← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

* قال: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْقُولِ لِصِيغَةِ اللَّفْظِ المَنْقُولِ). من المعلوم أن هناك معنى معقولًا، ونصوصًا، فقد نجد أن الأصل في الصلاة المقصورة أنها أربع، فعندما تقصرها إلى اثنتين، فمن جهة المعنى المعقول أيهما يكون أفضل، هل أن تأتي بالأصل الذي هو أربع؟ أو بالاثنتين؟ ومن المعلوم أن الدين ليس بالرأي، وبذلك قال عليٌّ ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" (١)؛ لأن أسفل الخف هو الذي يتلوث، وهو الذي يطأ الأرض، والذي ربما يقع على النجاسات وغيرها، أولى بأن يمسح، لكن هذا هو شرع اللَّه، فشريعة اللَّه تقدَّم، ولذلك إذا قالوا: المنقول، فالمقصود به ما جاء في كتاب اللَّه ، وفي سنة رسوله ﷺ ، ويقصدون بالمعقول القياس في مقدمة هذه الأمور المعقولة، أي: التي تقوم على فهم الإنسان وإدراكه، فهناك أمور معقولة. والأصل أنك عندما تصلي أربعًا فقد جئت بالصلاة المعروفة، ولذلك فإن عبد اللَّه بن مسعود بيَّن هذه العلة فقال: "صلَّيتُ مع النبي ﷺ ركعتين في السفر، ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين، فتفرقت بكم الطرق، ووددت أن لي من أربع ركعتين متقبلتين" (٢). إذن ليست المسألة بكثرة العمل، فقد نجد من الناس مَن يكون عمله قليلًا، لكنه يتقن هذا العمل، ويصحبه الإخلاص والنية الصادقة، فيكون ثوابه عظيمًا، وكم من أناس يُكثرون الأعمال على غير إخلاص، ومن

стр. 2067

الناس من تجد من أعمالهم ما يخالف أقوالهم، ومن أقوالهم ما يخالف أعمالهم، فهذه تنقص من حسناتهم، وبعض الناس تجد أنه يحافظ على الفرائض وربما على السنن الرواتب، لكنك تراه في صلاته خاشعًا ذليلًا منقادًا للَّه لأنه يعلم أنه يناجي ربَّ البرية، وتجد بعض الناس في صلاتهم مشغولًا ذهنه، يذهب هنا أو هنا مرةً يسبح في الفضاء، ومرة في الأرض، ومرة في البحر، يتتبع تجارته وأمواله، وينشغل بأولاده وغير ذلك من الأمور، وقد يفكر في أمور تافهة. إذن ما كان من العمل صوابًا، فهذا الذي يكون أجره أعظم، ولذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] إلى أن قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ما قال: أكثر عملًا. وما يقصده المؤلف بصيغة اللفظ المنقول: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" (١)، فهذا هو اللفظ المنقول، وأيضًا الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وغير ذلك من الأدلة التي جاءت في القصر والتي رويت من أفعال رسول اللَّه ﷺ وهي كثيرة. فهذه ثبتت، إذن هناك أمر معقول يديره الإنسان في عقله، أليس هاتان الاثنتان أصلهما أربعًا، إذن العقل يقتضي أن الأربع أفضل، وإنما هذا تخفيف. * قوله: (وَمُعَارَضَةُ دَلِيلِ الفِعْلِ أَيْضًا لِلْمَعْنَى المَعْقُولِ). هناك أقوال، لكن الفعل قد عارض العقل؛ لأن الفعل فيه أن الرسول ﷺ قصر الصلاة والعقل يقتضي أو يميل أو يرجح أن الأربع أفضل.

стр. 2068

* قوله: (وَيُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يُرِيدُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ عُمَرُ: "عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"، فَمَفْهُومُ هَذَا الرُّخْصَةُ) (١). المؤلف -باختصار- يريد أن يقول: هناك في الظاهر معارضة، ومعلوم أن المؤلف ممن درس المنطق، وهذا هو الذي يجعل الكتاب في بعض المواضع يصعب فهمه على بعض الطلاب. إذن يريد أن يقول: هناك عقل، وهناك نقل، والعقل عندما ينظر في هذه المسألة يميل إلى جانب الإتمام؛ لأن هذا هو الأصل، لماذا يدعم ذلك أو يقويه؟ لأن المسافر خُفِّف عنه، والتخفيف؛ لأن السفر مظنة المشقة، ففي ذلك إذن تيسير، والتيسير إنما هو نزول من الأعلى إلى الأدنى، إذن الرجوع إلى الأعلى إنما هو أفضل من جهة العقل، فالعقل يتصور أو يذهب إلى أن الإتمام أفضل، لكن -كما هو معلوم- لا عقل مع النقل. * قوله: (وَحَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ"، وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ) (٢). هذا الحديث يصحِّحه كثير من العلماء، لكن قد ورد فيه اضطراب في بعض الروايات (٣).

стр. 2069

* قوله: (وَهَذَا كلُّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالرُّخْصَةِ وَرَفْعِ الحَرَجِ، لَا أَنَّ القَصْرَ هُوَ الوَاجِبُ، وَلَا أَنَّهُ سُنَّةٌ). يعني: المؤلف في النهاية سيعود إلى ما دلَّت عليه النصوص. إذن لا شكَّ أن ما في الآية وما في الأحاديث تخفيف، هذا أمر لا يُختلَف فيه، واللَّه تعالى قد خفَّف عن عباده، وكثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول ﷺ تدلُّ على ذلك فاللَّه عندما يشرع حكمًا من الأحكام، يذكر بعده علته إذا خفف على الناس، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وكذلك لما ذكر اللَّه الوضوء والتيمم، قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فنجد أن اللَّهَ عندما يخفف على المؤمنين يمتن عليهم، ويبين لهم أيضًا أنه عندما يسَّر لهم هذا الحكم إنما أراد أن يخفِّف عنهم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. * قوله: (وَأَمَّا الأَثَرُ الَّذِي يُعَارِضُ بصِيغَتِهِ المَعْنَى المَعْقُولَ، وَمَفْهُومَ هَذِهِ الآثَارِ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّابِتُ بِاتِّفَاقٍ قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) (١). وهذا أيضًا يرد مفهوم العقل؛ لأن فيها أن الصلاة فُرِضت "ركعتين ركعتين".

