← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم مَن رأى أن تصلى الصلاتان في وقت الأخرى؛ لأن هذا الذي ورد في جميع الأحاديث عدا حديث معاذ (١)؛ فإنه نص على التقديم، وغالب الأحاديث جاء الجمع فيها جمع تقديم، ومن هنا ذهب كثير من العلماء إلى أنه يجمع جمع تقديم (٢)، لكن كثيرًا من الفقهاء ذهبوا إلى جواز جمع التقديم، وهو قول الشافعية ورواية للمالكية والحنابلة (٣). * قوله: (وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ) (٤). وأحمد، وهو مذهب الشافعي (٥). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، أَعْنِي: أَنْ يُقَدِّمَ الآخِرَةَ

стр. 2137

إِلَى وَقْتِ الأُولَى أَوْ يَعْكِسَ الأَمْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (١). أفرد مذهب الشافعي؛ لأنه لا خلاف فيه. * قوله: (وَهِيَ رِوَايَةُ أَهْلِ المَدِينَةِ عَنْ مَالِكٍ) (٢). وهي أيضًا -كما قلنا- الرواية الأخرى للإمام أحمد (٣). * قوله: (وَالأُولَى رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ) (٤). نقول بالنسبة للنص هذا القول هو الصحيح الذي يشهد له الدليل، لكن الأحوط هو الرأي الآخر، يعني: كون الإنسان يؤخِّر إلى وقت الأخرى ويخرج من الخلاف. * قوله: (وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ). وقد جاء فيه أنه أخَّر الظهر إلى وقت العصر (٥)، هذا هو مراده. * قوله: (وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَمَصِيرًا إِلَى أَنَّهُ لَا يُرَجِّحُ بِالعَدَالَةِ، (أَعْنِي: أَنَّهُ لَا تَفْضُلُ عَدَالَةٌ عَدَالَةً فِي وُجُوبِ العَمَلِ بِهَا)). يريد المؤلف أن يقول: إذا وُجِد عدولٌ ثقات من رواة الحديث، فلا ينبغي أن نفضِّلَ بينهم، فلا نقول: هذا أعدل، وهذا أعدل، وإنما نقبل العدالة، فلا تَفْضُلُ عدالةٌ عدالةً، إذن هذا رواته عدول، وهذا رواته عدول، فلا ينبغي أن نقول: هؤلاء أعدل؛ فنأخذ بروايتهم.

стр. 2138

* قوله: (وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا صَحَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ (١) وَجَبَ العَمَلُ بِهِ). نقول: حديث معاذ قد صحَّ (٢)، فينبغي العمل به لمَن أراد العمل به، أما قول المؤلِّف وجب العمل به أصلًا، فهذه عبارات يُطْلقها وهو لا يريد وجوب الحتم، وإلا لو أراد ذلك لكان خطأً؛ لأن الجمع أصله رخصة، والعلماء يفضلون الإتمام عليه (٣)، بخلاف القصر كما عرفنا، إذن القصد هنا هو الأخذ بالرخصة. * قوله: (كَمَا وَجَبَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ) (٤). هناك قضية مهمة أيضًا عندما تكون مسألة من المسائل رُخِّص فيها، وأخذ بها الإنسان لأنها رخصة؛ امتثالًا لهذه الشريعة، فهو يثاب عليها، وينال أجرًا عظيمًا؛ لأن اللَّه يُحبُّ أن تؤْتَى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه (٥)، فإذا أخذت بالرخصة وقصدك من ذلك امتثال ما جاء فيها من أمر، فأنت تثاب على ذلك ثوابًا إضافيًّا، إذن هذا عمل عظيم؛ لأنك استجبت لما يأتي عن اللَّه ، وعن رسوله ﷺ (٦). * قوله: (إِذْ كَانَ رُوَاةُ الحَدِيثَيْنِ عُدُولًا، وَإِنْ كَانَ رُوَاةُ أَحَدِ الحَدِيثَيْنِ أَعْدَلَ). قَالَ: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ الأَسْبَابُ المُبِيحَةُ لِلْجَمْعِ). هذه المسألة سيُدخِلُ المصنف ﵀ فيها عِدَّة مسائل:

