← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

* قوله: (وَهَذِهِ مَسْأَلَة عَارَضَ فِيهَا اللَّفْظُ المَعْنَى، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا لِذَلِكَ). عارض اللفظ فيها المعنى؛ اللفظ عموم الأدلة التي أجازت، والمعنى هو أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو سفر القربة، أو السفر المباح (١). * قوله: (وَأَمَّا المَوْضِعُ الرَّابعُ: وَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَوْضِعِ الَّذِي مِنْهُ يَبْدَأُ المُسَافِرُ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ مَالكًا قَالَ فِي "المُوَطَّإِ": لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ) (٢). هذا ليس قول مالك وحده، بل هو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، هذا هو قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (٣).

стр. 2102

* قوله: (وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِهَا). لكن العلماء أحيانًا يثيرون مسائل فرعية حول هذا، فلو أن إنسانًا خرج ليسافر، ثم عاد وقد تذكر أنه نسي شيئًا، هل في حالة العودة يقصر؟ الصحيح: أنه يقصر؛ لأنه ما يزال في سفر (١).

стр. 2103

* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ (١): أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إِذَا كَانَتْ قَرْيَةً جَامِعَةً حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ) (٢). هذا قول لا دليل عليه، وكون الرسول ﷺ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ في حديث أنس، والشك من شعبة: هل هي ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - يقصر الصلاة (٣)، هذا حقيقة لا دليل فيه، وإنما فيه أنه إذا أراد سفرًا طويلًا، إذا خرج هذه المسافة توقف وقصر، ولذلك نجد أنه أحيانًا يؤخر الظهر إلى وقت العصر (٤). * قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ أَقْصَى مَا يَجِبُ فِيهِ الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ المِصْرِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ) (٥). من المعلوم أن في الجمعة خلاف، والجمعة تجب على مَن سمع النداء، وعلى من آواه النداء إلى أهله، ومعلوم أن مالكًا قال: تجب على من كان بينه وبين موضعها ثلاثة أميال (٦)، وهذا هو الذي يُشير إليه المؤلف.

стр. 2104

* قوله: (وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ الجُمْهُورُ). جمهور العلماء قاطبة قالوا بالقول الأول (١)، وهو الصحيح. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ الِاسْمِ لِدَلِيلِ الفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي السَّفَرِ فَقَدِ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مُسَافِرٍ) (٢). يعني: أن الإنسان إذا هيَّأ نفسه للسفر، وأعد العدة بأن يعد حقيبته مثلًا، فهو الآن قد بدأ في السفر، ومتى ما خرج فقد أصبح مسافرًا. * قوله: (فَمَنْ رَاعَى مَفْهُومَ الِاسْمِ (٣) قَالَ: إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ قَصَرَ). قال اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١]، ومن يخرج من بلدته فقد بدأ بالضرب في الأرض، ففي الآية إذن دلالة على أن القصر يبدأ بمغادرة بلده (٤)، أما وهو في بلده فلا يعتبر ضربًا في الأرض، وإنما هو بين أهله وذويه (٥).

стр. 2105

* قَوْله: (وَمَنْ رَاعَى دَلِيلَ الفِعْلِ (١)، أَعْنِي: فِعْلَهُ ﵊ قَالَ (٢): لَا يَقْصُرُ إِلَّا إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ القَرْيَةِ بثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، لِمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ -شُعْبَةُ الشَّاك- صَلَّى رَكعَتَيْنِ (٣)). لكن هذا لا يدلُّ على أن الإنسان لا يبدأ القصر قبله، وإنما هذا فيه أن الرسول ﷺ كان يمشي مسافة ثم يقصر؛ لأنه كان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الصلاة، فإن ارتحل قبلُ مشَى ﷺ ، ومن المعلوم أنه كان يقطع مسافة حتى يأتي وقت العصر، فيجمع بينها وبين الظهر (٤)، كما سيأتي أيضًا في مسألة الجمع بين الصلاتين، وجاء أيضًا في بعض الأحاديث أنه ﷺ كان إذا جدَّ به السير، أي: أسرع به السير (٥) جمَعَ (٦). * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ إِذَا أقَامَ فِيهِ فِي بَلَدٍ أَنْ يَقْصُرَ، فَاخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، حَكَى فِيهِ أَبُو عُمَرَ نَحْوًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا) (٧). تعددت الأقوال في هذه المسألة أيضًا وكثرت وافترقت، لكن المؤلف سيأخذ أشهرها، فهناك مَن يقول من أهل العلم: إذا أقام يومًا وليلةً (٨)،

стр. 2106

وهناك من يقول: ثلاثة أيام (١)، وهناك من يقول: أربعة أيام (٢)، وهناك من يقول: اثني عشر يومًا (٣)، وخمسة عشر يومًا (٤)، وتسعة عشر يومًا (٥)، وهناك أقوال عدة (٦). وقد جاء أيضًا أن الرسول ﷺ أقام بمكة ثلاثًا (٧)، وأربعًا (٨)، وعشرة أيام (٩)،

стр. 2107

وأقام خمسة عشر يومًا (١)، وسبعة عشر يومًا (٢)، وثمانية عشر يومًا (٣)، وتسعة عشر يومًا (٤)، فكلٌّ يتمسَّك بقوله، والذين يقولون مثلًا سبعة عشر يومًا يقولون: حذف منها يوم الدخول والخروج، وثمانية عشر حذف أحدهما، ورواية تسعة عشر عُدَّ فيها يوم الدخول ويوم الخروج، ولأن هذه المسألة لم يأتِ فيها تحديد، كثر الخلاف فيها، فكلُّ مسألة لا يأتي فيها نصٌّ قطعيٌّ يحدد القول فيها، يكثر فيها الخلاف، لكن العلماء يفرِّقون بين إنسان يدخل بلدًا يريد الإقامة لقضاء حاجة، ويعرف أنه سيغادر بعد ثلاثة أو أربعة أيام، وبين إنسان لا يدري، فهذا الذي لا يدري متى سيخرج قصر مطلقًا عند الأئمة الثلاثة؛ أبي حنيفه ومالك وأحمد (٥)، والشافعية حدوا ذلك بثمانية عشر يومًا (٦).

