← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ومن الأدلة التي استدلَّ بها هؤلاء العلماء أيضًا: الحديث الآخر المتفق عليه، أن الرسول ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة فليغتسل أحدكم" (١)، "مَن جاء إلى الجمعة فليغتسل" (٢). قالوا: "فليغتسل" هذا أمر؛ لأنه مضارع اقترن بلام الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، قالوا: فهذا أيضًا دليل على الوجوب، الأول: جاء بلفظ الوجوب "واجب"، والثاني: جاء بصيغة الأمر؛ لأن من صيغ الأمر المضارع المقترن بلام الأمر "فليغتسل" (٣). وكذلك أيضًا قد ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه أنه قال: "حق على كلِّ مسلم في كلِّ سبعةِ أيام أن يغتسل يومًا، يغسل جسده ورأسه" (٤). قالوا: فكلمة: "حق" بمعنى: ثابت، والثابت هو الواجب، هكذا قالوا (٥). أما جمهور العلماء فقالوا: إن هذه الأدلة مصروفة عن الوجوب بأدلة أُخرى، ومنها ما يلي:

стр. 1997

الدليل الأول: قوله ﷺ : "مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (١). ومعنى هذا الحديث: "مَن توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" أن مَن توضأ يوم الجمعة فبالرخصة أخذ، أو فبالسنة أخذ، أو بالفعل أخذ، إذن من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، أي: فبالرخصة أخذ ونعمت الرخصة التي هي الوضوء، "ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٢). فبيَّن هذا الحديث أن الوضوء مطلوب، وأن الغسل مطلوب، وأن مَن أدَّى الوضوء يوم الجمعة أدى ما عليه، وأن الغسل فيه زيادة فضل، لا أنه واجب؛ لأن المفاضلة لا تكون إلا بين شيئين اجتمع الفضل فيهما، وامتاز أحدهما على الآخر (٣). الدليل الثاني: حديث في "الصحيحين" (٤)، وهو قوله ﷺ : "مَن توضَّأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٥)، فهذا اقتصر على وضوء فأحسنه، وجاء إلى الجمعة، فجلس والخطيب يخطب، فدنا من الإمام وهذا دليل أيضًا على فضل الخطبة وأهميتها، "ثم دنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين

стр. 1998

الجمعة وزيادة ثلاثة أيام"، فكيف يغفر لإنسان مدة أسبوع ويزاد على ذلك مدة ثلاثة أيام وهو قد ترك واجبًا؟ إذن فهذا الحديث نصٌّ في ذلك (١). الدليل الثالث: حديث أبي هريرة: "بينما كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطبُ النَّاس يوم الجمعة، فجاء عثمان ﵁، فقال عمر: أيُّ ساعة هذه، -وفي بعض الروايات- ما بال أُناس يأتون بعد النداء" (٢). وقد أدرك عثمان ﵁ وهو الصحابي الجليل- أنه المقصود بذلك؛ لأنه لبيب، وقال: إني شُغِلت فلم أنقلب إلى أهلي إلا وقد سمعت النداء، فلم أزد على أن توضَّأت، فقال له عمر ﵁: "والوضوء أيضًا؟ " (٣). لكن عمر لم يطلب منه أن يذهب فيغتسل، وذلك بمشهد ومحضر ومسمع من الصحابة ﵃، ولم ينكر ذلك أحد على عثمانَ ﵁، ولم يعارض فيه معارض، فقال أهل العلم: فكان ذلك موضع اتِّفاق؛ لأن هذه واقعة وقعت بين الصحابة، أكابرهم موجودون، وخليفة المسلمين يخطبهم يوم الجمعة، واستغرب من تأخُّر عثمان؛ لأن عثمان ليس من عادته أن

стр. 1999

يتأخَّر، لكنه ذكر أنه انشغل في أمر جلل، وأنه لم ينتبه إلا وقد سمع النداء، فأراد أن يدرك الخطبة أو جزءًا منها، فلم يزد على أن انفتل إلى بيته (١)، أي: انقلب إليه فتوضأ وضوءه للصلاة، ثم جاء ليسمع الخطبة ويؤدِّي الصلاة، فقال له عمر: والوضوء أيضًا والرسول ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسِلْ" فدلَّ ذلك على أنه ليس بواجب (٢). فما الجوابُ إذن من حدِيثِ: "غُسلُ يومِ الجُمعةِ واجبٌ على كُلِّ محتلمٍ؟ ". قال العلماءُ: الواجبُ واجبانِ؛ واجبٌ اختياريّ، وواجب إلزامي، فهناك أمر أو شيء يوجبه الإنسان على نفسه، وهناك أمر لازم يجب على الإنسان أن يؤدِّيَه، فالصلوات واجبة على كل إنسان بعينها، وصلاة الجماعة واجبة على من وجبت عليه (٣)، ويخصُّ ذلك من استثنى منها كالنِّساء والصغار الذين لم يبلغوا. وعلى خلاف أيضًا في العبيد (٤).

стр. 2000

وثمَّة واجب اختياريّ، فقد تُقابِل صديقًا لك أو زميلًا، فيخاطِبُك في أمرٍ ما، أو يناقِشُك في قضيَّةٍ، أو يقول: يا أخي، حصل منك كذا، فتقول: لك عليَّ حق واجب؛ فلا واجب عليك حقيقة، لكنَّ هذا تقديرٌ لزميلك، إذن قد ألزمتَ نفسك بهذا الحق، والتزمت به، وهناك واجبٌ إلزامي، وهو الذي أوجبه عليك الشرعُ. ويؤول هذا الحديث؛ لوجود الأدلة الأخرى التي تصرفه عن الوجوب، وقد بينت أن القصد من قوله ﷺ : "غسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلم" تأكيد الغسل (١). ومما يدلُّ على فضله أن الرسول ﷺ قال: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهوره ويدهن من دهنه ويمسُّ من طيب بيته ثم يخرج لا يفرق بين اثنين"، القصد ألا يشوش على الناس، فيقطع رقابهم أثناء مروره عليهم، "ثم يصلي ما كتب له أن يصلي"، فيصلي تطوعًا قبل أن يدخل الإمام، "ثم ينصت"، يعني: للخطبة، "غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٢).

