← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

حتى إن بعض العلماء يقول: لو أن إنسانًا اغتصب شيئًا فتركه وهو خارج في محلِّ الغصب يعتبر غاصبًا، وإن كان الصحيح على خلاف ذلك؛ لأنه قد تاب وأقلع عن ذنبه ورجع إلى اللَّه (١). وفي حالتنا هذه اختلف العلماء، فجمهور العلماء على أن البيع صحيح، وأحمد وداود يريان أن البيع غير صحيح، وهذه مسألة أصولية معروفة عند الأصوليين (٢). * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا بِفَسْخِ البَيْع إِذَا وَقَعَ النِّدَاءُ). الذين سمَّاهم قومًا هم أحمد وداود (٣).

стр. 2032

* قوله: (وَقَوْم قَالُوا: لَا يُفْسَخُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي أَصْلُهُ مُبَاحٌ إِذَا تَقَيَّدَ النَّهْيُ بِصِفَةٍ يَعُودُ بِفَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ (١). وهم جمهور العلماء (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] أصل البيع مباح ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فاللَّه نهى عن شيء أصله مباح، هو البيع هنا، فلو انشغل إنسان بالبيع في وقت نهي عنه، هل يحرم البيع أو لا؟

стр. 2033

عرفنا أن أكثر العلماء يرون حرمته، لكن النتيجة المترتبة عليه: هل يصحُّ البيع أو لا؟ ثم فرع العلماء على هذه المسألة مسألة أُخرى: فلو كان أحد طرفي العقد ممن لا تجب عليه الجمعة؛ كالمرأة أو المملوك أو المسافر، فهل يعتبر البيع صحيحًا أو لا؟ (١). هذه أيضًا فيها خلاف، ولو كان العقد ما بين اثنين وقت الخطبة ليسا من أهل الجمعة هل يلحقهما إثم في ذلك؟ هذه كلها مسائل اختلف فيها العلماء (٢).

стр. 2034

* قوله: (وَآدَابُ الجُمُعَةِ ثَلَاثٌ: الطِّيبُ، وَالسِّوَاكُ، وَاللِّبَاسُ الحَسَنُ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ لِوُرُودِ الآثَارِ بِذَلِكَ). معلوم أن هذه وردت فيها أحاديث عدة، ومن الأحاديث التي وردت في ذلك أحاديث سبق ذكرها، ومنها قوله ﷺ : "غُسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، وأن يمس طيبًا" (١)، وكذلك أيضًا: "لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهور، وبدهن من دهن، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج لا يفرق بين اثنين"، بمعنى: أنه لا يشغل الناس في صلاتهم، ولا يتخطى رقابهم، جاء في آخر الحديث: "غُفر له ما بينه وبين الجمعة" (٢). والأحاديث في ذلك كثيرة. وكان الرسول ﷺ إذا خرج إلى الجمعة تطهَّر، وقد مر بنا أيضًا من الأحاديث قوله ﷺ : "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعة سوى ثوبي مهنته" (٣). فالرسول ﷺ كان يتطهر، ويستاك، ويتطيب، وهذه من الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن في وقت يقابل اللَّه فيه، ولا سيما يوم الجمعة. فمن الآداب أن يلبس الإنسان لباسًا حسنًا (٤)، لا يريد بذلك الخيلاء

стр. 2035

ولا الكبر، ولا التفاخر، ولا أن يقهر المساكين (١)، ولا شك أنه إظهار لنعم اللَّه ، لكن ينبغي أن يكون لبسه في حدود المشروع، فلا يلبس الحرير، ولا يلبس ثيابًا لا تجوز للرجال مما تختص بالنساء، فيظهر الإنسان بمظهر حسن، وهذا أمر مطلوب، وهو من بيان نعمة اللَّه ، بل هو من شكر العبد لنعم اللَّه . قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الرَّابِعُ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ) هذا باب جديد، سنقف على كثير من أحكامه، وعلى مواطن كثيرة من أسراره، واللَّه أنزل هذه الشريعة ليحكم بها بين عباده، ولم يدع حكم الناس إلى نفوسهم؛ لأن الناس مهما سمَت عقولُهم إلى المعرفة، ومهما بلغوا الدرجات العالية من الذكاء والفطنة

стр. 2036

وحصافة العقل (١)، وبلوغ الغاية في إدراك كثير من الأمور، فلن يستطيعوا أن يهتدوا إلى ما أرادهم اللَّه عليه، في إصلاح الناس، وعمارة هذه الأرض، ومن هنا نجد فرقًا كبيرًا، بل لا موازنة بين العقل البشري وشريعة اللَّه التي أنزلها وهو علام الغيوب، وهو الذي يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير، ويعلم ما يُصلِحُ الناسَ، ما تستقيم به أمورهم، وما يسعدهم في أخراهم، وما يحل لهم مشكلاتهم، فاللَّه أنزل لنا هذه الشريعة التي تسير مع الحياة في كل زمان ومكان، تعالج أسقامها علاجًا سليمًا لا عِوَج فيه ولا انحراف، تسير مع المسلم في حاضرته وفي باديته، يجدها في حضره وفي سفره، في كل أمر من أموره، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وجاءت سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ لتبين هذا الكتاب، وترفع ما أُجْمل فيه، وقد أنزله اللَّه هداية للناس، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. نشرع الآن في باب عظيم، وهو باب صلاة المسافر، واللَّه قد خفَّف عن المسافر كثيرًا من الأحكام؛ لأن المسافر هنا قد غادر وطنه، وترك أهله في الغالب وراءه ظِهريًّا (٢)، وهو في هذه الحالة إما أن يكون فيها منفردًا، وقد نهي أن يسافر وحده إلا في حالة ألا يجد رفيقًا (٣)؛ فالسفر قطعة من العذاب (٤)، فليس المسافر كالحاضر ولا ينبغي أن نأخذ

стр. 2037

ذلك من حيث الجزئيات، لأننا لو أردنا أن نوازن بين الحاضر والمسافر لربما وجدنا عدة أمثلة نرى فيها أن المشقة تلحق الحاضر أكثر من المسافر، لكن هذا قليل جدًّا، ومهما لحقت الإنسان مشقة، ومهما أصابه من وصب (١)، ومهما حلَّ به من تعب، فهو بين أهله وذويه وجماعته، أما ذاك فهو يركب السهل والوعر (٢)، مهما تنوعت الوسائل ففكره مشغول، وباله فيه اضطراب. ولذلك نجد من الحاضرين -وبخاصة في وقتنا الحاضر- من تلحقهم أنواع من المشقة أكثر من بعض المسافرين، كمن يقف في شدَّة الحرِّ وقت القيلولة (٣)، ومن يقف بعد صلاة الفجر على فرن يشتعل نارًا؛ ليخبز كي يمدَّ الناس بالطعام ويتصبب العَرق (٤) منه يمينًا وشمالًا، بينما ذاك مسافر في طائرة أو في سيارة فارهة (٥)، أو في سفينة، أو غير ذلك، فلا تلحقه مشقة في بدنه، لكن فكره مشغول، ولذلك قال العلماء: السفر مظنة المشقة، يعني: المشقة في السفر ليست مقطوعة، بل تكون في كل حال، ومعلوم أن هناك يقينًا، وهذا أمر مقطوع به، وهناك ظن وهو أقرب إلى اليقين، ثم تأتي المراتب الأخرى، فالمشقة في السفر مظنونة (٦).

