ويقصد هنا بقوله: "حِينَ يَخْرُجُ الإمام"، يعني: حين يدخل الإمامُ المَسجدَ، وليس يخرج منه.
* قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُ الوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ المُخْتَصَّةُ بِيَوْمِ الجُمُعَة، فَاتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الجَمَاعَةَ).
صلاة الجمعة لا بُدَّ فيها من الجماعة، إذًا لماذا سُمِّيت جمعة؟ لأنَّ الناس يجتمعون فيها، وكذلك صلاة الجماعة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الجَمَاعَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَاحِدٌ مَعَ الإمام، وَهُوَ الطَّبَرِيُّ).
الإمام الطبري والحَسَن بن صالح (١).
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اثْنَان سِوَى الإمام) (٢).
وهي رواية للإمام أحمد (٣) والأوزاعي (٤).
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ دُونَ الإمام (٥)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي
стр. 1895
حَنِيفَةَ (١). وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ) (٢).
والإمام أحمد له عدة روايات (٣).
وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ الجُمُعَة: الِاسْتِيطَانُ عِنْدَهُ، حَدَّ هَذَا الجَمْعَ بِالقَدْرِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا عَلَى حِدَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ مَالِكٌ ﵀) (١).
والجمهور كلهم يَشترطون في الجمعة: الاستيطان (٢)، فلا تجب على المسافر، وقد اشترط ذلك داود الظَّاهري، ونُقل عن الإمام الزُّهري -أحد التابعين- أنَّه قيد ذلك فيما إذا سمع المسافر النداء، وأمَّا جماهير العلماء؛ منهم الأئمة الأربعة: لا يُجِيبون الجُمُعَة على مسافر (٣).
* قوله: (وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ الأَرْبَعِينَ (٤)، فَمَصِيرًا إلى مَا رُوِيَ: أَنَّ هَذَا العَدَدَ كَانَ فِي أَوَّلِ جُمُعَة صُلِّيَتْ بِالنَّاسِ) (٥).
стр. 1899
وهذه الجمعة صَلَّاها أسعد بن زرارة، فكانت أول جمعة بالمدينة (١)، ولكن ورد أنَّ العدد فيها كان خمسين في دليل آخر، وأخذ به أحمد في رواية له (٢).
وقصد المؤلف هنا: أنَّ الجماعة شرط، فإذا ما تم العدد وجبت الجمعة، والعدد مختلف فيه.
* قوله: (فَهَذَا هُوَ أَحَدُ شُرُوطِ صَلَاةِ الجمعة؛ أَعْنِي: شُرُوطَ الوُجُوبِ وَشُرُوطَ الصِّحَّةِ (٣)، فَإِنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا هِيَ شُرُوطُ وُجُوبٍ
стр. 1900
فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا يَجْمَعُ الأَمريْنِ جَمِيعًا؛ (أَعْنِي: أَنَّهَا شُرُوطُ وُجُوبٍ وَشُرُوطُ صِحَّةٍ (١)).
* قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ الاسْتِيطَانُ (٢)).
فيما يتعلَّق بالاستيطان، معلوم أنَّ النَّاسَ يختلفون في سُكناهم، فهناك من يسكن المدن، وتختلف اتِّساعًا، وأقل من ذلك الاتساع زيادة سُكان وما ينقص عن ذلك، وأيضًا من ذلك القرى، إذًا هناك مدن يسكنها الناس، وهي التي تعرف بالأمصار، كذلك هناك من يَقطن (٣) في القرى، وهناك العرب الرُّحَّل الذين يسكنون في خيام يتتبعون القَطْر، فإنَّهم يتنقلون من مكان إلى مكان، فتراهم إمَّا صيفًا أو شتاءً، يُقيمون خيامهم المعروفة؛ سواء كانت من الشعر أو غيره، فمتى ما وجدوا مواضع القطر العُشب نزلوا عندها؛ لترعى من ذلك أنعامهم، فإذا ما قل ذلك تتبعوا مواقع المطر، وحَلَّوا هناك.
стр. 1901
فالنوع الثاني، وأقصد بهم الذين يسكنون البوادي، ويتنقلون من مكان إلى مكان، فهؤلاء لا تجب الجمعة عليهم باتفاق العلماء (١).
