هي ركعتان، كما جاء في حديث عمر: "والجمعة ركعتان غير قصر" (١)، يعني: غير مقصورة، وجاء عن عمرو ﵁ (٢)، أنَّه قال: "إنَّما قصرت الصلاة -يعني الجمعة- لأجل الخطبة" (٣).
ومعلوم أنَّ الجمعة تقوم بركعتين؛ فمن أدرك الصلاة؛ أي: الجمعة، فإنَّه يُصليها مع الإمام ركعتين، وإن فاتته أُولاهما وأدرك الثانية منهما وكان الإمام راكعًا، فإنَّه في هذه الحالة يأتي بركعة ثانية، ويُصليها جمعة، لكن لو جاء وقد فاته الركوع في الركعة الثانية، فإنَّه حينئذٍ يُتِمُّها ظهرًا، على خلاف في المسألة؛ فعند أبي حنيفة: يرى أنَّه ما دام قد أدرك جزءًا من الجمعة، قياسًا على الصلاة، فإنَّه يتمها جمعة (٤)، وأظن أنَّ المؤلفَ
стр. 1927
سيعرض لهذه المسألة، لكن هذه المسألة -كما ترون- الجمعة فيها خطبة، فالمؤلف قال: إنَّما هي خطبة، ولم يقل: إنَّما هما خطبتان؛ لأنَّ قضية الاكتفاء بخطبة أو خطبتين محل خلاف (١)؛ لأنَّ العلماء متفقون على وجود
стр. 1928
الخطبة، لا خلاف بين العلماء في أنَّ من شروط الجمعة، وجود خطبة، لا بُدَّ من الخطبة فيها (١)، لكن خالف في ذلك الحَسَنُ فقط من التابعين، وقال: "لو صلوا الجمعة ولم تكن خطبة أجزأتهم" (٢)، وهذا خلاف ما عليه جماهير العلماء من السلف والخلف، منهم الأئمة الأربعة، فإنَّهم يرون أنَّ الخطبة شرط (٣)؛ لأنَّ الرَّسُول ﷺ خطب، وخطب خلفاؤه، واستمر المسلمون على ذلك، ولم ينقل أن رسول اللَّه ﷺ ترك خطبة الجمعة، وهو القائل: "صلوا كما رأيتموني أُصلي" (٤)، وقد فسر العلماء
стр. 1929
قول اللَّه : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فاسعوا إلى ذكر اللَّه، قالوا: إن المراد بذكر اللَّه هنا: إنَّما هي الخطبة (١)، وهناك أدلة عدة تدل على الخطبة، وسنعرض لها -إن شاء اللَّه- تفصيلًا فيما يتعلَّق بذلك.
وهذه الجمعة لها مواصفات وشروط: منها ما هو واجب، ومنها ما ليس بواجب، وأعني به: ما هو سنة، لكن ينبغي في مثل ذلك أن يَلتزم الخطيب بما كان يفعله رسول اللَّه ﷺ ، فإنَّه كان إذا خرج على الناس ﷺ صلى (٢)،
стр. 1930
وإذا صعد المنبر سَلَّم على الناس (١)، ثم قام بلال فأذن (٢)، ثم قام رسول اللَّه ﷺ فخطب الناس خطبة جامعة (٣)؛ يحمد اللَّه فيها، ويثني عليه، ويوصي الناس بتقوي اللَّه ، وكثيرًا ما يُبين ﷺ في خطبته: "إنَّ خيرَ الكلام كتابُ اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ "، فقد وردت عدة أمور نُقلت عن الرَّسُول ﷺ في خطبته (٤)، ثم يجلس قليلًا، ثم بعد ذلك يقوم ويخطب، وكان الرَّسُول ﷺ يُصوِّب (٥) نظره إلى الناس، يعني: يُوجه وجهه إليهم (٦)، لا يلتفت
стр. 1931
يمينًا ولا شمالًا (١)، يقصر (٢). وإن كان عند الحنفية (٣)، لكن الذي نقل من عدة طرق أنَّ الرَّسُول ﷺ كان يصوب وجهه (٤)، وكذلك كان خلفاؤه، وأصحابه من بعده (٥)، والسبب في تصويب وجهه للناس؛ ليسمعه الناس
стр. 1932
جميعًا، فلا ينصرف يمينًا فيذهب صوته عن أهل اليسار، ولا ينصرف يسارًا فيذهب صوته عن أهل اليمين، وحتى يكون عادلًا، ويراه الناس، والناس هم الذين يشدون أبصارهم إليه وهو يخطب، وكان الرَّسُول ﷺ يخطب على قوس، أو عصا، أو سيف (١).
إذًا هذا يستحب ويسن، لكن لا يشترط ذلك، فلو ترك ذلك لجاز.
ومن ذلك قال العلماء: ولو لم يتوكأ على شيء فإنَّه إمَّا أن يقبض يديه مثلًا، وإمَّا أن يُرخيهم (٢)، ولكن من أهم الأمور هو هذه الخطبة، فقد
стр. 1933
جاء في الحديث تسمية هذا اليوم عيدًا (١)، إذًا هو عيد، يجتمع فيه المسلمون، فالمسلمون يجتمعون في الصلوات الخمس بعدد أقل، ثم يتسع هذا الجمع الأكبر في يوم الجمعة، فالناس يأتون من أطراف متعددة، ومن جوانب متفرقة في هذه المدينة، والناس أحوج ما يكونون إلى مَن يذكِّرهم بأيَّام اللَّه ، يُبيِّن لهم ما يجب، وما يحرم، ويرسم لهم الطريق السوي الذي ينبغي أن يسيروا عليه.