стр. 2038

خفف اللَّه على المسافر كثيرًا من الأحكام، ومنها ما سندرسه إن شاء اللَّه فيما يتعلَّق بصلاة المسافر، فالمسافر يقصر الصلاة الرباعية التي هي صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة العشاء، أما صلاتا الفجر والمغرب فلا يقصران، وثمة صلوات تقصر، وللمسلم أن يجمع بين الصلاتين، واللَّه رخَّص له أن يُفطر أيضًا في نهار رمضان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ويقول في أحكام الوضوء التي درسناها: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، فالمسافر أيضًا يمسح ثلاثة أيام بلياليهن (١)، ومن هنا تكلم العلماء عن هذه المسائل، ودققوا البحث فيها عند إحدى القواعد الخمس المشهورة، وهي: "المشقة تجلب التيسير" (٢). فخفف اللَّه تعالى في السفر عن الإنسان، ولم يكن السفر وحده هو وسيلة التخفيف، فقد استقصى العلماء ذلك وتتبعوه وانتهوا إلى أن للتخفيف أسبابًا سبعةً (٣)، ويعد أول تلك الأسباب السفر، ثم ذكروا

стр. 2039

المرض، والنسيان، لقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة لها إلا ذلك" (١)، وليس عليه إثم، كذلك أيضًا المُكَره، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، كذلك يخفف أيضًا عن الجاهل، وقد مر ذلك في حديث الرجل الذي تكلم أثناء الصلاة (٢)، كذلك أيضًا النقص، والنقص ليس أمرًا يختاره الإنسان لنفسه، فقد خففت الشريعة عن الصغير، وعن المجنون (٣). وخففت الأحكام أيضًا عن المرأة، فلا تجب عليها جمعة (٤) ولا جماعة (٥) ولا جهاد (٦). وكذلك ما يتعلَّق بالرقاب ونحوها، كذلك أيضًا خُفف عن المملوك، إلى غير ذلك من الأحكام (٧).

стр. 2040

وهناك أيضًا العسر وعموم البلوى (١)، وكذلك الأمور التي يبتلى بها الإنسان؛ كمن يبتلى بسلس البول من الرجال (٢)، ومن تبتلى بالاستحاضة (٣) من النساء، وكذلك خففت الشريعة في الأمور التي تلحق بالإنسان المشقة، أو يصعب عليه أن يتحرز منها (٤)، والأحكام في ذلك كثيرة، وقصة أم سلمة عندما قالت: إني امرأة أطيل ذيلي، فقال الرسول ﷺ : "إنما يطهره ما بعده" (٥). إذن الشريعة الإسلامية عندما تتبعها وإنعام النظر فيها (٦)، نجد أنها

стр. 2041

بحق قد قامت -كما قال العلماء- على أسس ثابتة مستقرة، روعي فيها أحوال الناس وحاجاتهم، فقامت على اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يذكر اللَّه تعالى ذلك أحيانًا بعد آية الوضوء (١)، وأحيانا بعد الصيام (٢)، إلى غير ذلك (٣). والرسول ﷺ يقول: "يسروا ولا تعسروا" (٤)، وقال للصحابيين الجليلين أبي موسى ومعاذ عندما ذهبا إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبَشِّرَا ولا تنفرا" (٥). وما خُيِّر الرسول ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا (٦)، إذن هذه هي الشريعة، فيها يسر، ورفع للحرج، وعدم تضييق على الناس، وعدم وضع المشقة عليهم، كذلك هذه الشريعة قد قامت على العدل؛ لأن العدل ينافي الظلم، واللَّه قد حرَّم الظلم على نفسه،

стр. 2042

وحرمه على عباده، قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (١). واللَّه يأمر بالعدل، فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]. إذن قامت هذه الشريعة على العدل "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" (٢). إذن هي شريعة قامت على التيسير والعدل. ولا شك أن هذه الشريعة العظيمة، معك -أيها المؤمن- في كل مكان تصحبك في سفرك، فلم تخص بحكمها الحاضر وتنسى المسافر، لكنها عنيت بالمسافر حق العناية، فراعت ظروفه، وأدركت ما هو فيه من وحشة وغربة، فخففت عنه، ولا نقول بأن هذا لا يقع لكل الناس، وبحمد اللَّه قد تكلم العلماء السابقون عن ذلك، وتكلموا عمن ركب سفينة، فقطع فيها مسافة القصر في دقائق أو لحظات أو ساعات، فقالوا: يقصر الصلاة، ومثلها الآن الطائرة، وكذلك السيارة، وكانوا يضربون مثلًا لذلك بالسفن، وبمن ركب حصانًا جوادًا سريعًا، لو قطع المسافة في دقائق معدودة قصر الصلاة؛ لأن هذه نعمة ومنحة من اللَّه تعالى. وقد أُشكِل على بعض الصحابة أن اللَّه تعالى قد رخَّص للمسافر أن يقصر الصلاة أربع ركعات، فترد إلى ركعتين، فأشكل عليهم ذلك؛ لأن أصل القصر إنما شرع؛ لأجل الخوف؛ لأن المؤمنين كانوا في أول حياتهم في حالة خوف، وهلع؛ لأن أعداءهم يطبقون عليهم من كل مكان (٣).

стр. 2043

ومن المعلوم ما جاء في غزوة الأحزاب، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠]، فكان أعداء المسلمين في كل مكان يتربصون بهم، ويتآمرون عليهم من داخلهم ومن خارجهم، حتى عندما جاء رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة. . . إذن كان المؤمنون في خوف، فخفف اللَّه عنهم، فلما زال ذلك الخوف بقي الحُكم مستقرًّا (١)، أليس قد أمن الناس؟. عمر قبل يعلى بن أبي أمية، فسأل رسول اللَّه ﷺ : "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٢). ولا شك أنها صدقة، وهبة منه وعطف على عباده، فاللَّه أشد رحمة بعباده من الأُمِّ بولدها. يخفف اللَّه تعالى على عباده، فعندما شرع لنا العبادات لم يشرعها ليكلفنا؛ فهو ليس بحاجة إلينا، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]، لكنه تعالى شرع هذا ليبتلينا، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ليعلم الصادق من غيره (٣)؛ ليعلم المخلص من غير المخلص؛ ليعلم مَن يشكر نعم اللَّه تعالى، ومَن يكفرها؛ ليعلم من يتقي اللَّه ؛ فيجعل له من أمره مخرجًا، إذن السفر سبب من أسباب التخفيف، بل وضعه العلماء في قائمة الأسباب فقدموا به.

