضِّئُ أثناء وضوئِهِ بين عَمَلَيْنِ إلا بِجُزْءٍ يَسِيرٍ لا تأثيرَ له، والبحث في هَذ المسألة يَخْتصُّ بما إذا كان المُتَوضِّئُ يَجب عليه غَسْلُ هذه الأعضاء متواليةً عضوًا بعد آخَر أم لا.
فالعلماء مُجمِعُون على أن التفريقَ اليسيرَ لا أثر له (٢)، ولكن الخلاف إنَّما هو في التَّفْريق غير اليسير.
وَحَدُّ القِلَّةِ والكَثرَةِ في هذا محلُّ خِلَافٍ بين العلماء، وأشهر الأقوال فيه هو: "ألَّا تَتَأَخَّرَ في غَسْلِ عُضوٍ حتى يَجِفَّ الآخرُ في الجَوِّ المُعتَدِلِ" (٣)، كأن يؤخر المتوضئُ غسل اليدين حتى يجفَّ الوجه.
стр. 238
وَإنَّما قَيَّدُوهُ باعتدال الجَوِّ؛ لأنَّ الأجواءَ تَخْتلف فيما بينها، بحيث تجفُّ الأعضاء بسرعةٍ في الجو الحارِّ، وتجفُّ ببطءٍ في الجو البارد، فقيَّدوه بالمعتدل.
ومنهم مَنْ ضَبَطَ حَدَّ القِلَّةِ والكَثرة بالعادة (١)، بمعنى أن ما اعتَبَرَته العَادةُ تفريقًا فاحشًا ظاهرًا، فهذا هو عَدمُ المُوَالاة، وما اعْتُبِرَ عَادةً غَيْرَ فاحشٍ، فإنَّه هو التَّفريقُ اليسيرُ، استنادًا لمَا جاء في الحديث: "اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ" (٢)، كمَا هو الحال في مسألة التَّفْريق بين الدم القليل والكثير.
وممَّا تجدُرُ الإشارة إليه هاهنا أنَّ الَّذين قالوا بوجوب الموالاة من العلماء وببُطْلان وضوء مَنْ يُفَرِّقُهَا تفريقًا فاحشًا، إنَّما يَقْصدون بكَلَامهم هذا مَنْ يُفرِّقها عبثًا وتساهلًا (٣)، لا مَنْ يُفَرِّقُها لِكَوْنِهِ مُنشَغِلًا بالطهارة، فلو
стр. 239
أن إنسانًا غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ وَجَدَ في يديه ما يَمنَع وُصُولَ الماء إلى البشرة، فَاشْتَغَل في إزالته من يديه حتى جَفَّ وَجْهُهُ، فالعُلَمَاءُ هنا لم يَقُولوا ببطلان وضوئه، وإنما قالوا: هو مُشتَغِلٌ في حُكْم الطهارة، وما دام مُشتَغِلًا بحكم الطهارة، فلا تزال، ومثل ذلك ينطبق على المُصَاب بالوسواس، الذي يُكَرِّر الغسل ويَتمَادى في دَلْكِ الأعضاءِ، فالعُلَماءُ علَى أنَّ هذَا أيضًا مَعفُوٌّ عنه.
(فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ المُوَالَاةَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكرِ وَمَعَ القُدْرَةِ، سَاقِطَة مَعَ النِّسْيَافي وَمَعَ الذّكْرِ عِنْدَ العُذْرِ).
فَالمَالكيَّةُ يُفَصِّلُون في حُكْم المُوَالَاة، ويُفَرِّقُون بين الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ، فمَشْهور مَذْهب المالكية (١) أن الموالاةَ واجبةٌ مع الذِّكر، ساقطة مع النِّسيان، بما يتفق معِ ما ذَكَره العلماء من مُرَاعاة أصول الشريعة لِمَا يتعلق بالنسيان، بحيث جَعَلتْهُ الشريعةُ أحد أسباب التخفيف، كَمَا قال ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" (٢).