стр. 2070

* قوله: (فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ" (١)، وَأَمَّا دَلِيلُ الفِعْلِ الَّذِي يُعَارِضُ المَعْنَى المَعْقُولَ وَمَفْهُومَ الأَثَرِ المَنْقُولِ، فَإِنَّهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ ﵊ مِنْ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ أَسْفَارِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ قَطُّ). هذا هو الصحيح، لم يرد في حديث صحيح أن الرسول ﷺ قد أتم صلاته (٢). * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، فَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ (٣)، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الوَجْهَيْنِ، (أَعْنِي: إِمَّا وَاجِبًا مُخَيَّرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً)). انتهى المؤلف بعد هذا النقاش إلى واحد من أمرين، إما أن يكون واجبًا، وهو واجب مخير، يعني: إما أن يصلي الإنسان أربعًا، أو يصلي اثنتين، وإما أن يكون سنةً؛ لأن الرسول ﷺ فعله، وداوم على فعله، ولم ينقل عنه أنه أتم الصلاة، وإن كان إتمام الصلاة جائزًا.

стр. 2071

* قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا مُعَيَّنًا، لَكِنَّ كَوْنَهُ فَرْضًا مُعَيَّنًا يُعَارِضُهُ المَعْنَى المَعْقُولُ). عاد مرَّة أُخرى وقال: "كونه فرضًا معين يعارضه المعنى المعقول"، ونقول أيضًا: الأدلة التي وردت في ذلك تعارضه، وما ثبت أيضًا عن عدد من أكابر الصحابة أنهم أتموا الصلاة - يعارضه (١). * قوله: (وَكَوْنَهُ رُخْصَةً يُعَارِضُهُ اللَّفْظُ المَنْقُولُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مُخَيَّرًا أَوْ سُنَّةً، وَكَانَ هَذَا نَوْعًا مِنْ طَرِيقِ الجَمْعِ). هذا منهج المؤلف وطريقته في الجمع، ولكننا نأخذ الأمر بأبسط من ذلك، ومما يؤخذ على هذا الكتاب أنه لا يستقصي النصوص، ولذلك يقع منه أحيانًا بحث بعض المسائل بحثًا عقليًّا. * قوله: (وَقَدِ اعْتَلُّوا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ بِالمَشْهُورِ عَنْهَا مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تُتِمُّ). أي: أنهم ردوا على حديث عائشة واعترضوا عليه وهو حديث: "فُرضَت الصلاة ركعتين ركعتين" بأن عائشة كانت تتم (٢)، إذن فقد جاء فعلها مخالفًا لقولها، ومعلوم أنه إذا جاء قول عن الصحابي، وجاء عنه فعل يتعارض فيقدم قوله (٣)، وهذا جاء فيما نقل عن ابن عمر أنه كان

стр. 2072

يأخذ من عارضيه، لكنه أحد الرواة الذين نقلوا عن الرسول ﷺ الأمر بتوفير اللحى (١). * قوله: (وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَيَقْصُرُ وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ وَيُؤَخِّرُ الظُّهْرَ، وَيُعَجِّلُ العَصْرَ وَيُؤَخِّرُ المَغْرِبَ وَيُعَجِّلُ العِشَاءَ (٢)). أما ذاك الأول الذي ذكره فهو ضعيف، أعني: الذي قبل هذا (٣)، وهذا أيضًا جاء من طريقين في "الصحيحين"، وليس فيه ذكر للقصر والإتمام، فهذا صحيح في الفطر والصيام، وأما ما جاء في رواية الإتمام والقصر، فهذا فيه كلام معروف للعلماء (٤). * قوله: (وَمِمَّا يُعَارِضُهُ أَيْضًا حَدِيثُ أَنَسٍ، وَأَبِي نَجِيحٍ المَكِّيِّ

стр. 2073

قَالَ: اصْطَحَبْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُتِمُّ، وَبَعْضُهُمْ يَقْصُرُ، وَبَعْضُهُمْ يَصُومُ، وَبَعْضُهُمْ يُفْطِرُ، فَلَا يَعِيبُ هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ عَنْ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الأَوَّلِ). ونقل أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عمر ﵃ جميعًا (١). * قوله: (أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الثَّانِي، وَهِيَ المَسَافَةُ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا القَصْرُ). هذه أيضًا مسألة مهمة، والبحث فيها طويل، وقد تناولها عدد من العلماء بالبسط والإيضاح، وعندما نلقي نظرة سريعة في الآيات التي وردت في كتاب اللَّه ، والتي أشارت إلى السفر، لم نجد أنها حددت قدرًا معينًا يلتزم به المسافر في قصر الصلاة، فمثلًا يقول اللَّه في الآية التي مرت بنا في موضوع القصر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والضرب في الأرض إنما هو السفر، فلم نجد تحديدًا للسفر بقدر معين، ولم تذكر الآية سفرًا طويلًا ولا قصيرًا. وقال اللَّه أيضًا في آية الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والشاهد فيه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ولم يذكر اللَّه تعالى قدرًا محدَّدًا لهذا السفر، وإنما أطلقه. وقال بعد أن ذكر أحكام الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].