لكن الذين تجب عليهم الجمعة هم ما عدا هؤلاء، فهل يشترط فيهم أن يكونوا من سكان المِصر؛ أي: المدن، أم من سكان القرى؟
جماهير العلماء على أنَّه لا فرق بين المدن والقرى في وجوب الجمعة على سُكَّانها، متى ما توفرت الشروط، ووجد العدد المطلوب لإقامة الجمعة، فإن نقص العدد فإنَّه لا تجب الجمعة (٢). وقد مر بنا
стр. 1902
الخلاف في ذلك (١).
وبهذا نتبين أنَّ العلماء مختلفون فيما يتعلَّق بوجوب الجمعة على أهل القرية، هم متفقون على وجوبها على أهل المدن، ومتفقون على أنَّها لا تجب على الرُّحَّل، لكنَّهم يختلفون في وجوبها على أهل القرى.
والصحيح من مذاهب العلماء؛ وهو مذهب الجمهور: أنَّها تجب على أهل القرى؛ لأنَّ أول جمعة جمع بها بعد جمعة المدينة إنَّما كانت بالبحرين، في قرية معروفة، فقد نُصَّ على أنَّها في قرية (٢).
ويختلف العلماء بعد ذلك في المباني التي تقام فيها، أو تقام عليها القرى، هل يشترط أن تكون -مَثَلًا- من اللَّبِن، أو كما في وقتنا الحاضر من المسلح من الطوب، أو أنَّه يكفي بأن تكون من الجريد، أو من الخشب، أو من القصب، أو مما يشبه ذلك.
وباختصار فهذه القضية اختلف فيها العلماء: فمنهم من يشترط أن تكون من نوع المباني المعروفة التي تعارف الناس عليها.
стр. 1903
فنقول: لو تعارف الناس في قُراهم على بناء نوع معين؛ كأن يكونوا تعارفوا في بعض مبانيهم أن يقيموها من القصب، أو الخشب، أو الجريد، أو جذوع النخل (١)، أو غير ذلك، فإنَّ هذا في الحقيقة يعتبر بناءً قد اصطلحوا وتعارفوا عليه، وتجب على هذا النوع الجمعة (٢). وكلنا يذكر
стр. 1904
أنَّ مسجد رسول اللَّه ﷺ إنَّما كان سقفه من الجريد (١).
إذًا أحوال الناس فيما مضى ليس كحالتهم اليوم، فليسوا كلهم فيما مضى لديهم القدرة على أن يُقيموا مساكنهم من المباني، وإنَّما كانوا يقيمونها من أنواع أُخرى، ولكن مما يشترط في المباني ألَّا تكون متباعدة بُعدًا فاحشًا، أمَّا إذا كان البُعد معقولًا؛ أي: مما لا يراه الإنسان بُعدًا مفرقًا، فإنَّه بذلك تتكون من هؤلاء المجموعة، فتجب عليهم الجمعة (٢).
إذًا الاستيطان هل هو واجب؟
стр. 1905
نعم، نقول: هو أحد الشروط التي أضافها العلماء إلى الجمعة (١). ولكننا نقول: لا فرق بين أن يكون في مدينة أو قرية (٢)، فالمدن ليست محل خلاف، والرسول ﷺ وأصحابه أقاموا الجمعة في هذه المدينة وفي غيرها، وأيضًا نجد أنَّ اللَّه أطلق على بعض المُدن قُرى؛ كمكة، قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧]، وقد تكرر ذلك في آيات عديدة من كتاب اللَّه ، إذًا الاستيطان شرط، لكن لا فرق بين أن يكون في مدينة أو قرية.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ الاسْتِيطَانُ، فَإِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الجمعة لَا تَجِبُ عَلَى المُسَافِرٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ) (٣).
стр. 1906
أمَّا المسافر ففيه خلاف، ومن العلماء مَن يرى وجوب الصلاة على المسافر إذا حضرها؛ مثل: الزُّهري، وهو أحد التابعين (١)، ورأينا مَن يوجبها عليه إذا توفر العدد، وهو داود الظَّاهري، ولا ننسى أنَّ داود الظاهري يرى أنَّ الجمعة تنعقد إذا اجتمع اثنان؛ أحدهما يكون إمامًا، والآخر مأمومًا (٢).