стр. 2044

قال المصنف ﵀: (وَهَذَا البَابُ فِيهِ فَصْلَانِ، الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي القَصْرِ. الفَصْلُ الثَّانِي: فِي الجَمْعِ). يقول اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، والقصد بالضرب هنا إنما هو السفر (١)، والضرب في الأرض يختلف، فمن الناس من يسافر في طاعة للَّه ، إما حاجًّا أو معتمرًا أو مجاهدًا أو مسافرًا لطلب العلم، والاشتغال به، ومنهم مَن يضرب في الأرض؛ لطلب أمر مباح، كأن يشتغل بالتجارة، وأيضًا من الضرب في طاعة اللَّه الاشتغال في الدعوة، والتنقل في بلاد المسلمين، لدعوة الناس للخير، وغير ذلك. ومن الناس مَن يسافر أيضًا في أسفار مباحة، كأن يذهب للصيد، أو للنزهة وغيرها، ومن السفر ما يكون لمعصية اللَّه، وسيأتي اختلاف العلماء فيمَن سافر في معصية اللَّه، كمن سافر ليسرق، أو يقطع الطريق، أو ليزني، أو ليؤذي المؤمنين، فهل هذا يقصر صلاته أو يجمع بين الصلاتين؟ سيأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه، وهو مما تناوله المؤلف، وسنقف عنده إن شاء اللَّه في موضعه. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:

стр. 2045

(الفَصلُ الأولُ: فِي القَصْرِ وَالسَّفَرُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي القَصْرِ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي الجَمْعِ بِاخْتِلَافٍ. أَمَّا القَصْرُ، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَصْرِ الصَّلَاةِ لِلْمُسَافِرِ (١) إِلَّا قَوْلًا شَاذًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَهُوَ أَنَّ القَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْخَائِفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﵊ إِنَّمَا قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَائِفًا (٢)، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا: فِي حُكْمِ القَصْرِ. وَالثَّانِي: فِي المَسَافَةِ الَّتِي يجِبُ فِيهَا القَصْرُ. وَالثَّالِثُ: فِي السَّفَرِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ القَصْرُ. وَالرَّابِعُ: فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْهُ المُسَافِرُ بِالتَّقْصِيرِ. وَالخَامِسُ: فِي مِقْدَارِ الزَّمَانِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فِيهِ إِذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ. فَأَمَّا حُكْمُ القَصْرِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ هُوَ فَرْضُ المُسَافِرِ المُتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ وَالإِتْمَامَ كِلَاهُمَا فَرْضٌ مُخَيَّرٌ لَهُ كَالخِيَارِ فِي وَاجِبِ الكَفَّارَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ سُنَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَأَنَّ الإِتْمَامَ أَفْضَلُ، وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ،

стр. 2046

وَأَصْحَابُهُ، وَالكُوفِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ، أَعْنِي: أَنَّهُ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ (١)، وَبِالثَّانِي قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَبِالثَّالِثِ، أَعْنِي: أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ (٣). وَبِالرَّابعِ أَعْنِي: أَنَّهُ رُخْصَة. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَهُوَ المَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ (٤). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْقُولِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ المَنْقُولِ، وَمُعَارَضَةُ دَلِيلِ الفِعْلِ أَيْضًا لِلْمَعْنَى المَعْقُولِ، وَلِصِيغَةِ اللَّفْظِ المَنْقُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ لِلْمُسَافِرِ إِنَّمَا هُوَ الرُّخْصَةُ لِمَوْضِعِ المَشَقَّةِ، كَمَا رُخِّصَ لَهُ فِي الفِطْرِ، وَفي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ) (٥). * قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي القَصْرِ، وَالسَّفَرُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي القَصْرِ بِاتِّفَاقٍ). أولًا: أجمع العلماء على أن القصر مشروع، ولا خلاف بين العلماء في مشروعيته (٦)، لكنهم يختلفون في حكمه، ففرق بين اختلافهم في مشروعيته، وبين اختلافهم في حكمه، أهو واجب أو سنة؟ القصر أفضل أم الإتمام مع كونه مشروعًا؟ كلُّ العلماء مجمعون على أن القصر مشروع؛ إذ الدليل على قصر الصلاة من الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فدليله الآية، وهي قوله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].

стр. 2047

وأما السنة فأحاديث كثيرة جدًّا، لا نريد أن نستقصيها، لأنها -إن شاء اللَّه- ستمر بنا في كل باب من أبواب صلاة المسافر، لكن من تلك الأحاديث حديث عائشة المتفق عليه قالت: "فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" (١). وما ورد من أحاديث كثيرة، كحديث أنس (٢)، وقصة عبد اللَّه بن عمر (٣)، وكذلك عمران بن حصين وغيره (٤)، عندما صاحبوا رسول اللَّه ﷺ في أسفاره، فكان يقصر الصلاة، وحديث: "إن اللَّه وضع للمسافر الصوم وشطر الصلاة" (٥)، أي: خفف عنه الصوم، بمعنى: أنه يصوم بعد ذلك، ووضع عنه كذلك شطر الصلاة، والأدلة في ذلك كثيرة، لكننا نعود إلى الآية، فعندما نزلت أخذ المسلمون يقصرون الصلاة، ثم بعد ذلك حصل إشكال بينهم، وممن أشار إليهم المؤلف عائشة (٦).