وينبغي على الخطيب أن يكون مؤثرًا في خطبته، وأن يختار موضوعًا قيمًا له علاقة بالناس.
إذًا إلى جانب كونه يذكرهم بأيَّام اللَّه، يذكرهم بما يجب عليهم أن يفعلوه، وما يحرم، يذكرهم بالقيامة، وما فيه من الحساب، يبين لهم ما في كتاب اللَّه من الوعد والوعيد، لذلك نجد أنَّ الرَّسولَ ﷺ كان يُكثر من قراءة سورة (ق) على المنبر؛ كما جاء في حديث أمِّ هشام، أنَّها قالت: "ما حفظتُ سورةَ ق، إلَّا من في رسول اللَّه ﷺ " (٢)، وفي بعض الروايات: "من لسان رسول اللَّه ﷺ ، كان يقرأها على المنبر" (٣)؛ لأنَّ هذه
стр. 1934
السورة افتتحت ببيان مكانة القرآن العظيم، قطب هذه الشريعة، هذا الكتاب الذي نستمد منه الأحكام، والذي يتجدد بتجدد الزمن، والذي لا تنقضي عجائبه، ولا يقل عطاؤه.
إذًا نجد أنَّ اللَّهَ افتتح به، وذكر ما يتعلَّق بموقف المشركين من رسول اللَّه ﷺ من تعجبهم، فقال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٢]، عجبوا أن يكون من بينهم، وهم يعرفون أمانته وصدقه، كذلك تكلم اللَّه عن البعث؛ لأنَّهم كانوا ينكرونه، وأقام الشواهد والأدلة على أنَّ من خلق هذا الكون، ومن أوجد هؤلاء -ومن بينهم أولئك الذين أوجدهم هو قادر على أن يعيدهم مرة أُخرى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ [ق: ٤٢، ٤٣]، ثم ختم اللَّه هذه السورة بخاتمة طيبة.
إذًا الإمام دائمًا ينبغي أن يختار موضوعًا قيمًا، فيه توجيهٌ للناس، فيه نصحٌ لهم وتنبيه إلى ما يقع بينهم من بعض الأمور التي تخالف شرع اللَّه ، والتي قد تكون سببًا في غضب اللَّه ، ويُقرِّب إليهم الأمور التي تجتمع حولها كلمتهم، وألَّا يتفرقوا، وأن يكونوا أُمَّة واحدة.
وينبغي أن يكون الخطيب بليغًا في كلامه، فصيح اللسان؛ لأنَّ الخطيب هنا إنَّما هو داع، هو مبلغ دعوة رسول اللَّه ﷺ ، لأنَّ من يَقف على المنبر إنَّما يوجِّه الناسَ إلى الخير، يدعوهم إلى الطريق السوي، طريق الرشاد والهداية، ويحذرهم من طريق الغواية والضلال، ويدل الناس على ما فيه سعادتهم.
وعليه أن يتجنب الألفاظ التي فيها غموض، والتي لا قيمة لها، وإنَّما يختار الألفاظ الجزلة؛ التي ليس فيها غرابة على الناس، ولا تخفى على العامَّة، سهلة واضحة.
إذًا هذه الخطبة لها أهمية كبيرة؛ لأنَّ النَّاس يتجمعون، وهم
стр. 1935
مأمورون بالسكوت والإنصات (١)، ولا شكَّ أنَّ المواعظ لها أثر عظيم في إحياء القلوب، وتوجيهها، وإصلاحها.
وأيضًا ليس من شروط الخطبة أن تكون طويلة، بل العلماء يذهبون إلى أن الأولى في الخطبة أن تكون قصيرة (٢)، لكنَّه مع قصرها ينبغي أن تحمل المعاني العظيمة؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ يقول: "قِصَرُ خُطبة الرجل مِئِنَّة (٣) فقهه" (٤): علامة فقهه، لكنَّه ربط قصر الخطبة بالفقه، وكل ما كان الإنسان عالمًا فقيهًا متمكنًا استطاع أن يَنفُذ إلى قلوبِ الناسِ، وأن يَستولي على
стр. 1936
مجامع نفوسهم؛ فيؤثر فيهم أعظم تأثير؛ لأنَّه إذا كان فقيهًا مُؤثرًا أَثَّر في الناس.
ولكن قد يحتاج الخطيب إلى أن يُسهب في خطبته؛ لأنَّ المقام يَستدعي ذلك، وليس عيبًا، فقد يُطيل الخطيب، فقد تَنزل بالمسلمين نازلة، أو يرى أنَّه قد تفشى (١) في صفوف بعض المسلمين نوع من أنواع الفساد، فهذا المقام يتطلب زيادة بسطٍ وبيانٍ وتوضيحٍ، وفي هذا خير كثير؛ لذلك الرَّسُول ﷺ ما كان يُطيل الموعظة، إنَّما هي كلمات يسيرة (٢)، ولكننا لا ننسى أنَّ رسول اللَّه ﷺ ليس كغيره، فهو ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، فهو قد أُعطى خمسًا لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبله (٣)، ومن بينها: جوامع كلمه ﷺ ؛ يقول الألفاظ اليسيرة، فتحمل المعاني العظيمة الكبيرة (٤).