стр. 2139

(فَاتَّفَقَ القَائِلُونَ بِجَوَازِ الجَمْعِ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنْهَا). أفادنا المصنف ﵀ أن من أسباب الجمع: السفر، وقد سبق لنا الإشارة إلى أسباب التخفيف، وذكرنا منها المرض، والسفر، والنقص، وعموم البلوى، وغيرها. وهي أمور سبعة، وقد سبق حصرها. فتحصل لنا أن السفر سبب من أسباب التخفيف؛ لأنه مظنة المشقة، فثبت به التخفيف، وإن لم تتحقق المشقة (١). * قَالَ: (وَاخْتَلَفُوا فِي الجَمْعِ فِي الحَضَرِ، وَفِي شُرُوطِ السَّفَرِ المُبِيحِ لَهُ). أما الجمع في الحضر فقد يكون له سبب؛ كالمطر، أو المرض، أو الخوف، أو الريح؛ فمثلًا: إذا كانت ليلة مظلمة فيها ريح شديدة باردة، فهذه فيها كلام للعلماء، سيأتي إن شاء اللَّه. وقد يكون الجمع لغير سبب، فلا رخصة هنا، وقد شذَّ بعضهم؛ فأجاز الجمع في هذه الحال (٢). (وَذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ سَبَبًا مُبِيحًا لِلْجَمْعِ؛ أَيَّ سَفَرٍ كَانَ، وَأَيَّ صِفَةٍ كَانَ). قوله: (أي سفر كان): يُشير إلى قضية لم يُفصِّلها هنا، وهذا مسلك يَسلكه أحيانًا إذا رأى أن هذه المسألة ليست من مقاصده؛ لكونها جزئية، فتنبه.

стр. 2140

(أي سفرٍ كان): سواء كان طويلًا، وهو الذي تقصر فيه الصلاة، أو كان سفرًا قصيرًا لا تُقصر في مثله الصلاة، وهذا هو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢). وخالفهم الحنابلة فجعلوا الجمع كالقصر، وقالوا: لا بد أن يكون السفر مما تُقصر فيه الصلاة (٣)، وهو أربعة بُرد فما فوق (٤). والمالكية والشافعية إنما أجازوا الجمع في السَّفر القصير دون القصر؛ لجمعه ﷺ في عرفات (٥)، وفي مزدلفة (٦).

стр. 2141

* قَالَ: (وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ السَّيْرِ، وَنَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ السَّفَرِ). * قوله: (ضربًا من السَّير): يعني: أن يكون سائرًا فى وقت الأُولى، فإن من العلماء مَن يرى أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا أن يكون سائرًا في وقت الأُولى (١)؛ يعني: جادًّا، كما جاء في الحديث: "كان النبيُّ ﷺ يَجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ به السَّيرُ (٢) " (٣)؛ أي: سائرًا في وقت الأُولى، ثم يجمع في وقت الثانية (٤). (فَأَمَّا الَّذِي اشْتَرَطَ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ السَّيْرِ، فَهُوَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ). هي إحدى الروايات عن مالك، ولذلك قال: (فأمَّا الذي اشترط فيه ضربًا من السير فهو مالك في رواية ابن القاسم عنه). (وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجْمَعُ المُسَافِرُ إِلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ (٥)). يعني: أن يكون سائرًا في وقت الأولى، وهو -أيضًا- قول في مذهب الحنابلة (٦).

стр. 2142

(وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ (١)). وهي الرواية الأخرى للإمامين: مالك (٢) وأحمد (٣)، وهذا هو الصَّحيح في نظرنا. (وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ (٤)، وَمَنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ، فَإِنَّمَا رَاعَى قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ"، الحَدِيثَ (٥)). يعني: إذا أسرع به السير؛ بمعنى: أنه سار في وقت الأُولى فإذا قطع مسافة يجمع، لا في أول الوقت. لكنَّ حديث معاذ (٦) نصٌّ في أنه إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل

стр. 2143

جمع بين الظهر وبين العصر (١)، فليس فيه أنه عجل، بل فيه أنه صلى قبل أن يرتحل، وعليه فكلٌّ من الصفتين جائز (٢). وقد عُلِم أن من عادة المسافر إذا ركب قبل الوقت أن نفسه تتوق دائمًا إلى أن يقطع مسافة، أو جزءًا من السفر الذي يريده، حتى وإن كان في سيارة، وهذا أمرٌ معروفٌ عند الناس عمومًا. * قالَ: (وَمَنْ لَمْ يَذْهَبْ هَذَا المَذْهَبَ فَإِنَّمَا رَاعَى ظَاهِرَ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ). حديث أنس المشار إليه ما أخرجه البخاريُّ عن أنس بن مالك ﵁، قال: "كان النبيُّ ﷺ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السَّفر" (٣). ولم يَرِد فيه: "عَجِل" (٤). * قَالَ: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا -كَمَا قُلْنَا- فِي نَوْعِ السَّفَرِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الجَمْعُ). سبق أن فَصَّلنا هذه المسألة، فاللَّه في كتابه العزيز أطلق السَّفر، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وكذلك ما جاء -أيضًا- في الصيام، فإن اللَّه ذكر السَّفر مطلقًا (٥)، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ

стр. 2144

فِي الْأَرْضِ. . .﴾ [النساء: ١٠١] أيضًا، وأحاديث الرسول ﷺ ؛ كحديث يَعلى بن أمية (١) وغيره من الأحاديث، كلها جاء السفر فيها مطلقًا دون تقييد، وهذا هو مذهب الحنفية (٢). والجمهور يستدلون بأن الأصل في التخفيف في السفر المشقة (٣)، ومعلوم من مقاصد هذه الشريعة ومن أهدافها: أنها تُخفف عن المسلم؛ رأفةً به ورحمةً ورفعًا للمشقة والحرج عنه، والعاصي لو خُفِّف عنه لكان في ذلك إعانةً له وتيسيرًا له للوصول إلى معصيته في أقرب وقت؛ فلا ينبغي أن يكون كذلك؛ فإذا أراد العاصي أن يتمتع بهذه الرخصة؛ كأن يأكل من الميتة -مثلًا- إذا اضطر إليها، أو أن يدفع الغصَّة بما لا يجوز، أو أن يقصر الصلاة وأن يجمع بين الصلاتين، فعليه أن يتوب إلى اللَّه توبة نصوحًا، فإذا تاب أصبح كغيره يجوز له الترخص، وأما قبل التوبة، فلا نُيَسِّر عليه؛ لأن: "الرُّخص لا تُناط بالمعاصي" (٤)، وهذه قاعدة معروفة.

стр. 2145

* قَالَ: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ سَفَرُ القُرْبَةِ؛ كَالحَجِّ وَالغَزْوِ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ (١)). أي: أن منهم مَن قصره على سفر القُربة (٢)، وسبق أن ذكرناه عن ابن مسعود (٣). * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ السَّفَرُ المُبَاحُ دُونَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٤)). منهم مَن أطلق الترخص في السفر المباح، وهو الرأي الذي نُرجحه هنا؛ فكل سفر مباح فإنه يُباح معه الجمع، وإن كان سفر تجارة أو نزهة أو صيد أو نحو ذلك؛ لأن الأصل التيسير. * قَالَ: (وَظَاهِرُ رِوَايَةِ المَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ (٥)). وهو أيضًا قول أحمد (٦).

стр. 2146

* قَالَ: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا: هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ التَّعْمِيمُ؛ لِأَنَّ القَصْرَ نُقِلَ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالجَمْعَ إِنَّمَا نُقِلَ فِعْلًا فَقَطْ). أي: أن الحكم واحد فيهما، ولذلك لو رجعنا إلى الكتب المطولة نجد أنهم لا يُكررون هذه المسألة؛ وإنما يبسطون القول فيها في باب قصر الصلاة، ثم بعد ذلك إمَّا يُشيرون إلى أنها قد مَرَّت، أو لا يذكرونها؛ لأن الحكم فيهما سواء (١). فكما أنه لا يجوز للعاصي بسفره أن يقصر الصلاة، فكذلك ليس له أن يجمع بين الصلاتين؛ لأنه عاصٍ، والرُّخص لا تُستباح بالمعاصي. وقوله: "وإن كان هنالك التعميم"، يعني بقوله: "هنالك" باب القصر، والمعنى: أن من الفقهاء مَن عَمَّم الرخصة في باب القصر، لنقله في النصوص بالقول والفعل، والقول يدل على العموم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]، فلم يخص سفرًا دون سفر؛ فمن هنا جاء التعميم. وأما الجمع؛ فإنما نُقل بالفعل دون القول؛ فتجد الحديث: "كان النبي ﷺ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر" (٢)، ونحو ذلك، وهذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على العموم عند جمهور الأصوليين (٣)، وإنما يجيء التعميم لسبب آخر زائد على الفعل؛ كالقياس، أو نحوه.