* قوله: (وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ؛ لِإِيجَابِهِمُ الجمعة عَلَى المُسَافِرِ (٣)، وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ المِصْرَ (٤) وَالسُّلْطَانَ مَعَ هَذَا).
لماذا اشترط أبو حنيفة المِصر والسلطان؟
لأنَّه ورد في ذلك حديث: "لا جُمُعة ولا تشريق إلَّا في مِصر جامع". رُفع ذلك إلى النبي ﷺ (٥)، ووُقِف على علي بن أبي طالب ﵁ (٦).
стр. 1907
إذًا: "لا جمعة"، و"لا": نافية للجنس، و"جمعة" هنا: نفي قيام الجمعة، "لا جمعة، ولا تشريق"، أي: صلاة التشريق، لا جمعة ولا تشريق إلَّا في مِصر، والمِصر قالوا: يخرج القرية إلَّا في مِصر جامع، أي: يجمع الناس، لكن هذا حديث ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، وقد رأينا ما يعارضه، أنَّ ثاني جمعة أُقيمت في الإسلام كانت في قرية بالبَحرين؛ وتعرف (بجواثى) (١).
* قوله: (وَاشْتَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ المِصْرَ وَالسُّلْطَانَ مَعَ هَذَا (٢)، وَلَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا البَابِ: هُوَ الِاحْتِمَالُ المُتَطَرِّقُ إلى الأَحْوَالِ الرَّاتِبة الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فِعْلِهِ إيَّاهَا ﷺ ).
يُشير المؤلف إلى أنَّ القضية هنا قضية استقراء، يعني: الحنفية يقولون: صلاة الجمعة إنَّما أقامها الرَّسُولُ ﷺ في المدينة، يعني: لم يقمها في قرية، وأقامها في مِصر جامع يجمع الناس ولم يُقمها في مكان آخر، إذًا باستقراء أحوال النبي ﷺ نجد أنَّ جمعه ﷺ في مدينةٍ في مِصْرٍ يجمع الناس، وكذلك خلفاؤه (٣).
стр. 1908
وسيعرض المؤلف لمسألة مهمة، وهي مسألة: هل يجوز أن تتعدد الجمعة في بلد واحد؟
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا البَابِ: هُوَ الِاحْتِمَالُ المُتَطَرِّقُ إلى الأَحْوَالِ الرَّاتِبة الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فِعْلِهِ إِيَّاهَا ﷺ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، أَوْ وُجُوبِهَا، أَمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصلِّهَا ﷺ إِلَّا فِي جَمَاعَةٍ وَمِصْرٍ وَمَسْجِدٍ جَامِعٍ).
هذا حصل، ولكن لا يدل على أنَّه شرط، وإنَّما هذا كان متحققًا في زمن الرَّسُول ﷺ ، لذلك مثلًا نجد أنَّه في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ كان فيما قبله كانت صلاة العيد تُقام في الصَّحراء، ومع ذلك لما شكا إليه بعض الناس أنَّه يوجد من بين الناس الضعفاء أَذِن لهم، أو ترك لهم أبا مسعود البدري يُصلي بهم في المسجد، وخرج بالنَّاس إلى الصحراء (١).
وقد رأينا أنَّ عثمان ﵁ زاد النداء الثاني -الذي هو الأول على الزَّوراء- عندما اتسعت المدينة، واقتضت الحاجة تلكم الزيادة (٢).
стр. 1909
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ اقْتِرَانَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ بِصَلَاتِهِ مِمَّا يُوجِبُ كَوْنَهَا شَرْطًا فِي صَلَاةِ الجمعة اشْتَرَطَهَا، وَمَنْ رَأى بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ اشْتَرَطَ ذَلِكَ البَعْضَ دُونَ غَيْرِهِ).
هذه قضايا يختلف فيها العلماء، ويتضح ذلك عندما ننتقل إلى الخُطبة، أي: إلى الخطبتين في الجمعة، واتفاق العلماء عدا الحسن (١) على أنَّها شرط في الجمعة (٢).
