← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

يتخطَّى رقاب الناس: "اجلس، فقد آذيت" (١). إذن الرسول ﷺ قد تكلَّم، وأيضًا في قصة الرجل الذي دخل المسجد والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: يا رسول اللَّه، هلك المال وجاع العيال، فادع اللَّه لنا، فرفع الرسول ﷺ يديه وذكر حديث الاستسقاء وقد نزل المطر (٢). إذن هذا رجل دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة. إذن الرسول ﷺ قد تكلم، والرجل تكلم قالوا: فهذا دليل على جواز الكلام أثناء الخطبة، لأنه إذا لم يكن جائزًا لأنكر الرسول ﷺ على ذلك الأعرابي كلامه، لكنه لم يُنكِر عليه، فدلَّ على جوازه (٣). وفي قصة الرجل الآخر الذي جاء والرسول ﷺ يخطب فقام فقال: يا رسول اللَّه، متى الساعة؟ فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ ، فردد ذلك ثلاث

стр. 1962

مرات والناس يشيرون إليه أن يسكت، فلما فرغَ من الثالثة صرفه الرسول ﵊ عمَّا سأل عنه إلى أمر أهمّ، إلى أمر يهمه ويحتاج إليه كل مؤمن في هذه الحياة، قال: "ويحك، ما أعددت لها؟ " فقال: أعددت لها حبَّ اللَّه وحب رسوله (١). وهذا يكفي إذا كان المؤمن صادقًا فيما يقول؛ لأن حبَّ اللَّه يقتضي أن تعمل بما أمرك اللَّه به، وأن تجتنب ما نهاك عنه، وأن تتقي اللَّه ؛ ليجعل لك من أمرك مخرجًا، ويجعل لك من عسرك يُسرًا. وكذلك أيضًا فيما يتعلَّق بمحبَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لذلك ردَّ عليه الرسولُ ﷺ : "أنت مع من أحببت". لكنها محبة صدق وإخلاص، لا محبَّة دعوى وافتراء. كم من أناس يدَّعون أنهم يحبُّون اللَّه، وأنهم يحبُّون رسول اللَّه ﷺ لكنك تجد أعمالهم وأقوالهم تخالِفُ ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وما أرشدَ ونبَّه ودعا إليه ﵊، أيضا نجد في جوامع الكلم في الرجل الآخر الذي قال: أوصني، قال: "لا تغضب" (٢) في كلمة واحدة، ربما نجد أنها كلمة يسيرة، لكن انظر ما يترتب على الغضب؛ لذلك جاء نهي القاضي أن يقضي وهو غاضب (٣)، والإنسان إذا غضب ربما يقع في كثير من المهالك، ولسانك حصانك إذا صنته صانك وإن أهنته أهانك (٤). فالإنسان في حالة الغضب قد لا يستطيع أن يمسك بزمام نفسه وأن يضع لها لِجامًا تقف عنده، ولذلك تزل قدمه فيقع في الخطأ ويندم، ولذلك فالإنسان إذا بدأ يساوره الغضب (٥)، فعليه أن يطرحه وأن يتجه إلى اللَّه بالذكر والطاعة، وبما جاء في علاج الغضب، إذن بهذا نتبين أن الرسول ﷺ

стр. 1963

خطبه كلها كانت مواعظ، ودروسًا يستفيد منها المسلمون أو استفاد منها المسلمون في زمنه ﷺ ؛ من الصحابة والذين جاؤوا بعد رسول اللَّه ﷺ ، وهي -مع قصرها- تجمع جوامع كلمه ﷺ . أما الذين قالوا: إن الإنصات ليس بواجب، فللحديث وقصة الرجلين وقصة الرجل الذي دخل المسجد، والرسول ﵊ يخطب الناس، فقال له: "أصليت؟ " قال: لا، فقال له: "فقم وصل ركعتين" (١). وفي رواية أُخرى: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" (٢). والشاهد هنا: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين" فالرسول ﷺ قد تكلم والرجل أجاب، وأمره الرسول ﷺ أن يصلي، فقالوا: هذه أدلة تدلُّ على أن الإنصات ليس بواجب، وإنما هو مستحب، أما الآية فهي محمولة على الاستحباب، هذا على تسليم أنها خاصة بخطبة الجمعة في الآية. وثمة كلام للعلماء أنها ليست في الخطبة، وإنما عند قراءة القرآن (٣)، وحديث: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"، المراد بالكلام هنا: الكلام الذي لا قيمة له،

стр. 1964

ولا ثمرة له، ومنه لغو اليمين، وكذلك أيضًا الحديث الآخر: "ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت" (١). لكننا نقول: حرص الرسول ﷺ وتأكيده ذلك الأمر يدلُّ على وجوب الإنصات (٢)، وأما هذا الذي ذكره هؤلاء العلماء فجوابه أن نقول: إن الكلام لا ينبغي أثناء الخطبة، لكن يجوز للإمام أن يتكلم، ومن كلَّمَه الإمام فهذا مستثنًى؛ لأن النصوص نضَت على ذلك، إذن فالنصوص التي نهت عامة، ونستثني منها جواز الكلام بين الإمام ومن يكلمه، وقد رأينا أن الرسول ﷺ أقرَّ ذلك ولم ينكره (٣). والخلاصة: لا يجوز لمن حضر الخطبة أن يتكلم، بل يلزمه الإنصات، لكن للإمام أن يتكلم إن رأى خطأً وقع في الصلاة أثناء الخطبة، فأراد أن ينبِّه الناس، كأن يرى أُناسًا يتكلمون فينبههم ويأمرهم بالسكوت، أو رأى أن رجلًا دخل وتخطى رقاب الناس، فله أن ينبه، كما فعل الرسول ﷺ لمَّا رأى رجلًا دخل وجلس دون أن يصلي، فله أيضًا أن يرشده ليصلي، كما فعل رسول اللَّه ﷺ (٤). إذن يجوز للإمام أو من يكلِّمه الإمام أن يتكلَّما، وهذا مستثنًى وإلا فلا. ولو أخذ الناس يتكلمون وانشغلوا بالكلام حقيقة في هذه الحالة لضاعت الفوائد وذهبت فائدة الخطبة، لأن الإنسان جاء ليستمع إلى الخطبة، ليخرج بفوائد وعبر وحكم وأحكام، لأن الخطبة بالإضافة إلى جانب الوعظ فيها نجد فيها جانب الأحكام والفوائد؛ فقد يعرض الخطيب