стр. 2074

فهذه الآيات -كما هو ظاهر- ذكرت السفر، لكنها أطلقته، فلم تقيده بقدر معين كذلك نجد أن سنة الرسول ﷺ مليئة بالأحاديث التي ورد فيها ذكر السفر، ولم يرد فيها حديث واحد يقيده، ومن ذلك حديث يعلى، وحديث عائشة، وحديث ابن عمر أنه قال: "صحبت رسول اللَّه ﷺ فكان يصلي في سفره ركعتين، وأنه صحب أبا بكر وعمر فكان كل يصلي ركعتين" (١). وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة، وكلها جاء ذكر السفر فيها مطلقًا، فمن هنا ذكر المؤلف في هذا الموضع أهل الظاهر، وهذا هو المشهور في الحقيقة (٢)، لكننا نجد أن من علماء المذاهب مَن انتصر لهذا القول، وقوى دليله، واستدلَّ عليه، ودافع عنه، وبين أن أدلة الشرع تشهد له، حتى ربما تجد من العلماء الذين يخالفون مذهبهم في بعض الآراء من خالف في هذه المسألة (٣). والعلماء مختلفون في هذه المسألة على مذاهب (٤): الأول: قول جمهور الأئمة؛ مالك والشافعي وأحمد، وهو أن المسافة التي تقصر فيها الصلاة هي أربعة برد (٥). والبرد جمع بريد، والبريد أربعة فراسخ، فالمسافة على هذا تبلغ ستة عشر فرسخًا، والفرسخ يساوي ثلاثة أميال، فتصبح مسافة القصر على هذا المذهب ثمانية وأربعين ميلًا، وهي ما يقرب من ثمانين كيلو (٦). ولذلك جاء عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال

стр. 2075

بالقصر من مكَّة إلى جدة، ومن مكة إلى الطائف، وهذه كلها مسافات متقاربة (١). ومدة القصر هي سفر يومين، وذلك على الراحلة، على السفر المعتاد (٢). الثاني: مذهب الحنفية ومعهم جمع من العلماء، وهو أنه لا يقصر في سفر يقل عن ثلاثة مراحل، أي: ثلاثة أيام (٣). ولكلِّ مذهب دليل يستدلّ به، لكن -باختصار- لم يرد عن رسول اللَّه ﷺ حديث صحيح يحدد المسافة، بل جاء عن رسول اللَّه ﷺ أنه كان إذا سافر يقصر في ذي الحُليفة (٤)، أي: كل سفر تقصر فيه الصلاة، أخذوا ذلك على إطلاقه. والذين قالوا من أهل العلم بأربعة برد أو ثلاثة أيام قالوا: إذا أراد سفرًا طويلًا وخرج يقصر في هذا المكان (٥)، ونقل عن عمر أنه صلى ركعتين بذي الحليفة (٦)، ونقل أيضًا عن عبد اللَّه ابن عمر (٧)، وهو مع ابن

стр. 2076

عباس من القائلين بأربعة برد (١)، أي: ما يقرب من ثمانين كيلو مترًا، ونقل عن عبد اللَّه بن عمر من طريق صحيح أنه كان يخرج إلى أرض له كان يخرج إليها، تبعد ثلاثين ميلًا فقط فيقصر (٢)، وربما لو كانت أقل لقصر أيضًا (٣). وعن أنس أنه قصر في خمسة عشر ميلًا (٤)، وعن عمر أنه قصر بذي الحليفة (٥)، وذو الحليفة -كما هو معلوم- لا تزيد عن عشرة إلى اثني عشر كيلو مترًا، وقد أصبحت الآن داخلة في المدينة (٦)، فهي ديار على المعروفة الآن (٧).

стр. 2077

كذلك نقل عن عليِّ بن أبي طالب أنه خرج من بيته بالكوفة إلى مكان يعرف بالنخيلة وهي قريبة من الكوفة، وقصر فيها، وقال: إنما أردْتُ أن أبيِّن لكم الحكم (١). وكذلك نُقِل أيضًا عن غير هؤلاء الصحابة، فنحن هنا نجد أن الأقوال عن الصحابة مختلفة ومتعارضة، يعني أقوال الصحابة متعددة، فقد تجد للصحابي قولين، وتصبح متعارضةً. إذن لم يرد نصٌّ من كتاب ولا سنة يحدد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، ولم يرد قول متفق عليه بين الصحابة، وإنما اختلفوا في ذلك، ومعلوم أن الحالة تختلف، فمتى ما أجمع الصحابة على قول، فإن واجب المؤمن أن يسلم، وأن يأخذ به، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، هذه إشارة إلى الإجماع (٢)، أما إذا اختلف الصحابة، فحينئذ يختار من أقوالهم، فما بالك إذا اختلف غيرهم! هذه مقدمة قدمت بها، وإن شاء اللَّه نأخذ كل قول ودليله على حدة. * قوله: (فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافًا كَثِيرًا). هذه مسألة تُشكَل على بعض طلاب العلم، أحيانًا يذكر أحمد، وأحيانًا لا يذكره، وقد نبَّهنا كثيرًا أنه معتمد في نقل المذاهب على ابن عبد البر في كتابه الاستذكار (٣)، فإن ذكر ذكر وإن لم يذكر سكت، فهو هنا -كما هو ظاهر- نصَّ على أحمد.