стр. 2001

إذن يظل هذا المصلِّي دائمًا في حالة مغفرة، وما أسعد من يغفر اللَّه ذنوبه ويتجاوز عن سيئاته ويرفع عنه خطاياه! وهذه هي السعادة، وهذا هو الفوز الذي يسعى إليه كلُّ مسلم، فيوم الجمعة كلُّه فضل، وسنتكلم عن مزيد من ذلك عندما نأتي إلى اختلاف العلماء في المراد بساعات يوم الجمعة. ننتهي من هذا إلى تأكيد غسل الجمعة، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يتركه، لا لأنه واجب، ولكن لما فيه من فضل عظيم، ونحن في هذه الحياة نسعى ونشغل أنفسنا، وربما نَصِلُ كَلالَ الليل بكَلالِ النهار (١)، بحثًا عن متاع الدنيا وزخارفها، وفي أمور الآخرة لم يكلفنا اللَّه ما يشقّ علينا، بل ما أوجبه علينا إنما هو أمر يسير جدًّا بالنسبة إلى ما وهبَنا من النعيم العظيم والنِّعم التي نتقلب فيها ليلَ نهارَ، وهذه النِّعمُ تقتضي منا أن نشكره ! وكم وهبنا من عطايا؛ من صحة وعافية، وسيأتي في الأحاديث التي سنتكلم عنها أنه ينبغي للمرء يوم الجمعة أن يخرج متنظفًا، كحديث رسول ﷺ الذي يبين أن الإنسان لا يقتصر على ثياب مهنته، فيقول ﷺ : "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته" (٢). فكم لدينا اليوم من الثياب! وكم لدينا من النعم! وكم لدينا من الفضائل التي أنعم اللَّه بها علينا، مما لم ينله ممن سبقوا ممن جاهدوا في سبيل اللَّه وتحملوا المشاق والنصب والتعب، فنعم اللَّه علينا كثيرة، وهذه النعم تستوجب أن نشكره . ونحن في شكرنا لنعم اللَّه وفي أدائنا لما يجب علينا، وفي أدائنا

стр. 2002

لما حضَّنا (١) اللَّه على فعله مما لم يفرض علينا برجع ثوابه وجزاؤه في النهاية إلينا، فاللَّه لا يُصيع أجر من أحسن عملًا، وهو مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، إذن كل ما نعمله من أعمال الخير؛ سواء كانت واجبة أو مستحبة، وكل ما نتقرَّب به إلى اللَّه ، حتى في أمور معاملاتنا فاللَّه سيجزبنا عليه الجزاء الأوفى، فما تنفق من نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أُجِرت عليها، حتى اللقمة في فيِّ جائع (٢)، ورُبَّ قتيل بين صفين اللَّه أعلم بنيَّته (٣)، فمتى أخلص المرء نيته للَّه ، وقصد بعمله وجه اللَّه تعالى والدار الآخرة، فبلا شك أنه سيظفر بالنعيم المقيم، وهذا هو الذي يسعى إليه المؤمن في هذه الحياة، وفي يوم الجمعة فليتنافس المتنافسون، لما فيه من الفضائل العظيمة، والثواب العظيم، وفيه ساعة لا يدركها عبد مسلم يسأل اللَّه إلا آتاه سُؤلَه (٤). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (الثَّانِيَةُ: عَلَى مَنْ تَجِبُ مِمَّنْ خَارِجَ المِصْرِ. الثَّالِثَةُ: فِي وَقْتِ الرَّوَاحِ المُرَغَّبِ فِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ.

стр. 2003

الرَّابِعَةُ: فِي جَوَازِ البَيْعِ يَوْمِ الجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ. المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي طُهْرِ الجُمُعَة؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ) (١). تقدَّم أنه لم يرد من الأدلَّة إلا قصة عثمان مع عمر لمَّا قال: "ما بال أقوام. . .؟ "، وكون ذلك بمشهد ومحضر من الصحابة ولم ينكر ذلك منكر، فذلك وحده كاف، لكن خرجنا من ذلك بأن الغسل أفضل، ولذلك أنكر عمر على عثمان أنه اكتفى بالوضوء، وقد بيَّن عثمان أن الوقت ما أسعفه ليغتسل، ومن المعلوم أن الواجب لا يسقط، فلو كان واجبًا ما سقط. * قوله: (وَلَا خِلَافَ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ). مراد المؤلف: أنه لو لم يغتسل الإنسان ما بطلت صلاته، وصلاته صحيحة، وهذا كلام صحيح. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "طُهْرُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَطُهْرِ الجَنَابَةِ" (٢)، وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، فَيَرُوحُونَ إِلَى الجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ) (٣).