стр. 1965

إلى شيء من أسرار الشريعة الإسلامية، وقد يعرض إلى مشكلة كثير من الحاضرين في أشد الحاجة إلى معرفتها، فقد يكون الإنسان وقع في خطأ عن جهل وعدم علم، فيجد علاج ذلك في كلام الخطيب، إذن لا تخلو الخطبة من فوائد عظيمة ومتنوعة للعامي وطالب العلم على السواء؛ لأن الذكرى تنفع المؤمنين، فطالب العلم قد يغفل عن مسألة فيتذكرها ويستمع إليها في الخطبة، لأن عادة الخطيب أن يُعِدَّ الخطبة ويهيئ نفسه أنه سيخاطب جمهورًا من المسلمين، فلا ينبغي أن يأتي مرتجلًا دون أن يعد العدة، ولذلك من المعلوم أن مواضيع الإنشاء لا بد وأن نضع عناصرًا لها. إذن على الخطيب أن يكون على معرفة بما يدعو الناسَ إليه، وأن يكون متحققًا من الوقائع والأحداث التي يعرضها للناس، لا مجرد أن يسمع شخصًا يقول: وقعت واقعة كذا فيأخذها مسلمة ثم يطرحها في جمع كهذا الجمع، وقد لا تكون صوابًا، إذن التحري أيضًا مطلوب، فاللَّه يقول في حقِّ نبيِّه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]. إذن الخطيب داعية، والداعي لا بد أن يدعو على علم ومعرفة، وأن يكون حكيمًا في خطبته، فكم من كلمات اللَّه البينات، كم من كلمات تطرق قلوب الناس فتترك فيها أثرًا طيبًا، تنغرس فيها فلا تخرج! وكم من كلمات فيها حماس لا تترك أثرًا في نفوس الناس، ولا شكَّ أيضًا أن الخطيب عندما يكون قدوة، بأن تكون أفعاله وفق أقواله، فإنه يترك أثرًا أكبر في الناس، وبذلك كان الصحابة ﵃ قدوة بأفعالهم قبل أن يكونوا قدوة بأقوالهم، فكم من أناس دخلوا في دين اللَّه لما كانوا يرون من صفات أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ من قول الصدق والتواضع والعدل بين الناس والرحمة والكرم، إلى غير ذلك من الصفات العظيمة التي كانوا يقتدون بها، ولذلك فتحوا قلوب الناس بالقرآن، وفتحوا البلاد بالقرآن قبل أن يفتحوها بالسيف والسلاح. فلا شكَّ أن اختيار الموضوع وترتيبه والعناية به، واختيار ألفاظه، وصياغته في قوالب قوية حاملة للمعاني الجامعة المقتبسة مما كان عليه

стр. 1966

السلف الصالح، لا شكَّ أنها تترك أثرًا طيِّبًا، وهذا من حِكَم خطبة يوم الجمعة. * قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (١)، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ فَلَا أَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً إِلَّا أَنْ يَكُونُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ قَدْ عَارَضَهُ دَلِيلُ الخِطَابِ (٢)). نقول: إن المؤلف لم يدرك حقيقة مذهبهم، وقوله: "ليس لهم شبهة" غير مُسلَّم؛ فهم يستدلُّون بالأدلة التي ذكرنا، وأنَّ الرسول ﷺ لما تكلم وكلمه الأعرابيان وكلم الذي دخل ولم يُصَلِّ (٣) على عدم وجوب الإنصات، لكننا نقلناها وبيَّنَّا أنها خاصة بالإمام، وهذا الفريق يقول: لا، هي عامة، لماذا تخصصون الإمام، وهذا نص حديث ينبغي أن يكون دليلًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤). * قوله: (فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، أَيْ: أَنَّ مَا عَدَا القُرْآنَ فَلَيْسَ يَجِبُ لَهُ الإِنْصَاتُ، وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

стр. 1967

وفي مذهبهم الشافعية: أن في حالة قراءة القرآن يجب الإنصات، لكن هذا قول أو وجهٌ في المذهب (١)، والأدلة هي التي أشارت إليه، وليس الأمر كما ذكر المؤلف من أنهم ليس لهم أدلة، بل لهم أدلة، وليس شرطًا أن يكون المستدل بالأدلة على صواب دائمًا، وليس شرطًا أن يكون قوله هو الحق دائمًا، فالفريق الآخر معه أدلة، وهي نص في المسألة فينبغي أن تقدم فيها. * قوله: (وَالأَشْبَهُ أَن يَكُونَ هَذَا الحَدِيثُ لَمْ يَصِلْهُمْ). ذلك نقل عن عبد اللَّه بن مسعود، أنه قال: "إذا رأيت الرجل يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة فاقرع رأسه بالعصا" (٢)، أي: اضربه بالعصا، وهذا صحابي جليل لا يقول هذا الأمر إلا عن علم ومعرفة. لا ننسى أن الرجل أيضًا لما جاء وسأل رسول اللَّه ﷺ : "متى الساعة؟ " أخذ الصحابة يشيرون إليه أن يسكت؛ لأنهم استغربوا ذلك منه" لمخالفته الأصل، لكن لما كان كلامه مع الإمام، مع رسول اللَّه ﷺ ، أقرَّ الرسول ذلك ولم ينكره (٣). * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُم فِي رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، فَالسَّبَبُ فِيهِ تَعَارُضُ عُمُومِ الأَمْرِ بِذلِكَ لِعُمُومِ الأَمْرِ بِالإِنْصَاتِ). هذه قضية من القضايا التي قد تعمق فيها المؤلِّف، وخروجه إلى