стр. 2147

وحيث إننا نقطع أن رسول اللَّه ﷺ سافر في الأسفار المندوبة، ولم يُسافر سفر معصية قط، فنقف بالرخصة على الصور التي وردت فيها، وهي الأسفار الواجبة أو المندوبة؛ كالحج والجهاد، ولا نُعَمِّمها بحيث تشمل أسفار المعصية والأسفار المباحة. وأما القصر؛ فالآية الكريمة دَلَّت على العموم، فيُباح القصر في الأسفار كلها، ثم خَصَّت الأدلة سفر المعصية، فمنعناه لأجل ذلك. لكن يمكن قياس الجمع على القصر بجامع مشقة السفر (١)؛ فنُلحق الجمع في السفر المباح بالقصر في السفر المباح للمشقة؛ فمع أن الجمع إنما نُقل فعلًا فقط، لكن لا بد من نظر إلى الحكمة؛ فنحن مأمورون بتدبر هذه الأحكام، وأن نمعن النظر فيها، وأن ندقق في حِكِمها؛ فمن استقصى أحكام الشريعة أدرك أنها ما نزلت إلا لغايات وحِكم جليلة. * فائدة: ليس كل مسافر تلحقه مشقة، وهذا أظهر في وقتنا هذا، وسيأتي بعد هذا الكلام في المطر، فإذا قلنا بجواز الجمع في الحضر في اليوم المطير -على خلاف بين العلماء- منهم مَن يخصُّه بين المغرب والعشاء؛ لأن الحاجة أشد، ومنهم من يُعَمِّم؛ فيُدخل الظهر والعصر كالشافعية - عَمَّت الرخصة الجميع، سواء من يصيبه المطر، أو يتضرر به أو لا؛ لأن الرخصة إذا جاءت عَمَّت؛ فيذكر العلماء في هذا الباب أن هذا الحكم يعمُّ مَن هو آمن من إصابة المطر؛ كمن لا يأتيه المطر في طريقه بأن يكون

стр. 2148

الطريق مُغطًى بسقف، ونحوه، أو من بيته ملاصق للمسجد، أو مَن يقيم في غرفة في المسجد - كما كان فيما مضى، أو مَن لبيته منفذ مُشرع على المسجد، فالحكم معلق بالمشقة العامة، لا بآحاد المشقات التي تصيب بعضًا دون بعض؛ فإذا كانت المظنة قائمة يُخفف ولا ينظر للحاجة الخاصة بكل مُترخص؛ فمثلًا عقود السَّلم والإجارة والجعالة جاءت على خلاف القياس عند بعض أهل العلم؛ لأنَّ فيها شيء من الجهالة، وإنما أبيحت للحاجة إباحة عامة لم تقتصر على مَن يحتاج فحسب. وكذلك إباحة كلب الصيد وكلب الحرث لكل أحد مع أن بعض الصائدين يَستغني عن الصيد بالكلب، ومع ذلك فإباحته عامة؛ لأنَّ: "الحاجة تَنزل منزلة الضرورة؛ عامَّة كانت أو خاصة" (١)؛ فإذا كانت الحاجة عامة فلا ينبغي أن يُخص بها أحد. * قَالَ: (فَمَنِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى نَوْعِ السَّفَرِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُجِزْهُ فِي غَيْرِهِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ الرُّخْصَةَ لِلْمُسَافِرِ، عَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَسْفَارِ). أما هذه الدعوى فغير صحيحة، فحاشا رسول اللَّه ﷺ أن يخرج في غير طاعة، فرسول اللَّه ﷺ ما خرج إلا حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا، هذه هي أسفار رسول اللَّه ﷺ ، وهكذا كان أصحابه مِن بعده (٢). نقول: هذا الذي ورد من إباحة الجمع في سفر الطاعة أو المباح لا يُقاس عليه سفر المعصية؛ لأن العاصي خرج على حدود اللَّه، وتجاوزها شأنه أن يُؤَدَّبَ، لا أن يُرَخَّص له. والعقوبات على الذنوب تختلف؛ فمنها ما يقتضي القتل، أو إقامة