стр. 2078

* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرةٌ (٤) إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُقْصَرُ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (٥)). والبُرد جمع بريد، وهو مسافة محددة تساوي أربعة فراسخ، أربعة في أربعة -كما قلنا- تصل ستة عشر فرسخًا، ثم يضرب الفرسخ الذي يساوي ثلاثة أميال، في ثلاثة، فيكون الناتج ثمانية وأربعين (٦)، وأيضًا الميل يقرب

стр. 2079

من كيلوين إلا ربعًا أو إلا ثلثًا أو بينهما (١)، فالمسافة ما بين خمسة وسبعين إلى ثمانين كيلو مترًا. * قوله: (وَذَلِكَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِالسَّيْرِ الوَسَطِ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالكُوفِيُّونَ: أَقَلُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (٣)). العلماء والجمهور ينصُّون على أنها مسيرة يومين (٤)، والحنفية يقولون مسيرة ثلاثة أيام (٥)، والحنفية ومن معهم لا يستدلون بأدلة قطعية، يعني: ليست واضحة الدلالة على المدعي، وإنما يستدلون بعموم أدلة: "لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" (٦)، يعني: لا يحلّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيَّام إلا ومعها محرم، فقالوا: هذا

стр. 2080

دليل على أن السفر هو مسيرة ثلاثة أيام (١). والحديث الآخر: "يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يومًا وليلة" (٢) لكن أيضًا وردت أحاديث: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة" (٣) وورد: "مسيرة يوم" (٤) وورد: "ليلة" (٥) إذن هذا كله سمَّاه الرسول ﷺ سفرًا، فمرة سمى هذا، ومرة سمى هذا وهذا كلُّه يدلُّ أنه لا يجوز للمرأة أن تخلو بغيرها، يعني أن تسافر مع أجانب، ما لم يكن فيهم محرم لها. * قوله: (أَقَلُّ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (٦)). مما يدعم الحنفية إلى جانب الأدلة العامة -حتى ننصفهم- أنهم يقولون هنا: لم يرد دليل توقيفي. يعني: لم يرد نص في كتاب ولا في سنة يحدد المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، فلا توقيف في هذه المسألة، ولا دليل عليها، ففي هذه الحالة نرجع إلى الأمر المتفق عليه، والكلُّ متفقون على أن مَن قصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أيام لا يخالفه أحدٌ في ذلك إذن هذا أمر مجمع عليه، فهم يقولون: ندع محل

стр. 2081

الخلاف، ونأخذ بالموضع المتفق عليه، ويريدون بهذا أن يُلْزِموا غيرهم، ولذلك مَن يقرأ نصوص الإمام الشافعي ﵀ يجد أنه نصَّ في بعض كتبه على أنه مع الأئمة، مع مالك وأحمد، لكنه يفضل القصر في ثلاثة أيام؛ خروجًا من خلاف الحنفية، يعني هذا من باب الاحتياط (١). وثمَّة فرق -حال إقرارك حكمًا من الأحكام- بين أن تأخذ بالأرجح دليلًا، وبين أن تأخذ بالأحوط، فعندما تأخذ بالأرجح فمعنى هذا أنك تبحث عن أدلة هذه الأقوال ثم تقف عندها وتعرف وجه الدلالة منها، وتنعم النظر في المناقشات الدائرة بين أصحاب الأقوال، ثم تنتهي إلى ترجيح ما ترى أن النصوص أقرب إليه، وقد تأخذ بالأحوط، فلا شك أن أحوط الأقوال هو مذهب الحنفية، هذا هو الأحوط، لكن مذهب الذين يقولون: لا تحديد، في نظري هو أقواها من حيث الدليل. * قوله: (وَإِنَّ القَصْرَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ سَارَ مِنْ أُفُقٍ إِلَى أُفُقٍ). يعني: أن الحنفية أجروا شبه استقراء للشريعة، فوجدوا أن الأيام الثلاثة معتبرة، تمسح ثلاثة أيام بلياليهن (٢)، لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم (٣)، والرسول ﷺ قد رخص للمهاجر بعد أداء نسكه أن يبقى ثلاثة أيام (٤)، إذن هذه الأيام الثلاثة معتبره في كثير من الأحكام في الشريعة.

стр. 2082

* قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: القَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا) (١). هذا القول -وإن نصَّ المؤلف على أنه لأهل الظاهر- لكن هذا القول نصره كثير من العلماء المحققين في المذاهب (٢)، واستدلُّوا عليه، وتتبعوا أدلته، وعمدة أدلتهم إنما هو إطلاق النصوص، فليس في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله ﷺ دليل واحد يحدد المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وما جاء في الحديث المرفوع من أنه أربعة برد فإنما هو ضعيف لم يصحَّ عن الرسول ﷺ (٣)، وإنما صحَّ موقوفًا عن عبد اللَّه بن عباس (٤)، وجاء أيضًا عن عبد اللَّه بن عباس رواية أُخرى تخالفه، أنه قال:

стр. 2083

يقصر في يوم كامل (١). وأربعة برد مسافة أكثر من يوم. وابن عمر أيضًا مع عبد اللَّه بن عباس في هذه المسألة: أن القصر أربعة برد (٢)، وقد صحَّ عنه أنه قصر في ثلاثين ميلًا (٣). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْنَى المَعْقُولِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّ المَعْقُولَ مِنْ تَأْثِيرِ السَّفَرِ فِي القَصْرِ أَنَّهُ لِمَكَانِ المَشَقَّةِ المَوْجُودَةِ فِيهِ مِثْلُ تَأْثِيرِهِ فِي الصَّوْمِ) (٤).

стр. 2084

من المعلوم أن العلماء، وبخاصة الفقهاء والأصوليين، يعنون بتعليل الأحكام، أي: يحاولون أن يوجدوا عللًا (١) للحكم، فيذكرون الأدلة والنصوص، وأحيانًا يذكرون تعليلاتٍ للأخذ بهذا الحكم، فمن العلل التي يذكرونها هنا أنهم يقولون: لأن مسيرة اليومين التي هي أربعة برد، هي التي فيها ترحال وشد (٢)، يعني: تقوم فتشد على الإبل، وتحمل أثاثك وبضاعتك عليها وتمشي ثم تنزل ثم تمشي، وهكذا، وأما السفر القصير فليس فيه شد وترحال، لكن نحن نقول الآن يوجد أيضًا في كلام الفقهاء أنهم نصوا بالنسبة للسفن قديمًا فيما لو ركب إنسان سفينة فقطعت به مسافة القصر في لحظات، في وقت قصير، قالوا: يقصر الصلاة (٣).