стр. 1968

أسلوب المنطق، وربما لا يدرك الإنسان إلا بإمعانٍ (١)، فلننتبه إلى ذلك، يريد أن يجعل خصوصًا وعمومًا؛ خصوصًا في الكلام من جانب، وعمومًا في كلام آخر، ويريد أن يربط هذه المسائل بعضها ببعض ويخصص بعضها ببعض، فلننتبه إلى ذلك. وهناك أدلة قد جاءت بردِّ السلام وتشميت العاطس، وهناك أدلة أُخرى كالتي معنا تنهى عن الكلام وقت الخطبة، وهو وقت محدد، إذن الوقت هنا خاص والكلام الذي نهي عنه "قد لغوت" عامٌّ، إذن هنا خصوص في الوقت وعموم في الكلام، فالوقت خاص بوقت الخطبة؛ والعموم بالنسبة للكلام مطلقًا وعندما تنكر ذلك بالنسبة إلى ردِّ السلام وتشميت العاطس، تنعكس الصورة؛ فالوقت هناك عام والكلام خاص، فأيُّ العمومين نقدِّم؟ وأيُّ الخصوصين كذلك؟ (٢). * قوله: (وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَثْنًى مِنْ صَاحِبِهِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الأَمْرِ بِالصَّمْتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ الأَمْرَ بِالسَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ أَجَازَهُمَا). نهي الإنسان أن يتكلم أثناء الخطبة في وقت معين، فهل نستثني من ذلك رد السلام فنكون قد استثنينا عمومًا من خصوص الوقت؟ أم لا؟ * قوله: (وَمَنِ اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الأَمْرِ بِرَدِّ السَّلَامِ وَالتَّشْمِيتِ الأَمْرَ بِالصَّمْتِ فِي حِينِ الخُطْبَةِ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ). الإنسان مأمور في كل الحالات أن يردَّ السلام، وأن يشمِّتَ العاطس، إلا في حالاتٍ خاصَّة جدًّا، لكن الغالب أن الإنسان إذا سُلِّمَ

стр. 1969

عليه يردُّ، كذلك من حقوق المسلم على أخيه المسلم إذا عطس أن يشمِّتَه، إذن هذا عامٌّ في كلِّ الأوقات، ووقت الجمعة خاص، فهل نخص هذا العموم عموم هذا الكلام من خصوص ذلك الوقت؟ أو لا؟ لأنه يقول: إن ذلك ورد فيه النهي عن الكلام، لكن عندنا أدلة أُخرى أجازت رد السلام وتشميت العاطس، ولم تقيدهما بوقت معين، فينبغي أن نخصّ به هذا. يقول: إن رد السلام وتشميت العاطس عامٌّ في كلِّ الأوقات، لكن الكلام أثناء الخطبة خاصّ في وقتها، فينبغي أن نخصّ عموم ما ورد في ردِّ السلام وتشميت العاطس بهذا الوقت (١). * قوله: (وَمَنْ فَرَّقَ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى رَدَّ السَّلَامِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّكَلُّمِ فِي الخُطْبَةِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الأَمْرِ التَّشْمِيتَ وَقْتَ الخُطْبَةِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ هَذِه المُسْتَثْنَيَاتِ لِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ قُوَّةِ العُمُومِ فِي أَحَدِهَا، وَضَعْفِهِ فِي الآخَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ بِالصَّمْتِ هُوَ عَامٌّ فِي الكَلَامِ، خَاصٌّ فِي الوَقْتِ، وَالأَمْرَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَالتَّشْمِيتِ هُوَ عَامٌّ فِي الوَقْتِ، خَاصٌّ فِي الكَلَامِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى الزَّمَنَ الخَاصَّ مِنَ الكَلَامِ لَمْ يُجِزْ رَدَّ السَّلَامِ، وَلَا التَّشْمِيتَ فِي وَقْتِ الخُطْبَةِ). الكلام العامُّ الذي هو رد السلام وتشميت العاطس. * قوله: (وَمَنِ اسْتَثْنَى الكَلَامَ الخَاصَّ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الكَلَامِ العَامِّ، أَجَازَ ذَلِكَ. وَالصَّوَابُ أَلَّا يُصَارَ لِاسْتِثْنَاءِ أَحَدِ العُمُومَيْنِ بِأَحَدِ الخُصُوصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ (٢)، فَإِنْ عَسُرَ ذَلِكَ، فَبِالنَّظَرِ فِي تَرْجِيحِ العُمُومَاتِ،

стр. 1970

وَالخُصُوصَاتِ، وَتَرْجِيحِ تَأْكيدِ الأَوَامِرِ بِهَا، وَالقَوْلُ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ يَطُولُ، وَلَكِنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ بِإِيجَازٍ أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الأَوَامِرُ قُوَّتُهَا وَاحِدَةٌ، وَالعُمُومَاتُ وَالخُصُوصَاتُ قُوَّتُهَا وَاحِدَةٌ). لأن من الأوامر ما يأتي قطعيًّا، ومنها ما يأتي محتملًا، فهي تختلف من حيث القوة كما ذكر المؤلف، وكذلك الحال بالنسبة إلى النواهي. * قوله: (وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى أَيِّ يُسْتَثْنَى مِنْ أَيِّ وَقَعَ التَّمَانُعُ ضَرُورَةً (١)، وَهَذَا يَقِلُّ وُجُودُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوَجْهُ التَّرْجِيحِ فِي العُمُومَاتِ وَالخُصُوصَاتِ الوَاقِعَةِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ المَوَاضِعِ هُوَ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ أَقْسَامِ النِّسَبِ الوَاقِعَةِ بَيْنَ الخُصُوصَيْنِ وَالعُمُومَيْنِ، وَهِيَ أَرْبَعٌ: عُمُومَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ القُوَّةِ، وَخُصُوصَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ القُوَّةِ، فَهَذَا لَا يُصَارُ لِاسْتِثْنَاءِ أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ. الثَّانِي: مُقَابِلُ هَذَا، وَهُوَ خُصُوصٌ فِي نِهَايَةِ القُوَّةِ، وَعُمُومٌ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ، فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَعْنِي: أَنْ يُسْتَثْنَى مِنَ العُمُومِ الخُصُوصُ. الثَّالِثُ: خُصُوصَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَحَدُ العُمُومَيْنِ أَضْعَفُ مِنَ الثَّانِي، فَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّصَ فِيهِ العُمُومُ الضَّعِيفُ. الرَّابِعُ: عُمُومَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَحَدُ الخُصُوصَيْنِ