стр. 1937
إذًا هذه أمور ينبغي أن نعتني بها، ونعلق -إن شاء اللَّه- على كل جزئية منها.
* قوله: (اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهَا خُطْبَةٌ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الخُطْبَةِ (١)، وَاخْتَلَفُوا من ذَلِكَ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ؛ هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا البَابِ).
إذًا هي قواعد هذا الباب، فلا تنتظروا من المؤلف أن يَجمع لكم كل مسألة وردت في صلاة الجمعة، فكثير مما ذكرت أثناء حديثي لم يتعرض له؛ لأنَّه يراها جزئية، ولكنَّه يأخذ بأصول المسائل، وبمجامعها، فيقف عند قواعدها التي يرى أنَّ بقية الفروع والجزئيات تُرَدُّ إليها.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي الخُطْبَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا أَمْ لَا؟).
الخطبة شرط من شروط الجمعة فلا بد من وجودها فيها (٢)، والخلاف في تفصيلها، هل يقتصر على واحدة أم لا بد من اثنتين؟ (٣) هل الجلوس بين الخطبتين واجب أم لا؟ (٤) هل القيام واجب؟ (٥) هل الطهارة فيها واجبة؟ (٦) هذه كلها مسائل محلّ خلاف بين العلماء، لكنهم مجمعون على الأصل، أن الخطبة شرط (٧)، ولم يخالف إلا الحسن البصري، وقوله ضعيف في هذه المسألة (٨).
стр. 1938
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ وَرُكْنٌ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ).
ليسوا قومًا، فهو الحسن البصري، فربَّما يفهم من قوم أنهم جمع كبير، والواقع على خلاف ذلك، فالذي خالف في ذلك الحسن (٢).
* قوله: (وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ إِلَّا ابْنَ المَاجِشُونِ (٣). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الأَصْلُ المُتَقَدِّمُ مِنِ احْتِمَالِ كُلِّ مَا اقْتَرَنَ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ شُرُوطِهَا أَوْ لَا يَكُونَ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ الخُطْبَةَ حَالٌ مِنَ الأَحْوَالِ المُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ).
المؤلف يبحثها بحثًا عقليًّا، لكننا نقول: إن العلماء الذين أوجبوا أو ذهبوا إلى أنها شرط استدلُّوا بالكتاب والسنة، وباتفاق العلماء على ذلك، إلا من خالف وخلافه يُعدُّ يسيرًا (٤).
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
стр. 1939
قالوا: والمراد بالذكر هنا إنما هو الخطبة (١)، واللَّه أمر ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿فَاسْعَوْا﴾: صيغة أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والسعي إنما هو موجه إلى ذكر اللَّه، وذكر اللَّه هو الخطبة، إذن فالخطبة واجبة (٢).
واستدلُّوا أيضًا بأن الرسول ﷺ ما تركها قطُّ في حياته؛ فكان يخطب الناس يوم الجمعة وكذلك خلفاؤه (٣)، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). ومن صلاته ملازمته للخطبة، وقوله ﷺ أمر، والأمر يقتضي الوجوب، إذن يجب أن نلتزم هذه الخطبة ولا نتركها.
ثالثًا: ما أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة (٥).
* قوله: (وَبِخَاصَّةٍ إِذَا تَوَهَّمَ أَنَّهَا عِوَضٌ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَقَصَتَا مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ).
هناك ما نقل عن بعض السلف أنه قال: كانت الجمعة أربعًا، فأقيمت الخطبة مقام الركعتين ومنهم التابعي الجليل سعيد بن جبير (٦).
* قوله: (قَالَ: إِنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَشَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا (٧)، وَمَنْ رَأَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ المَوْعِظَةُ المَقْصُودَةُ مِنْ سَائِرِ
стр. 1940
الخُطَبِ رَأَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) (١).
الموعظة مطلوبة في الحقيقة، لكنها ليست كل الخطبة، والموعظة أيضا مؤثرة، ولا شكَّ أن الموعظة لها أثرها في مثل ذلك اليوم.
* قوله: (وَإِنَّمَا رُفِعَ الخِلَافُ فِي هَذِهِ الخُطْبَةِ هَلْ هِيَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ لِكَوْنِهَا رَاتِبَةً مِنْ سَائِرِ الخُطَبِ).
стр. 1941
مراد المؤلف: أن هذه الخطبة إنما هي خطبة من الخطب، كما يخطب في يوم العيدين، وفي غيرهما، إذن لماذا تختص هذه الخطبة فتكون شرطًا، هذا هو مراده.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ (١) لِوُجُوبِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وَقَالُوا: هُوَ الخُطْبَةُ).
هي كما ذكرنا الآية وبيَّنَّا وجه الدلالة منها، وكذلك أيضًا ملازمة الرسول ﷺ لهذه الخطبة واستمراره عليها مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقول عمر: "إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة" (٢).
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِهَا فِي القَدْرِ المُجْزِئِ مِنْهَا).