стр. 2085

إذن ليست القضية قضية شدّ ورحل، وإلا اعترض على ما نحن فيه، يعني: أن المسافة التي كانت تُقضى في اليوم، صارت الآن تُقضَى في دقيقة في الطائرة، وفي السيارة ما كان يقضى في ساعات كبيرة صار يُقضَى في السيارة في ساعة واحدة، فهل نقول هنا: إن الأحكام تتغير بتغير عللها؟ (١).

стр. 2086

هذه أحكام فيها تخفيف، ولذلك رأينا أن اللَّه خفف عن المؤمنين، وأذِنَ لهم في قصر الصلاة في حالة الخوف (١). * قوله: (وَإِذَا كانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَجِبُ القَصْرُ حَيْثُ المَشَقَّةُ. وَأَمَّا مَنْ لَا يُرَاعِي فِي ذَلِكَ إِلَّا اللَّفْظَ فَقَطْ، فَقَال: قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ" (٢)، فَكُلُّ مَنِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ، جَازَ لَهُ القَصْرُ وَالفِطْرُ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كانَ يَقْصُرُ فِي نَحْوِ السَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا") (٣). روى المؤلف هذا بالمعنى، وإلا فهو شرحبيل بن السِّمط، فإنه خرج إلى قرية تبعد سبعة عشر كيلومترًا، فقصر فيها الصلاة، فلمَّا سُئل قال: وجدْتُ عمر فعل ذلك، ونسب ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، ولا شكَّ أنه قد ثبت فيما عرفنا في الأدلة السابقة أن الرسول ﷺ كان إذا خرج مسافرًا يقصر في ذي الحليفة (٤). * قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى خَامِسٍ كَمَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنَّ القَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلْخَائِفِ (٥)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

стр. 2087

[النساء: ١٠١]، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ عَائِشَةَ (١) وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَصَرَ؛ لأنَّهُ كانَ خَائِفًا (٢)). وقد رددنا أيضًا هذا القول، وبيَّنا أن الرسول ﷺ كما في حديث عبد اللَّه بن عباس - خرج من المدينة إلى مكَّة لا يخاف، وأنه كان يقصر الصلاة (٣)، وبقي الأمر على ذلك في عهد أصحاب رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (أَمَّا اخْتِلَافُ أُولَئِكَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا المَشَقَّةَ، فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ الأَرْبَعَةِ بُرُدٍ رُوِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ (٤)، وَمَذْهَبُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ، وَغَيْرِهِمَا (٥) (٦)). ذكرنا أنه رُوِي أو ثبت عن كل من الصحابيين الجليلين؛ عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه ابن عباس أنهما قالا بالقصر في مسافة أربعة برد (٧)،

стр. 2088

بل جاء عن عبد اللَّه بن عباس أنه حدد القصر بقوله: من مكة إلى جدة، ومن مكة إلى عسفان، ومن مكة إلى الطائف (١)، لكننا قلنا: إنه ثبت عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه كان يذهب إلى أرض له تبعد ثلاثين ميلًا فيقصر الصلاة (٢)، وهذه أقل من أربعة برد. وجاء أيضًا عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن القصر في يوم (٣)، ورأينا أن من الصحابة من قصر دون ذلك، فقد قصر عمر في ذي الحليفة (٤)، وإن كان الآخرون من أهل العلم يجيبون بأنه إنما قصر في ذي الحليفة؛ لأنه كان ناويًا سفرًا (٥). كذلك جاء أيضًا عن بعض الصحابة أنه قصر في أقل من ذلك (٦)، لكن الذين قالوا بالقصر في أربعة برد وقفوا عند قول عبد اللَّه بن عباس، وعند قول عبد اللَّه بن عمر في أربعة برد (٧)، وأن هذا هو الذي اشتهر عنهما، لكننا بيَّنا قبل أنه وقع اختلاف بين الصحابة، وأنهم قد تعارضت أقوالهم في ذلك، وفي حالة المعارضة لا تكون المسألة مجمعًا عليها، وبينا أيضًا أن الآيات التي تناولت السفر في كتاب اللَّه ، وكذلك أحاديث رسول اللَّه ﷺ ذكرت السفر مطلقًا، وأما غير الأحاديث الصحيحة، فلا يعتمد عليه في المقام.

стр. 2089

إذن كلُّ ما جاء في كتاب اللَّه ، وفيما صحَّ عن رسول اللَّه ﷺ في السفر إنما جاء مطلقًا وليس بمقيد، وهذه هي وجهة الذين قالوا من أهل العلم بأن كل سفر تقصر فيه الصلاة (١)، ووجدنا أن من العلماء من قال: لا قصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام، وهم الحنفية ومن معهم وكثير من علماء الكوفه (٢)، ووجدنا أنهم يستدلون بعمومات أدلة لم تتعرض للقصر، وإنما جاءت في تحريم السفر على المرأة ثلاثة أيام دون أن يصحبها محرم (٣)، أو في أن مسح المسافر على خفيه يكون ثلاثة أيام بلياليهن (٤)، وأن الرسول ﷺ أذن للمهاجرين أن يبقوا بعد أداء نسكهم ثلاثة، فقال ﷺ : "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا" (٥) وكان ﷺ قد حرم عليهم البقاء، لكنه بعد ذلك أجاز لهم أن يمكثوا ثلاثًا. وحصل مثل ذلك مع عمر ﵁، فإنه لما أجلى اليهود من الجزيرة -كما هو معلوم- أذن بعد ذلك لمن يأتي منهم متاجرًا أن يبقى ثلاثة أيام (٦)، فهم قد أخذوا بهذه العمومات وهي في الحقيقة ليست نصًّا في القصر، وبذلك يبقى قول مَن قال من العلماء بأربعة برد (٧)، ومن لم يحددوا، وإنما كل ما يطلق عليه سفر يدخل في ذلك (٨)، ولكننا مع ذلك نرى أن الأخذ بالأحوط هو الأولى في هذا المقام، وإن كنا نجد أن أدلة