стр. 1971

أَقْوَى مِنَ الثَّانِي، فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ فِيهِ لِلْخُصُوصِ القَوِيِّ، وَهَذَا كلُّهُ إِذَا تَسَاوَتِ الأَوَامِرُ فِيهَا فِي مَفْهُومِ التَّأْكِيدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتْ حَدَثَتْ مِنْ ذَلِكَ تَرَاكِيبُ مُخْتَلِفَةٌ، وَوَجَبَتِ المُقَايَسَةُ أَيْضًا بَيْنَ قُوَّةِ الأَلْفَاظِ وَقُوَّةِ الأَوَامِرِ، وَلِعُسْرِ انْضِبَاطِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ قِيلَ: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَوْ أَقَلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَأْثُومٍ). قضية أنَّ كُلَّ مجتهد مصيبٌ محلُّ خلاف بين العلماء (١)، ونذكر أن الرسول ﷺ قال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (٢). وقد اختلف الصحابة الذين قاموا بتلك المهمة؛ فمنهم من فَهِم من ذلك الإسراع، ومنهم من وقف عند النص فلم يصَلِّ إلا في بني قريظة، ولم ينكر الرسول ﷺ على أحد من المجتهدين، وهي مسألة أصولية خلافية معروفة. والأمر عندنا واضحٌ في هذه المسألة؛ فالرسول ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت" (٣). وفي حديث

стр. 1972

أُبيٍّ: "ليس لك من صلاتك إلا ما لغوت" (١). وأيَّد الرسول ﷺ أبيًّا في ذلك، فتبين في هذا أن الكلام ممنوع، لكن يستثنى من ذلك من كلم الإمام، أو مَن كلَّمه الإمام، أو من تكلَّم لمصلحة لها علاقة بالصلاة، أو أن يرى مسلمًا كاد يقع في خطر فنبَّهه (٢). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ جَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ: هَلْ يَرْكَعُ أَمْ لَا؟). معلوم أن المسجد له تحيَّة، وعامة المساجد إنما تحيَّتها ركعتان، وقد أرشد إلى ذلك الرسول ﷺ بقوله: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وإن بيت اللَّه الحرام إنما تحيته الطواف" (٣). إذن تحية كلّ مسجد إذا دخل الإنسان أن يؤدي ركعتين، تكريمًا وتعظيمًا وإجلالًا له وقد مرَّ بنا اختلاف العلماء في أداء الصلوات غير المفروضة المقضية، أي: غير المفروضات في أوقات النهي، وأن العلماء قد اختلفوا في ذلك، وقد انتهجنا إلى ترجيح مذهب الشافعية، وهو التفريق بين ذوات الأسباب وغيرها، وأن ما كان من ذوات الأسباب يؤدى في أيِّ

стр. 1973

وقت كان سواء كان وقت نهي أو غير وقت نهي، وأن من ذوات الأسباب تحية المسجد، هذا من حيث العموم (١). لكننا الآن نتكلم عن الصلاة والإمام يخطب يوم الجمعة، وهذه قد وردت فيها نصوص خاصة، ومع ورد الأحاديث فيها عن الرسول ﷺ فإننا نجد أن العلماء قد اختلفوا فيها أيضًا والعلماء عندما يختلفون مسألة من المسائل لا يكون خلافهم مبنيًّا على الهوى، ونقصد بذلك الأئمة الذين سلكوا طريق الرشاد والهداية، ومن بين هؤلاء الأئمة الأربعة، أما مَن يخالف تعصبًا لرأيٍ أو ينصر مذهبًا من المذاهب أو فكرًا يحمله، فهذا لا ينظر إليه، لأنه يريد بذلك العدول عن الحق، لكننا نتكلم عن الذين يريدون الحقَّ ولا يريدون غيره. الحاصلُ: أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة مع أنه دخل رجل والرسول ﷺ يخطب الناس فجلس فقال له: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين" هذا حديث متفق عليه (٢). وفي حديث آخر أيضًا أن الرسول ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فلا يجلس حتى يركع ركعتين" (٣). وفي بعض رواياته: "مَن جاء والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" (٤). هذه الأدلة مع حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" تدلُّ على أن الإنسان متى ما دخل والإمام يخطب فإنه يصلي، هذا في حق من يدخل والإمام يخطب، لكن الذين يبقون أو الموجودون في المسجد لا يشملهم ذلك، ولذلك يوجد من بعض المصلين مَن إذا أذَّن المؤذن قام فصلَّى والإمام يخطب، وهذا خطأ في الحقيقة؛

стр. 1974

لأن الكلام هنا عمَّن دخل والإمام يخطب، وإلا العلماء نصُّوا على أن مَن كان داخل المسجد فإن التطوع ينتهي بجلوس الإمام على المنبر، فإن كان هناك تطوع فليؤده قبل ذلك (١). لكن الخلاف فيمن دخل والإمام يخطب، والعلماء قد انقسموا إلى فريقين: الفريق الأول: يرى أنه يستحب ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، عملًا بتوجيه رسول اللَّه ﷺ وبأمره الرجل أن يصلي ركعتين، وهم أيضًا متَّفِقون على أنه يصليهما إيجازًا، يعني: يتجوز فيهما كما جاء في الحديث (٢)، وهذا هو مذهب الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وهو رأي لكثير من