стр. 2004

هذه من الأدلة التي استدلَّ بها جمهور العلماء على أن هذه الأحاديث المنصرمة إنما هي لتأكيد الغسل (١)؛ لأن الناس كانوا عُمَّال أنفسهم؛ (أي: كانوا يؤدون المهن بأنفسهم) فمنهم مَن يعلو النخل ثم ينزل فيلتصق به التراب والطين، ومنهم مَن يشتغل بالجزارة والحدادة، وغير ذلك. فالذي يشتغل بأعمال الطين والبناء يلصق به التراب والطين، وكذلك الذي يشتغل في المزارع كم يعلق به من الرائحة السيئة! وكذلك الجزار، وغير هؤلاء؛ لذلك نجد أن الرسول ﷺ قال: "مَن أكل ثومًا أو بصلًا -فليعتزلنا- أو ليعتزل مصلانا" (٢)؛ لأن الناس يتأذون من الروائح الكريهة، وكذلك الملائكة تتأذى منها (٣)؛ لأنه إذا دخل الإمام طُوِيت الصحف، وجلس الملائكة يستمعون الذكر (٤)، إذًا في هذه الروائح تأذٍّ للمصلين

стр. 2005

وللملائكة، وأعظم من هؤلاء: الذين يشربون الدخان ويأتون برائحتهم المساجد فيؤذون الناس بذلك. ولذلك جاء في حديث عائشة تبيين الحكمة والسر: "كان الناس عمال أنفسهم"، أي: يقومون بأعمالهم ويؤدُّونها بأنفسهم، "فيأتون إلى الصلاة على هيئتهم"، أي: يأتون على الهيئة التي فرغوا فيها من أعمالهم، دون أن يذهبوا إلى بيوتهم، فيغيِّروا ملابسهم، ويتنظفوا، فقيل لهم: "لو اغتسلتم"؛ لأن الإنسان مطالب يومَ الجمعة، وغير يوم الجمعة أن يقلِّمَ أظفاره، ويزيل شعره، وسنن الفطرة معلومة؛ وهي: حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب والأظافر، وغير ذلك من الأمور التي أرشد إليها الرسول ﷺ (١). وقد أمر اللَّه بأخذ الزينة عند مساجده، فيقول : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، فينبغي أن يوضع في مقدمة ذلك يومُ الجمعة، وقال ﷺ : "غسلُ يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلمٍ وسواك وأن يمسَّ طيبًا" (٢). فأمر ﷺ بالغسل، وحضَّ على السواك، وأرشد إلى التطيب، وقد مر قوله ﷺ قبل قليل: "وأن يدهن من دهنه، وأن يمسَّ من طيب بيته" (٣). وكذلك يلبس الملابس النظيفة، ولذلك وصى الرسول ﷺ : "ما على أحدكم أيّ مشقة وأيّ حرج يلحق الإنسان لو خصَّ ثوبين من ثيابه ليوم الجمعة، وترك أثوابًا أُخرى لمهنته" (٤). وقد هذا أصبح هذا بحمد اللَّه ميسورًا.

стр. 2006

واللَّه ﵎ يحبُّ أن يرى أثر نعمه على عبده (١). ولا يعارض هذا بحديث: "البذاذة من الإيمان" (٢)، أي: رثاثة الثياب (٣)، فليس معنى ذلك أن يأتي وثيابه وسخة، أو بها رائحة كريهة إنما يأتي متواضعًا، وهذا لا يمنع أن يأتي بملابس متواضعة نظيفة متطيبًا، وليس شرطًا أن يأتي بثياب جديدة، وإن كان يحسُنُ أن يأتي بمثل ذلك إذا لم يكن يشق عليه، والرسول ﷺ قد أوصى بالاستعداد لهذه الفريضة، الركن الثاني بعد الشهادتين (٤)، ففي هذا المكان سيناجي ربَّ الخلائق، فينبغي أن يكون على أحسن حال. ولو أن إنسانًا أراد أن يقابل مسؤولًا كبيرًا، ألا يختار أحسن ملابسه ويتنظف ويتفقد نفسه، فما بالك وهو يقف بين يدي العزيز الجبار! بين يدي مَن لا تخفى عليه خافية! بين يدي من يعلم السِّرَّ وأخفى! بين يدي من يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور! فالأولى في حقِّ المسلم إذا كان يهتم بالناس، أن يهتم بربِّه من باب أولى، بأن يكون على أحسن حال وهو واقف بين يدي اللَّه ، وأن يكون مظهره حسنًا وملبسه حسنًا، ورائحته طيبةً كريمةً، فهذا هو الموقف الذي ينبغي أن يقفه، فالنظافة مطلوبة، وقد أمر اللَّه بها ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، والرسول ﷺ كان يُعْنَى بذلك.

стр. 2007

يقول الرسول: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته" (١)، ونحن الآن -والحمد للَّه- لدينا الثياب الكثيرة المتعددة، فقد يسَّر اللَّه تعالى علينا هذه الأمور، وفتح لنا أبواب الرزق، وكما مرَّ سابقًا لم يبق إلا أن نؤدي حقَّ هذه النعم؛ حتى يزيدنا اللَّه شكرًا وأمنًا إلى ما نحن فيه من أمن قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. فيحسن بالمرء إذن في هذا المقام أن يأتي المسجد وقد حسن صورته؛ لأنه سيقف بين يدي اللَّه ﵎، وحتى لا يأثم لو جاء برائحة غير طيبة؛ لأنه يؤذي المؤمنين بهذه الرائحة، وهو منهي عن إيذاء المؤمنين في كتاب اللَّه ، وفي سنة رسوله ﷺ . * قوله: (فَقِيلَ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ"؟ وَالأَوَّلُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ (٢). وَالثَّانِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَمُسْلِمٌ (٣)، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ الغُسْلِ (٤)، وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَوْضِعِ النَّظَافَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً، وَقَدْ رُوِيَ: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتُ، وَمَنِ اغْتَسَلَ