стр. 240
وقَالَ أيضًا ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَان" (١).
وقال كذلك ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢).
والرِّواية المشهورة عن المالكية هاهنا تلتقي مع الرواية المشهورة عن الحنابلة (٣)، بخلاف المسألة السابقة التي التقى فيها قول الحنابلة والشافعية، وهذه من مزايا دراسة الفقه المقارَن، فالباحثُ فيه يَلْمس حقيقة مَنهَج هؤلاء الفقهاء، ويتبيَّن بجلاء أن الغاية التي يَرُومُون (٤) الوصول إليها إنما هي الوصول إلى الحق لا لشيءٍ سواه.
(مَا لَمْ يَتَفَاحَشِ التَّفَاوُتُ).
وتَفاحُشُ التفاوت هذا كأن يَغسِلَ الإنسانُ وَجْهَهُ، ثمَّ يَخرُج إلى مكانٍ آخَرَ، وينشغل بأُمُورٍ أُخرى كالتِّجارة مثلًا، فهذا قد انْصَرَفَ عن الوضوء، فَحَدَثَ تفاوتٌ كبيرٌ في أثناء وضوئه، بينما الوضوء لا بد من الموالاة فيه عند مَنْ يقول بوجوبها.
(وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ المُوَالَاةَ لَيْسَتْ مِنْ وَاجِبَاتِ الوُضُوءِ).
فهذه المسألة -إذن- على ثلاثة أقوالٍ:
الرأي الأول: أن الموالاة ليست واجبةً، وهذا هو رأي الأكثرين،
стр. 241
منهم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وبعض المالكية (٣)، ورواية للحنابلة (٤).
الرأي الآخر: أنَّ الموالاةَ واجبةٌ، وهو المشهورُ في مذهب الحنابلة (٥).
الرأي الثالث: التفريق بين الناسي والجاهل، فالناسي يُعذَر، وغير الناسي لا يُعْذَر، وهذا هو مشهور مذهب المالكية (٦).
فَائدَةٌ: عَدَمُ ذِكْرِ المُؤلِّفِ لمَذْهب الإمام أحمد هاهنا إنَّما هو من المَآخِذِ على هذا الكتاب.
وَمُؤَلِّفُ الكتَاب قَدْ نَصَّ على أنه نَقَلَ آرَاء العلماء من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، فقال: "وإنَّما عوَّلتُ في نَقْلِ آراء العلماء على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر".
وكتَاب "الاستذكار" لابن عبد البر كان في السابق من المُشْكلات التي تواجه طلاب العلم؛ لأنه لَمْ يكن متوفرًا من هذا الكتاب في الماضي إلا جزآن، أما الآن فقد صار الكتاب -بحمد الله- موجودًا ومطبوعًا بكامله طباعةً جيدةً، وأحاديثه مُخَرَّجة، بل صار خَيْرَ مَرْجِعٍ لهذا الكتاب فيما
стр. 242
يتعلق بِنَقْلِ المذاهب، فابن عبد البر يَذكُر آراءَ العلماء، وَربَّما يزيد فيها أحيانًا، فلننتبه لهذا إذن، فربما احْتَجْنَا للرُّجُوع إليه في بَعْض المَسَائل.
وقد نجد أحيانًا أن بعض العلماء -كابن جرير وابن عبد البر- لم يَذْكُرَا مذهب أحمد، فمثلًا ابن عبد البَر لم يَذْكُر الإمامَ أحمدَ في كتاب "الانتقاء"، فهل يُفْهَم من هذا أنه لا يَعْتبره من الفقهاء أم لا؟ والكَلَامُ في هذا يَطُولُ، ويَحْتاج مزيدًا من التفصيل، أمَّا ابنُ رُشْدٍ، فَلَا نَسْتطيع أن نقول: إنه لا يعتبر الإمامَ أحمدَ من الفقهاء، بل هو عنده فقيهٌ مُعتبَرٌ؛ لأنه يذكر رأيَهُ كثيرًا، لكنه يُصَنِّفُ وهو في الأندلس، فمتى ما وَجَدَ رأي الإمام أحمد نَقَلَهُ، وإن لم يجده لم يَنقلْهُ، فلا ينبغي أن نُحَمِّلَ ابنَ رُشدٍ هذه المسألة، لا سيما وقد ذَكَرَ آراءَهُ، وفَصَّلَ فيها في مواضعَ كثيرةٍ.
(وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ الاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي الوَاوِ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُعْطَفُ بِهَا الأَشْيَاءُ المُتَرَاخِيَةُ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ).
وَالحَقيقةُ أنَّ هذا كلامٌ غير مُقنِعٍ، فالمؤلف أحيانًا يَخرُجُ إلى الأدلَّة العقليَّة، وقضية (الواو) التي ذَكَرَهَا هاهنا إنما هي استدلالٌ ليس بالقَوِيِّ، فَعُمْدَة القائلين بعَدَم وجوب الموالاة هو الأثر الثابت عن عبد الله بن عمر ﵄، والذي جاء فيه: "أن عبد الله بن عمر كان في السُّوق، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ دُعِيَ إلى جنازةٍ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، ثم قَامَ فَمَسَحَ على خُفَّيْهِ بعد أَنْ جَفَّتْ أَعْضَاؤُهُ" (١)، هَذَا هو الأثر الذي اعْتَمَدُوا علَيه، وَدعَّموا به مَذهَبَهُمْ كأقوى دَلِيلٍ لهم في المسألة، فهم يقولون: إن عبد الله بن عمر لَمَّا دُعِيَ إلى الجنازة، مَسَحَ على خُفَّيْهِ بعد فَتْرةٍ من الانقطاع عن الوضوء، وبَعْدَ أن جَفَّت أَعْضَاؤُهُ، ولو كانت الموالاةُ واجبةً، لَمَا فَعَلَ ذَلكَ، فابْنُ عُمَرَ صحابيٌّ، ولا شكَّ أنه يُدْرِكُ
стр. 243
هذا الأمرَ، ولا شكَّ أنه مِنْ أحْرَص النَّاس على فِعْلِ الرَّسول، وَعَلى الاقتداء به، ولأننا لو افترَضْنَا أن عبد الله بن عمر سَهَا عن ذلك، لأنكرَ علَيه باقي الصَّحابة قطعًا، وحيث لم يُنْكَر على عبد الله بن عمر ذلك الفعل، فَهَذا إنَّما يَدُلُّ على عدَم وُجُوب المُوَالاة.
(وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ لِسُقُوطِ المُوَالَاةِ بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي أَوَّلِ طَهُورِهِ، وَبُؤَخّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ إِلَى آخِرِ الطُّهْرِ" (١)).
والقَائلُونَ بوُجُوب المُوَالاة (٢) إنَّما يردون هذا الدَّليل بأنَّ هذَا إنَّما يَكُونُ في الغُسْل، والعلَّة في تأخيرِهِ ﷺ غَسْلَ رِجْلَيْهِ، إنَّما هي نظافَة المكَان، أما هنا فالمَسْألة مُتَّصلة لاشْتِرَاكِ الوضوء وَالغُسْل فِي كَوْنِ كلٍّ منهما طَهَارةً، وَهَذَا الاشتراكُ يَقْتضي عدَم الفَصل بينهما في هَذَا المقام، فهذه قضيةٌ خاصَّة، بمعنى أن هذا ليس فيه دليلٌ قاطعٌ على جفاف الأعضاء، فلم يرد فيه إلا أنه يؤخرها، والماء ما زال يفيض على البدن كما هو معلوم: "ثُمَّ أَفَاضَ المَاءَ عَلَى بَدَنِهِ"، فَأَصْرَحُ أدلَّة القائلين بعَدَم الوجوب -إذن- هو أثر ابن عمر ﵄.