стр. 2108

* قوله: (إِلَّا أَنَّ الأَشْهَرَ مِنْهَا هُوَ مَا عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ أنَّهُ إِذَا أَزْمَعَ المُسَافِرُ عَلَى (١) إِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ) (٢). يعني: إذا عزم المسافر على إقامة أربعة أيام، فإن كانت ثلاثة قصر، وقال أحمد: ما زاد عن أربعة (٣)، يعني: إذا قام أربعة أيام، وفي رواية عنه إذا صلى إحدى وعشرين صلاة (٤)، يعني: أربعة أيام وزيادة صلاة، فهذه يقصر فيها، فإن جاء بعد ذلك زاد صلاة، يعني: الثانية والعشرين، فإنه في هذه الحالة يتمُّ، وأبو حنيفة (٥) ومعه جماعة (٦) خمسة عشر يومًا. * قوله: (وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (٧) أَنَّهُ إِذَا

стр. 2109

أَزْمَعَ عَلَى إِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمَّ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ (١)، وَدَاوُدَ (٢) أَنَّهُ إِذَا أَزْمَعَ عَلَى أكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ، وَسَبَبُ الخِلَافِ أَنَّهُ أَمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ). نعم، لم يرد عن الرسول ﷺ حديث واحد يبيِّن أن الإنسان إذا ما نزل بلدًا وقصد السفر، فإنه إذا مكث كذا يظلُّ مسافرًا، إلى أن تمضي عليه فترة كذا فحينئذ يتم الصلاة، لم يرد نص في ذلك، ولكن الأحاديث جاءت مطلقةً. والخلاصة: أنهم أخذوا ذلك من فعل رسول اللَّه ﷺ ؛ ففي حديث أنس أن الرسول أقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة (٣)، وأيضًا هذه الإقامة لم تكن هذه كلها بمكة وبالمشاعر؛ لأنه دخل مكة في اليوم الرابع، ومكث فيها إلى اليوم السابع، إذن لم يمكث فيها عشرة أيام، وإنما مراد أنس أنه أقام بمكة عشرة أيام يدخل في ذلك ذهابه إلى المناسك، ورأى الجمهور أن مدة القصر ثلاثة أيام (٤). والآخرون من أهل العلم كلٌّ يعلل بدليل، فمن قال منهم خمسة عشر يومًا، قالوا: الرسول أقام بمكة خمسة عشر يومًا يقصر الصلاة (٥)، والذي يقول تسعة عشر يومًا نقل عن ابن عباس؛ لأنه راوي الحديث أن الرسول

стр. 2110

أقام تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (١)، ومَن قال سبعة عشر يومًا فقد اعتمد على رواية صحيحة لحديث ابن عباس (٢)، فأخذ بهذا الحديث، والذي قال ثمانية عشر يومًا أخذ بهذه الرواية (٣)، لكن اختلف في وصلها وإرسالها، وهي وإن كانت مرسلة ولكنها مرسل صحيح (٤)، وهكذا كلٌّ يتمسك بدليل يرى أنه الدليل ويتأول الآراء الأخرى، أو يحاول أن يرُدَّ الأدلة إليه. * قوله: (وَالقِيَاسُ عَلَى التَّحْدِيدِ (٥) ضَعِيفٌ عِنْدَ الجَمِيعِ) (٦). إذن سبب تشعب الأقوال وتعددها، هو أنه لم يرد نصٌّ يحدد القدر الذي تُقصر فيه الصلاة في هذه الحالة، فلما لم يرد ووردت أدلة كلها تحكي لنا فعل رسول اللَّه ﷺ في صفات متعددة، أخذ كل صاحب رأي بما يرى أنه الأظهر والأقوى. * قوله: (وَلذَلِكَ، رَامَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَنْ يَسْتَدِلُّوا لِمَذْهَبِهِمْ مِنَ الأَحْوَالِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ أَقَامَ فِيهَا مُقْصِرًا).

стр. 2111

يعني: أنه أقام فيها يقصر الصلاة. * قوله: (أَوْ "أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا حُكْمَ المُسَافِرِ"، فَالفَرِيقُ الأَوَّلُ احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ "أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا يَقْصُرُ فِي عُمْرَتِهِ" (١)). هذا من الأدلة التي يستدلون بها، ومنها أيضًا أن الرسول ﷺ حرَّم على المهاجرين أن يمكثوا، ثم بعد ذلك رخَّص لهم، فقال: "يمكث المهاجر بعد أداء نسكه ثلاثًا" (٢)، وقالوا: فالثلاثة لها معنى، وقد وردت في عدة مواضع ومناسبات، فينبغي أن نقف عندها (٣). * قوله: (وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ النِّهَايَةُ لِلتَّقْصِيرِ). كلامُ المؤلف صحيحٌ، فليس فيه حجة، والرسول ﷺ قد بقي ثلاثة أيام فقصر، وبقي أربعة فقصر، وبقي أكثر من ذلك فقصر (٤). * قوله: (وَإِنَّمَا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي الثَّلاثَةِ فَمَا دُونَهَا). هذا أقصى ما يدلُّ عليه، وكلام المؤلف قويٌّ؛ إذ يقول: إن أقصى ما يدلُّ عليه أنه يقصر في الثلاثة. * قوله: (وَالفَرِيقُ الثَّانِي: احْتَجُّوا لِمَذْهَبِهِمْ بِمَا رُوِيَ "أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ مُقْصِرًا"، وَذَلِكَ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَقَدْ رُوِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) (٥). كلُّ هذا ورد، والذي ورد من أنه تسعة عشر يومًا هو أقواها