стр. 2008

فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" (١)، وَهُوَ نَصٌّ فِي سُقُوطِ فَرْضِيَّتِهِ إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ) (٢). ليس حديثًا ضعيفًا كما ذكر؛ فمن العلماء من حسَّنه، وممن حسَّنه أحد رواته الترمذي (٣)، وقوله ﷺ : "مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، ثم دنا وأنصت واستمع، غفر له ما بينه وبين الجمعة" (٤)، وهذا نصٌّ في الوضوء، وأيضًا قصة عثمان مع عمر، واستماع الصحابة إلى ذلك، وغير ذلك من الأدلة، وبذلك ننتهي إلى أن للمسلم أن يُعْنَى بأمر الغسل، وألا يدعه. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا وُجُوبُ الجُمُعَةِ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ المِصْرِ). فهذه مسألة أُخرى، وكل مسألة لا يأتي فيها نصٌّ شرعي صريح نجد أن العلماء يختلفون فيها، ففيما يتعلَّق بهذه المسألة (من كان خارج المِصر) هل تجب عليه الجمعة؟ إن قلنا: نعم، فما هو الوصف الدقيق، والحد والضابط الذي نضعه لمن هو خارج المصر؛ فلم يرد شيء في كتاب اللَّه ينص على ذلك، والذي ورد في كتاب هو قوله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. والآية مطلقة، وقد جاء في هذه المسألة عدة أحاديث، لكن الأحاديث التي جاءت في هذه المسألة لا تخلو من مقال (٥)، ولذلك

стр. 2009

تشعَّبَت آراء العلماء وتعددت، وكل مسألة لا يردُ فيها نصٌّ صحيح صريح نجد أن الخلاف يتعدد فيها، والأقوال تتفرع، ولذلك تعددت الأقوال، على ما يأتي: القول الأول: تجب الجمعة على من آواه الليل إلى أهله، هذا فيمن هو خارج المصر، أما من هو داخل المصر فتجب عليه، فمن جاء إلى الجمعة فأمكنه أن يعود إلى أهله فيبيت فيهم، ويدركه الليل عند أهله، فهي واجبة عليه (١). القول الثاني: تجب على من سَمِع النداء، وهم يدققون في أن سماع النداء إنما يكون في وقت هادئ تكون فيه الرياح ساكنة، وهو قول الشافعية (٢) والحنابلة (٣). القول الثالث: تجب على مَن كان على مسافة ثلاثة أميال، وهو قول الإمام مالك (٤).

стр. 2010

القول الرابع: تجب على مَن كان على مسافة أربعة أميال (١). القول الخامس: تجب على مَن كان على مسافة ستة أميال (٢). القول السادس: تجب على مَن كان على مسافة عشرة أميال (٣). والخلاف هنا يدور على أن أهل العوالي (٤) كانوا يصلون مع رسول اللَّه ﷺ ، فلاختلاف هذه المسافة اختلف العلماء، وقد جاء في ذلك أحاديث، منها حديث: "الجمعة على مَن سمع النداء" (٥). لكنه حديث لم يسلم من مقال، وفيه ضعف (٦). وحديث: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" (٧). وهو أيضًا حديث متكلَّم فيه.

стр. 2011

الحنفية تقول: لا تجب الجمعة على مَن هو خارج المصر (١)؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع" (٢). وسبق أن تكلمنا عن هذا الحديث، وبيَّنا ضعفه، إذن كل هذه الأقوال مبنية على الاجتهاد، ومن هنا كثُرت آراء العلماء فيها، فهم يقولون: هؤلاء صلَّوا مع رسول اللَّه ﷺ فكم مسافة هؤلاء؟ بعض أهل العلم يقدِّر العوالي بثلاثة أميال، كالإمام مالك، وبعضهم يقول: أربعة أميال، وبعضهم يقول: جاء أناس من مسافة أبعد هل هي عشرة أميال أو ستة؟ وبعضهم يقف عند حديث: "الجمعة على من سمع النداء" كالشافعية والحنابلة، وبعضهم يقف عند حديث: "الجمعة على مَن آواه الليل إلى أهله"، لكننا نقول: لم يرد عن الرسول ﷺ نصٌّ قطعيٌّ محدد نقف عنده، ولذلك نقول: الأَولى في حقِّ المسلم إذا سمع نداء الجمعة وهو خارج المصر أن يأتي إليها، هذا كان فيما مضى، كم كان يحتاج الإنسان ليقطع عشرة كيلومترات من المسافة. أما الآن فقد تيسَّرت وسائل النقل ووسائل الراحة، ولنقف عند السيارة، فالمسافة التي كنتَ تقطعها في يوم تقطعها الآن في دقائق، والتي كنت تقطعها في ساعة ربما تقطعها في دقيقة أو دقيقتين، فبحمد اللَّه يُسِّرت لنا من وسائل النقل ما قرَّب المسافات وخفَّف عنا المشقة، وهي أيضًا إذا استُغلَّتْ في طاعة اللَّه ، فهي عون على طاعة اللَّه . * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ خَارِجَ المِصْرِ (٣)، وَقَوْمٌ قَالُوا: بَلْ تَجِبُ (٤)، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 2012