стр. 1975

العلماء يصعب استقصاؤهم (١). الفريق الثاني: هم المالكية (٢)، والحنفية (٣). قالوا: مَن دخل والإمام يخطب فلا يصلِّي، بل يجلس وليستمع إلى الخطبة؛ لأنه مطالب بالاستماع إلى الإمام، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا ذكر، وأيضًا جاء في حديث: "مَن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة فلا صلاة ولا كلام". لكن هذا الحديث ضعيف (٤). إذن مناط الخلاف بين العلماء، أو علته، هو أن من العلماء مَن يتمسَّك بأن المصلي مطالب بأن يستمع إلى الخطبة، وأن يشتغل بها ولا يشتغل بغيرها، ومن اشتغل بتطوع بنافلة فإنما انصرف عن الخطبة، فتفوته هذه الموعظة التي لا تتكرر، وكما أشرنا من قبل، كم كان المسلمون يقطعون من المسافات؟! فربما يتحمَّلون المشاق في سبيل الوصول لهذه الموعظة التي تكون

стр. 1976

كل أسبوع؛ لأن يوم الجمعة إنما هو عيد الأسبوع (١)، فهذا الخطيب يخطب الناس ويذكرهم بأيَّام الآخرة، وما في الجنة من نعيمٍ مقيمٍ، ويحذِّرهم أيضًا من النار وما يوصّل إلى طريقها، ويبين لهم طريق الغواية (٢) ويحذرهم من سلوكه، وكذلك أيضًا يبيِّن لهم نتيجة مَن وقع في المعاصي وما في ذلك من المخاطر، كذلك أيضًا يبيِّن سعادة وفوز من اتبع رضوان اللَّه . إذن هؤلاء العلماء يقولون: إنه اشتغال عن الخطبة، ولكننا نقول: ثبت عن الرسول ﷺ أنه أمر بعدم الجلوس حتى يؤدي الإنسان ركعتين، فينبغي له أن يؤدي ذلك، وكما أن هذا ذكر وموعظة، فالإنسان أيضًا في طاعة اللَّه ؛ لأنه يؤدي عبادة وإن لم تكن مفروضة، لكن فيها فضل عظيم، واللَّه يقول في الحديث القدسي: "وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه. . . إلخ" (٣). إذن هنا عمل صالح، وهنا استماع إلى ذكر وموعظة ودروس، أرشد الرسول ﷺ إلى ذلك، وهنا أيضًا عمل بتوجيه رسول اللَّه ﷺ ، ولذلك نبَّه الرسول ﷺ إلى الإيجاز في هذه الصلاة؛ ليجمع المرء بين الحسنيين، والأَولى بالمسلمِ ألَّا ينتظر حتى يأتي الإمام -كما سيأتي في مسائل الرواح إلى الجمعة- بل ينبغي للمسلم أن يبادر في هذا اليوم العظيم، وألا ينتظر حتى يدخل الإمام، ويؤذن المؤذن، ثم يأتي؛ فاللَّه يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨، المائدة: ٤٨]، ويقول : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولا شكَّ أن المبادرة إلى الجمعة والإنصات إلى الإمام والعمل بما جاء عن

стр. 1977

رسول اللَّه ﷺ إنما هو استباق للخيرات، ومسارعة إلى ما أمر اللَّه بالإسراع إليه. * قوله: (فَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). هذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة (١). * قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَرْكَعُ). ومن قال من أهل العلم بالركوع، هم الشافعية والحنابلة (٢)، بل أكثر العلماء (٣). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِعُمُومِ الأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (٤)، يُوجِبُ أَنْ يَرْكَعَ الدَّاخِلُ فِي المَسْجِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ يَخْطُبُ). هو حقيقة لا يوجب كما ذكر المؤلف؛ فهذه الصلاة ليست واجبة، وإنما الواجب إنما هو المفروضة (٥)، لكنَّ المؤلف يطلق أحيانًا على السنن واجبات، وهذا يتكرر منه كثيرًا، فلننتبه. فالصلوات المفروضة هي الخمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد في اليوم والليلة (٦). وسيأتي الخلاف في

стр. 1978

الوتر، وأن الحنفية وحدهم يوجبونه، ومع إيجابهم له يرون أنه بمنزلة دون الفرض (١).

стр. 1979

* قوله: (وَالأَمْرُ بِالإِنْصَاتِ إِلَى الخَطِيب يُوجِبُ دَلِيلُهُ أَلَّا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ مِمَّا يَشْغَلُ عَنِ الإِنْصَاتِ وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً (١)، وَيُؤَيِّدُ عُمُومَ هَذَا الأَثَرِ مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٢).) هو يريد أن يُشير إلى أن ثمَّة رواية له في "الصحيحين"، ورواية عند مسلم. * قوله: (وفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، وَأَكْثَرُ رِوَايَاتِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊: أَمَرَ الرَّجُلَ الدَّاخِلَ أَنْ يَرْكعَ، وَلَمْ يَقُلْ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ" الحَدِيثَ (٣). فَيَتَطَرَّقُ إِلَى هَذَا الخِلَافُ فِي هَلْ تُقْبَلُ زِيَادَةُ الرَّاوِي الوَاحِدِ إِذَا خَالَفَهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الشَّيْخِ الأَوَّلِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَمْ لَا؟) (٤).