стр. 2090

الذين قالوا: كل سفر تقصر فيه الصلاة هي أدلة قوية، لكن الأحوط للمسلم في هذا المقام أن يأخذ بما جاء عن الأئمة الثلاثة (١)، بأن القصر في أربعة برد، وهذه المسافة ذكرناها فيما مضى، وذكرنا أنها تقرب من ثمانين كيلو مترًا. * قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الثَّالِثُ، وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي نَوْعِ السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّفَرِ المُتَقَرَّبِ بِهِ كَالحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَالجِهَادِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ أَحْمَدُ) (٢). الموضع الثالث: ما نوع السفر التي تقصر فيه الصلاة؟ يقول اللَّه في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] عرفنا أن

стр. 2091

سبب القصر إنما جاء في هذه الآية، وهو الخوف، وأن اللَّه بعد أن زال الخوف أبقى هذا الحكم مستقرًّا، ورخَّص للمؤمنين، وهذا من التيسير الذي جاءت به الشريعة، وتكلمنا عنه كثيرًا فيما مضى (١). إذن عرفنا أن هذا بالنسبة للمسافر عمومًا، ولم يكن ما جاء من تخفيف في هذه الشريعة قاصرًا على المسافر فقط، وحتى المسافر لم يكن التخفيف عليه في قصر الصلاة فحسب، وإنما له أن يفطر في نهار رمضان، والفطر أفضل (٢). وقد صحَّ عن الرسول ﷺ لما رأى رجلًا ظُلِّل عليه وسأل عن ذلك فتبين أنه صائم قال: "ليس من البر الصيام في السفر" (٣). إذن هذا فيه حضٌّ على الأخذ بالرُّخصِ، كذلك نجد أنه صحَّ في الحديث أنه يمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، والمقيم يومًا وليلةً (٤).

стр. 2092

والآن سنشرع في موضوع جديد، فالسفر أنواع؛ فالمسافر إما أن يسافر قربة إلى اللَّه ، وهو ما يعرف بسفر الطاعة؛ لأن المسافر قد يسافر حاجًّا، والحاج إما أن يكون الحجُّ في حقِّه واجبًا، وذلك لمن لم يؤدِّ حجته التي هي ركن من أركان الإسلام، أي: حجته المفروضة، وقد يكون تطوعًا في حقِّ من أدَّى الحج الواجب، وأصبح يتطوع، وكذلك الحال بالنسبة للعمرة، وقد يكون السفر مندوبًا؛ كالسفر للجهاد أو الاشتغال بطلب العلم والدعوة في سبيل اللَّه ، وقد قال الرسول: "مَن سلكَ طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّلَ اللَّهُ له فيه طريقًا إلى الجنة" (١)، ولقد سافر أحد الصحابة -كما جاء في "صحيح البخاري"- يطلب حديثًا من بلاد الشام، بلغه أن أحد أصحاب رسول اللَّه ﷺ يحفظ حديثًا عن الرسول ﷺ (٢)، فشد على راحلته، وامتطى دابته، وقطع المفاوز (٣) والقِفار (٤)؛ ليصل إلى ذلك حتى ذهب إليه وسلم عليه، وأخذ عنه حديث رسول اللَّه ﷺ ، وظلَّ هذا الأمر منتشرًا حتى عصر الأئمة، وبعد عصر الأئمة، حتى إلى القرون المتأخرة، إلى ما يقرب من القرن العاشر، وما زال بحمد اللَّه طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد، وينتشرون في كلِّ مكان. وقد يكون السفر مباحًا، كالسفر للتجارة، وهذه كلها متفق عليها بين

стр. 2093

العلماء، لكن هناك خلاف يسير فيما يتعلَّق بمَن يخرج مسافرًا للنزهة أو للصيد ونحو ذلك فهل يقصر؟ الجواب: الصحيح أنه يقصر، وهذا هو مذهب جمهور العلماء (١). يبقى بعد ذلك مَن يسافر في معصية، اللَّه يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، يقول في آية المائدة بالنسبة لأكل لحم الميتة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. ونجد عبد اللَّه ابن عباس لما فسَّر هذه الآية قال: غير باغ، أي: على المسلمين، لا يبغي عليهم، ولا عادٍ بمعنى: أنه غير خارج على المسلمين (٢)، فلو أن إنسانًا ذهب ليقطع الطريق على المسلمين، أو ليسفك

стр. 2094

دماءهم أو ليتاجر في أمور محرمة، أو ليسرق، أو ليرتكب ذنبًا من الذنوب، فهذا سفره سفر معصية، لأنه لم يسافر في طاعة اللَّه ، ولم يسافر أيضًا للضرب والسعي في الأرض يبتغي الرزق فيها مما أباحه اللَّه ، لكن هذا سعى وسافر، ليفسد في الأرض. ففرق بين مَن يسعى في الأرض؛ ليصلح، وبين من يسعى فيها؛ ليفسد، وشتان بينهما، ومن هنا وقع الخلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من قال: كل مسافر سفر معصية لا يباح له أن يقصر الصلاة (١)؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فأباح للمضطر أن يأكل الميتة لكن لو كان هذا المضطر عاصيًا فإن العلماء تكلموا في هذه المسألة، وهي مرتبطة بمسألة وثيقة الصلة بها؛ لأن الذي يسافر في معصية اللَّه قد لا يجد طعامًا، ويجد ميتة، واللَّه أباح للمضطر أن يأكل منها، بل قال جماهير العلماء: يجب على المضطر أن يأكل من الميتة؛ ليحفظ مهجته؛ ليحفظ حياته (٢)، ولو لم يكن فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، واللَّه نهاه عن

стр. 2095

ذلك، وعن قتل نفسه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. يتكلَّم العلماء بعدَ ذلك عن العاصي، إذا لم يأكل من هذه الميتة أيضًا فسيموت، قال العلماء: يتوب إلى اللَّه إنسان في حالة أَوْشَك -يعني قارب- على الموت (١).