стр. 2149

الحد، أو التعزير بالسجن، أو بغيره، بل قد يصل التعزير إلى القتل من باب المصلحة؛ فللإمام -أحيانًا- أن يرفع التعزير إلى حد القتل حماية للمؤمنين؛ كما نجد الآن في المخدرات التي انتشرت واحتجنا في قطعها إلى رادع قوي؛ لأنها من أشنع الأمور التي تُفسِد الأمة، وإذا كان اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. . .﴾ [البقرة: ١٧٩]، بمعنى أن الرجل إذا فكَّر وعلِم أنه إذا قَتَل قُتِل ارتدع؛ فكم من الأنفس سيُحافِظ عليها خشيةَ أن يُقتل قِصاصًا؛ لقتله بغير حق خارجًا عن حدود اللَّه؟! وقد فرض اللَّه فرائض، وأمرنا ألَّا نُضيعها، وحَدَّ حدودًا، وأمرنا ألا نتجاوزها، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "الحلالُ بَيِّنٌ، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس؛ فمَن اتَّقَى المشبهات استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع في الشبهات: كراع يَرعى حول الحِمَى يُوشك أن يُواقعه، ألا وإن لكلِّ مَلك حِمى، ألا إن حمى اللَّه في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فَسَدت فَسَد الجسدُ كله، ألا وهي القلب" (١). "استبرأ لدينه"؛ أي: عَصم دينه وعَصم نفسه من الوقوع في الحرام والخطأ والجرائم (٢). و"الحِمى": مكان محمي لغيره (٣)؛ فإذا قاربه لا يأمن أن تأتي دوابُّه فتدخل هذا الحِمى، فكذلك الذي يحوم حول الحرام يوشك أن يَرتع فيه؛ فعلى المسلم أن يَتجنب مثل هذه الأمور (٤).

стр. 2150

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَأَمَّا الجَمْعُ فِي الحَضَرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَكْثَرَ الفُقَهَاءِ لَا يُجِيزُونَهُ، وَأَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَشْهَبُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ). وهو قول العلماء كافَّة عمومًا (١)، وقد وقفتُ على أن ابن سيرين هو الذي قال بجواز الجمع لغير عذر، لكنه قَيَّده بأن لا يكون عادة (٢)؛ يعني: إن كانت لك حاجة تَجمع، وهذا قول ضعيف مردود (٣). وقد نسبه المؤلف

стр. 2151

إلى أشهب من المالكية (١)، وإلى بعض أهل الظاهر (٢)، والعهدة عليه فأنا غير متأكد من هذا، وسواء قاله هؤلاء أو غيرهم، فهو قول مردود على قائله. ومِثلُ هذا القول لو وجده بعض الناس لربما تساهلوا في أمور الصلاة؛ الحمد للَّه أنه لا يُوجد ولو رأي ضعيفٌ للأئمة، ولا حتى رواية شاذة لأحدهم في هذه ال مسألة. • مسألة: وأمَّا تأخير بعض الناس الصلاة؛ لأنَّه صاحب عمل، أو لكونه يعمل في منجم أو مصنع أو ورشة أو يحتاج إلى نظافة، فليس عذرًا، وقد وردت إلينا أسئلة كثيرة جدًّا في هذه المسألة. وهذا الذي ينطبق على قول الحنفية: إن الصلاة لها أوقات محددة جاءت متواترة لا ينبغي أن تُؤدى في غيرها (٣). لكننا نقول: استثني منها الجمع في السفر، ويأتي الكلام عن الجمع في المطر والمرض ونحو ذلك، على ما فيه من خلاف.