стр. 1910
فالعلماء متفقون على ذلك، لكنَّهم يختلفون في تفصيلها، ثم يختلفون بعد ذلك فيما يُقال في الخطبة، هل هناك أمور ثابتة، شروط متعينة لا بُدَّ أن يَلتزم بها كلُّ خَطيب يَخطب الناس في الجمعة، أو أنَّ له أن يختار ما يرى أنَّه مناسب، وهل له أن يختار مع تعين أمور لا بُدَّ من توفرها؟ نترك ذلك إلى محله إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَمَنْ رَأى بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ اشْتَرَطَ ذَلِكَ البَعْضَ دُونَ غَيْرِهِ؛ كَاشْتِرَاطِ مَالِكٍ المَسْجِدَ (١)، وَتَرْكهِ اشْتِرَاطَ المِصْرِ (٢)، وَالسُّلْطَانِ (٣)، وَمِنْ هَذَا الوَضْعِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ
стр. 1911
هَذَا البَابِ، مِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ تُقَامُ جُمُعَتَانِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ لَا تُقَامُ؟).
هذه مسألة في نظري من المسائل الكبرى، وما كان ينبغي للمؤلف أن يذكرها عَرَضًا؛ لأنَّه التزم بأنَّه سيذكر أمهات المسائل وقواعدها، وهذه قضية مهمة جدًّا، هل يجوز تعدد الجمعة، أم لا؟ لأنَّ مَن لا يرى تعددها لا يرى صحة الجمعة في غير المسجد الجامع الذي يقيمه الإمام أو من يُنيبه، ومَن يرى ذلك يرى جوازه، ومعلوم أنَّ الأحوال قد تغيرت، وأنَّ الأمور قد تبدلت، ففرق بين الزمن الذي كان فيه رسول اللَّه ﷺ وبين زماننا هذا وما قبله، فإنَّ المسلمين -بحمد اللَّه- قد كثروا، وبلاد المسلمين قد اتسعت، ومدنهم -أيضًا- قد تمددت، وكثر فيها عدد السكان، فهل نبقي الحال على ما كان في زمن رسول اللَّه ﷺ ، أو ما كان في زمن الخلفاء الرَّاشدين، أو بعدهم، وحتى في زمن الأئمة، بل لو دققنا النظر في هذه المسألة لوجدنا أنَّ آخر الأئمة وهو الإِمَامِ أحمد يختلف عن بقية الأئمة، فهو قد وَسَّع في تعدد الجمعة، وإن كان وَضعَ قيدًا، ومن العلماء من رأى التعدد، إذًا هذه قضية مهمة جدًّا، والعلماء قد اختلفوا فيها:
стр. 1912
١ - فمنهم من ذهب -وهم أكثرهم الحنفية من حيث الجملة لا التفصيل- إلى التعدد (١)؛ كمحمد بن الحسن، فيرى أن تُقام جمعتان، وأبو يوسف يرى أنَّها -مثلًا- تقام جمعتان في بغداد، وهذا حديث عما مضى: "إذا وُجدت مدينة يفصل بينها فاصل، فإنَّها تقام جمعتان" (٢).
٢ - ولكن الأئمة من حيث الجملة: أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)،
стр. 1913
والشافعي (١)، وهي رواية -أيضًا- للإمام أحمد (٢) يرون أنَّه لا يجوز أنَّ
стр. 1914
تتعدد الجمعة في بلد، أي: لا يجوز أن تُقام أكثر من جمعة في بلد واحد.
٣ - ومِن العلماء من قال بجواز تعدد الجمعة؛ أي: مطلقًا، وهو قوله عطاء من التابعين (١)، وقوله داود الظاهري (٢).
٤ - ومن العلماء -وهي الراوية الأخرى عند الإمام أحمد (٣) - مَن أجاز التعدد عند الحاجة (٤).