стр. 2112

سندًا (١)، ثم يليه سبعة عشر يومًا، ثم ثمانية عشر يومًا، هذه كلها وردت عن الرسول (٢)، فهل هذه تدلُّ على القصر أو لا؟ الذين يقولون: ثلاثة أيام، يقولون: هذه التي قصر فيها ثمانية عشر أو سبعة عشر أو غيرها أو عشرة أيام -كما رأينا- كانت بين مكة والمناسك، يقولون: ما كان يعرف كم سيمكث. لكن إذا علم الإنسان كم سيبقى، فلا يتجاوز ثلاثة أيام (٣)، والذين قالوا من أهل العلم: أربعة قالوا: لا يتجاوز أربعة، وهم يختلفون في يومي الدخول والخروج. * قوله: (رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤)، وَبِكُلٍّ قَالَ فَرِيقٌ. وَالفَرِيقُ الثَّالِثُ: احْتَجُّوا بِمُقَامِهِ فِي حَجِّهِ بمَكَّةَ مُقْصِرًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ (٥)، وَقَدِ احْتَجَّتِ المَالِكِيَّةُ لِمَذْهَبِهَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جعَلَ لِلْمُهَاجِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِمَكَّةَ مُقَامًا بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ" (٦)). يعني: كما جاء في الحديث الصحيح، "يمكث المهاجر"، يعني: المطالب بالهجرة "بعد أداء نسكه ثلاثًا" (٧)، أي: كان المهاجرون يُمنَعون من البقاء بعد أداء النسك، لكن رُخِّصَ لهم، لقضاء حوائجهم ثلاثة أيام. * قوله: (فَدَلَّ هَذَا عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَيْسَتْ تَسْلُبُ عَنِ المُقِيمِ فِيهَا اسْمَ السَّفَرِ، وَهِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي ذَهَبَ الجَمِيعُ إِلَيْهَا (٨)،

стр. 2113

وَرَامُوا اسْتِنْبَاطَهَا مِنْ فِعْلِهِ ﵊ أَعْنِي: مَنْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ بِقَصْدِ الإِقَامَةِ اسْمُ السَّفَرِ، وَلذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الإِقَامَةُ مُدَّةً لَا يَرْتَفِعُ فِيهَا عَنْهُ اسْمُ السَّفَرِ بِحَسَبِ رَأْيِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ المُدَّةِ، وَعَاقَهُ عَائِقٌ عَنِ السَّفَرِ أَنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا، وَإِنْ أَقَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ). وهذا عند جمهور العلماء عدا الشافعية (١)؛ فقد قيَّدوا ذلك في المشهور عنهم بثمانية عشر يومًا. * قوله: (وَمَنْ رَاعَى الزَّمَانَ الأَقَلَّ مِنْ مُقَامِهِ تَأَوَّلَ مُقَامَهُ فِي الزَّمَانِ الأَكْثَرِ مِمَّا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ عَلَى هَذِهِ الجِهَةِ، فَقَالَتِ المَالِكِيَّةُ (٢) مَثَلًا: إِنَّ الخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي أَقَامَهَا ﵊ عَامَ الفَتْحِ إِنَّمَا أَقَامَهَا، وَهُوَ أَبَدًا يَنْوِي أَنَّهُ لَا يُقِيمُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ (٣)، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَلْزَمُهُمْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي حَدُّوهُ). يلزمهم في الزمان الذي حدوه، يعني: ثلاثة أيام، وربما أنه بقي ثلاثة أيام لا يدري متى سيذهب، فلماذا فرقتم بين هذه وبين هذه دون دليل للتفريق؟ يعني: يريد أن يقول الخصم يعني المخالف: نحن ننقض دعواكم بدعوى مماثلة، فأنتم تقولون بأن الرسول إنما مكث خمسة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر أو تسعة عشر يومًا عام الفتح؛ لأنه لا يدري متى سيسافر، فهلَّا قلتم في الثلاثة: بقي ثلاثة أيام ولا يدري متى سيذهب؟

стр. 2114

* قوله: (وَالأَشْبَهُ فِي المُجْتَهِدِ فِي هَذَا أَنْ يَسْلُكَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَجْعَلَ الحُكْمَ لِأَكْثَرِ الزَّمَانِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ ﵊. يريد المؤلف أن يقول: عندما يأتي مجتهد ممن اجتمعت لديه أدوات الاجتهاد، فأراد أن يجتهد في مثل هذه المسألة التي تشعبت فيها الآراء وتعددت الأقوال وأيضًا اختلفت وجهات النظر فيها ما الذي سيفعله؟ قوله: "أَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ مُقْصِرًا"، وَيَجْعَلَ ذَلِكَ حَدًّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ الإِتْمَامُ، فَوَجَبَ أَلَّا يُزَادَ عَلَى هَذَا الزَّمَان إِلَّا بِدَلِيلٍ، أَوْ يَقُولَ: إِنَّ الأَصْلَ فِي هَذَا هُوَ أَقَلُّ الزَّمَان الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ ﵊: "أَقَامَ مُقْصِرًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ"، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمُسَافِرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقَامَهُ بِنِيَّةِ الزَّمَان الَّذِي تَجُوزُ إِقَامَتُهُ فِيهِ مُقْصِرًا بِاتِّفَاقٍ، فَعَرَضَ لَهُ أَنْ أقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الِاحْتِمَالُ وَجَبَ التَمَسُّكُ بِالأَصْلِ، وَأَقَلُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) (١). لكن ما دليل قول ربيعة؟ ليست القضية قضية أقل ما قيل في ذلك، إنما الكل ينبغي أن يبني على دليل، والأقوال التي فوق هذا، -التي هي الثلاثة فما فوق- إنما استندت إلى أدلة. * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أَنَّ المُسَافِرَ يَقْصُرُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ مِصْرًا مِنَ الأَمْصَارِ (٢)، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْمَ السَّفَرِ وَاقِعٌ

стр. 2115

عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدَمَ مِصرًا مِنَ الأَمْصَارِ، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ المَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقَصْرِ). عرض المؤلف هنا جملة مسائل محدودة، وهي خمس مسائل فيما يتعلَّق بأحكام القصر، لكنه لم يتعرض للنية، واختلاف ما لو سلك طريقًا قريبًا، يعني: ما لو كان هناك طريقان؛ طريق ضعيف لو سلكه لانطبقت عليه مسافة القصر، وطريق أكثر من ذلك، فهل لو سلك الطريق الذي يصل به إلى مسافة القصر يقصر الصلاة أو لا؟ (١).