قَالَ: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ الإِتْيَانُ إِلَيْهَا، وَهُوَ شَاذٌّ). كان بينه وبين الجمعة مسافة يوم، هذه مسافة بعيدة (١)، ولذلك قال المؤلف: هو شاذٌّ. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الإِتْيَانُ إِلَيْهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ). وهذا قول مالك، ومعه بعض العلماء، وكل مذهب من المذاهب فيه عدة آراء (٢). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الإِتْيَانُ مِنْ حَيْثُ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فِي الأَغْلَبِ). هذا هو المشهور عند الشافعية والحنابلة (٣). * قوله: (وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَوْضِعِ النِّدَاءِ، وَهَذَانِ القَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ). عند الشافعية والحنابلة ليس هناك قيد بثلاثة أميال، فهذا القيد موجود عند المالكية (٤). * قوله: (وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ ثَبَتَتْ فِي شُرُوطِ الوُجُوبِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا البَابِ اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ "أَنَّ النَّاسَ كَانُوا

стр. 2013

يَأْتُونَ الجُمُعَةَ مِنَ العَوَالِي فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ (١) وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ مِنَ المَدِينَةِ"، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" (٢). وَرُوِيَ: "الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ" (٣). وَهُوَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ). هذه الأحاديث كلُّها -كما ذكرنا- فيها مقال، والحنفية لا يرون وجوب الجمعة أصلًا إلا في مصر جامع، ويستدلون بالحديث، وهو ضعيف أيضًا، وقد سبق أن ناقشنا هذه المسألة (٤). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي السَّاعَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي فَضْلِ الرَّوَاحِ). شرع المؤلف الآن في مسألة أُخرى مهمة جدًّا، ويقصد بها الرواح للجمعة، ومعلوم أن الغالب والمشهور في لغة العرب أن الرواح يُطلَق على ما بعد الزوال (٥)، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "لو أنكم توكَّلون على اللَّه حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (٦). تغدو خماصًا، أي: تذهب في وقت الغدو، وهو الصباح، وتروح بعد الزوال في المساء (٧).

стр. 2014

من هنا وقع اختلاف بين العلماء؛ فانفرد المالكية بقول خالفوا فيه جماهير العلماء في هذه المسألة، فقد جاء حديث أو أحاديث عن الرسول ﷺ تبين فضل الرواح، فضل المبادرة إلى الجمعة، فضل سعي المسلم إليها مبكرًا، ومن ذلك الحديث المتفق عليه الذي قال فيه الرسول ﷺ : "إذا اغتسل أحدكم يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة" (١). فهاهنا عمل، وكلما تأخر العمل قل الأجر المترتب عليه، وسنعود للتعليق على هذه المسألة إن شاء اللَّه، لكن ورد في رواية عند النسائي أيضًا -وهي صحيحة- أن الساعات ست؛ من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية -كما ورد هنا- بقرة، وفي الثالثة: كبشًا، وفي الرابعة: بطةً، وفي الخامسة: دجاجةً، وفي السادسة: بيضةً (٢). وجاء أيضًا في رواية أُخرى عنده في الساعة الرابعة كما كان في الحديث المتفق عليه "دجاجة"، وفي الساعة الخامسة: عصفورة، وفي الساعة السادسة: بيضة، ثم بعد ذلك ينتهي، فإذا ما دخل الإمام طُوِيَت الصحف، وأخذ الملائكة يستمعون الذكر (٣).

стр. 2015

إذن مَن اغتسل يوم الجمعة -وهذا حديث متفق عليه- ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة (١). وهذه الساعات اختلف فيها العلماء، على النحو التالي: الفريق الأول: قال هي الساعات المعهودة المعروفة التي نعرفها اليوم، على أن النهار يتكون من اثنتي عشرة ساعة، وهذا هو قول جماهير العلماء (٢).

стр. 2016

الفريق الثاني: قال: هي ساعات قُبيل وبعد الزوال (١). الفريق الثالث: سمَّاها ساعات لطيفة، كأنها لحظات، وهذا هو قول المالكية (٢)، وهو أيضًا قول في مذهب الشافعية (٣). سبب الخلاف: وسبب الخلاف في ذلك -أعني: خلاف المالكية مع الجمهور- هو كلمة الرواح من قوله: "مَن راح في الساعة الأولى" فيقولون: إن الرواح يُطلَق على ما بعد الزوال في لغة العرب، وأما ما قبل الزوال فهو غدو (٤).

стр. 2017

وأما جماهير العلماء فيقولون: إن الرواح -وإن أُطلِق في الأصل على ما بعد الزوال- لكنه أيضًا يُطلق ويراد به الذهاب فقط (١)، وهو المراد في هذا الحديث "مَن راح في الساعة الأولى"، أي: ذهب في الساعة الأولى. ثم بعد ذلك أيضًا يقولون في قوله: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى" فيقولون: غسل الجمعة يبدأ بطلوع الفجر؛ لأن اليوم يبدأ بطلوع الفجر الصادق، وقد أشرنا قبل إلى الاختلاف فيه، وهناك من يرى أنه بعد طلوع الشمس، وحتى هذا القول الثاني لا ينطبق على رأي المالكية (٢).

стр. 2018

ففي قوله: "من اغتسل يوم الجمعة" في بعض الروايات: "غسل الجنابة" (١). أي: غسلًا كغسل الجنابة، وليس المراد الغسل من الجنابة هنا - قالوا: "ثم" تفيد الترتيب، أي: أنها تدلُّ على التراخي، إذن اغتسل ثم ذهب (٢). وقد جاء حديث صحيح عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أنه قال: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه اللَّه سؤله، فالتمسوها بعد العصر (٣). وفي بعض الروايات: آخر ساعة بعد العصر (٤).