стр. 2048

* قوله: (وَالسَّفَرُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي القَصْرِ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي الجَمْعِ بِاخْتِلَافٍ). قوله: له تأثير في القصر باتفاق، لأنه لا خلاف بين العلماء؛ لأن دليل ذلك الكتاب والسنة، وأجمع العلماء على مشروعية القصر أيضًا (١)، لكن الجمع محل خلاف، فمن المعلوم أنَّ من العلماء مَن لا يرى الجمع، ومنهم من يرى أن الجمع رخصة، وأنه مطلوب، ومنهم مَن يرى أنه جمع صوري كما سنعرف ذلك في مذهب الحنفية: تؤخر الأولى؛ كالظهر، إلى العصر، وتقدم العصر في أول وقته، ثم تصلي هذه في آخر وقتها وتلك في أول وقتها (٢). فلم يقع بين العلماء خلاف في ذلك (٣)، إلا الرأي الشاذ الذي يذكره المؤلف، ونسب إلى عائشة ﵂، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل في عجالة، وقد اقتصرنا على مقدمة فقط بيَّنَّا فيها أهمية السفر والعناية به، وتخفيف الشريعة الإسلامية، وعنايتها بالمسلم والتخفيف عنه، إلى آخر ذلك، وهذا سنتناوله -إن شاء اللَّه- في مواقف كثيرة، عندما نأتي إلى الحديث قصر الصلاة، وهل هي خاصة بمن يسافر متقربًا إلى اللَّه ، أو في طاعة اللَّه؟ وهل يختلف الحال عمن يسافر سفر طاعة أو سفر معصية؟ * قوله: (أَمَّا القَصْرُ فَإِنَّهُ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَصْرِ الصَّلَاةِ لِلْمُسَافِرِ إِلَّا قَوْلًا شَاذًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ). وهنا نقل عن عائشة أنها ترى الإتمام، وهذا -كما ذكر المؤلف- قول شاذ نسب إليها وعائشة لها وجهة نظر؛ حيث إنها فهمت أن القصر إنما شرع لسبب، والقصر -بلا شك- إنما شرع بسب الخوف، حيث كان المسلمون في أول أمرهم يسافرون خائفين، وسيأتي -إن شاء اللَّه-

стр. 2049

الحديث عن صلاة الخوف، وأشكل إذا زال العذر على بعض الصحابة؛ فمنهم مَن سأل رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، كعمر، ثم أشكل على يعلى بن أمية، فسأل عمر عن الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقال عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت عن ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا الصدقة" (١). إذن هي فضل وإحسان وإنعام من اللَّه ، وتخفيف على عباده، وعليهم أن يقبلوا هذه المنحة، وهذه الصدقة وهذه العطية من اللَّه ، فهو في كل أمر متفضل على عباده، وكل ما يأتي العباد من اللَّه إنما هو فضل منه وإحسان وإكرام لهم. وقد حقَّق ابن القيم ﵀ هذه المسألة، وبيَّن أن عائشة ظنَّت، أو ما يقال عن عائشة أنها ظنت أن السبب قد زال، وهو الخوف، فيزول حينئذ القصر، فيبقى الحكم على أصله، وهو الإتمام (٢)، وقلنا أن هذا قول شاذ كما ذكر المؤلف، ولا ننسى أن عائشة نفسها مما روت أحاديث القصر، ومنها الحديث المتفق عليه: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، وأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" (٣)، وكذلك أيضًا الأحاديث الأخرى التي ستأتي عنها، أن رسول اللَّه ﷺ كان يقصر وكانت هي تتم، وكان ﷺ يفطر، وكانت تصوم (٤).

стр. 2050

* قوله: (أَمَّا القَصْرُ فَإِنَّهُ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَصرِ الصلَاةِ لِلْمُسَافِرِ، إِلَّا قَوْلًا شَاذًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: وَهُوَ أَنَّ القَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْخَائِفِ). من المعلوم أن هذا رأي عائشة، ومثله قول عمر، لكنه سأل، وكذلك أيضًا يعلى بن أمية، وكون عائشة رأت هذا الرأي ليس أمرًا مستغربًا، لأن الصحابة يختلفون، وكلهم يريد الوصول إلى الحقِّ، وعائشة كانت تُتِمُّ كما سيأتي. * قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﵊ إِنَّمَا قَصَرَ، لِأَنَّهُ كانَ خَائِفًا، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ). هذا القول الذي روي عن عائشة ذكره ابن جرير في تفسيره (١)، وقد نقل هذا عن عائشة، واشتهر عنها، وعائشة قد فهمت من الآية أن القصر إنما كان لأجل الخوف، فلما زال الخوف وحلَّ الأمن، زال سبب القصر، فزال القصر، هذا الذي فهمته عائشة، والكلام هنا كثير جدًّا. وممَّن تكلم عن هذه المسألة، وحقق القول فيها ودقَّقه، العالم الإمام ابن القيم ﵀ كما سبق، ومعلوم عنه أنه عندما يحقق في مسألة، فإنه لا ينتهي منها حتى يستقصي كُلَّ ما فيها فقد تكلم عن هذه المسألة، وبيَّن أن عائشة ﵂ إنما فهمت أن ذلك لأجل الخوف، وأنه لمَّا زال الخوف زال سببه، مع أن الواقع أن الرسول ﷺ سافر حاجًّا، وسافر معتمرًا، وسافر غازيًا، وفي كل أسفاره ﷺ كان يقصر الصلاة (٢).

стр. 2051

وفي حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ قد بيَّن أن الرسول ﷺ سافر إلى مكة، ولم يخرج خائفًا وكان يصلي ركعتين (١)، وفي الحديث الآخر أنه خرج آمنًا (٢)، وخير دليل على ذلك قصة يعلى بن أمية لما جاء إلى عمر ﵁، فقال: أليس اللَّه سبحانه تعالى يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد أذن الناس، فقال عمر ﵁ ردًّا عليه: عجبت مما عجبت منه، يعني: هذا الذي وقع في ذهن يعلى وقع أيضًا قبل ذلك في ذهن عمر ﵁، لكنه سارع إلى رسول اللَّه ﷺ ؛ ليسأله، فيعرف الحكم فأجاب الرسول ﷺ بقوله: "صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا الصدقة" (٣). فالناس إذا تصدقوا لا ينبغي أن يرجعوا، وقد جاء في الحديث: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (٤). واللَّه إذا أعطى عطاءً فهو يعطي ولا تفنى خزائنه، ولا تقل خزائنه، فإذا أعطى فهذا العطاء صدقة وفضل، وقد جاء في الحديث الآخر: "أن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى عزائمه" (٥)، كما أن اللَّه تعالى يحبّ من المؤمن أيضًا أن يأخذ بالأمور التي تصدق عليه بها، والأمور التي أحسن إليه بها، وكذلك الرخص التي رخَّص اللَّه بها، ومنها ما جاء في السفر، فلا يريد من المؤمن أن يخرج عن طاعة اللَّه، ولا يريد من المؤمن أن يتجاوز حدود اللَّه، ولا يريد منه أيضًا أن يتعدَّى حدود اللَّه؛ لأن مَن تعدَّى حدود اللَّه ، فقد ظلم نفسه، ونهاه أن يعتدي، قال ﷺ : "إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، فلا تسألوا عنها" (٦).