стр. 2116

هناك مسائل كثيرة جدًّا، وهي محل خلاف بين العلماء، لكن عادة المؤلف ﵀ أن يُعْنى بأمهات المسائل، وهذه -كما هو معلوم- إنما هي أقرب إلى الأذهان؛ فالإنسان إذا ضبط الأصول سهل عليه. فالإنسان عندما ينظر إلى روح الشريعة، لو سلك طريقًا بعيدًا فإنه سلك مسافة تقصر فيها الصلاة فيقصر، النية معلومة أن الإنسان لا بد أن ينوي، وثمة مسألة متفرعة عن النية، لو لم ينوِ ثُمَّ بعد ذلك تذكر النية، هذه كلها مسائل وغيرها كثير جدًّا في القصر وفي غيره. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي الجَمْعِ) هذا هو القسم الثاني من أقسام صلاة المسافر، فإن المؤلف -كما نرى- قد قسَّم الباب إلى قسمين: القسم الأول: تحدَّث فيه عن قصر الصلاة، وأجمل ذلك في مسائل خمس. القسم التالي: سيتحدث فيه عن الجمع بين الصلاتين، ولا شكَّ أن الجمع بين الصلاتين إنما هو نوع من التخفيف، وهو أيضًا لا يختلف في حاله عن القصر، فكما أن ما جاء في القصر إنما هو تخفيف من اللَّه ، وصدقة ورخصة، كذلك الحال بالنسبة للجمع بين الصلاتين. لكن من المعلوم أن الإجماع قائم على أن الفجر لا تجمع مع غيرها، فلا يُجمَع بينها وبين العشاء، ولا تُجمع مع الظهر، وكذلك أيضًا

стр. 2117

العصر لا تجمع مع المغرب (١)، إذن الجمع يكون بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين أيضًا المغرب والعشاء في وقت إحداهما (٢)، والعلماء أيضًا يتكلَّمون عن الأفضل، ولا شكَّ أن الأفضل في الجمع إنما هو جمع التأخير (٣)،

стр. 2118

لكن العلماء قبل ذلك يختلفون في حقيقة الجمع؛ فمن العلماء مَن لا يرى الجمع إلا في مواضع محدودة، فيقولون: الجمع ثبت في موضعين؛ في عرفات والمزدلفة (١)؛ فإن الرسول ﷺ جمع بين الظهر والعصر في عرفات جمع تقديم (٢)، وبين أيضًا المغرب والعشاء جمع تأخير بالنسبة للمزدلفة المشعر الحرام (٣)، قالوا (٤): وما عدا ذلك فلا، قالوا: والجمع هنا لم يكن للسفر وإنما هو لأجل النسك، بدليل أن أهل مكة أيضًا جمعوا مع غيرهم، بينما نجد أن رسول اللَّه ﷺ إذا صلى خلفه أناس مقيمون كحال أهل مكة (٥)، كان يقول ﷺ : "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" (٦).

стр. 2119

إذن هم يصلون وراء الإمام، وهذه مسألة من المسائل التي يستدلُّ بها العلماء على إتمام الصلاة، يجعلونها حجة على الذين يقولون بوجوب القصر (١)، فالآن لما ورد هذا الدليل تذكرت هذه المسألة، وهي حجة للجمهور الذين يقولون بأن قصر الصلاة سنة، وليس بواجب (٢)، قالوا: لأن الإجماع قائم على أن المسافر لو صلى خلف مقيم، فإنه يتم الصلاة (٣)، ولو كانت صلاة القصر واجبة لما أتمَّ وراءه، وإنما يلزمه أن يقصر، وهذا دليل نضيفه إلى الأدلة السابقة، وهو دليل قويٌّ. الجمع بين الصلاتين -كما ذكرت- قد ثبت كما يذهب إليه جماهير العلماء (٤)، وقد صحَّ من فعل رسول اللَّه ﷺ ، وقد نقل الصحابة ذلك عنه ﷺ (٥)، والأمر في ذلك قد اشتهر، لكن من العلماء من ذهب إلى أن الجمع الذي ورد عن الرسول ﷺ إنما يُحمَل على صورة واحدة فيما عدا عرفات ومنى، وفيما عدا عرفات والمزدلفة؛ لأن الجمع هناك من أجل النسك، وهذا أمر مجمع عليه ليس محلّ خلاف، فلم يكن لأجل السفر عند هؤلاء، لكن ما عدا ذلك قالوا: لا جمع فيه، وهذا القول نقل عن الحسن البصري، وعن ابن سيرين (٦) والنخعي (٧)، وكل هؤلاء من التابعين،

стр. 2120

وهو أيضًا قول أبي حنيفة الإمام (١)، وإن خالفه صاحباه في هذه المسألة (٢). فهؤلاء العلماء الآنف ذكرهم يقولون بعدم جواز الجمع بين الصلاتين، أي: لا يجوز للإنسان أن يجمع بين الصلاتين؛ لأن اللَّه، يقول: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وجبريل صلى بالرسول ﷺ عند البيت مرتين، ثم قال له: "الوقت ما بين هذين" (٣) فدل ذلك على أن لكل صلاة وقتًا محددًا له بداية وله نهاية، ليس للإنسان أن يصلي الصلاة في غيره، فليس له أن يسبق الوقت فيؤديها قبله، ولا أن يؤخرها حتى يدخل وقت الأخرى، قالوا (٤): وما ورد في الأوقات إنما هو متواتر، وقالوا: وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "ليس التفريط في النوم" (٥)، يعني: ليس التفريط في الصلاة كائنًا بسب النوم، "إنما التفريط على من لا يصلي الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" (٦)؛ فدلَّ ذلك على أن الصلاة لا تؤدى في غير

стр. 2121

وقتها، قالوا: هناك أدلة قد اشتهرت وتواترت، والرسول ﷺ بيَّن أن التفريط ليس في النوم؛ لأن النائم معذور، والرسول ﷺ يقول: "رفع القلم عن ثلاثة"، وذكر من بينهم النائم حتى يستيقظ (١)، وكذلك أيضًا قال هنا: "ليس التفريط في النوم، إنما التفريط على من لا يصلي الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" (٢) بمعنى: أنه أجلها إلى وقت الأخرى، قالوا: وما ورد من أدلتكم أيضًا إنما هي أخبار آحاد، فلا ينبغي أن تخص الأحاديث المتواترة بأخبار الآحاد (٣)، وهذا معلوم في مذهب الحنفية (٤). أما جماهير العلماء فإنهم قد تناولوا هذه المسألة بالبسط، ومن العلماء مَن قال بمشروعية الجمع بين الصلاتين وجوازه، وهم: مالك والشافعي وأحمد (٥)، فإن هؤلاء العلماء قالوا بجوازه، واستدلُّوا بحديث أنس، قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء وكان يجمع بين الظهر والعصر" (٦).