стр. 2019

إذن "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة" ينطبق على مذهب جمهور العلماء، إذن جمهور العلماء يقولون: هي الساعات المعهودة، ونحن نجد أن الأجر في ذلك يتفاوت، فانظر إلى فضيلة من يذهب إلى الجمعة مبكِّرًا، ونحن نتكاسل في هذا الأمر، فالذي يبادر منَّا ربما يأتي مع الإمام إذا دخل، أو يسبقه بقليل، وكثير من الناس يأتون وقد قطع الخطيب شوطًا في خطبته. فينبغي أن ننظر إلى الفضل "من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة"، ومعنى "قرَّب بدنة"، أي: كأنه تصدَّق ببدنة (١)، وهذه البدنة التي هي نوع من النَّعم (٢) فإذا ما تصدق الإنسان بها فسيستفيد منها الفقراء والمحتاجون والمعوزون، وسينال صاحبها من الأجر العظيم! فهذا الذي ذهب في الساعة الأولى كأنه تصدَّق بهذه الصدقة العظيمة، ثم بين أن مَن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، وهذا أيضًا فيه دليل على تفضيل الإبل على البقر وهو خلاف ما ذهب إليه المالكية في أبواب الحجِّ (٣)، وهذا عمومًا سبق أن تكلمنا عنه عندما كنا

стр. 2020

ندرس كتاب الحج، وسنعود إليه إن شاء اللَّه في وقته، ثم هكذا نجد أنه كلَّما تأخَّر الإنسان قل أجره، وفي هذا أيضًا دليل على أن العمل كلَّما كان أكثر كان الفضل والأجر أكثر، لكن ليس هذا على الإطلاق، فينبغي أن يصحب العملَ الإخلاصُ للَّه فإذا ما تساوى اثنان في الإخلاص في العمل، لكن عمل أحدهما أكثر من الآخر، فإنه ينال -بلا شكٍّ- فضلًا أعظم، لكن قد يعمل الإنسان العمل الكثير فيدخله الرياء أو السمعة وحينئذ لا ينال فيه ثوابًا، وقد يدخلها نوع من التقصير، فيقل ثواب المرء. ولنضرب مثلًا في ذلك بشخصين جاءا إلى الصلاة، التزم أحدهما قول اللَّه : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢] فخشع قلبه، وخشعت جوارحه، وآخَر لم يؤدِّ ما في هذه الآية بكلِّ معناها، ولا شكَّ أن الأجر هنا يتفاوت، فهذا قد خشع وذلَّ وانقاد لطاعة اللَّه ، وانصرف قلبه عن كل ما يشغله عن طاعة ربه، وذاك خالطه شيء من التفكير والانشغال بأموال الدنيا وببنيه وبغير ذلك، فلا شك أن الصور تختلف (١).

стр. 2021

فالعمل إذا كثُر وكان صوابًا كان أجرُه وثوابه عظيمًا، وإذا كان على غير الصواب فربما يرجع صاحبه بوزر، وإن قلَّ إخلاص الإنسان في هذا العمل فأجره أيضًا يقلُّ (١). وهذه أيضًا فضيلة أُخرى نضيفها إلى الفضائل العظيمة التي مرت بنا في يوم الجمعة، فكم مرَّ بنا مما تفضل اللَّه به على عباده! واللَّه يدعونا إلى فعل الخيرات، وإلى المسارعة فيها؛ لنحصل على الثواب الجزيل، والعطاء الكبير منه . قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً" (٢)). كلَّما تأخَّر الإنسان قلَّ ما يناله من الأجر؛ لأنه يأخذ من الأجر على قدر تقدُّمه، فإن كان من السابقين الأوائل نال الجائزة الأولى، ثم الثانية، وهكذا، وهذا فيه طلب المسارعة والاستباق إلى التبكير يوم الجمعة. * قوله: (وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً). أكثر الذين يأتون بعد انتهاء هذه الساعات؛ سواء كانت الخمس على الرواية المتفق عليها، أو على أنها ست ساعات، على الروايتين اللتين أشرنا إليهما، فكثير من الناس يتأخرون، ولا نقول كل الناس؛ فمن المؤمنين بحمد اللَّه مَن يسابقون ويسارعون إلى فعل الخيرات، وليس فقط في الإسراع إلى الصلاة، وإنما لهم أعمال عظيمة يتسابقون فيها، وقد

стр. 2022

يكون لديهم من الأعمال مما هو خافٍ أكثر ما هو معلن وظاهر، وبذلك أيضًا يزداد الثواب. ومعلوم أن من السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). يعني: يده التي هي جزء من جسده من كثرة ما يخفي هذه الصدقة، إنما يخفيها طلبًا لمرضاة اللَّه ؛ ليحصل على ثواب ليجنب نفسه ويحصنها من الرياء، لا يريد أن يتظاهر بهذا العمل؛ لأنه عمل ذلك لوجه اللَّه ، وابتغاء مرضاته (٢)؛ لأنه يسعى إلى جنة عرضها السموات والأرض؛ وإلى أن يكون من المتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢)﴾ [النبأ: ٣١، ٣٢]. إذن هذا هو الذي يسعى إلى الفضل، ولذلك نجد أنه ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال في مثل هذا الميدان، ميدان العمل الصالح: "مَن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرَّج اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة" (٣). من وقف على عيب أخيه المسلم، ثم ستره؛ لئلا يفضحه، فاللَّه

стр. 2023

سيستره في يوم هو أحوج ما يكون فيه إلى الستر، ومن ستَر مسلمًا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وفي بعض الروايات: "واللَّه في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه" (١). ولا نريد أن نقف عند هذا الحديث كثيرًا، أو نعلق عليه؛ لضيق المقام لكن هذا حديث من الأحاديث التي اختارها العلماء الأفذاذ، فوضعوها ضمن أحاديث الأربعين النووية أو الخمسين، وتكلموا عنها، وأكثر من تكلَّم عن هذا الحديث بيانًا وتفصيلًا الحافظ ابن رجب في كتابه: "جامع العلوم والحكم" (٢). * قوله: (فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذِهِ السَّاعَاتِ هِيَ سَاعَاتُ النَّهَارِ). هؤلاء هم جمهور العلماء (٣). * قوله: (فَنَدَبُوا إِلَى الرَّوَاحِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ). الندب معلوم معناه (٤): لا يسألون أخاهم حين يندُبُهم (٥)