стр. 2052

إذن فاللَّه سكت عن كثير من الأشياء؛ رحمةً بنا، ولذلك كان الرسول ﷺ ينهى عن أشياء سكت عنها خشية أن تفرض على المؤمنين (١)، ولذلك تحيَّر الصحابة ﵃ أحيانًا في بعض المسائل، يريدون أن يعرفوا حكمها، فيحرجون أن يسألوا رسول اللَّه ﷺ عن النهي عن ذلك، فيفرحون ويسعدون إذا جاء أحد الناس من البادية؛ ليسأل عن ذلك رسول اللَّه ﷺ (٢). فانظر إلى آداب الصحابة ﵃ مع رسول اللَّه ﷺ ، وليس ذلك غريبًا عليهم؛ لأنهم أبناء المدرسة المحمدية التي تربوا فيها، فنهلوا منها وتغذوا غذاءً كاملًا، فنقلوه للأجيال بعدهم. وبهذا نتبين أن هذه الشريعة -كما مرَّ- قد قامت على اليسر، والسماحة، وقد استوعبت كل ما يحتاج إليه الناس، ففيها خصوبة، وفيها استغراق لكل ما يجِدُّ من حوادث، وما يقع من نوازل، وما يتجدد من وقائع. هناك أحكام عدَّة نجد أن اللَّه قد رخَّص فيها لعباده لسبب من الأسباب، فزالت تلك الأسباب، ولكن يبقى الحكم مستقرًّا، ومن تتبع أحكام الشريعة يجد أمثلة عدة لذلك. ويمكن أن نجمع بين قولي عائشة؛ بأن من أعلم الناس بأُمِّ المؤمنين عائشة ﵂ ابن أختها عروة ابن الزبير، فإنَّه لما رآها روت حديث القصر،

стр. 2053

وكانت تتم، سألها عن ذلك فقالت: "إنني لا أجد مشقة" (١). ومعلوم أن التخفيف في السفر في الشريعة إنما هو للمشقة أو مظنة المشقة، وليس تحقُّقِها. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: فِي حُكْمِ القَصْرِ). تكلمنا عن حكم القصر فيما مضى، وألمحنا إليه آنفًا، وسنزيده بيانًا. * قوله: (وَالثَّانِي: فِي المَسَافَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا القَصْرُ). هل هناك مسافة محددة ينبغي أن يقصر فيها الإنسان الصلاة، أي: إذا أراد الإنسان أن يسافر سفرًا هل يشترط في السفر أن يكون طويلًا؟ أم أن أيّ سفر تقصر فيه الصلاة؛ لأن النصوص الشرعية جاءت مطلقةً في ذلك؟ * قوله: (وَالثَّالِثُ: فِي السَّفَرِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ القَصْرُ). ما هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ هل كلُّ سفر من الأسفار؟ فهناك مَن يسافر قربةً للَّه ، وقد يكون أداء المسافر لهذه القُربة واجبًا؛ كمن يسافر لأداء ركن الحج، أي: الذي لم يحج قبل ذلك، وكذلك أيضًا مَن يؤدي العمرة في حالة وجوبها، يعني: قبل أن يؤدي الواجب الذي عليه، وقد يكون السفر مندوبًا؛ كالجهاد، وكالسفر في طلب العلم، والدعوة إلى اللَّه ، هذه كلها من الأمور التي يتقرَّب بها المسلم إلى اللَّه ، ولا شكَّ أن من أجلِّ القربات أن يسافر الإنسان في طلب

стр. 2054

العلم الذي يبتغى به وجه اللَّه ، ومعلومٌ ما ورد في فضل العلم وطلبه (١). وقد يكون السفر مباحًا؛ كمَن يسافر للتجارة، وهذا ممَّا أباحته الشريعة، وقد سافر الرسول ﷺ في التجارة -كما هو معلوم- إلى الشام في تجارة خديجة، التي أصبحت بعد ذلك إحدى أمهات المؤمنين، كذلك كان الصحابة يسافرون، وكانوا يتاجرون، كذلك من الأسفار المباحة السفر للصيد، فإن الإنسان قد يسافر للصيد، وقد يسافر أيضًا للنزهة وهذا أيضًا من السفر الجائز، وهناك من يسافر في معصية اللَّه وهذا هو المحظور الذي لا ينبغي أن يقع فيه المؤمن؛ لأن ذلك من نكران النعمة، والمسلم مطالب بأن يشكر اللَّه ، وألا يخرج على حدوده، فهناك مَن يسافر في معصية اللَّه، وكل هذه الأمور سيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه. * قوله: (وَالرَّابعُ: فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَبْدَأُ مِنْهُ المُسَافِرُ بِالتَّقْصِيرِ). من أين يبدأ السفر؟ وإن كنا سنفصِّل هذه المسألة، لكن سنقدم لها: هل يبدأ السفر بمعنى القصر من حين أن ينوي الإنسان أو عندما يفارق البيوت؟ لا، إنما يُبدأ بالقصر عندما يخرج من بيوت البلد، ولا يلزم أن يتجاوز حيطانها وبساتينها ومزارعها ومصانعها، وإنما القصد أن يغادر ما هو مقيم فيه، أي: البلدة التي أُعِدَّت للإقامة (٢)، وأما ما نُقِل عن بعض

стр. 2055

التابعين من أنه إذا أراد السفر فله أن يقصر في داره، فهذا لا دليل عليه، وهو ضعيف (١). * قوله: (وَالخَامِسُ: فِي مِقْدَارِ الزَّمَانِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فِيهِ إِذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ). قد يسافر إنسان إلى بلد، كأن يذهب من المدينة إلى مكة، فيقيم فيها، وهذه الإقامة تختلف باختلاف الأحوال، قد يذهب إلى هناك ليؤدي نسكًا، فيبقى ليقضي حاجة من حاجاته وهو لا يدري في أي يوم ستنتهي، إذن هو لا يعرف الوقت الذي سيسافر فيه، فهذا له حال. وإنسان آخر قد يسافر إلى بلد يعرف أنه سيمكث فيه مدةً معينةً، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء في هذه الحالة: هل هناك زمن محدد لا يجوز للإنسان أن يقصر فيه الصلاة إذا تجاوز أو لا؟ ثلاثة أيام؟ أربعة أيام؟ يضاف إليها عشرة أيام، خمسة عشر يومًا، ثمانية عشر يومًا، تسعة عشر يومًا، هذه كلها أيضًا محلُّ خلاف، أو كلها فيها اختلاف بين العلماء والأقوال فيها متعددة (٢).