стр. 2122

وفي حديث عبد اللَّه بن عمر أيضًا أنه قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء" (١). وكذلك جاء في حديث أنس قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى صلاة الظهر، فإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر حتى يأتي وقت العصر فينزل فيجمع بينهما" (٢). وكذلك ما جاء في حديث معاذ في قصة غزوة تبوك، فإنه وصف لنا ما كان عليه رسول اللَّه ﷺ ، وأنه كان ﷺ إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، فإن ارتحل قبل أن تزيغ أخَّر الظهر إلى وقت العصر فجمع بينهما، وكذلك الحال بالنسبة للمغرب إذا غربت الشمس قبل أن يرتحل صلى المغرب والعشاء، فجمع بينهما فإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخَّر المغرب فجمع بينها وبين العشاء (٣). والأدلة في ذلك كثيرة جدًا. * قوله: (وَأَمَّا الجَمْعُ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: جَوَازُهُ. وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الجَمْعِ).

стр. 2123

المقصود بجوازه هل هو جائز أو لا؟ (١). * قوله: (وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الجَمْعِ). هل هو جمع تأخير فقط، أو يجوز الأمران؛ أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير؟ (٢). * قوله: (وَالثَّالِثَةُ: فِي مُبِيحَاتِ الجَمْعِ). يعني: ما الذي يباح الجمع من أجله، هل يجوز لمَن يسافر سفر معصية أن يجمع بين الصلاتين؟ وقد سبق الكلام عن ذلك أو ما يشبهه في قصر الصلاة (٣). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (أَمَّا جَوَازُهُ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ) (٤). هذا أمر لا خلاف فيه، لكن الذين يذهبون من أهل العلم إلى عدم الجمع في السفر (٥) يقولون: إنَّ ذاك جمع لأجل النُّسك، ولذلك جمع أهل مكة مع رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ أَيْضًا فِي وَقْتِ العِشَاءِ سُنَّةٌ أَيْضًا (٦)، وَاخْتَلَفُوا فِي الجَمْعِ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ المَكَانَيْنِ، فَأَجَازَهُ

стр. 2124

الجُمْهُورُ (١) عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مِنَ الَّتِي لَا يَجُوزُ) (٢). القائلون بمنع الجمع من العلماء استدلُّوا بأنَّ هذا يتعارض مع أوقات الصلوات، فيقولون: ثبتت أوقات الصلوات تواترًا، أي: ثبتت عن طريق التواتر، والجمع بين الصلاتين إنما هو إخلال بذلك؛ لأن معنى الجمع أن تؤخّر صلاة الظهر إلى العصر، أي: إلى وقت العصر، أو تؤخّر صلاة المغرب إلى وقت العشاء، فهذا أداء لإحدى الصلاتين في غير وقتها، أو أن تقدِّمَ صلاة العصر إلى وقت صلاة الظهر، أو العشاء إلى وقت المغرب، وهو أيضًا أداء لصلاة العصر ولصلاة العشاء في غير وقتهما (٣). قالوا: وجبريل صلَّى بالرسول ﷺ عند البيت مرتين، وقال له بعد أن صلى به في أول الوقت وفي آخره في جميع الصلوات -عدا المغرب فإنه قد صلى به المرتين في وقت واحد-: "الوقت ما بين هذين" (٤). وجاء أيضًا في الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره أن الرسول ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" (٥)، معنى هذا أن مَن أخَّر صلاة فدخل وقت الأخرى، فإنه يعتبر مفرطًا مؤديًا للصلاة في غير وقتها، والوقت شرط فلا ينبغي أن تؤدَّى صلاة إلا بتحقق شروطها، ما لم يمنع من ذلك عذر؛ كنوم أو نحوه، هذه هي أدلة هؤلاء العلماء (٦). وقد سبق أن أشرنا إلى هذا، ورأينا أن جمهور العلماء (٧) ردوا على

стр. 2125

الحنفية، وقالوا: نعم ثبتت الأوقات تواترًا، لكن الأوقات مطلقة تشمل صلاة الحضر وصلاة السفر، وفي هذه الحالة يستثنى من ذلك الجمع في السفر، وفي المواضع الذي ورد الجمع فيها. فحديث "ليس في النوم تفريط" (١) إنما هو في حقِّ المفرِّط، أما مَن يجمع بين الصلاتين فإنه قد عمل بسنة رسول اللَّه ﷺ ، حيث جاء عنه الترخيص في هذه المسألة، وقد عرفنا أنه ورد في ذلك أحاديث كثيرة؛ كحديث عبد اللَّه بن عمر، وحديث أنس، وحديث ابن عباس وحديث معاذ، وفيها أن الرسول ﷺ "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ارتحل بعد ذلك" (٢). وورد أنه ﷺ كان يجمع بين المغرب والعشاء (٣)، وجاء في حديث معاذ في غزوة تبوك -وهي في السنة التاسعة فيعتبر الحكم فيها متأخرًا- قول معاذ: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فكان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعًا، فإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس نزل إذا جاء وقت العصر، فجمع بينها وبين الظهر"، أو كما جاء في الحديث (٤)، إذن هذا الحديث فيه التنصيص على الجمع بين الصلاتين، إما أن تُجمَع جمع تقديم أو جمع تأخير، والأحاديث في ذلك كثيرة، ومنها حديث عبد اللَّه بن عباس أن الرسول ﷺ كان يجمع بين الظهر وبين العصر (٥).