والذين منعوا تعدد الجمع استدلوا بما يأتي:
قالوا: ما عُرف في زمن الرَّسُول ﷺ أنَّها أقيمت أكثر من جمعة في
стр. 1915
مدينة واحدة، فها هي المدينة التي عاش فيها رسول اللَّه ﷺ وأصحابه الكرام والمؤمنون مِن بعدهم في القرون الأولى، ما عُرف أنَّه أُقيم فيها أكثر من جمعة، إذًا لو كانت الجمعة جائزة، أو كان تعدد الجمعة جائزًا لحصل ذلك من الرَّسُول ﷺ ، ولبينه للناس، لكن الرَّسُول ﷺ لم يُعَدِّد الجمع، ولم يأذن بذلك، ولم يُفعل في زمنه فَيُقره، فذلك دليل على أنَّها لا تتعدد. قالوا: ولم يحصل ذلك في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وحتى في زمن عليٍّ بالنسبة للجمعة، ﵃ جميعًا، إذًا الجمع لم تتعدد هنا (١).
ولكن يجاب عن ذلك: بأنَّ عدم تتعدد الجمع في المدينة إنَّما هو لعدة أسباب: يأتي في مقدمتها عدم الحاجة إلى ذلك، فهل المجتمع المدني في زمن رسول اللَّه ﷺ وفي زمن خلفائه الرَّاشدين هو بهذا الحجم، وبهذا العدد؟
стр. 1916
أبدًا؛ لا يقرب من ذلك، إذًا نسبته إلى هذا العدد قليلة جدًّا، إذًا لم تكن هناك حاجة لإقامة أكثر من جمعة.
الأمر الآخر: أنَّ الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ تختلف عن غيره، فرسول اللَّه ﷺ هو الذي يَنزل عليه الوحي، وهو المُبَلِّغ عن اللَّه رسالته، وهو الذي تنزل عليه الأحكام فيُلقيها على الناس، والناس يحرصون على أن يأتوا فيحضروا صلاة رسول اللَّه ﷺ ؛ ليأخذوا من علمه وأحكامه.
وأيضًا لما في الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ من الفضل، إذًا لم تكن هناك حاجة (١).
وقد يقال: تكرر ذلك في زمن الخلفاء الرَّاشدين.
ويُجاب أيضًا: بأنَّهم كانوا يحرصون على أن يأخذوا عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ولكننا نقول: قد صح ذلك وثبت عن عليٍّ ﵁ أنَّه أَذِنَ للضعفاء من المسلمين أن تُصلى بهم صلاة العيد في المسجد، وخرج بالآخرين، وهذه صلاة عيد، وهذه صلاة عيد الجمعة فلا فرق (٢).
نعود مرة أُخرى لنقرر المسألة: اللَّه قد أنزل علينا هذه الشريعة وخصها بخصائص لم تكن في الشرائع السابقة، ولقد استقرأ العلماء ﵏ هذه الشريعة، وبينوا أنَّها تقوم على أُسس عظيمة، يأتي في
стр. 1917
مقدمة هذه الأسس والأصول: التيسير ورفع الحرج؛ يقول في كتابه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال أيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، والرسول ﷺ يقول: "بَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، ويَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا" (١).
إذًا هذه الشريعة جاءت لترفع عن هذه الأمة الأغلال (٢) التي كانت على الأمم السابقة، فهذه الشريعة وضع فيها العلماء القاعدة المعروفة: (المشقة تجلب التيسير)، آخذين ذلك من نصوص كتاب اللَّه ، ومن سنة رسول اللَّه ﷺ (٣)، فلو أنَّه أخذ بقول الأكثرين: لا يجوز أن تتعدد الجمعة في بلد واحد، فهل من الممكن أن يجتمع الناس كلهم في هذه المدينة التي تعتبر من أواسط المدن سكانًا، هل يمكن أن يجتمع الناس دون أن يلحقهم ضرر وعناء ومشقة؟ وعلمنا أنَّ الضرورات أباحت المحظورات (٤)،
стр. 1918
وهنا لا يتعلَّق الأمر بأمر محظور يصل إلى حَدِّ تحريم الميتة، ونحوها، والعلماء قالوا: الحاجة تُنَزَّل منزلة الضرورة؛ عامَّة كانت أو خاصَّة (١)، والحاجة هنا قائمة، فما بالكم في مُدن يَصل عدد سكانها إلى عشرة ملايين، أو يتجاوز ذلك، أو أقل، هذا أمر متعذر، ويترتب عليه عناء ومشقة وضرر يلحق بالمسلمين.