стр. 2056

* قوله: (فَأَمَّا حُكْمُ القَصْرِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ). إذن هناك خلاف في القصر؛ فهناك مَن يرى أن القصر واجب، بمعنى: أن فرض كل مسافر أن يقصر الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي الصلاة أربعًا، هذا قول. القول الثاني: القصر والإتمام كلاهما مشروع، لكن القصر أفضل. القول الثالث: كلاهما مشروع، لكن الإتمام أفضل؛ لأنه الأصل. وهناك أيضًا مَن يرى أن الإتمام مكروه، وهناك أقوال أُخرى ذكرت في هذا المقام (١). * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ هُوَ فَرْضُ المُسَافِرِ المُتَعَيَّنُ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ وَالإِتْمَامَ كِلَاهُمَا فَرْضٌ). يعني -باختصار- مَن قال من أهل العلم أن القصر واجب قد استدلُّوا بدليلين:

стр. 2057

الدليل الأول: هو حديث عائشة المتفق عليه: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" (١). إذن الأصل في فرضية الصلاة أنها "ركعتين ركعتين" بقيت صلاة السفر على حالها، وزيد في صلاة الحضر، فصارت أربعًا، قال هؤلاء العلماء: هذا دليل على وجوبها، إذن أول دليل من أدلة الذين يقولون بوجوب القصر هو هذا. الدليل الثاني: فعل الرسول ﷺ ، فإن هؤلاء العلماء قالوا: لم يثبت عن الرسول ﷺ دليل صحيح أنه أتم الصلاة، بل كان في جميع أسفاره يقصرها ﷺ (٢). وما نقل عن عائشة أنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يفطر وأصوم ويقصر وأتمُّ (٣). قالوا: ذلك حديث ضعيف (٤). وسيأتي الكلام والتنبيه عليه إن شاء اللَّه، فهذا هو دليل الذين يقولون بوجوب القصر. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ وَالإِتْمَامَ كِلَاهُمَا فَرْضٌ مُخَيَّرٌ لَهُ، كَالخِيَارِ فِي وَاجِبِ الكَفَّارَةِ). ليست القضية قضية واجب، ومراد المؤلف أنَّ من يقصر الصلاة فقد أصبح فرضه بمعنى: أنه يلزمه أن يؤدي الركعتين، ومن يصليها أربعًا يعني:

стр. 2058

إتمامًا فإنه قد أدَّى الواجب، فإن هو أدى هذا أو أدى ذاك، اعتُبر بذلك مؤدٍّ للواجب. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ القَصْرَ سُنَّةٌ). لماذا كان القصر سنة؟ ما أدلة هؤلاء؟ إذا نظرنا إلى عموم الأدلة فدليل هذا القول الكتاب والسنة. أولًا الكتاب: الدليل من الكتاب قول اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. إذن هذه الآية فيها دلالة على جواز قصر الصلاة، ثم جاءت الأحاديث فبينت سنة ذلك، إذن دلَّت هذه الآية على أن الأصل في الصلاة أن تتم، لكن اللَّه خفف على المؤمنين فجعل الأربع اثنتين، ومعلوم أن صلاة الفجر لا تقصر، وكذلك المغرب. إذن الصلوات التي تقصر هي الظهر والعصر والعشاء، وما عداها فلا (١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، أي: لا إثم عليكم في أن تقصروا الصلاة الرباعية، فتصلوها ركعتين، وتكونون بذلك قد أدَّيتم ما وجب عليكم، وما فرض اللَّه عليكم في هذا المقام. واللَّه تعالى في هذه الآية قد خفَّف عن عباده، وهو عندما خفَّف عنهم كانوا أحوج ما يكونون إلى التخفيف؛ لأنهم كانوا في حالة خوف، وسبق أن تكلمنا عن ذلك، وبينا الحالة التي كان عليها المسلمون في أول

стр. 2059

الأمر، فقد كانوا مستضعفين بمكة، والجميع يعلم كيف كان يعاني المسلمون من الأذى، ومن العذاب الذي ينزل بهم بجميع أنواعه من المشركين، لكنهم صبروا، فما وهنوا وما ضعفوا، فبقوا على عقيدتهم، وتحملوا الأذى في سبيل اللَّه، وهاجر مَن هاجر منهم إلى الحبشة، ثم بعد ذلك هاجروا إلى المدينة، إلى هذه البلدة الطيبة، ثم بعد ذلك نصر اللَّه المؤمنين، فبدأت تقوى شوكتهم، وقد أعزَّهم اللَّه وأخذ نفوذ الدولة الإسلامية تمتدّ يمينًا وشمالًا، وأخذ الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجًا، فعمَّ الجزيرة العربية، ثم بعد ذلك امتدَّ شرقًا وغربًا، حتى شمل كثيرًا من أقطار الدنيا، وأصبح أيضًا نور الإسلام ينتشر في كل مكان. ففي هذه الآية دليل على أن اللَّه خفَّف عن عباده، وإذا كان اللَّه تعالى خفف عن عباده إذا سافروا، وضربوا في هذه الأرض، فذلك دليل على أن القصر ليس واجبًا؛ لأن التخفيف من الأربع إلى الاثنتين دليل على أن ذلك تيسير، وأن الاثنتين ليستا بواجبتين (١). وقصة يعلى بن أمية أيضًا عندما أُشكِل عليه ما تتضمنه هذه الآية؛ لأنَّه يدرك تمامًا أن هذه الآية نزلت لسبب، وأن هذا السبب إنما هو الخوف، فهو الذي أدَّى إلى قصر الصلاة من أربع إلى اثنتين، ففهم أنه قد زال الخوف، ففهم أنه إذا زالت العلة زال الحكم فعاد إلى أصله، وهناك قاعدة معروفة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (٢). ثم اتَّجه إلى

стр. 2060

عمر ﵁؛ ليسأله، فبيَّن له عمر ﵁ وهو المعروف بحصافة عقله ورجحانه-، وهو الذي نزل القرآن مؤيدًا له في خمسة مواضع، وسبق أن تكلمنا عن تلك المواضع، وقد تأتي مناسبة ونتكلم عنها، ومنها ما جاء في أسرى بدر، وكذلك في أمر الحجاب، وفي الصلاة عند المقام، إلى غير ذلك مما ورد في هذه عن عمر ﵁ (١). فلما جاء يعلى بن أمية إلى عمر يسأله قال له عمر: عجبت مما عجبت منه، فيعلى عجب وكذلك عمر، ولكن عمر ﵁ سارع، فسأل رسول اللَّه ﷺ عن الحكم فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم" (٢). فكونها

стр. 2061

صدقة دليل على أنها تتضمن التيسير والتخفيف ورفع العناء، وهذا تيسير من اللَّه ، فهذا يدلُّ على أن القصر غير واجب، ثم ثبت عن عدد من الصحابة، فقد نقل عن عائشة أنها كانت تتم (١)، وعن عثمان ﵁ (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص (٣)، وعن عبد اللَّه بن عمر (٤)، وعن غير هؤلاء من الصحابة ومن التابعين، أنهم كانوا يتمون الصلاة. وبهذا يتبين أن القصر ليس واجبًا، لكننا نقول: إن القصر أفضل؛ لأن الرسول ﷺ داوم عليه وفعله في كل أسفاره (٥)، وهو لا يداوم ﷺ إلا على ما كان فيه فضل، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ كان عبدًا شكورًا، ومعلوم أنه كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ولما قيل له في ذلك: أليس اللَّه قد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ " (٦).