стр. 2024

يعني: ندبوا الناس، حضُّوهم إلى (١) الإسراع إليها؛ لأن الندب إنما هو دعوة فيها حضٌّ وتحفيز، فأنت قد تدعو الإنسان دعوة تحضه فيها وتدفعه إلى العمل، ولا شك أن أكثر ما ينبغي أن يندفع إليه الإنسان، إنما هو العمل الصالح. * قوله: (وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهَا أَجْزَاءُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ أَجْزَاءُ سَاعَةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ (٣)، وَهُوَ الأَظْهَرُ لِوُجُوبِ السَّعْيِ بَعْدَ الزَّوَالِ) (٤) (٥).

стр. 2025

هذا هو الأظهر في رأي المؤلف، لكننا نقول: كلما بادر الإنسان في هذا اليوم العظيم فلا شكَّ أن فضله سيزداد. * قوله: (إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الوَاجِبَ يَدْخُلُهُ الفَضِيلَةُ). مراده هنا على أساس أن الأمر فيه وجوب، والواجب فيه فضل، "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه" (١)، لكن قصده هنا أن الواجب تدخله الفضيلة بمعنى: أنه يعامل معاملة غير الواجب. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقْتَ النِّدَاءِ). أشار المؤلف إلى هذه المسألة إشارة لطيفة خفيفة؛ لأن هذا ليس محلها، وهذه مسألة مهمة جدًّا، لكن محلها هو كتاب البيع، ولكن مع ذلك أشار إليها المؤلف، وإشارته في محلها؛ لأنها مناسبة، لأن اللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ومعلوم أن البيع حلال، واللَّه يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقد جاء في الحديث الصحيح: "إن أطيب ما أكل الإنسان من كسبه" (٢). يعني: من كسب يده، فالبيع والشراء والاشتغال بالتجارة مما اشتغل به رسول اللَّه ﷺ (٣)، واشتغل

стр. 2026

به كذلك خلفاؤه؛ فأبو بكر كان يشتغل بها وهو خليفة (١)، وكذلك عثمان ﵃ (٢). والتجارة إذا صاحبَها الصِّدْقُ والإخلاص، فكما جاء في الحديث: "البيِّعَان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن بيَّنا ما في بيعهما من عيب أو غيره وصدقَا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا في البيع وكتما العيب مُحِقت بركة بيعهما" (٣). وكم قد أعتق الصحابة من المملوكين (٤)، وجهز عثمان جيش العسرة (٥)، وقصة عبد الرحمن بن عوف عندما جاء إلى المدينة المنورة، وأراد أخوه من الهاجرين (٦) أن يقاسمه، قال: لا، دُلني على السوق؛

стр. 2027

ليماكس فيه (١)، فاشتغل بعد ذلك في التجارة، وكان من أكابر التجار إن لم يكن أكبرهم (٢). فالسعي في طلب الرزق مطلوب، لكن لا ينبغي أن يُشغِل هذا الأمر عن طاعة اللَّه، ولذلك قال اللَّه في ذكر المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]؛ وذلك لأنهم يدركون أن مردَّهم إلى اللَّه، كما في قصة مؤمن آل فرعون، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. إذن لا شكَّ أن إشارة المؤلف إلى هذه المسألة في محلها، لكنه أشار إليها، وينبغي أن نقف عندها؛ لأن هذا حكم، وينبغي أن نبيِّنَه، ولا شك أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة وليست هذه المسألة وحدها، وهنا جاء الأمر بالسعي إلى الجمعة، وجاء النهي عن البيع، والنهي لا لذات البيع؛ لأن البيع مباح، ولا يتعلَّق بالعقد، ولكنه يتعلَّق بأمر مرتبط بالبيع، وهو أن الاشتغال بالبيع وسيلة إلى الانشغال عن الصلاة، فلما كان الاشتغال بالبيع في هذا الوقت الذي نودي فيه إلى صلاة الجمعة -في النداء الثاني- سيشغل عن ذكر اللَّه ، ويعوق المسلم عن الذهاب إلى الخطبة، نُهِي عنه في هذا المقام. فالنهي لا ينصبُّ على البيع، لكنه ينصبُّ على ما هو وسيلة، فما هي الوسيلة؟ إن هذا البيع لو اشتُغِل فيه لانشغل عن الخطبة، فنهي عنه لأمر آخر مرتبط به، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء، فالعلماء يقولون:

стр. 2028

المُسلِم مطالب بأن يسعى إلى الجمعة، وهو هنا قد اشتغل بالبيع، فعندما اشتغل بالبيع اشتغل في أمر أصله مباح، لكن هذا الأمر صرفه، ومن أمثلة ذلك: إنسان اغتصب أرضًا، ومن المعلوم أن اللَّه حرم الظلم، وحرم الاعتداء، فهو يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ويقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩، المائدة: ٨٧] ونهى عن أكل أموال اليتامى ظلمًا، أما الذي يأكل أموال اليتامى وهو قيِّمٌ عليهم (١)، فهذا ليس منهيًّا عنه، وقد تكلم عنه العلماء (٢). قال تعالى:

стр. 2029

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وقد جاء في الحديث الصحيح: "من اقتطع شبرًا من الأرض طوَّقه اللَّه به سبع أرضين يوم القيامة" (١). أي: مَن اعتدى على أرض أخيه المسلم، حتى وإن كانت قليلة، وإن كانت تافهة في نظره، فهذه هي العاقبة، والعقوبة التي رتبت على ذلك: "طوقه اللَّه بها سبع أرضين يوم القيامة". كذلك أيضًا نُهِي الرجل المسلم أن يلبس ثوب الحرير (٢)، لكن رُخِّص فيه في حالات، منها إذا أصابته الحكَّة (٣)، أو كان في مواضع قد استثنيت (٤). ونهي أيضًا أن يلبس المسلم الذكر شيئًا من الذهب (٥)، واستثني من ذلك مواضع محددة، كأن يضح سنًّا أو ضرسًا وغير ذلك (٦)؛

стр. 2030

لأن الرسول ﷺ قال في الذهب والحرير: "حرام على ذكور أُمَّتي حِلٌّ لإناثهم" (١). إذن لو أن إنسانًا صلَّى بثوب حرير، أو اغتصب أرضًا وصلى فيها، أو اغتصب ثوبًا وصلى فيه، أو كما في مسألتنا هذه باع والإمام يخطب الناس يوم الجمعة، فالعلماء مختلفون، فمنهم من يقول: الجهة منفكة، من اغتصب أرضًا فهو آثم في اغتصاب الأرض؛ لأنه أكل حقَّ غيره باطلًا (٢)،

стр. 2031

حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن إنسانًا اغتصب شيئًا فتركه وهو خارج في محلِّ الغصب يعتبر غاصبًا، وإن كان الصحيح على خلاف ذلك؛ لأنه قد تاب وأقلع عن ذنبه ورجع إلى اللَّه (١). وفي حالتنا هذه اختلف العلماء، فجمهور العلماء على أن البيع صحيح، وأحمد وداود يريان أن البيع غير صحيح، وهذه مسألة أصولية معروفة عند الأصوليين (٢). * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا بِفَسْخِ البَيْع إِذَا وَقَعَ النِّدَاءُ). الذين سمَّاهم قومًا هم أحمد وداود (٣).

стр. 2032

* قوله: (وَقَوْم قَالُوا: لَا يُفْسَخُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي أَصْلُهُ مُبَاحٌ إِذَا تَقَيَّدَ النَّهْيُ بِصِفَةٍ يَعُودُ بِفَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ (١). وهم جمهور العلماء (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أصل البيع مباح ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فاللَّه نهى عن شيء أصله مباح، هو البيع هنا، فلو انشغل إنسان بالبيع في وقت نهي عنه، هل يحرم البيع أو لا؟

стр. 2033

عرفنا أن أكثر العلماء يرون حرمته، لكن النتيجة المترتبة عليه: هل يصحُّ البيع أو لا؟ ثم فرع العلماء على هذه المسألة مسألة أُخرى: فلو كان أحد طرفي العقد ممن لا تجب عليه الجمعة؛ كالمرأة أو المملوك أو المسافر، فهل يعتبر البيع صحيحًا أو لا؟ (١). هذه أيضًا فيها خلاف، ولو كان العقد ما بين اثنين وقت الخطبة ليسا من أهل الجمعة هل يلحقهما إثم في ذلك؟ هذه كلها مسائل اختلف فيها العلماء (٢).

стр. 2034

* قوله: (وَآدَابُ الجُمُعَةِ ثَلَاثٌ: الطِّيبُ، وَالسِّوَاكُ، وَاللِّبَاسُ الحَسَنُ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ لِوُرُودِ الآثَارِ بِذَلِكَ). معلوم أن هذه وردت فيها أحاديث عدة، ومن الأحاديث التي وردت في ذلك أحاديث سبق ذكرها، ومنها قوله ﷺ : "غُسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، وأن يمس طيبًا" (١)، وكذلك أيضًا: "لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهور، وبدهن من دهن، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج لا يفرق بين اثنين"، بمعنى: أنه لا يشغل الناس في صلاتهم، ولا يتخطى رقابهم، جاء في آخر الحديث: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة" (٢). والأحاديث في ذلك كثيرة. وكان الرسول ﷺ إذا خرج إلى الجمعة تطهَّر، وقد مر بنا أيضًا من الأحاديث قوله ﷺ : "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوبي مهنته" (٣). فالرسول ﷺ كان يتطهر، ويستاك، ويتطيب، وهذه من الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في وقت يقابل اللَّه فيه، ولا سيما يوم الجمعة. فمن الآداب أن يلبس الإنسان لباسًا حسنًا (٤)، لا يريد بذلك الخيلاء

стр. 2035

ولا الكبر، ولا التفاخر، ولا أن يقهر المساكين (١)، ولا شك أنه إظهار لنعم اللَّه ، لكن ينبغي أن يكون لبسه في حدود المشروع، فلا يلبس الحرير، ولا يلبس ثيابًا لا تجوز للرجال مما تختص بالنساء، فيظهر الإنسان بمظهر حسن، وهذا أمر مطلوب، وهو من بيان نعمة اللَّه ، بل هو من شكر العبد لنعم اللَّه . قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الرَّابِعُ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ) هذا باب جديد، سنقف على كثير من أحكامه، وعلى مواطن كثيرة من أسراره، واللَّه أنزل هذه الشريعة ليحكم بها بين عباده، ولم يدع حكم الناس إلى نفوسهم؛ لأن الناس مهما سمَت عقولُهم إلى المعرفة، ومهما بلغوا الدرجات العالية من الذكاء والفطنة
следующие страницы →