стр. 2126

* قوله: (وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ بِإِطْلَاقٍ) (١). * قوله: (وأصحابه) فيه كلام (٢)؛ فهناك مَن يرى أن أصحابه لا يوافقون، لكن الذي يوافقه في ذلك بعض أصحابه، وإلا فمن أصحابه مَن هم مع الجمهور، كذلك نقل ذلك عن الحسن، وابن سيرين (٣)، وجماعة من التابعين (٤). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ، أَوَّلًا: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ الآثَارِ الَّتِي رُوِيتْ فِي الجَمْعِ وَالِاسْتِدْلَالِ مِنْهَا عَلَى جَوَازِ الجَمْعِ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا أَفْعَالٌ، وَلَيْسَتْ أَقْوَالًا، وَالأَفْعَالُ يَتَطَرَّق إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَثِيرًا أَكْثَرَ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى اللَّفْظِ) (٥). مرادُ المؤلف: أن الرسول ﷺ لم يأمر بالجمع بين الصلاتين، وإنما فعل ذلك، لكن فعله ﷺ أيضًا ملزمٌ، وهو في بعض الأمور جائز، فما يفعله الرسول ﷺ مما يدلُّ على الوجوب يكون واجبًا، وما يدلُّ على أنه سنة يكون سنة، وما يدلُّ على أنه رخصة (٦) -كهذه المسألة التي معنا- يكون رخصة.

стр. 2127

* قوله: (ثَانِيًا: اخْتِلَافُهُمْ أَيْضًا فِي تَصْحِيحِ بَعْضِهَا). الفريق الآخر من العلماء يقولون (١): الجمع لم يرد في كتاب اللَّه كالحال في القصر، وإنما هو فعل رسول اللَّه ﷺ ، لكن الغاية من الجمع كما أشرنا سابقًا هي التخفيف والجمع بين الصلاتين، ولا شك أن فيه تخفيفًا على المسافر (٢)، وهذا يتفق مع أصول الشريعة. * قوله: (وَثَالِثًا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِجَازَةِ القِيَاسِ فِي ذَلِكَ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ كَمَا تَرَى، أَمَّا الآثَارُ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا، فَمِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ الثَّابِتُ بِاتِّفَاقٍ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ (٣) أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ) (٤). يعني: قبل أن تزول الشمس. * قوله: (ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ" (٥)).

стр. 2128

لأنه في هذه الحالة يكون وقت الظهر قد دخل، فيصليه، لكن جاء في حديث معاذ أنه صلى الظهر والعصر وهو متأخر (١). * قوله: (وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَان أَيْضًا قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ) (٢). في بعض الروايات: "إذا عجل به السير" (٣)، وفى بعضها: "إذا جد به السير" (٤)، والقصد: أنه أسرع في سيره. * قوله: (حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ" (٥)، وَالحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، خَرَّجَهُ مَالِكٌ وَمُسْلِمٌ قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، فِى غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ") (٦). أيضًا حديث ابن عباس ورد في عدَّة روايات أن الرسول ﷺ جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر، وفي رواية أُخرى: من غير خوف ولا مطر (٧). * قوله: (فَذَهَبَ القَائِلُونَ بِجَوَازِ الجَمْعِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ المُخْتَصِّ بِهَا، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا). هؤلاء هم الحنفية (٨)، فقالوا: إن الجمع هنا إنما هو جمع صوري،

стр. 2129

وهو أن يؤخِّر وقت الظهر، أي: صلاة الظهر يؤخّرها إلى آخر وقتها، فيؤديها، فإذا فرغ منها كان وقت العصر قد دخل. والعلماء يقولون بجواز الفصل بينهما فصلًا يسيرًا، أما لو فُصل بينهما بفاصل كبير، فإنه يؤثِّر في الجمع (١). وقد أجاب الفريق الآخر عن هذا بأجوبة كثيرة لا أريد أن أستقصيها، فمنهم من قال: جاء في حديث أنس وغيره: "فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، فإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر" (٢)، فهذا نصٌّ، ولا اجتهاد مع النصِّ؛ لأنه قد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ كان يؤخِّر الظهر إلى وقت العصر (٣).

стр. 2130

وفي حديث معاذ: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فكان إذا زاغت الشمس صلى الظهر والعصر معًا في وقت الظهر، عجَّل العصر إلى وقت الظهر فصلاهما" (١) إذن هذا فيه نصٌّ على أن الرسول ﷺ كان يصليهما معًا في وقت إحداهما، وليس كما يقول هؤلاء العلماء من أنه يصلي هذه في آخِر وقتها، وتلك في أول وقتها (٢)، ثم لو أن هذا كما يقول هؤلاء العلماء فهذا حقيقة لا يكون فيه تخفيف؛ لأن المعلوم أن الجمع بين الصلاتين الحكمة فيه التخفيف على المسافر (٣)، فلو كان الجمع -كما يقولون- تأخير الصلاة إلى آخر وقتها، وجعل التالية لها في أول وقتها، فمعنى هذا أن المسافر سيجلس يرقب الزمن، وهذا فيه مشقة عليه، بعكس ما هو مراعًى في أمر التخفيف، ولكان كون المسافر موسَّعًا عليه الأمر يصلي كل صلاة في وقتها كما هو الأصل - أيسر عليه وأسهل من أن يأخذ بهذا الرأي، فيجلس يرقب الوقت حتى إذا لم يبق إلا وقت تؤدَّى فيه صلاة الظهر صلَّاها، وكذلك المغرب، فإذا ما دخل وقت العصر أو وقت العشاء صلى الصلاة السابقة عليها. * قوله: (وَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَوْقَعَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَصَلَاةَ العَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (٤) عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ) (٥). حديث إمامة جبريل؛ إذ صلى برسول اللَّه ﷺ ؛ فانه صلى به الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وصلى به العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني صلى به الظهر في الوقت الذي صلى به العصر فيه،

стр. 2131

ثم قال له: "الوقت ما بين هذين" (١)، ونذكر أنه قد مرَّ بنا أن المالكية يقولون: هناك وقت يقدر بأربع ركعات قبيل العصر، لو أُدِّيت فيه إحدى صلاتي الظهر أو العصر كانت قد أديت في وقتها، يسمونه وقتًا مشتركًا (٢). * قوله: (قَالُوا (٣): وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ حَمْلُ حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ (٤)؛ لِأَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَذَا فِي الحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ (٥): (أَعْنِي: أَنْ تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ مَعًا فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا)، وَاحْتَجُّوا لِتَأْوِيلِهِمْ أَيْضًا بِحَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةً قَطُّ إِلَّا فِي وَقْتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ") (٦). وفي رواية: أنَّه صلى المغرب والعشاء وقدم الفجر "ما صلى صلاة في غير وقتها إلا صلاتين صلى المغرب والعشاء"، يعني: بالمزدلفة، "والفجر قبل وقتها" (٧)، والمراد بـ "قبل وقتها" هو التعجيل بها، وعندما تكلمنا عن أوقات الحج بينا هذه المسألة. * قوله: (قَالُوا (٨): وَأَيْضًا فَهَذِهِ الآثَارُ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا

стр. 2132

تَأَوَّلْنَاهُ نَحْنُ أَوْ تَأَوَّلْتُمُوهُ أَنْتُمْ، وَقَدْ صَحَّ تَوْقِيتُ الصَّلَاةِ وَتِبْيَانُهَا فِي الأَوْقَاتِ). يقصد بينا وعرفنا الجواب عن ادِّعائهم بأن للصلوات أوقاتًا، وقلنا: نعم أمركم مسلم، لكن هذا عامٌّ يخصُّ منه ما يتعلَّق بما ورد من فعله ﷺ في الجمع. * قوله: (فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ). نقول بأن الصلاة لم تنتقل عن أمر ثابت لأمر محتمل؛ لأنه في غير الحالات، حالات العذر، لا يجوز أن يجمع بين الصلاتين، ومن ذهب إلى جواز الجمع لغير حاجة، أو لغير مشقة، فهذا قوله ضعيف (١). * قوله: (أَمَّا الأَثَرُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِي تَصْحِيحِهِ، فَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ "أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) (٢). وهذا غريب من المؤلف، فليست هذه الرواية هي التي اختلف العلماء فيها، فهذه رواية مسلم وغيره؛ وهي رواية ليست محل خلاف ولا جدال، بل هي رواية صحيحة، لكن الرواية التي اختُلِف في سندها -أي: في صحتها- هي التي ذكرتُ قبلُ: "خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ فكان إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر معًا، فإن ارتحل قبل أن تزيغ صلى العصر والمغرب جميعًا ومثل ذلك في المغرب والعشاء" (٣) هذا

стр. 2133

هو الذي فيه خلاف في سنده، وحسَّنه الترمذي وغيره، وله شواهد عدة من حديث أنس وابن عباس وعلي بن أبي طالب (١)، وهو حديث صحيح. أما اللفظ الذي جاء به المؤلف، فهو لفظ صحيح، ليس محل نقاش ولا خلاف بين العلماء (٢). * قوله: (قَالَ: فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا" (٣)). نقول بأن الحديث صحيح (٤)، وهو حجة. * قوله: (وَهَذَا الحَدِيثُ لَوْ صَحَّ، لَكَانَ أَظْهَرَ مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ فِي إِجَازَةِ الجَمْعِ). الحديث حجة للذين يقولون بجمع التقديم، وللذين لا يشترطون أن يجد في سيره، وأنه لا يجمع إلا إذا جد به السير.

стр. 2134

* قوله: (لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَدَّمَ العِشَاءَ إِلَى وَقْتِ المَغْرِبِ، وَإِنْ كانَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ أَخَّرَ المَغْرِبَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَصَلَّى العِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى ذَلِكَ). نحن أجبنا على هذا (١)، وقلنا: إنه جاء في الأحاديث أنه أخَّر الظهر إلى وقت العصر، وهناك قدَّم العصر إلى وقت الظهر، فهذا الإيراد والاعتراض غير وارد؛ لأنه يعد اعتراضًا ضعيفًا. * قوله: (بَلْ لَفْظُ الرَّاوِي مُحْتَمِلٌ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِجَازَةِ القِيَاسِ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَنْ يُلْحَقَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي السَّفَرِ بِصَلَاةِ عَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ، (أَعْنِي: أَنْ يُجَازَ الجَمْعُ قِيَاسًا عَلَى تِلْكَ)). يريد المؤلف أن يقول: إذا كنتم تنفون الجمع فلماذا اخترتموه في موضعين؛ في عرفات وفي المزدلفة؟ إذن أصل الجمع ثابت عندكم، لكنهم يقولون (٢): العلة ليست السفر. * قوله: (فَيُقَالُ مَثَلًا؛ صَلَاةٌ وَجَبَتْ فِي سَفَرٍ، فَجَازَ أَنْ تُجْمَعَ، أَصْلُهُ جَمْعُ النَّاسِ بِعَرَفَةَ وَالمُزْدَلِفَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (٣): (أَعْنِي جَوَازَ هَذَا القِيَاسِ)، لَكِنَّ القِيَاسَ فِي العِبَادَاتِ يَضْعُفُ، فَهَذِهِ هِيَ أَسْبَابُ الخِلَافِ الوَاقِعِ فِي جَوَازِ الجَمْعِ) (٤).

стр. 2135

من المعلوم أن العبادات ليس فيها قياس، لكن المسألة لا تحتاج إلى قياس، وقد بينا هذا. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَهِيَ صُورَةُ الجَمْعِ)). الآن نريد أن نعرف صورة الجمع. * قوله: (فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَيْضًا القَائِلُونَ بِالجَمْعِ (أَعْنِي: فِي السَّفَرِ)). الآن سيصبح الخلاف بين الجمهور، كان بين الحنفية وبين الجمهور (١)، ولا نقول إن أبا حنيفة لا يرى الجمع، إذن هو لا يدخل في بقية المسائل. اختلف جمهور العلماء في الجمع: هل يقتصر على جمع التأخير؟ أو يجوز أن تصلى الصلاتان في وقت الأولى؟ هذه مسألة. المسألة الأخرى: هل شرط الجمع لا يكون إلا إذا جدَّ به السير أو لا؟ (٢) هذا ما سيبحثه المؤلف، ثم سيتكلم عن الجمع في اليوم المطير، وكذلك إذا كان هناك وحل، وربما يذكره، وكذلك أيضًا المرض. . . * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ الِاخْتِيَارَ أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ الأُولَى، وَتُصَلَّى مَعَ الثَّانِيَةِ وَإِنْ جُمِعَتَا مَعًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الأُولَى جَازَ) (٣).