стр. 2062

وهكذا حال كلِّ مؤمن إذا أنعم اللَّه عليه بنعمة، أو وهبه موهبة؛ من مال أو بنين أو صحة، فعليه أن يقابل هذه النعم التي تتكرر صباح مساء، في كل لحظة من حياته، فهذا النَّفسُ الذي يتكرر في الجسم شهيقًا وزفيرًا (١)، هو نعمة من نعم اللَّه ، وهذه الأرجل التي يمشي عليها، والأيدي التي ينقش بها، والعينان اللتان يبصر بهما واللسان الذي يتكلم به، والشفتان اللتان يحركهما، إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة التي لا تُعدُّ ولا تحصى في جسم الإنسان، وما هو داخله أعظم مما هو خارجه، واللَّه هو الذي حفظ له هذه الصحة، وأدام عليه هذه النعمة، فكلُّ ذلك يقتضي من العبد أن يشكر اللَّه . إذن هي صدقة وفضل من اللَّه، فكان الرسول ﷺ دائمًا يسارعُ فيأخذ بالتيسير، ولذلك ما خُيِّر بين أمرين ﷺ إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (٢)؛ لأن هذه الشريعة ما جاءت لتكلف الناس شططًا (٣)، وما جاءت لتشق عليهم، إنما جاءت بأمور أوجبت عليهم الالتزام بها، وبأمور حضتهم على عملها، وفي مقدمة الأمور التي يجب على المؤمنين أن يفعلوها تحقيق الغاية التي خُلقوا من أجلها، ألا وهي عبادة اللَّه ، وإخلاص العبادة للَّه وحده. * قَالَ: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ وَأَنَّ الإِتْمَامَ أَفْضَلُ). القول بأن الإتمام أفضل رواية للشافعي؛ لأن الشافعية في مذهبهم ثلاثة أقوال:

стр. 2063

الأول: أنهما سيان. الثاني: أن القصر أفضل، وهذا أقوى الأقوال في مذهب الشافعي. الثالث: أن الإتمام أفضل؛ لأنه هو الأصل، فالأصل هو أن تُصلَّى الصلاة رباعيةً، لكن اللَّه قد يخفف العبادات، ويجعل في المخفف من الفضل أكثر من غيره؛ لأنك في أداء عملك المخفف مستجيبٌ للَّه، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه" (١) (٢). فاللَّه تعالى إذا رخَّص لك في أمر، فلا تغلق هذا الباب، وائت بهذه الرخص، وعندما تفعلها مُيسَّرة وتعتقد بقلبك جازمًا أنك ما فعلتها إلا لأن اللَّه شرع لك ذلك، وخفَّف عنك، وأنك بذلك قد استجبت لما أمرك اللَّه به، ولما جاء به رسوله ﷺ ، فأنت بذلك مُثاب، وقد مرَّ ذِكر النية، وما يترتب عليها من الأعمال العظيمة، وأن الإنسان قد يخلص في عمل من الأعمال التي لا علاقة لها بالعبادة، لكن فيها نفع للمجتمع الإسلامي فيثاب عليها، كالذي يتزوج قاصدًا إكثار المسلمين يقصد بذلك أن يخرج اللَّه سبحانه تعالى من صلبه رجلًا عالمًا أو تقيًّا أو صالحًا، إلى غير ذلك، فاللَّه يثيبه على ذلك. ومن يتكسَّبْ بقصد الإنفاق على أولاده وإعفافهم، وألا يمدوا أيديهم

стр. 2064

إلى الناس، فإنه سيثاب على ذلك، ومن يحسن إلى الجيران ويعاملهم معاملةً حسنةً، فاللَّه يثيبه على ذلك. * قال: (وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ). يعني: القول بأن القصر واجب (١). * قوله: (وَالكُوفِيُّونَ بِأَسْرِهِمْ (أَعْنِي: أَنَّهُ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ) (٢)). نُقِل عن الإمام البغوي -ومعلوم أنه من المحدثين، ومن محققي مذهب الشافعي- أنه قال: "أكثر العلماء قالوا بأن القصر سنة (٣) "، ولكن هذا غير صحيح، وقد ردَّ عليه الإمامُ النوويُّ، وربَّما أنَّه قد رأى كثيرًا من العلماء وبخاصة علماء العراق قالوا بهذا القول، فقال: إنه الأكثر (٤). * قوله: (وَبِالثَّانِي قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَبِالثَّالِثِ (أَعْنِي أَنَّهُ سُنَّة) قَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ) (٦).

стр. 2065

وأيضًا أحمد في أشهر الروايات، يعني: أحمد مرة قال: إن القصر أفضل، ومرة قال: إنهما سيان، ومرة توقف في هذه المسألة (١)، ومعلوم أن الإمام أحمد كان فيه زهد وورع، فربما سئل في المسألة، فتوقف فيها وقال: أسأل اللَّه العافية. لكن المعروف في مذهبه أن القصر أفضل، وفي رواية أُخرى أنهما سواء. * قال: (وَبِالرَّابِعِ (أَعْنِي: أَنَّهُ رُخْصَةٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ (٢)، وَهُوَ المَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْقُولِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ). عندما يقول المؤلف كابن رشد عن مذهب غير مذهبه إن هذا هو الرخصة، وإنه المنصور والمشهور، فهذا قد يكون لأنه لم يقف إلا على هذا، لكن الذي يصححه الشافعي أن أصح الأقوال عندهم هو أن القصر سنة، وهذا هو الذي يلتقي حقيقةً مع عموم الأدلة (٣).