أما القائلون بالوجوب، فلهم أدلةٌ اعتمدوا عليها فيما ذهبوا إليه، وَمِنْ أَصْرَحِهَا: حديث عمر بن الخطاب ﵁ في "صحيح مسلم": أن
стр. 244
الرسول ﷺ رأى رجلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ في قَدَمِهِ، فَأَمَرَهُ قائلًا: "أَحْسِنْ وُضُوءَكَ" (١)، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى، فلو لَمْ تكن المُوَالاةُ وَاجِبَةً، لَمَا أَمَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ بقَوْله هَذَا، وَلَمَا فَهِمَ الرَّجُلُ الأمرَ بإحسَان الوُضُوء.
وقَدْ أجَابَ القَائلُونَ بعَدَم وُجُوب الموالاة على هذا الحديث بأنَّ الأمرَ بإعَادة الوضوء هاهنا لَمْ يكن بسبب تَرْكِ المُوَالاة، ولكن لأنَّه تَرَكَ جزءًا يسيرًا من القَدَم لم يَغْسِلْهُ، فأُمِرَ بِغَسْلِهِ.
وَكَذَلك استدلَّ القائلون بوُجُوب المُوَالاة بأحاديثَ أُخْرَى، ومنها الأَحَاديثُ الَّتي فيها إجمالٌ في الدلالةِ، وَهِيَ أَحَاديثُ صحيحةٌ من طريق عائشة وميمونة وغَيْرهما، بَعْضها مُتَّفَقٌ عليه، وبَعْضها رُوِيَ في "صحيح مسلمٍ"، وبعضها كَذَلك رُوِيَ في كتب السُّنن، كحديث: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَاب مِنَ النَّارِ" (٢)، وأجَاب عَنْها القائلون بعَدم وجوب المُوَالاة أيضًا بأنَّ هَذا لا يدلُّ على وُجُوب المُوَالاة، وإنَّما يُفْهَم منه أنَّ مَن تَرَكَ غَسْلَ جزءٍ من العُضو -حتَّى ولو كان بقدر اللمعة- لم يَتِمَّ وضوؤُه بذلك، وَصَار كأنَّه لم يتوضأ.
(وَقَدْ يَدْخُلُ الخِلَافُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَيْضًا فِي الاخْتِلَافِ فِي حَمْلِ الأَفْعَالِ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ).
وَالخلَافُ فِي حَمْل أفعَال الرَّسُول ﷺ علَى الوُجُوب أم النَّدْب (٣)،
стр. 245
إنَّما أرَاد به المؤلِّفُ أنَّه ﷺ كمَا تَوَضَّأَ مُرتِّبًا، فإنَّه كَذَلك كان يُوَالِي بين أعضائِهِ في الوضوء، وهَذِهِ هي حُجَّة القَائِلِين بوُجُوب المُوَالاة.
(وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ العَمْدِ وَالنِّسْيَان، لِأَنَّ النَّاسِيَ الأَصْلُ فِيهِ فِي الشَّرْعِ أَنَّهُ مَعْفُوّ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" (١)).
ولا شكَّ أنَّ النِّسيانَ من أسباب التخفيف التي ذَكَرَهَا العلماءُ (٢) إلى جانب السفر والمرض والقصور والإكراه، فالناسي معفوّ عنه، وليس العفو هاهنا على إطلاقه قطعًا، فلا يَسقُط ركنٌ من أركان الصلاة بالنسيان، فالقضية فيها تفصيلٌ، ولكن من حيث العموم معلومٌ أن الأصل في الناسي أنه معفوٌّ عنه، والدليل على هذا قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٣).
وهذا الحديث قد وَرَدَ بِعِدَّةِ ألفاظٍ، منها أيضًا: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنِ الأُمَّةِ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ" (٤)، وَ"إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي" (٥)، وله عِدَّةُ طُرقٍ وشواهدُ كثيرةٌ ومتعددةٌ، قد جَمَعَها العلماءُ واستَوْفوها في كتب الحديث، وانْتَهَوْا إلى أنَّ الحديثَ صحيح أو حَسَنٌ.