حينما نتتبع خطب الرسول ﷺ التي نقلت إلينا جوانب منها، نجد أن الرسول ﷺ كان يحمد اللَّه ويثني عليه، ويقرأ قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، ومن يضلل فلا هادي له، وكان ﷺ أيضًا يذكر في خطبته: "إنَّ خير الكلام كتاب اللَّه تعالى، وإن خير الهدي هدي محمد- ﷺ "، وكان ﷺ يقرأ آية أو يقرأ آيات من القرآن، وقد قرأ سورة (ق) عدة مرات كما في حديث أم هشام (٣)، وذكر أيضًا مرَّةً سورة "براءة" (٤). وسيأتي الكلام عن ذلك إذا انتقلنا إلى
стр. 1942
الإنصات يوم الجمعة. وقصة أبي الدرداء عندما دخل يوم الجمعة والرسول ﷺ يخطب الناس، فوجده يقرأ سورة "براءة" فالتفت إلى أُبيّ بن كعب يسأله: متى نزلت؟ وكان أول مرة يسمعها، فلم يرد عليه أُبيٌّ، فلما انصرف من صلاته استغرب ذلك؛ لأنه أنكر على أُبيّ بن كعب ﵄، فردَّ عليه أُبيّ بقوله: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت، ثم ذهب إلى رسول اللَّه ﷺ يذكر له ما ذكر له أُبيّ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق أُبيٌّ" (١). فنرى أن الرسول ﷺ يذكر آيات من القرآن ويستشهد بها، إذن ينبغي للخطيب أن يحمد اللَّه ، وقد ثبت في الحديث الصحيح: "كلُّ كلام لا يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أبتر" (٢). وجاء في روايات -وإن لم تكن مشهورة-: "كل كلام لا يبدأ فيه ببسم اللَّه فهو أقطع" (٣). إذن رسول اللَّه ﷺ كان يبدأ بحمد اللَّه، ونحن نجد أن أول سورة في كتاب اللَّه
стр. 1943
هي سورة الفاتحة، وأنها افتتحت بقول اللَّه بعد بسم اللَّه الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِهَا فِي القَدْرِ المُجْزِئِ مِنْهَا).
الضمير في قوله (وجوبها) يعود إلى الخطبة، وقد رأينا في مطلع هذه المسألة أن المؤلف قد أشار إلى أن العلماء بعد اتفاقهم -ويعني: بهم الجمهور- على اشتراط الخطبة في الجمعة اختلفوا في القدر الواجب؛ لأن الخطبة تطلق في لغة العرب ويقصد بها معنى (١)، وتطلق أيضًا في عرف الشريعة ويقصد بها ما جاء في خطب رسول اللَّه ﷺ ، وما تلاها من خطب خلفائه والصحابة، فأيّ المعنيين المراد؟
هل المراد ما جاء في لغة العرب؟ فإن قيل بذلك فيكفي أقل ما يسمَّى خطبة في كلام العرب، فلو أن إنسانًا وقف فحمد اللَّه أو سبح اللَّه أو كبر وهلل فإنه يُسمَّى خطيبًا، لكن في عرف الشرع هناك ضوابط وأسس كما أشرنا قبل قليل، أمور راتبة مستقرة ثابتة ترد في الخطب، ولذلك -كما أشرنا من قبل- نجد أن الرسول ﷺ كان في خطبه يحمد اللَّه ، ويقول: "مَن يهد اللَّه فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له" (٢). وكان أيضًا ﷺ يقول: "إنَّ خير الحديث كتاب اللَّه ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ " (٣) وكان يبشر الناس ويحذرهم من الفتن ومن
стр. 1944
غيرها (١). إذن خطب الرسول ﷺ كانت تشتمل على قضايا ثابتة، وأمور تتجدد، ومما كان يرد في خطبه ﷺ أنه كان يوصي الناس بتقوى اللَّه ، وأنه كان يتلو آيات أو سورًا في خطب يوم الجمعة (٢).
* قوله: (فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: "هُوَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عليه اسْمُ خُطْبَةٍ فِي كَلَامِ العَرَبِ مِنَ الكَلَامِ المُؤَلَّفِ المَبْدُوءِ بِحَمْدِ اللَّهِ") (٣).
стр. 1945
لو أردنا أن نتعرف على الحكمة من وضع هذه الخطبة، لرأينا أن هذه الحكمة هي أن الناس يجتمعون في هذا اليوم العظيم الذي اشتمل على كثير من الفضائل والمحاسن، فيأتون من كل فجٍّ (١)، ويجتمعون وينضوون (٢) تحت سقف واحد في مسجد واحد، يتسابقون إلى استماع هذه الخطبة، فينبغي إذن أن تشتمل هذه الخطبة على فوائد وثمار ونتائج يخرج الناس وقد استفادوا منها، ومنها وجدنا -كما أشرنا- أن الرسول ﷺ كان يُكثِر من قراءة سورة (ق) (٣).
لأن سورة (ق) افتتحها اللَّه بقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ١، ٢]. إذن سورة (ق) تحدثت عن أمر عظيم خطير، ألا وهو ما يتعلَّق بالبعث، فإن المشركين كانوا ينكرونه، واللَّه قد ضرب الأمثلة وأقام الأدلة في هذه السورة، وبعد أن عرض كثيرًا من المواعظ والذكر في هذه السورة، قال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧].