إذًا الواقع أنَّ تعدد الجمعة نظرًا للحاجة إليه: جائزٌ.
لكن لا ينبغي أن يتوسع في ذلك من غير حاجة، فيقال: كل مسجد تقام في الجماعة تقام فيه الجمعة، لا، ينبغي أن تلاحظ حالات الناس وظروفهم، وليس كل الناس لديها الاستطاعة أن ينتقل من مكان بعيد إلى مكان قريب.
إذًا أقرب الأقوال في ذلك هو الذي يلتقي مع روح هذه الشريعة، ومع سموها وشرها وتخفيفها؛ هو أنَّه يجوز أن تتعدد الجمعة عند الحاجة إليها، فإذا احتاج المسلمون في مدينة من المدن إلى أن تقام صلاة الجمعة
стр. 1919
في أماكن متعددة، فذلك جائز، وذلك لا يخرج عن نطاق الشريعة الإسلامية، بل يلتقي مع لُبِّها، ومع روحها؛ لأنَّ في ذلك تيسيرًا على الناس، وتخفيفًا عليهم، ورفعًا للمشقة عنهم، وذلكم هو ما جاءت به هذه الشريعة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الأَحْوَالِ وَالأَفْعَالِ المُقْتَرِنَةِ بِهَا، هُوَ كَوْنُ بَعْضِ تِلْكَ الأَحْوَالِ أَشَدَّ مُنَاسَبة لِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الجَمَاعَةِ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهَا حَالٌ مِنَ الأَحْوَالِ المَوْجُودَةِ فِي الصَّلَاةِ (١). وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ المِصْرَ وَلَا السُّلْطَانَ شَرْطًا فِي ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنَاسِبٍ لِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ) (٢).
الشافعي وأحمد مع الإمام مالك في ذلك، يعني: لا يرى المصر شرطًا، لأنَّه يرى أن تقام الجمعة في القرية، وهو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد (٣)، ولا يرى أنَّ الصلاة لا بُدَّ أن تقام وراء السلطان.
نعم، الأَوْلَى أن تقام وراء السُّلطان، لكن السلطان له أن يُنيب غيره؛ له أن ينيب القاضي، أو ينيب إمامًا، وغير ذلك، فيصلي بالناس، وهذا
стр. 1920
معروف في أوائل الإسلام (١).
* قوله: (وَرَأى المَسْحِدَ شَرْطًا؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مُنَاسَبة (٢)، حَتَّى لَقَدِ اخْتَلَفَ المُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ، هَلْ مِنْ شَرْطِ المَسْجِدِ السَّقْفُ أَمْ لَا؟ (٣)).
هذا من باب التشديد، وهو لا يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية التي جاءت بالتيسير على هذه الأمة، وسيورد المؤلف جملة من الآيات والأدلة، وهذا يدل على أنَّه ﵀ لم يَكن مُتعصبًا لمذهبه؛ لأنَّه ينتسب إلى مذهب مالك، لكن الحقَّ دائمًا ضالة المؤمن، وهكذا شأن كل إنسان يريد
стр. 1921
الوصول إلى الحقِّ، لا ينبغي أن يتتبع الرجال على أسمائهم؛ فيقول: هذا قول فلان لا بُدَّ أن آخذ به، فإن كانت القضية قضية قول فلان؛ فالأولى دائمًا أن تقف عند أقوال رسول اللَّه ﷺ ، ثم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، هذا الذي ينبغي، لكن العلماء يختلفون، وأنت خذ ما ترى أنَّ الدليل يُعضده، ويقف بجانبه.
* قوله: (حَتَّى لَقَدِ اخْتَلَفَ المُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: هَلْ مِنْ شَرْطِ المَسْجِدِ السَّقْفُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ تَكُونَ الجُمُعَةُ رَاتِبةً فِيهِ أَمْ لَا؟ (١)، وَهَذَا كُلُّهُ تَعَمُّقٌ فِي هَذَا البَابِ).
وأنا مع المؤلف في ذلك، لا حاجة أن يكون هناك سقف، ثم نوع السقف، ثم أن يكون دائمًا تُقام فيه الجمعة، هذه أمور فيها تشديد، وليس هناك أدلة تدل عليها.