(وَكَذَلِكَ العُذْرُ يَظْهَرُ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ أَنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي التَّخْفِيفِ).
العُذْر قد يكون مرضًا، وقَدْ يكون سفرًا، وَمثل ذَلكَ، والإنسان إذا كان
стр. 246
ذا عُذْرٍ لا شكَّ أن هذا يكون سببًا من أسباب التخفيف عنه في أصل الشرع.
(وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ (١)، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ" (٢)، وَهَذَا الحَدِيثُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النِّيَّةُ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ فِيمَا أَحْسَبُ) (٣).
والقائلون بوُجُوب التَّسْمية من العلماء إنما يقولون بوجوبها حال الذكر، وبسُقُوطها عَمَّنْ نَسِيَهَا، وقد ذكرنا هذا الكلام مُفَصَّلًا فيما مَضَى.
والسَّبَبُ في قَوْلهم بوُجُوب التَّسمية إنَّما هو حديث: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ"، فبعض العلماء استدلَّ بهذا الحديث على وجوب التَّسمية، وأكثرهم لا يَقُول بالوُجُوب (٤)، بل إنَّ بَعْضَهم فَسَّرَ ذَلكَ بأن التَّسميةَ إنَّما
стр. 247
يُرادُ بها النيَّة هاهنا (١)، وَسَببُ اخْتلَافهم حول هذا الحديث أنَّ مَدَارَهُ على ابن حَبِيب المالكيِّ، لكن الحديث له عِدَّة طُرُقٍ وشواهد، وقد حسَّنَه كثيرٌ من العلمًاء، منهم الإمام النوويُّ ﵀ (٢)، فينبغي للإنسان ألا يَغفَلَ عن ذلك.
* قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ هَذَا الْبَابِ مَجْرَى الْأُصُولِ، وَهِيَ كَمَا قُلْنَا مُتَعَلِّقَةٌ إِمَّا بِصِفَاتِ أَفْعَالِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَإِمَّا بِتَحْدِيدِ مَوَاضِعِهَا، وَإِمَّا بِتَعْرِيفِ شُرُوطِهَا، وَأَرْكَانِهَا، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ. وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ إِذْ كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ).
ممَّا سبق يتبيَّن لنا مدَى عناية الفقهاء واهتمامهم بهَذِهِ المسائل الفقهيَّة المرتبطة بدين المسلم، فآيةُ الوُضُوءِ إنَّما ذَكَرَت لنا أُمُورًا أربعةً، لَكن العُلَماء انْتَهوا إلى هذه النتائج المفيدة لكل مُسْلمٍ بسَبَب عنَايتهم بالمَسَائل المتعلِّقة بالوُضُوء، وتَدْقيقهم فيها، وهذا كلُّه لا شكَّ إنما يَتَأتَّى من دراسة هذا الفقه العظيم، الذي لا يَبْلَى علَى طول الزَّمان عِزُّهُ، ولا يَفنَى بكثرة ما يُنفَقُ منه، فَكَمْ مَرَّ مِن العصور والدُّهُور علَى هَذِهِ الشَّريعة إلَّا أنَّها تَظَلُّ بَاقيةً ما بقي اللَّيل والنَّهار، صالحةً لكل زمانٍ ومكانٍ.
أن الَّذينَ يَجْهلون قدرَ هذه الشريعة من الحاقدين عليها من غير المسلمين عندما أرادوا القدحَ فيها، لم يحاولوا التعرضَ للعقيدة الإسلامية؛
стр. 248
لأنها عقيدةٌ صافيةٌ نقيةٌ، تختلف عمَّا هم عليه من عقائدَ فاسدةٍ، فتَرَكوها لَمَّا لم يجدوا فيها مكانًا للطعن، والتجأوا إلى الفقه الإسلامي، فأَخَذوا يَقْدحون في هذا الفقه، ويتكلَّمون عنه، ويَتَّهمونه بأنه لا يعدو أن يكون حلولًا جزئيةً مفكَّكةً ليس بينها ترابطٌ، ويُقَدِّمُون عليه القانون، وَيرَوْنَه قد وُضِعَ لَه أُصُولٌ وأُسُسٌ.