стр. 2136

هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم مَن رأى أن تصلى الصلاتان في وقت الأخرى؛ لأن هذا الذي ورد في جميع الأحاديث عدا حديث معاذ (١)؛ فإنه نص على التقديم، وغالب الأحاديث جاء الجمع فيها جمع تقديم، ومن هنا ذهب كثير من العلماء إلى أنه يجمع جمع تقديم (٢)، لكن كثيرًا من الفقهاء ذهبوا إلى جواز جمع التقديم، وهو قول الشافعية ورواية للمالكية والحنابلة (٣). * قوله: (وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ) (٤). وأحمد، وهو مذهب الشافعي (٥). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، أَعْنِي: أَنْ يُقَدِّمَ الآخِرَةَ

стр. 2137

إِلَى وَقْتِ الأُولَى أَوْ يَعْكِسَ الأَمْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (١). أفرد مذهب الشافعي؛ لأنه لا خلاف فيه. * قوله: (وَهِيَ رِوَايَةُ أَهْلِ المَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ) (٢). وهي أيضًا -كما قلنا- الرواية الأخرى للإمام أحمد (٣). * قوله: (وَالأُولَى رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ) (٤). نقول بالنسبة للنص هذا القول هو الصحيح الذي يشهد له الدليل، لكن الأحوط هو الرأي الآخر، يعني: كون الإنسان يؤخِّر إلى وقت الأخرى ويخرج من الخلاف. * قوله: (وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ). وقد جاء فيه أنه أخَّر الظهر إلى وقت العصر (٥)، هذا هو مراده. * قوله: (وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَمَصِيرًا إِلَى أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ بِالعَدَالَةِ، (أَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَفْضُلُ عَدَالَةٌ عَدَالَةً فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِهَا)). يريد المؤلف أن يقول: إذا وُجِد عدولٌ ثقات من رواة الحديث، فلا ينبغي أن نفضِّلَ بينهم، فلا نقول: هذا أعدل، وهذا أعدل، وإنما نقبل العدالة، فلا تَفْضُلُ عدالةٌ عدالةً، إذن هذا رواته عدول، وهذا رواته عدول، فلا ينبغي أن نقول: هؤلاء أعدل؛ فنأخذ بروايتهم.

стр. 2138

* قوله: (وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا صَحَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ (١) وَجَبَ العَمَلُ بِهِ). نقول: حديث معاذ قد صحَّ (٢)، فينبغي العمل به لمَن أراد العمل به، أما قول المؤلِّف وجب العمل به أصلًا، فهذه عبارات يُطْلقها وهو لا يريد وجوب الحتم، وإلا لو أراد ذلك لكان خطأً؛ لأن الجمع أصله رخصة، والعلماء يفضلون الإتمام عليه (٣)، بخلاف القصر كما عرفنا، إذن القصد هنا هو الأخذ بالرخصة. * قوله: (كَمَا وَجَبَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ) (٤). هناك قضية مهمة أيضًا عندما تكون مسألة من المسائل رُخِّص فيها، وأخذ بها الإنسان لأنها رخصة؛ امتثالًا لهذه الشريعة، فهو يثاب عليها، وينال أجرًا عظيمًا؛ لأن اللَّه يُحبُّ أن تؤْتَى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه (٥)، فإذا أخذت بالرخصة وقصدك من ذلك امتثال ما جاء فيها من أمر، فأنت تثاب على ذلك ثوابًا إضافيًّا، إذن هذا عمل عظيم؛ لأنك استجبت لما يأتي عن اللَّه ، وعن رسوله ﷺ (٦). * قوله: (إِذْ كَانَ رُوَاةُ الحَدِيثَيْنِ عُدُولًا، وَإِنْ كَانَ رُوَاةُ أَحَدِ الحَدِيثَيْنِ أَعْدَلَ). قَالَ: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ الأَسْبَابُ المُبِيحَةُ لِلْجَمْعِ). هذه المسألة سيُدخِلُ المصنف ﵀ فيها عِدَّة مسائل:

стр. 2139

(فَاتَّفَقَ القَائِلُونَ بِجَوَازِ الجَمْعِ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنْهَا). أفادنا المصنف ﵀ أن من أسباب الجمع: السفر، وقد سبق لنا الإشارة إلى أسباب التخفيف، وذكرنا منها المرض، والسفر، والنقص، وعموم البلوى، وغيرها. وهي أمور سبعة، وقد سبق حصرها. فتحصل لنا أن السفر سبب من أسباب التخفيف؛ لأنه مظنة المشقة، فثبت به التخفيف، وإن لم تتحقق المشقة (١). * قَالَ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الجَمْعِ فِي الحَضَرِ، وَفِي شُرُوطِ السَّفَرِ المُبِيحِ لَهُ). أما الجمع في الحضر فقد يكون له سبب؛ كالمطر، أو المرض، أو الخوف، أو الريح؛ فمثلًا: إذا كانت ليلة مظلمة فيها ريح شديدة باردة، فهذه فيها كلام للعلماء، سيأتي إن شاء اللَّه. وقد يكون الجمع لغير سبب، فلا رخصة هنا، وقد شذَّ بعضهم؛ فأجاز الجمع في هذه الحال (٢). (وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ سَبَبًا مُبِيحًا لِلْجَمْعِ؛ أَيَّ سَفَرٍ كَانَ، وَأَيَّ صِفَةٍ كَانَ). قوله: (أي سفر كان): يُشير إلى قضية لم يُفصِّلها هنا، وهذا مسلك يَسلكه أحيانًا إذا رأى أن هذه المسألة ليست من مقاصده؛ لكونها جزئية، فتنبه.

стр. 2140

(أي سفرٍ كان): سواء كان طويلًا، وهو الذي تقصر فيه الصلاة، أو كان سفرًا قصيرًا لا تُقصر في مثله الصلاة، وهذا هو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢). وخالفهم الحنابلة فجعلوا الجمع كالقصر، وقالوا: لا بد أن يكون السفر مما تُقصر فيه الصلاة (٣)، وهو أربعة بُرد فما فوق (٤). والمالكية والشافعية إنما أجازوا الجمع في السَّفر القصير دون القصر؛ لجمعه ﷺ في عرفات (٥)، وفي مزدلفة (٦).
следующие страницы →