* قوله: (وَهَذَا كلُّهُ تَعَمُّقٌ فِي هَذَا البَابِ، وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ).
стр. 1922
يعني: يريد المؤلف أن يقول: يُخشى أن يصل ذلك إلى درجة الغلو، وكم من أقدام زَلَّت (١) بسبب الغلو، واللَّه حَذَّرنا أن نقع فيما وقع فيه من سبقونا؛ قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، والرسول ﷺ يقول: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُون" (٢)، وقال: "إيَّاكم والغُلُوَّ في الدِّين" (٣)، فكم من أُناس زَلَّت أقدامهم، وانحرفوا عن الطريق السوي، وركبوا طريق الغواية (٤)، بسب غلوهم في دين اللَّه، وخير مثال على ذلك: ما حصل من الخوارج، وأيضًا يقابل ذلك الذين يُفرطون في دين اللَّه، ويتساهلون فيه، فيخرجون من ربقة الإسلام.
إذًا دينُ اللَّه وسط، ولن يُشاد الدين أحد إلَّا غلبه، لذلك الرَّسُول ﷺ يقول: "سددوا وقاربوا" (٥).
стр. 1923
إذًا لا ينبغي أن يذهب المؤمن إلى الغلو (١)، ولا إلى أن يُفرط في دينه، وإنَّما ينبغي عليه أن يسير في نطاق كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، ونعلم قصة أولئك النفر الذين قال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال الثاني: لا أنام الليل. وقال الثالث: لا أفطر؛ يعني: أصوم دائمًا. فأنكر عليهم الرَّسُول ﷺ ، وبين أنَّ ذلك ليس من روح الإسلام، ومع أنَّه ﷺ أتقى للَّه ، وأفضل خلق اللَّه على الإطلاق بما في ذلك الأنبياء إلَّا أنَّه قال: "أمَّا أنا فأصوم وأُفطر، وأُصَلِّي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمَن رغب عن سنتي فليس مني" (٢).
إذًا التَّشدد في دين اللَّه غير مطلوب، وفرقٌ بين التَّشدد والغلو وبين التزام الطريق السوي الذي أمر اللَّه به وأمر به رسوله ﷺ ؛ وهو الطريق المستقيم الذي أشار اللَّه إليه بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ولا شكَّ أنَّ اتباع طريق اللَّه ، والتزام صراطه هو الذي فسَّره الرَّسُولُ ﷺ عن طريق ضرب المثل، عن طريق الخطوط (٣)، هذا هو الطريق السوي، أمَّا الغلو في
стр. 1924
دين اللَّه، فهو خروج عن دين اللَّه، وكم مِن أمم وأناس وقعوا بسب غلوهم في دين اللَّه .
* قوله: (وَلقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ شُرُوطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَمَا جَازَ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهَا ﵊.
نعم؛ لأنَّ هذا بيان، والبيان واجب، واللَّه يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ويقول ﷺ : "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُراَنَ ومِثلَهُ مَعَه" (١)، وكانت وظيفته ﷺ أن يُبَلِّغ هذه الرسالة، وأن يُبيِّنَ للنَّاسِ ما أُشكل عليهم، وكانت الأحكام تَنزل عليه ﷺ تترى (٢)؛ إمَّا أنَّها تنزل هكذا، وإما عن طريق سؤال، أو استفتاء، وكل ذلك قد أشار اللَّه إليه في كتابه العزيز (٣).
* قوله: (لَمَا جَازَ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهَا ﵊، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ بَيَانَهَا؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وَلقَوْلِهِ تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]، وَاللَّهُ المُرْشِدُ لِلصَّوَابِ).
стр. 1925
وهذا حقيقة كلام جيد، ينبغي أن يأخذ به كلُّ طالب علم، وكل من يريد الحق، فالحق ينبغي أن يَرجع إليه المؤمن، حتى وإن أخذ برأي من الآراء، أو توقف، فإنَّه ينبغي أن يرجع إلى الحق، لذلك عندما كتب عمر ﵁ كتابه المشهور في القضاء إلى أبي موسي الأشعري، بيَّنَ له، فقال: "الحق، الحق، اعرف الأشباه والأمثال، وقِس الأمور برأيك، ولا يمنعنك أن تقضي قضاء اليوم فيظهر لك في غَدِه أنَّ الحق فيه أن ترجع إليه" (١). هذا هو شأن المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، هذا هو شأن المؤمنين.