إذن نجد أن الرسول ﷺ كان يبحث عمَّا يؤثر في نفوس الناس، عما كان يأخذ بأيديهم ويقودهم إلى طريق الخير والرشاد، كان الرسول ﷺ
стр. 1946
يسعى إلى ذلك في خطبه، وكان يقول: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (١). ويقول ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" (٢).
إذن هذا تحذير وتنبيه للمؤمنين إلى قرب الساعة، ولذلك سيأتي عندما نتكلم عن الإنصات يوم الجمعة في قصة الرجل الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس، فسأله عن الساعة، فلم يردَّ عليه ﷺ ، والناس يشيرون إليه: أن اسكت، فلما قالها ثلاثًا رد عليه الرسول ﷺ : "ويحك ما أعددت لها؟ "؛ فالساعة علمها عند اللَّه ﷺ ، لكن ما يهمُّ المؤمن في هذه الحياة أن يعدَّ العدة لهذه الساعة (٣).
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ خُطْبَتَانِ اثْنَتَانِ يَكُونُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَائِمًا يَفْصِلُ إِحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ").
يرى الشافعي أنه لا بدَّ من خطبتين، وأن يكون الخطيب قائمًا، وأن
стр. 1947
يفصل بين الخطبتين أيضًا بجلسة، ويتفق معه الإمام أحمد في رواية في جميع ما ذكر (١).
* قوله: (يَحْمَدُ اللَّهَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي أَوَّلِهَا، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ، وَيَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فِي الأُولَى، وَيَدْعُو فِي الآخِرَةِ (٢). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ هَلْ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ
أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ أَوْ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ المُجْزِئَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا شَيْئًا مِنَ الأَقْوَالِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْهُ ﷺ فِيهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ المُجْزِئَ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ اشْتَرَطَ فِيهَا أُصُولَ الأَقْوَالِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ خُطَبِهِ ﷺ : أَعْنِي: الأَقْوَالَ الرَّاتِبَةَ غَيْرَ المُتَبَدِّلَةِ) (١).
يقصد بالأقوال الراتبة: المستقرة الثابتة.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: أَنَّ الخُطْبَةَ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْهُ، فِيهَا أَقْوَالٌ رَاتِبَةٌ وَغَيْرُ رَاتِبَةٍ، فَمَنِ اعْتَبَرَ الأَقْوَالَ الغَيْرَ رَاتِبَةٍ، وَغَلَّبَ حُكْمَهَا، قَالَ: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ: (أَعْنِي: اسْمَ خُطْبَةٍ عِنْدَ العَرَبِ)).
هذا عند الحنفية، حيث يرون الاقتصار على أقل ما يسمَّى خطبة (٢). لكن لا يُفهَم من ذلك أن الحنفية يفضلون ذلك، لا، بل العلماء كلهم متفقون على تفضيل ما اشتملت عليه الخطبة (٣).
* قوله: (وَمَنِ اعْتَبَرَ الأَقْوَالَ الرَّاتِبَةَ، وَغَلَّبَ حُكْمَهَا قَالَ: لَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الخُطْبَةِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَاسْتِعْمَالِهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الخُطْبَةِ عِنْدَ مَالِكٍ الجُلُوسُ) (٤).
стр. 1951
هذا هو رأي الإمام مالك، ويوافقه أيضًا أبو حنيفة (١)، وهي رواية للإمام أحمد (٢)، لكن الشافعي كما عرفنا يرى أنه يُجلس بين الخطبتين؛ لأنَّ ذلك ثبت عن الرسول ﷺ (٣)، والآخرون يقولون: ثبت عن عليٍّ ﵁ أنه سرد الخطبة فلم يجلس (٤)، وأُثر ذلك عن أُبيِّ بن كعب (٥)، وعن المغيرة بن شعبة (٦)، لكن الأولى في ذلك أن تلتزم السنة، وأن يجلس كما كان رسول اللَّه ﷺ يجلس.
* قوله: (وَهُوَ شَرْطٌ كَمَا قُلْنَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنِ اعْتَبَرَ المَعْنَى المَعْقُولَ مِنْهُ مِنْ كَوْنِهِ اسْتِرَاحَةً لِلْخَطِيبِ لَمْ يَجْعَلْهُ شَرْطًا، وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ عِبَادَةً جَعَلَهُ شَرْطًا) (٧).
فمَن قال من أهل العلم بأن الاستراحة ليست بواجبة قصد بها الاستراحة، بدليل: أنها لا تشتمل على ذكر؛ لأنها لو كانت أمرًا تعبديًّا أو مما يجب لشُرع فيها ذكر، لكنها لا تشتمل على ذكر، فدلَّ ذلك على أن القصد هو أن يستريح الخطيب؛ ليتقوى مرة أُخرى (٨).
стр. 1952
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ).
يقصد المؤلف بالإنصات يوم الجمعة الإمساك عن الكلام (١). والكلام -كما نرى- عامٌّ، فهناك كلام عام لا يترتب عليه ثمرة، ومن الكلام أيضًا رد السلام وتشميت العاطس ونحو ذلك.