وقَدْ خَرَج من بين هؤلاء نَفرٌ كان قولُهُم قولَ صدقٍ، فأَنْصَفوا هذا الفقه، وعرفوا قيمتَه، وبَعْضهم قد وَجَّهَ اللومَ لبعض المُسْلمين، وقال: إنَّ على المسلمين أن يُظْهروا هذا الفقه.
وقَدْ حَدث هذا الإنصاف من بعضهم عندما اطَّلعوا على مباحث العلماء، وظهر لهم ما في الفقه الإسلامي من خصوبةٍ (١) وشمولٍ، وقواعد ثابتة مستقرة صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ.
بَلْ إنَّه حينما وُجِدَ من بعض الناس مَنْ يدَّعي أنَّ الفقه الإسلامي استفاد من القانون الروماني -حِينَئذٍ وَجَدْنَا منهم مَنْ خرج ليدحض هذه الشبهة، ويُفنِّدها، ويبين عدم صحتها؛ لأن القانون الروماني في الأصل لم يُتَرجَم للعربية إلا في القرن الثالث، بمعنى أن القانون الروماني حينما تُرجِمَ كان الفقه الإسلامي قد نَضَجَ، وعُرِفَ، وتَنَاقَلَتْهُ الأجيالُ، وكَانَ الأئمَّة الأربعة قَدْ وَضَعُوا أصُولَهم، وَدَرَّسُوا مَذَاهبَهم الفقهيَّةَ، وَمَحَّصوها، بَلْ كَانَ تلاميذهم قَدْ بَحَثوا في عِلَلِ الأحْكَام، وخَرَّجُوا على مَسَائِلِ أصْحَاب المَذَاهب، واستَدَلُّوا علَيها، وَكَانت المَوْسوعاتُ قد دُوِّنَت.
وَمَن له اطلاعٌ ومعرفة بتاريخ المذاهب والأدب العربي والتاريخ الإسلامي يجد أن غالب الكتب التي تُرجِمَت من اليونانية وغَيْرها إنَّما عُنِيَتْ في الأَصْل بالفلسفة والمنطق، وهذا قَدْ لا يفيد الإسلامَ، بَلْ قد يكون فيه ضررٌ على الإسلام، أما الفقه، فَهُوَ الَّذي أفادَ غَيْره، حتى إننا لَنَجِدُ أن القانون الفرنسي استفاد كثيرًا من الفقه المغربيِّ؛ لأنه كان موجودًا
стр. 249
في الأندلس، ومن يَقْرأ في كُتُب القانون يُدرِك أهمية ذلك، ومن هنا يتبيَّن لنا مدى خصوبة الفقه الإسلامي.
وَمَن الجدير بالذِّكْرِ أنَّ تَجَدُّدَ الحوادثِ والوقائعِ يَسْتَلزم على الدوام أن يكون هناك مَنْ يُعْنَى بهذا الفقه ويُمَحِّصُهُ، ولذا فإننا ننبه دائمًا على أنَّ دراسة الفقه إنما تكون دراسةً مقارنةً فاحصةً لا تَهْدُفُ إلى نُصْرة مَذهبٍ بعينه من المَذَاهب، بَلْ يجب أن تكونَ الغاية من دراسة الفقه هي معرفة الحق من أجل اتباعه كائنًا مَن كان صَاحِبُهُ، فلو أن إنسانًا يتبع مذهبًا من المذاهب، ثمَّ ظهر له بالدليل أن الحقَّ في غيره، فإنما يَتوجَّب عليه الرُّجوع إلى الحق، بل إن هذا هو تمام الاقتداء بأئمة المذاهب الذين كانوا يقولون: "إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ، فَهُوَ مَذْهَبِي" (١).