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الأَرْكَانِ)
* قوله: (اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا خُطبة، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الخطبة) (٢).
وهذه مسألة مهمة؛ وهي الخطبتان في الجمعة، وصلاة الجمعة إنَّما
стр. 1926
هي ركعتان، كما جاء في حديث عمر: "والجمعة ركعتان غير قصر" (١)، يعني: غير مقصورة، وجاء عن عمرو ﵁ (٢)، أنَّه قال: "إنَّما قصرت الصلاة -يعني الجمعة- لأجل الخطبة" (٣).
ومعلوم أنَّ الجمعة تقوم بركعتين؛ فمن أدرك الصلاة؛ أي: الجمعة، فإنَّه يُصليها مع الإمام ركعتين، وإن فاتته أُولاهما وأدرك الثانية منهما وكان الإمام راكعًا، فإنَّه في هذه الحالة يأتي بركعة ثانية، ويُصليها جمعة، لكن لو جاء وقد فاته الركوع في الركعة الثانية، فإنَّه حينئذٍ يُتِمُّها ظهرًا، على خلاف في المسألة؛ فعند أبي حنيفة: يرى أنَّه ما دام قد أدرك جزءًا من الجمعة، قياسًا على الصلاة، فإنَّه يتمها جمعة (٤)، وأظن أنَّ المؤلفَ
стр. 1927
سيعرض لهذه المسألة، لكن هذه المسألة -كما ترون- الجمعة فيها خطبة، فالمؤلف قال: إنَّما هي خطبة، ولم يقل: إنَّما هما خطبتان؛ لأنَّ قضية الاكتفاء بخطبة أو خطبتين محل خلاف (١)؛ لأنَّ العلماء متفقون على وجود
стр. 1928
الخطبة، لا خلاف بين العلماء في أنَّ من شروط الجمعة، وجود خطبة، لا بُدَّ من الخطبة فيها (١)، لكن خالف في ذلك الحَسَنُ فقط من التابعين، وقال: "لو صلوا الجمعة ولم تكن خطبة أجزأتهم" (٢)، وهذا خلاف ما عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، منهم الأئمة الأربعة، فإنَّهم يرون أنَّ الخطبة شرط (٣)؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ خطب، وخطب خلفاؤه، واستمر المسلمون على ذلك، ولم ينقل أن رسول اللَّه ﷺ ترك خطبة الجمعة، وهو القائل: "صلوا كما رأيتموني أُصلي" (٤)، وقد فسر العلماء
стр. 1929
قول اللَّه : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فاسعوا إلى ذكر اللَّه، قالوا: إن المراد بذكر اللَّه هنا: إنَّما هي الخطبة (١)، وهناك أدلة عدة تدل على الخطبة، وسنعرض لها -إن شاء اللَّه- تفصيلًا فيما يتعلَّق بذلك.
وهذه الجمعة لها مواصفات وشروط: منها ما هو واجب، ومنها ما ليس بواجب، وأعني به: ما هو سنة، لكن ينبغي في مثل ذلك أن يَلتزم الخطيب بما كان يفعله رسول اللَّه ﷺ ، فإنَّه كان إذا خرج على الناس ﷺ صلى (٢)،
стр. 1930
وإذا صعد المنبر سَلَّم على الناس (١)، ثم قام بلال فأذن (٢)، ثم قام رسول اللَّه ﷺ فخطب الناس خطبة جامعة (٣)؛ يحمد اللَّه فيها، ويثني عليه، ويوصي الناس بتقوي اللَّه ، وكثيرًا ما يُبين ﷺ في خطبته: "إنَّ خيرَ الكلام كتابُ اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ "، فقد وردت عدة أمور نُقلت عن الرَّسُول ﷺ في خطبته (٤)، ثم يجلس قليلًا، ثم بعد ذلك يقوم ويخطب، وكان الرَّسُول ﷺ يُصوِّب (٥) نظره إلى الناس، يعني: يُوجه وجهه إليهم (٦)، لا يلتفت