لكن هناك من الكلام ما أجمع العلماء أنه يجب فعله، حتى الذين يقولون بوجوب الاستماع وتحريم الكلام يرون جواز ذلك، ومن ذلك مَن اتَّجهت إليه عقرب فينبَّه لذلك أو يرى حريقًا أو نحو ذلك، فإنه في هذه الحالة يتكلم، فهذه لا تدخل في المنع (٢). لكن يختلف العلماء بعد ذلك في الكلام، هل هذا عام في كلِّ كلام؟ أو أنه يستثنى منه مثلًا إذا سلم عليه إنسان فردَّ ﵇ أم لا؟ كذلك إذا عطس إنسان هل يشمته (٣) أو لا؟ وهذا كلُّه سوف يذكره المؤلف.
стр. 1953
* قوله: (اخْتَلَفُوا فِي الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الإِنْصَاتَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ لَازِمٌ مِنْ أَحْكَامِ الخُطْبَةِ).
هذا قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤)، وهؤلاء يرون وجوب الإنصات، وقد ورد في ذلك عدَّة أحاديث، منها قوله ﵊: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت" (٥).
كذلك أيضًا قصة أبي الدرداء عندما دخل المسجد والرسول ﵊ يخطب في الناس يوم الجمعة، وتلا شيئًا من سورة، وأقبل على أبيِّ بن كعب يسأله: متى نزلت هذه السورة فلم يكلِّمه أبيٌّ، فلما فرغ من صلاته تعجب من ذلك وقال لأبيٍّ: سألتك ولم تجبني فقال له أبيٌّ ﵄: ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت، فذهب أبو الدرداء إلى رسول اللَّه ﷺ يذكر له ما دار بينه وبين أبيٍّ وأنه بيَّن أنه قال له: ليس لك
стр. 1954
من صلاتك إلا ما لغوت. فلم يزد رسول اللَّه ﷺ إلا أن قال: "صدق أبيٌّ" (١). إذن أقرَّ أبيًّا على قوله، فدلَّ ذلك على أنه لا ينبغي الكلام؛ لأنه كما جاء في الحديث: "مَن توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم دنا واستمع غُفِرَ له ما بين الجمعة وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٢).
إذن القصد من ذلك هو الإنصات، ويضاف الاستماع، فلا يكفي أن ينصت الإنسان، بل لا بد وأن يستمع إلى خطبة الخطيب؛ ليخرج منها بفوائد، لأن هذا من أغراض الخطبة (٣).
* قوله: (وَهُمُ الجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).
أما بالنسبة إلى الشافعي فهي رواية، لكنه في مذهبه الجديد يرى أن الإنصات ليس بواجب، وإنما هو مستحب (٤).
стр. 1955
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، فَبَعْضُهُمْ أَجَازَ التَّشْمِيتَ وَرَدَّ السَّلَامِ فِي وَقْتِ الخُطْبَةِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ (١)، وَغَيْرُهُمْ) (٢).
إذن من العلماء مَن أجاز ردَّ السلام وتشميت العاطس، وعدوا النهي عن الكلام عامًّا وأن ردَّ السلام وتشميت العاطس مستثنًى من ذلك، ولا شكَّ أنه قد وردت أحاديث في ذلك، فالرسول ﷺ أمر بسبع ونهى عن سبع، ومما أمر به ردّ السلام وتشميت العاطس (٣). وبيَّن أن ذلك من حقِّ المسلم على أخيه المسلم (٤). إذن جاءت أحاديث تحضُّ على رد السلام وتشميت العاطس. فهنا نهي وأمر، فهل النهي عن الكلام وقت الخطبة عام في كلِّ الكلام خاصة وقت الخطبة؟ أو أنه يستثنى من هذا شيء من الكلام ألا وهو ردُّ السلام، وتشميت العاطس.
стр. 1956
* قوله: (وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُجِزْ رَدَّ السَّلَامِ وَلَا التَّشْمِيتَ).
هذا قال به الحنفية على تفصيل (١) والحنابلة أيضًا في رواية (٢)، والمالكية (٣).
стр. 1957
* قوله: (وَبَعْضهم فَرَّقَ بَيْنَ السَّلَامِ وَالتَّشْمِيتِ، فَقَالُوا: يَرُدُّ السَّلَامَ، وَلَا يُشَمِّتُ).
هذا عند الشافعية، أو قول في مذهب الشافعية (١).
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي مُقَابِلُ القَوْلِ الأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ الكَلَامَ فِي حَالِ الخُطْبَةِ جَائِزٌ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِيهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) (٢).
من المعلوم أن اللَّه يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وكثير من العلماء قالوا: إن ذلك في الخطبة (٣). فإذا كانت هذه الآية في الخطبة ففيها أمر بالإنصات، والإنصات
стр. 1958
يقتضي الاستماع، والاستماع يدلُّ على أنه ليس للإنسان إذا ما أنصتَ واستمع أن يتكلم، لأن الكلام سيشغله عن الاستماع إلى الخطبة وعن الاستفادة منها، لكن لو جاء أمرٌ طارئ من الأمور التي ذكرناها، وهي التي قد يقع المسلم بسببها في حرج، فإنه في هذه الحالة يتكلم (١).
وهنا قضية ينبغي أن ننبه عليها، رأينا أن أكثر العلماء يوجبون الاستماع ويحرِّمون الكلام أثناء الخطبة، لكنَّهم كلهم متَّفقُون على أن لو تكلم إنسان لا تفسد صلاته، إذن فالكلام لا يفسد الصلاة، وإن قالوا بوجوب الإنصات (٢).
* قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: الفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْمَعَ الخُطْبَةَ أَوْ لَا يَسْمَعَهَا).
بعض العلماء يقول: إن القصد من الإنصات، فهو لأجل الاستماع، فإذا لم يتحقق فيختلف الحال هنا؛ لأن الإنسان لو تكلَّم وهو يسمع الخطيب فمعنى ذلك أنه انصرف عنه ولم يستفد من الخطبة، لكن لو كانت الحالة في غير الاستماع فلا يتحقق سبب النهي، وهو عدم الاستفادة.
قَالَ: مَنْ لَغَا، فَصَلَاتُهُ ظُهْرٌ أَرْبَعٌ (١)، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِوُجُوبِ الإِنْصَاتِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ).
ذكر المؤلِّف أدلة الجمهور، وأدلة الجمهور الذين قالوا بوجوب الإنصات والامتناع عن الكلام، منها قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وكذلك أيضًا قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" (٢). وقصة أُبَيٍّ مع أبي الدرداء (٣)، فهذه هي أدلة الجمهور.
يبقى بعد ذلك أدلة الفريق الآخر، الذين قالوا بأن الكلام ليس ممنوعًا، وإنما يستحب الإنصات فقط، فهم أيضًا يستدلون بعدة أدلة، ومن هذه الأدلة أن الرسول ﷺ قال لذاك الرجل الذي دخل المسجد وأخذ
стр. 1961
يتخطَّى رقاب الناس: "اجلس، فقد آذيت" (١). إذن الرسول ﷺ قد تكلَّم، وأيضًا في قصة الرجل الذي دخل المسجد والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: يا رسول اللَّه، هلك المال وجاع العيال، فادع اللَّه لنا، فرفع الرسول ﷺ يديه وذكر حديث الاستسقاء وقد نزل المطر (٢). إذن هذا رجل دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة.
إذن الرسول ﷺ قد تكلم، والرجل تكلم قالوا: فهذا دليل على جواز الكلام أثناء الخطبة، لأنه إذا لم يكن جائزًا لأنكر الرسول ﷺ على ذلك الأعرابي كلامه، لكنه لم يُنكِر عليه، فدلَّ على جوازه (٣).
وفي قصة الرجل الآخر الذي جاء والرسول ﷺ يخطب فقام فقال: يا رسول اللَّه، متى الساعة؟ فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ ، فردد ذلك ثلاث
стр. 1962
مرات والناس يشيرون إليه أن يسكت، فلما فرغَ من الثالثة صرفه الرسول ﵊ عمَّا سأل عنه إلى أمر أهمّ، إلى أمر يهمه ويحتاج إليه كل مؤمن في هذه الحياة، قال: "ويحك، ما أعددت لها؟ " فقال: أعددت لها حبَّ اللَّه وحب رسوله (١). وهذا يكفي إذا كان المؤمن صادقًا فيما يقول؛ لأن حبَّ اللَّه يقتضي أن تعمل بما أمرك اللَّه به، وأن تجتنب ما نهاك عنه، وأن تتقي اللَّه ؛ ليجعل لك من أمرك مخرجًا، ويجعل لك من عسرك يُسرًا. وكذلك أيضًا فيما يتعلَّق بمحبَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لذلك ردَّ عليه الرسولُ ﷺ : "أنت مع من أحببت". لكنها محبة صدق وإخلاص، لا محبَّة دعوى وافتراء. كم من أناس يدَّعون أنهم يحبُّون اللَّه، وأنهم يحبُّون رسول اللَّه ﷺ لكنك تجد أعمالهم وأقوالهم تخالِفُ ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وما أرشدَ ونبَّه ودعا إليه ﵊، أيضا نجد في جوامع الكلم في الرجل الآخر الذي قال: أوصني، قال: "لا تغضب" (٢) في كلمة واحدة، ربما نجد أنها كلمة يسيرة، لكن انظر ما يترتب على الغضب؛ لذلك جاء نهي القاضي أن يقضي وهو غاضب (٣)، والإنسان إذا غضب ربما يقع في كثير من المهالك، ولسانك حصانك إذا صنته صانك وإن أهنته أهانك (٤). فالإنسان في حالة الغضب قد لا يستطيع أن يمسك بزمام نفسه وأن يضع لها لِجامًا تقف عنده، ولذلك تزل قدمه فيقع في الخطأ ويندم، ولذلك فالإنسان إذا بدأ يساوره الغضب (٥)، فعليه أن يطرحه وأن يتجه إلى اللَّه بالذكر والطاعة، وبما جاء في علاج الغضب، إذن بهذا نتبين أن الرسول ﷺ
стр. 1963
خطبه كلها كانت مواعظ، ودروسًا يستفيد منها المسلمون أو استفاد منها المسلمون في زمنه ﷺ ؛ من الصحابة والذين جاؤوا بعد رسول اللَّه ﷺ ، وهي -مع قصرها- تجمع جوامع كلمه ﷺ .
أما الذين قالوا: إن الإنصات ليس بواجب، فللحديث وقصة الرجلين وقصة الرجل الذي دخل المسجد، والرسول ﵊ يخطب الناس، فقال له: "أصليت؟ " قال: لا، فقال له: "فقم وصل ركعتين" (١). وفي رواية أُخرى: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" (٢).