والأَخْطَرُ من ذَلكَ أن نجدَ من المسلمين مَنْ يتعصَّب لإمامه في بعض الفروع، أو يتعصب له في مسائلَ ضعيفةٍ، ثم إذا به يترك الأخذَ برأيه في أمور العقيدة التي هي أساس هذه الشريعة ولُبُّهَا، والأصل أن يُعْنَى الإنسان أَوَّلًا بأمر العقيدة، حتى إذا ثَبَتَتْ في قلبه واستَقَرَّتْ، فَحِينَئذٍ له أن يُفَرِّعَ علَيها، ولذَلكَ أمْضَى الرَّسُولُ ﷺ في مكَّة ثلاثةَ عَشَرَ عامًا، وهُوَ يُعْنَى بأمر العقيدة، لم يَكلَّ ولم يَملَّ حتى أرساها وَثبَّتَها، ثم لَمَّا انتَقَلَ إلى المدينة، زادت العناية بالأحكام لَمَّا بدأَت هذه الأحكام تزداد كثوةً.
ونخلص من هذا كله إلى أهمية الاهتمام بدراسة الفقه دراسةً مقارَنةً وافيةً، وهذه الدراسة لها مَيْزَةٌ تنفرد بها عن دراسة المذهب الواحد، وهي الوقوف على آراء باقي أصحاب المذاهب، ومعرفة دليل كلٍّ منهم، ولا شكَّ أن الدارس حِينَئذٍ قَدْ يجد في تلك المذاهب ما لَنْ يجده في دراسة المذهب الواحد، فالذي يدرس مذهبًا بعينِهِ من المَذَاهب إنَّما يَدُورُ في فَلَك ذلك المذهب لا يخرج عنه.
стр. 250
قال المصنف ﵀ رحمة واسعة:
(المسح على الخفين)
* قوله: (وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِأُصُولِهِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ).
قد يسمع -الإخوةُ- كثيرًا هذه المسألةَ في أصول أمَّهات المسائل، ومن أسباب اختياري لهذا الكتاب أنه كتابٌ يعنى بأمَّهاتِ المسائل، فهو أقرب إلى القواعد الفقهية، وفي شرحنا للمسح على الخفين سيضطرنا المقام أن نعرضَ لقاعدةٍ أو قاعدتين فقهيتين من حيثُ الإيجازِ لا الإطناب (١)، لما لهما من عَلاقَةٍ بالمسح على الخفين من حيث التخفيف؛ لأنَّ المسحَ على الخفَّين مبنيٌّ على التخفيف، فهو إنما وُضِعَ تيسيرًا في هذه الشريعةِ السمحةِ.
إذًا قوله: (بِأُصُولِهِ) يعني: أصولَ هذا الباب، وليس معنى ذلك أنَّ كلَّ ما يتعلق بالمسحِ على الخفين إنَّما يذكره المؤلف في هذا الكتاب، بل هو يذكرُ أصولَ المسائلِ، وإذا ضَبَطَ الإنسانُ أصولَ المسائل سَهُلَ عليه أن يَعْرِفَ فروعَهَا وجزئيَّاتِها.
* قوله: (فِي سَبْعِ مَسَائِلَ).
في العادةِ أنَّ الفقهاء يضعون عُنوانًا مستقلًّا فيقولون مثلًا: بابُ المسح على الخفين، لكنَّ المؤلف أدخله هنا ضمن هذه المسائل؛ لأنه يربط الأبوابَ بعضَها ببعضٍ، فهو لصلته بباب الوضوء لم يفصله عنه، غير أنَّ بعض الفقهاء يعنونونَ للمسح على الخفينَ بباب مستقلٍّ فيقولون: باب المسح على الخفين، على أساس أن الوضوء إنَّما هو كتاب، وكذلك الطهارة، فيقال: كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة.
إذًا هنا باب المسح على الخفين، فما معنى المسح على الخفين؟