стр. 1980

ليس هناك خلاف في حقيقة الأمر بين رواية "الصحيحين" وهذه الرواية؛ لأن الرواية الأولى: "إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" (١). وليس هناك مانع أن تتكرر القضية، والأخرى أنه جاء رجل والرسول اللَّه ﷺ يخطب فقال له: "أصليت؟ " لما جلس، قال: لا، قال: "قُم فصَلِّ ركعتين" (٢). ومن الأدلة التي يستدلُّ بها الفريق الآخر أنهم قالوا: دخل رجل فأخذ يتخطى رقاب الناس، فقال له ﷺ : "اجلس؟ فقد آذيت" قالوا: ولم يأمره بالصلاة (٣). لكن أجيب بأن الرسول ﷺ أراد كفَّ أذاه؛ لأنه شغل الناس بتخطي رقابهم، فأراد أن يكفَّ أذاه وإن ترك سنة من السنن (٤). إذن ذاك منع؛ لأن في مروره وتخطيه رقاب الناس أذًى لهم، ولذلك يتكلم العلماء فيمن يرى فرجة في مقدمة الصفوف فيذهب إليها، فهذه

стр. 1981

مسألة يختلفون فيها (١)، فما بالك بمَن يأتي ويتخطَّى رقاب الناس ويؤذيهم؟! ولذلك قال الرسول: "اجلس؛ فقد آذيت" فأمره الرسول ﷺ بالجلوس؛ لئلا يشغلهم، ففيه ما فيه من شغل الناس عن الاستماع إلى الخطيب. * قوله: (فَإِنْ صَحَّتِ الزِّيَادَةُ، وَجَبَ العَمَلُ بِهَا) (٢).

стр. 1982

فإن صحت الزيادة في "صحيح مسلم" وغيره. * قوله: (فَإِنَّهَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الخِلَافِ، وَالنَّصُّ لَا يَجِبُ أَنْ يُعَارَضَ بِالقِيَاسِ (١)). لم يقل العلماء الآخرون بالقياس كما ذكر المؤلف (٢)، وإنما هم -

стр. 1983

كما قلنا- استدلُّوا بحديث: "اجلس فقد آذيت" (١). ولم يأمره، وكذلك أيضًا: "مَن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة، فلا صلاة ولا كلام" (٢). ولكننا قلنا: هذا ضعيف (٣)، وقالوا أيضًا: الحكمة في الخطبة هي الاستماع إليها، والذي يشتغل بغير الخطبة إنما هو منصرف عنها، حتى وإن كان انشغاله بطاعة من الطاعات، فإنه ينبغي أن يتفرغ لهذه الخطبة؛ لأنها تفوت، أما النوافل فله أن يصليها في أيِّ وقت (٤). * قوله: (لَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي رَاعَاهُ مَالِكٌ فِي هَذَا هُوَ العَمَلَ) (٥). يقصد بالعمل هنا عمل أهل المدينة. والأدلة المذكورة (٦) منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو محتمل، ونحن لا ندعُ نصًّا جاء في المسألة، قال الرسول للرجل: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين"، وقال في الحديث الآخر: "إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما"، والتجوز فيه إشارة إلى عدم الإطالة؛ ليجمع المصلي بين فضيلة الصلاة، صلاة التطوع، وبين فضيلة الخطبة؛ حتى لا تفوته الموعظة.

стр. 1984

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مِنْ سُنَّةِ القِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الجُمُعَةِ قِرَاءَةَ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى (١)). الكتاب العزيز هو كلام اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، منه بدأ وإليه يعود، واللَّه قد تكلَّم به بصوت (٢)، وهو المحفوظ بين دفتي المصحف (٣). وقد ميَّز اللَّه بعض آياته، كآية

стр. 1985

الكرسي (١)، وميَّز بعض سوره مع فضله جميعًا، كسورة الفاتحة (٢)، وقد بيَّن الرسول ﷺ ما ورد فيها من الفضل (٣)، وكذلك سورة الإخلاص (٤)، وكذلك البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة (٥).

стр. 1986

كذلك نجد أن الرسول ﷺ بيَّن أن مِن السور ما يُقرأُ في مواضع، ومن ذلك نجد أن الرسول ﷺ بيَّن ما يقرأ فيه من طوال المفصل، وما يقرأ فيه من أواسط المفصل، وما يقرأ فيه من قصار السور (١)، كذلك أيضًا بيَّن الرسول ﷺ أنه في صلاة فجر الجمعة يقرأ في الركعة الأولى بسورة السجدة، وفي الركعة الثانية بسورة الإنسان (٢)، وفي صلاة الجمعة يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بسورة المنافقين (٣). وورد أنه يقرأ في العيدين وفي الجمعة بالأعلى والغاشية (٤). والإمام مالك ﵀ قال: أدركت الناس يقرؤون بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾. يعني: في الجمعة، قال: الذي جاء في الحديث القراءة بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ بعد سورة الجمعة (٥)، والذي أدركت عليه الناس القراءة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ثم يقرأ الغاشية (٦). وهذا

стр. 1987

ليس واجبًا ولا متعيِّنًا، وليس للإنسان أن يلزمها مطلقًا؛ حتى لا يظنُّ بعضُ الناس أن ذلك واجب، لكن للإنسان أن يقرأ بهذه، وله أن يدعها، ولو لم يقرأ بها لم يرتكب محرَّمًا ولا محظورًا، فالقصد من ذلك أنه ورد في صلاة الجمعة قراءة هذه السور. * قوله: (لِمَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ "كَانَ يَقْرَأ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِالجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ " (١). وَرَوَى مَالِكٌ "أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ: مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى أَثَرِ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ بِـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ " (٢). وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ العَمَلَ عَلَى هَذَا

стр. 1988

الحَدِيثِ وَإِنْ قَرَأَ عِنْدَهُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ كَانَ حَسَنًا) (١). ورد عن مالك أنه قال: "أدركت الناس على ذلك". والمؤلف لم يعرض لهذا (٢). * قوله: (لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (٣)، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَقِفْ فِيهَا شَيْئًا). يعني: لم يُنقَل عنه في ذلك شيء (٤)، والخلاف في ذلك هو خلاف استحباب، وما ورد في ذلك إنما هو استحباب قراءة هذه السورة فقط. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ حَالِ الفِعْلِ لِلْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ القِيَاسَ يُوجِبُ أَلَّا يَكُونَ لَهَا سُورَةٌ رَاتِبَةٌ كَالحَالِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَدَلِيلُ الفِعْلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهَا سُورَةٌ رَاتِبَةٌ. وَقَالَ القَاضِي:

стр. 1989

"خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي العِيدَيْنِ وَفِي الجُمُعَة بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ (١). قَالَ: فَإِذَا اجْتَمَعَ العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلَاتَيْنِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ سُورَةٌ رَاتِبَةٌ، وَأَنَّ الجُمُعَةَ لَيْسَ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا دَائِمًا) (٢). وكما ذكر المؤلِّف، لا شكَّ أنه ورد استحباب القراءة بهذه السور، لا المداومة عليها فللإمام أن يقرأ بما شاء. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (الفَصْلُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامِ الجُمُعَةِ) (وَفِي هَذَا البَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ). هذا البابُ فَيه مسائلُ مهمة، وسيبدأ أوَّلًا فيما يتعلَّق بمسألة غسل يوم الجمعة. * قوله: (الأُولَى: فِي حُكْمِ طُهْرِ الجُمُعَةِ). المقصود بـ "طهر الجمعة" هو غسل الجمعة، وليس المراد بغسل

стр. 1990

الجمعة الغسل الذي قد يجب على الإنسان من جنابة، ويجب على المرأة من حيض، وإنما المقصود هنا: الغسل الذي هو خاص بيوم الجمعة، وهناك مسألة تسبق هذه المسألة، لكن المؤلف لا يعرض لبعض الجزئيات في كثير من المواضع، ومن ذلك ما يتعلَّق بوقت غسل الجمعة. هناك خلاف بين العلماء، فهم في مسألة غسل الجمعة على فريقين: الفريق الأول: يرى أن غسل الجمعة واجب، وأنه متعين، فيجب على الإنسان أن يغتسل للجمعة (١). الفريق الآخر: يرى أنه مستحبٌّ؛ للأحاديث التي وردت في ذلك (٢). وهنا سؤال نعرض له أولًا، وهو: متى يبدأ يوم الجمعة؟ نقدم بذلك ثم ندخل بعد في شرح مسألة الغسل وبيانها. وقد اختلف العلماء في بداية يوم الجمعة، هل يبدأ بطلوع الفجر؟ الجواب: من المعلوم أن طلوع الفجر يترتب عليه أحكام كثيرة، ومن ذلك صلاة الفجر، ونقصد بالفجر هنا الفجر الصادق (٣) الذي سبق أن تكلمنا عنه وبيَّناه، فمن العلماء من يقول: يبدأ يوم الجمعة بطلوع الشمس (٤)،

стр. 1991

ومنهم من يقول: إنه يبدأ بزوال الشمس (١). والكلام هنا كله يدور حول الساعات التي أرشد الرسول ﷺ إلى الرواح فيها (٢)، ندخل في تفصيل هذه المسألة، فنقول: العلماء مختلفون في غسل يوم الجمعة (٣)، مع ذهاب جمهورهم إلى أنه لو كان على الإنسان غسل واجب، كأن كان عليه غسل جنابة، فإنه يكفيه أيضًا عن غسل الجمعة إذا نوى ذلك، هذا هو الرأي المشهور، وإن كان هناك من يخالف فيه (٤). وهذا مما تتداخل فيه

стр. 1992

العبادات. ومن ذلك وضع العلماء القاعدة المعروفة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا (١).

стр. 1993

قد تجتمع عبادتان من جنس واحد لكن يختلف مقصودهما، كأن تأتي إلى صلاة الظهر الواجبة في وقتها، وتكون قد فاتتك صلاة ظهر أُخرى، فلا تدخل هذه على هذه؛ لأن هذه واجبة، وهذه واجبة، وهذه مؤداة، وهذه مقضية، لكِنْ لَو دخلت فوجدت الصلاة قد أقيمت، فتكفي صلاة الجماعة عن تحية المسجد. وكذلك الحال بالنسبة لركعتي الطواف عند بعض العلماء، ودخول الوضوء تحت الغسل وغير ذلك من مسائل كثيرة جدًّا تندرج تحت هذه القاعدة (١). فالعلماء إذن مختلفون، فجمهور العلماء بما فيهم الأئمة الأربعة المعروفون؛ أبو حنيفة (٢) ومالك (٣)

стр. 1994

والشافعي (١) وأحمد (٢)، يرون أن غسل الجمعة مستحب، وأنه ليس بواجب، بل إن ابن عبد البر حكى إجماع العلماء على ذلك (٣). لكن خالف في ذلك بعض أهل الظاهر (٤)، ونسب أيضًا إلى بعض السلف؛ كأبي هريرة ﵁ (٥)، والحسن (٦). وقيل إنه رواية عن مالك (٧). وقيل أيضًا: إنه

стр. 1995

رواية عن الإمام أحمد (١). لكن جماهير العلماء يذهبون إلى أن غسل الجمعة مستحب، وأنه سُنَّة مؤكّدة (٢). لماذا اختلف العلماء في ذلك؟ الجواب: عندما نعرض الأدلة نجد أن من الأدلة ما يدلُّ ظاهره على الوجوب؛ كالحديث المتفق عليه من قوله ﷺ : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٣). فهذا الحديث نطق بلفظ الوجوب: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم". "غسل الجمعة": مبتدأ، خبره: "واجب على كل محتلم". قال بعض أهل العلم: هذا دليل صريح يدلُّ على وجوب الغسل (٤). وفي بعض الروايات تشبيه غسل الجمعة بغسل الجنابة (٥).