стр. 2066

* قال: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْقُولِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ المَنْقُولِ). من المعلوم أن هناك معنى معقولًا، ونصوصًا، فقد نجد أن الأصل في الصلاة المقصورة أنها أربع، فعندما تقصرها إلى اثنتين، فمن جهة المعنى المعقول أيهما يكون أفضل، هل أن تأتي بالأصل الذي هو أربع؟ أو بالاثنتين؟ ومن المعلوم أن الدين ليس بالرأي، وبذلك قال عليٌّ ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (١)؛ لأن أسفل الخف هو الذي يتلوث، وهو الذي يطأ الأرض، والذي ربما يقع على النجاسات وغيرها، أولى بأن يمسح، لكن هذا هو شرع اللَّه، فشريعة اللَّه تقدَّم، ولذلك إذا قالوا: المنقول، فالمقصود به ما جاء في كتاب اللَّه ، وفي سنة رسوله ﷺ ، ويقصدون بالمعقول القياس في مقدمة هذه الأمور المعقولة، أي: التي تقوم على فهم الإنسان وإدراكه، فهناك أمور معقولة. والأصل أنك عندما تصلي أربعًا فقد جئت بالصلاة المعروفة، ولذلك فإن عبد اللَّه بن مسعود بيَّن هذه العلة فقال: "صلَّيتُ مع النبي ﷺ ركعتين في السفر، ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، فتفرقت بكم الطرق، ووددت أن لي من أربع ركعتين متقبلتين" (٢). إذن ليست المسألة بكثرة العمل، فقد نجد من الناس مَن يكون عمله قليلًا، لكنه يتقن هذا العمل، ويصحبه الإخلاص والنية الصادقة، فيكون ثوابه عظيمًا، وكم من أناس يُكثرون الأعمال على غير إخلاص، ومن

стр. 2067

الناس من تجد من أعمالهم ما يخالف أقوالهم، ومن أقوالهم ما يخالف أعمالهم، فهذه تنقص من حسناتهم، وبعض الناس تجد أنه يحافظ على الفرائض وربما على السنن الرواتب، لكنك تراه في صلاته خاشعًا ذليلًا منقادًا للَّه لأنه يعلم أنه يناجي ربَّ البرية، وتجد بعض الناس في صلاتهم مشغولًا ذهنه، يذهب هنا أو هنا مرةً يسبح في الفضاء، ومرة في الأرض، ومرة في البحر، يتتبع تجارته وأمواله، وينشغل بأولاده وغير ذلك من الأمور، وقد يفكر في أمور تافهة. إذن ما كان من العمل صوابًا، فهذا الذي يكون أجره أعظم، ولذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] إلى أن قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ما قال: أكثر عملًا. وما يقصده المؤلف بصيغة اللفظ المنقول: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" (١)، فهذا هو اللفظ المنقول، وأيضًا الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وغير ذلك من الأدلة التي جاءت في القصر والتي رويت من أفعال رسول اللَّه ﷺ وهي كثيرة. فهذه ثبتت، إذن هناك أمر معقول يديره الإنسان في عقله، أليس هاتان الاثنتان أصلهما أربعًا، إذن العقل يقتضي أن الأربع أفضل، وإنما هذا تخفيف. * قوله: (وَمُعَارَضَةُ دَلِيلِ الفِعْلِ أَيْضًا لِلْمَعْنَى المَعْقُولِ). هناك أقوال، لكن الفعل قد عارض العقل؛ لأن الفعل فيه أن الرسول ﷺ قصر الصلاة والعقل يقتضي أو يميل أو يرجح أن الأربع أفضل.

стр. 2068

* قوله: (وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يُرِيدُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: "عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"، فَمَفْهُومُ هَذَا الرُّخْصَةُ) (١). المؤلف -باختصار- يريد أن يقول: هناك في الظاهر معارضة، ومعلوم أن المؤلف ممن درس المنطق، وهذا هو الذي يجعل الكتاب في بعض المواضع يصعب فهمه على بعض الطلاب. إذن يريد أن يقول: هناك عقل، وهناك نقل، والعقل عندما ينظر في هذه المسألة يميل إلى جانب الإتمام؛ لأن هذا هو الأصل، لماذا يدعم ذلك أو يقويه؟ لأن المسافر خُفِّف عنه، والتخفيف؛ لأن السفر مظنة المشقة، ففي ذلك إذن تيسير، والتيسير إنما هو نزول من الأعلى إلى الأدنى، إذن الرجوع إلى الأعلى إنما هو أفضل من جهة العقل، فالعقل يتصور أو يذهب إلى أن الإتمام أفضل، لكن -كما هو معلوم- لا عقل مع النقل. * قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ"، وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ) (٢). هذا الحديث يصحِّحه كثير من العلماء، لكن قد ورد فيه اضطراب في بعض الروايات (٣).

стр. 2069

* قوله: (وَهَذَا كلُّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالرُّخْصَةِ وَرَفْعِ الحَرَجِ، لَا أَنَّ القَصْرَ هُوَ الوَاجِبُ، وَلَا أَنَّهُ سُنَّةٌ). يعني: المؤلف في النهاية سيعود إلى ما دلَّت عليه النصوص. إذن لا شكَّ أن ما في الآية وما في الأحاديث تخفيف، هذا أمر لا يُختلَف فيه، واللَّه تعالى قد خفَّف عن عباده، وكثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ تدلُّ على ذلك فاللَّه عندما يشرع حكمًا من الأحكام، يذكر بعده علته إذا خفف على الناس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وكذلك لما ذكر اللَّه الوضوء والتيمم، قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فنجد أن اللَّهَ عندما يخفف على المؤمنين يمتن عليهم، ويبين لهم أيضًا أنه عندما يسَّر لهم هذا الحكم إنما أراد أن يخفِّف عنهم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. * قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ الَّذِي يُعَارِضُ بصِيغَتِهِ المَعْنَى المَعْقُولَ، وَمَفْهُومَ هَذِهِ الآثَارِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّابِتُ بِاتِّفَاقٍ قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) (١). وهذا أيضًا يرد مفهوم العقل؛ لأن فيها أن الصلاة فُرِضت "ركعتين ركعتين".

стр. 2070

* قوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ" (١)، وَأَمَّا دَلِيلُ الفِعْلِ الَّذِي يُعَارِضُ المَعْنَى المَعْقُولَ وَمَفْهُومَ الأَثَرِ المَنْقُولِ، فَإِنَّهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ ﵊ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَسْفَارِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَطُّ). هذا هو الصحيح، لم يرد في حديث صحيح أن الرسول ﷺ قد أتم صلاته (٢). * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، فَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ (٣)، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الوَجْهَيْنِ، (أَعْنِي: إِمَّا وَاجِبًا مُخَيَّرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً)). انتهى المؤلف بعد هذا النقاش إلى واحد من أمرين، إما أن يكون واجبًا، وهو واجب مخير، يعني: إما أن يصلي الإنسان أربعًا، أو يصلي اثنتين، وإما أن يكون سنةً؛ لأن الرسول ﷺ فعله، وداوم على فعله، ولم ينقل عنه أنه أتم الصلاة، وإن كان إتمام الصلاة جائزًا.
следующие страницы →