стр. 2096

فإذا أوشك على الموت وهو بعد لم يعد إلى اللَّه ، فهل مثل هذا يحتاج إلى شفقة؟ كثير من العلماء (١) قالوا: لا يأكل، وإنما أمامه طريق سهل ميسور، هو أن يعود إلى اللَّه ويتوب، ويصبح الأمر أمامه مباحًا ويزول الحظر، ومن العلماء من قال: يأكل، وهم فريق من أهل العلم لا يفرِّقون بين أيِّ نوع من أنواع السفر (٢). وجمهور العلماء؛ مالك والشافعي وأحمد (٣) يقولون: مَن سافر سفر معصية ليس له أن يقصر الصلاة؛ لأن في قصره للصلاة إعانة له تقربه مما يريد الوصول إليه، فهذا سافر ليعصي اللَّه، فعندما يقصر الصلاة يسر له الأمر وهيئ وخفف عنه، فكان في ذلك إعانة له ولا ينبغي أن يعان إنسان في مثل هذا المقام، وفريق آخر من العلماء (٤) قالوا: إن عموم أدلة الكتاب والسنة التي جاءت في القصر لم تفرق بين مسافر ومسافر، فينبغي كذلك ألا نفرق بينهما. ورأينا في هذا أن الأولى في هذه المسألة هو مذهب جمهور العلماء، وهو أن المسافر سفر معصية لا يقصر الصلاة، وأما مَن سافر سفرًا مباحًا أو للنزهة؛ كأن يذهب ليصطاد، أو أن يذهب ليغير الجو، كما يفعله كثير من الناس، فهذا أمر أباحه اللَّه للإنسان وله أن يقصر، لكن ينبغي أن يلاحظ أن كثيرًا من الإخوة أو بعضًا من الإخوة -هداهم اللَّه- يتخذون ذلك يوم الجمعة، فيخرجون ويدعون الصلاة، وهذا لا ينبغي (٥).

стр. 2097

وما نسب للإمام أحمد من ذلك فهو رواية عنه (١)، والأخرى هي التي ذكرها المصنف هنا، وهي أن الأمر مقصور على السفر الذي يكون قربة إلى اللَّه كالحجِّ والجهاد وغيرهما (٢). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي السَّفَرِ المُبَاحِ دُونَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ). وأحمد أيضًا (٣). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قُرْبَةً كَانَ أَوْ مُبَاحًا أَوْ

стр. 2098

مَعْصِيَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)). أخذًا بعموم الأدلَّةِ، قالوا: الأدلة لم تفرق بين مسافر ومسافر، فأطلقت، فنقول: الآية أيضًا يفهم منها معاملة العاصي خلاف غيره، ثم في استقراء أدلة الشريعة وأحكامها نجدْ أن اللَّه قد أمر بالتعاون على البر والتقوى، وأن الإنسان لا يُعان على الإثم، فمن يرتكب إثمًا لا يعان عليه، وإن لم تكن الإعانة مباشرة، لكن هذه وسيلة وتخفيف عليه، وفي التخفيف عليه نوع من الإعانة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ المَعْنَى المَعْقُولِ أَوْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِدَلِيلِ الفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اعْتَبَرَ المَشَقَّةَ أَوْ ظَاهِرَ لَفْظِ السَّفَرِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ) (٤). يعني: مَن اعتبر ظاهر السفر -كما ذكرنا إطلاق النصوص- قال: لا نرى فرقًا، أو أن العلة المشقة؛ لأن السفر مظنة المشقة، إذن هذه المظنة لا يختلف فيها المطيع والعاصي، فلماذا فرقتم؟ هذا هو المعنى المعقول الذي يريد أن يتكلم عنه، إذن هو يريد أن يقول: النصوص عامة. والعلة التي نقول جميعًا بأنَّه خفف عن المسافر لأجلها هي مظنة

стр. 2099

المشقة، والمشقة ليست مقطوعة (١)؛ لأنه ليس كل مسافر تلحقه مشقة، إذن هذه متوفرة في العاصي، لكننا نقول: نمنعه من جانب آخر، وهذا الجانب هو أنه باغٍ معتدٍ (٢)، ولذلك لا يُباح له أن يقصر الصلاة. * قوله: (وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ دَلِيلَ الفِعْلِ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي السَّفَرِ المُتَقَرَّبِ بِهِ). المقصود أنه إذا نظرنا إلى ظاهر النصوص، وإلى علة السفر، فهذا يكون حجة لمن قال من أهل العلم بجواز القصر مطلقًا، وإذا نظرنا إلى الفعل فنجد أنه لا يدل على ذلك، فرسول اللَّه ﷺ وحاشاه- لم يسافر في معصية، وإنما كانت أسفاره كلها في طاعة اللَّه (٣)، فقد سافر غازيًا، وحاجًّا، ومعتمرًا، إذن هو يجاهد في سبيل اللَّه، ويغزو المشركين وكذلك كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فيقول: الفعل الذي وقع كان في سفر الطاعة، وكان الصحابة يسافرون سفرًا مباحًا، للاشتغال بالتجارة، والضرب في الأرض (٤)، هذا هو الذي وقع، وأما سفر المعصية فلم يحصل، إذن فمن طريق الفعل نرد القول بجواز القصر مطلقًا، لكننا أيضًا نقول: نرده بمفهوم الآية (٥)؛ لأن هذا معتد، وهو أيضًا باغ؛ لأن الباغي