стр. 1996

ومن الأدلة التي استدلَّ بها هؤلاء العلماء أيضًا: الحديث الآخر المتفق عليه، أن الرسول ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة فليغتسل أحدكم" (١)، "مَن جاء إلى الجمعة فليغتسل" (٢). قالوا: "فليغتسل" هذا أمر؛ لأنه مضارع اقترن بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، قالوا: فهذا أيضًا دليل على الوجوب، الأول: جاء بلفظ الوجوب "واجب"، والثاني: جاء بصيغة الأمر؛ لأن من صيغ الأمر المضارع المقترن بلام الأمر "فليغتسل" (٣). وكذلك أيضًا قد ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه أنه قال: "حق على كلِّ مسلم في كلِّ سبعةِ أيام أن يغتسل يومًا، يغسل جسده ورأسه" (٤). قالوا: فكلمة: "حق" بمعنى: ثابت، والثابت هو الواجب، هكذا قالوا (٥). أما جمهور العلماء فقالوا: إن هذه الأدلة مصروفة عن الوجوب بأدلة أُخرى، ومنها ما يلي:

стр. 1997

الدليل الأول: قوله ﷺ : "مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (١). ومعنى هذا الحديث: "مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" أن مَن توضأ يوم الجمعة فبالرخصة أخذ، أو فبالسنة أخذ، أو بالفعل أخذ، إذن من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، أي: فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة التي هي الوضوء، "ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢). فبيَّن هذا الحديث أن الوضوء مطلوب، وأن الغسل مطلوب، وأن مَن أدَّى الوضوء يوم الجمعة أدى ما عليه، وأن الغسل فيه زيادة فضل، لا أنه واجب؛ لأن المفاضلة لا تكون إلا بين شيئين اجتمع الفضل فيهما، وامتاز أحدهما على الآخر (٣). الدليل الثاني: حديث في "الصحيحين" (٤)، وهو قوله ﷺ : "مَن توضَّأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٥)، فهذا اقتصر على وضوء فأحسنه، وجاء إلى الجمعة، فجلس والخطيب يخطب، فدنا من الإمام وهذا دليل أيضًا على فضل الخطبة وأهميتها، "ثم دنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين

стр. 1998

الجمعة وزيادة ثلاثة أيام"، فكيف يغفر لإنسان مدة أسبوع ويزاد على ذلك مدة ثلاثة أيام وهو قد ترك واجبًا؟ إذن فهذا الحديث نصٌّ في ذلك (١). الدليل الثالث: حديث أبي هريرة: "بينما كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطبُ النَّاس يوم الجمعة، فجاء عثمان ﵁، فقال عمر: أيُّ ساعة هذه، -وفي بعض الروايات- ما بال أُناس يأتون بعد النداء" (٢). وقد أدرك عثمان ﵁ وهو الصحابي الجليل- أنه المقصود بذلك؛ لأنه لبيب، وقال: إني شُغِلت فلم أنقلب إلى أهلي إلا وقد سمعت النداء، فلم أزد على أن توضَّأت، فقال له عمر ﵁: "والوضوء أيضًا؟ " (٣). لكن عمر لم يطلب منه أن يذهب فيغتسل، وذلك بمشهد ومحضر ومسمع من الصحابة ﵃، ولم ينكر ذلك أحد على عثمانَ ﵁، ولم يعارض فيه معارض، فقال أهل العلم: فكان ذلك موضع اتِّفاق؛ لأن هذه واقعة وقعت بين الصحابة، أكابرهم موجودون، وخليفة المسلمين يخطبهم يوم الجمعة، واستغرب من تأخُّر عثمان؛ لأن عثمان ليس من عادته أن

стр. 1999

يتأخَّر، لكنه ذكر أنه انشغل في أمر جلل، وأنه لم ينتبه إلا وقد سمع النداء، فأراد أن يدرك الخطبة أو جزءًا منها، فلم يزد على أن انفتل إلى بيته (١)، أي: انقلب إليه فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم جاء ليسمع الخطبة ويؤدِّي الصلاة، فقال له عمر: والوضوء أيضًا والرسول ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسِلْ" فدلَّ ذلك على أنه ليس بواجب (٢). فما الجوابُ إذن من حدِيثِ: "غُسلُ يومِ الجُمعةِ واجبٌ على كُلِّ محتلمٍ؟ ". قال العلماءُ: الواجبُ واجبانِ؛ واجبٌ اختياريّ، وواجب إلزامي، فهناك أمر أو شيء يوجبه الإنسان على نفسه، وهناك أمر لازم يجب على الإنسان أن يؤدِّيَه، فالصلوات واجبة على كل إنسان بعينها، وصلاة الجماعة واجبة على من وجبت عليه (٣)، ويخصُّ ذلك من استثنى منها كالنِّساء والصغار الذين لم يبلغوا. وعلى خلاف أيضًا في العبيد (٤).

стр. 2000

وثمَّة واجب اختياريّ، فقد تُقابِل صديقًا لك أو زميلًا، فيخاطِبُك في أمرٍ ما، أو يناقِشُك في قضيَّةٍ، أو يقول: يا أخي، حصل منك كذا، فتقول: لك عليَّ حق واجب؛ فلا واجب عليك حقيقة، لكنَّ هذا تقديرٌ لزميلك، إذن قد ألزمتَ نفسك بهذا الحق، والتزمت به، وهناك واجبٌ إلزامي، وهو الذي أوجبه عليك الشرعُ. ويؤول هذا الحديث؛ لوجود الأدلة الأخرى التي تصرفه عن الوجوب، وقد بينت أن القصد من قوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلم" تأكيد الغسل (١). ومما يدلُّ على فضله أن الرسول ﷺ قال: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهوره ويدهن من دهنه ويمسُّ من طيب بيته ثم يخرج لا يفرق بين اثنين"، القصد ألا يشوش على الناس، فيقطع رقابهم أثناء مروره عليهم، "ثم يصلي ما كتب له أن يصلي"، فيصلي تطوعًا قبل أن يدخل الإمام، "ثم ينصت"، يعني: للخطبة، "غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٢).
следующие страницы →