والشاهد هنا: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين" فالرسول ﷺ قد تكلم والرجل أجاب، وأمره الرسول ﷺ أن يصلي، فقالوا: هذه أدلة تدلُّ على أن الإنصات ليس بواجب، وإنما هو مستحب، أما الآية فهي محمولة على الاستحباب، هذا على تسليم أنها خاصة بخطبة الجمعة في الآية. وثمة كلام للعلماء أنها ليست في الخطبة، وإنما عند قراءة القرآن (٣)، وحديث: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"، المراد بالكلام هنا: الكلام الذي لا قيمة له،
стр. 1964
ولا ثمرة له، ومنه لغو اليمين، وكذلك أيضًا الحديث الآخر: "ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت" (١).
لكننا نقول: حرص الرسول ﷺ وتأكيده ذلك الأمر يدلُّ على وجوب الإنصات (٢)، وأما هذا الذي ذكره هؤلاء العلماء فجوابه أن نقول: إن الكلام لا ينبغي أثناء الخطبة، لكن يجوز للإمام أن يتكلم، ومن كلَّمَه الإمام فهذا مستثنًى؛ لأن النصوص نضَت على ذلك، إذن فالنصوص التي نهت عامة، ونستثني منها جواز الكلام بين الإمام ومن يكلمه، وقد رأينا أن الرسول ﷺ أقرَّ ذلك ولم ينكره (٣).
والخلاصة: لا يجوز لمن حضر الخطبة أن يتكلم، بل يلزمه الإنصات، لكن للإمام أن يتكلم إن رأى خطأً وقع في الصلاة أثناء الخطبة، فأراد أن ينبِّه الناس، كأن يرى أُناسًا يتكلمون فينبههم ويأمرهم بالسكوت، أو رأى أن رجلًا دخل وتخطى رقاب الناس، فله أن ينبه، كما فعل الرسول ﷺ لمَّا رأى رجلًا دخل وجلس دون أن يصلي، فله أيضًا أن يرشده ليصلي، كما فعل رسول اللَّه ﷺ (٤).
إذن يجوز للإمام أو من يكلِّمه الإمام أن يتكلَّما، وهذا مستثنًى وإلا فلا. ولو أخذ الناس يتكلمون وانشغلوا بالكلام حقيقة في هذه الحالة لضاعت الفوائد وذهبت فائدة الخطبة، لأن الإنسان جاء ليستمع إلى الخطبة، ليخرج بفوائد وعبر وحكم وأحكام، لأن الخطبة بالإضافة إلى جانب الوعظ فيها نجد فيها جانب الأحكام والفوائد؛ فقد يعرض الخطيب
стр. 1965
إلى شيء من أسرار الشريعة الإسلامية، وقد يعرض إلى مشكلة كثير من الحاضرين في أشد الحاجة إلى معرفتها، فقد يكون الإنسان وقع في خطأ عن جهل وعدم علم، فيجد علاج ذلك في كلام الخطيب، إذن لا تخلو الخطبة من فوائد عظيمة ومتنوعة للعامي وطالب العلم على السواء؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين، فطالب العلم قد يغفل عن مسألة فيتذكرها ويستمع إليها في الخطبة، لأن عادة الخطيب أن يُعِدَّ الخطبة ويهيئ نفسه أنه سيخاطب جمهورًا من المسلمين، فلا ينبغي أن يأتي مرتجلًا دون أن يعد العدة، ولذلك من المعلوم أن مواضيع الإنشاء لا بد وأن نضع عناصرًا لها.
إذن على الخطيب أن يكون على معرفة بما يدعو الناسَ إليه، وأن يكون متحققًا من الوقائع والأحداث التي يعرضها للناس، لا مجرد أن يسمع شخصًا يقول: وقعت واقعة كذا فيأخذها مسلمة ثم يطرحها في جمع كهذا الجمع، وقد لا تكون صوابًا، إذن التحري أيضًا مطلوب، فاللَّه يقول في حقِّ نبيِّه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]. إذن الخطيب داعية، والداعي لا بد أن يدعو على علم ومعرفة، وأن يكون حكيمًا في خطبته، فكم من كلمات اللَّه البينات، كم من كلمات تطرق قلوب الناس فتترك فيها أثرًا طيبًا، تنغرس فيها فلا تخرج!
وكم من كلمات فيها حماس لا تترك أثرًا في نفوس الناس، ولا شكَّ أيضًا أن الخطيب عندما يكون قدوة، بأن تكون أفعاله وفق أقواله، فإنه يترك أثرًا أكبر في الناس، وبذلك كان الصحابة ﵃ قدوة بأفعالهم قبل أن يكونوا قدوة بأقوالهم، فكم من أناس دخلوا في دين اللَّه لما كانوا يرون من صفات أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ من قول الصدق والتواضع والعدل بين الناس والرحمة والكرم، إلى غير ذلك من الصفات العظيمة التي كانوا يقتدون بها، ولذلك فتحوا قلوب الناس بالقرآن، وفتحوا البلاد بالقرآن قبل أن يفتحوها بالسيف والسلاح.
فلا شكَّ أن اختيار الموضوع وترتيبه والعناية به، واختيار ألفاظه، وصياغته في قوالب قوية حاملة للمعاني الجامعة المقتبسة مما كان عليه