стр. 2100

كما قال عبد اللَّه بن عباس باغٍ على المسلمين (١)، أي: اعتدى على المسلمين، يبغي عليهم، كذلك أيضًا مَن يخرج على المسلمين، فيقطع الطريق، ويخيف الآمنين، وربما يقتل، أو يذهب ليرتكب فاحشة من الفواحش. * قوله: ("لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمْ يَقْصُرْ قَطُّ إِلَّا فِي سَفَرٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ" (٢). وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ المُبَاحِ وَالمَعْصِيَةِ، فَعَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ). الذين فرقوا من أهل العلم بين المباح وغيره، ونقل عن عبد اللَّه بن مسعود أنه لا بد أن يكون السفر قربة (٣)، وهذا هو الذي وقع من النبي ﷺ (٤) * قوله: (وَالأَصْلُ فِيهِ: هَلْ تَجُوزُ الرُّخْصَةُ لِلْعُصَاةِ أَمْ لَا؟) (٥). من هنا وضع العلماء القاعدة المعروفة: الرخص لا تناط بالمعاصي (٦)؛ فالرخصة لا تتعلق بالمعصية، فالعاصي إذن لا يخفف عنه، وهذا استنباط العلماء من هذه المسألة ومن أمثالها، فالعاصي لا يخفف عنه، وإنما يشدد عليه، ويؤخذ على يديه، ويؤطر على الحق أطرًا (٧).

стр. 2101

* قوله: (وَهَذِهِ مَسْأَلَة عَارَضَ فِيهَا اللَّفْظُ المَعْنَى، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا لِذَلِكَ). عارض اللفظ فيها المعنى؛ اللفظ عموم الأدلة التي أجازت، والمعنى هو أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو سفر القربة، أو السفر المباح (١). * قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الرَّابعُ: وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الَّذِي مِنْهُ يَبْدَأُ المُسَافِرُ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ مَالكًا قَالَ فِي "المُوَطَّإِ": لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ) (٢). هذا ليس قول مالك وحده، بل هو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، هذا هو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (٣).

стр. 2102

* قوله: (وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِهَا). لكن العلماء أحيانًا يثيرون مسائل فرعية حول هذا، فلو أن إنسانًا خرج ليسافر، ثم عاد وقد تذكر أنه نسي شيئًا، هل في حالة العودة يقصر؟ الصحيح: أنه يقصر؛ لأنه ما يزال في سفر (١).

стр. 2103

* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ (١): أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إِذَا كَانَتْ قَرْيَةً جَامِعَةً حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ) (٢). هذا قول لا دليل عليه، وكون الرسول ﷺ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ في حديث أنس، والشك من شعبة: هل هي ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - يقصر الصلاة (٣)، هذا حقيقة لا دليل فيه، وإنما فيه أنه إذا أراد سفرًا طويلًا، إذا خرج هذه المسافة توقف وقصر، ولذلك نجد أنه أحيانًا يؤخر الظهر إلى وقت العصر (٤). * قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ أَقْصَى مَا يَجِبُ فِيهِ الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ المِصْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ) (٥). من المعلوم أن في الجمعة خلاف، والجمعة تجب على مَن سمع النداء، وعلى من آواه النداء إلى أهله، ومعلوم أن مالكًا قال: تجب على من كان بينه وبين موضعها ثلاثة أميال (٦)، وهذا هو الذي يُشير إليه المؤلف.

стр. 2104

* قوله: (وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ الجُمْهُورُ). جمهور العلماء قاطبة قالوا بالقول الأول (١)، وهو الصحيح. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ الِاسْمِ لِدَلِيلِ الفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي السَّفَرِ فَقَدِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ) (٢). يعني: أن الإنسان إذا هيَّأ نفسه للسفر، وأعد العدة بأن يعد حقيبته مثلًا، فهو الآن قد بدأ في السفر، ومتى ما خرج فقد أصبح مسافرًا. * قوله: (فَمَنْ رَاعَى مَفْهُومَ الِاسْمِ (٣) قَالَ: إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ قَصَرَ). قال اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١]، ومن يخرج من بلدته فقد بدأ بالضرب في الأرض، ففي الآية إذن دلالة على أن القصر يبدأ بمغادرة بلده (٤)، أما وهو في بلده فلا يعتبر ضربًا في الأرض، وإنما هو بين أهله وذويه (٥).

стр. 2105

* قَوْله: (وَمَنْ رَاعَى دَلِيلَ الفِعْلِ (١)، أَعْنِي: فِعْلَهُ ﵊ قَالَ (٢): لَا يَقْصُرُ إِلَّا إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ بثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، لِمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ -شُعْبَةُ الشَّاك- صَلَّى رَكعَتَيْنِ (٣)). لكن هذا لا يدلُّ على أن الإنسان لا يبدأ القصر قبله، وإنما هذا فيه أن الرسول ﷺ كان يمشي مسافة ثم يقصر؛ لأنه كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الصلاة، فإن ارتحل قبلُ مشَى ﷺ ، ومن المعلوم أنه كان يقطع مسافة حتى يأتي وقت العصر، فيجمع بينها وبين الظهر (٤)، كما سيأتي أيضًا في مسألة الجمع بين الصلاتين، وجاء أيضًا في بعض الأحاديث أنه ﷺ كان إذا جدَّ به السير، أي: أسرع به السير (٥) جمَعَ (٦). * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ إِذَا أقَامَ فِيهِ فِي بَلَدٍ أَنْ يَقْصُرَ، فَاخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، حَكَى فِيهِ أَبُو عُمَرَ نَحْوًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا) (٧). تعددت الأقوال في هذه المسألة أيضًا وكثرت وافترقت، لكن المؤلف سيأخذ أشهرها، فهناك مَن يقول من أهل العلم: إذا أقام يومًا وليلةً (٨)،
следующие страницы →