стр. 2152

(وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ). يدور الكلام حول الأعذار؛ كالمطر، والمرض، والخوف، والرِّيح الباردة الشديدة في الليلة المظلمة، والوحل؛ أي: الطين إذا اختلط بالماء بعد المطر؛ إذ فيه مشقة بَلِّ الثياب، وأيضًا يتأثر به الإنسان؛ فاختلفوا هل يُلحق المطر بالوحل أم لا؟ فهذه كلها مسائل اختلفوا فيها، ومدار الخلاف حول حديث عبد اللَّه بن عباس قال: "صَلَّى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف، ولا سَفر"، وهو مخرج في "صحيح مسلم" (١)، قال مالك ﵀: "أرى ذلك كان في مطر" (٢). لكن يُشكل على قول مالك أنه قد جاء في "صحيح مسلم" عن ابن عباس، قال: "جمع رسول اللَّه ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف، ولا مطر" (٣)؛ فيبقى الإشكال، ولا بد أن هناك علة أُخرى، وقد أجاب عنه علماء آخرون بأنه جمع للمرض (٤). (فَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي مَطَرٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ). ننبه أن حديث ابن عباس حديث صحيح مخرج في "صحيح مسلم" وغيره، حتى لا يُظن أن الحديث فيه شيء، ولكن يَرُدُّ ذلك رواية مسلم نفسه: "في غير خوف، ولا مطر".

стр. 2153

(وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِعُمُومِهِ مُطْلَقًا، وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ زِيَادَةً فِي حَدِيثِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا سَفَرٍ، وَلَا مَطَرٍ"). المؤلف -هداه اللَّه (١) - أحيانًا يشبك الأحاديث بعضها ببعض؛ بمعنى: أن يأتي بحديثين فيُدخلهما في بعض، فيُوهم أنهما حديث واحد؛ كما فعل هنا. وليس كما قال، بل هما روايتان، نعم هما في "صحيح مسلم"، لكن روايتان: رواية: "في غير خوف، ولا سفر"، ورواية: "في غير خوف، ولا مطر"، فقد أخذ المطر من حديثٍ وضمَّه إلى "في غير خوف، ولا سفر"، فقال: "في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر"، وهذا مما لا ينبغي؛ فلننتبه أنهما حديثان، وليسا حديثًا واحدًا. * قوله: (وَبِهَذَا تَمَسَّكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢)). ولكننا نرد عليهم بأن قوله: "في غير خوف، ولا سفر"، "في غير خوف، ولا مطر"، يدلُّ على أنَّ هناك عذرًا آخر، ويدل لهذا أن الراوي لما سأل ابن عباس لم فعل ذلك؛ قال: "أراد أن لا يُحرج أُمَّته". * قوله: (وَأَمَّا الجَمْعُ فِي الحَضَرِ لِعُذْرِ المَطَرِ). المقصود بالمطر: هو ما يبل الثياب، بحيث يلحق الماشي فيه مشقة؛

стр. 2154

كأن ينزل على رأسك، وعلى بقية بدنك، ويبل ثيابك، أما المطر الخفيف كالنقط اليسيرة الرذاذ فليس عذرًا. وكذلك الوحل الذي يلحقك فيه مشقة باختلاط الماء بالتراب، بحيث يصبح طينًا منتشرًا؛ فربما يؤثر على ثيابك وعلى بدنك، وقد يُؤدي إلى الانزلاق. جاء في حديث آخر أن رسول اللَّه ﷺ جمع أيضًا بين المغرب والعشاء، وأيضًا بين الظهر والعصر، لكن الحديث فيه كلام. * قوله: (فَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (١)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي النَّهَارِ، وَأَجَازَهُ فِي اللَّيْلِ (٢)). والأخير مذهب أحمد أيضًا (٣). ولم يذكر رأي أبي حنيفة، لأنه ذكر في أول مسألة أنه لا يرى الجمع أصلًا؛ فيبقى السَّير مع الأئمة الثلاثة. فالإمام مالك وأحمد يقولان: يجمع في المطر بين المغرب والعشاء،

стр. 2155

ولا يُجمع بين الظهر والعصر، وأما الشافعي فيرى الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وهي رواية عند الحنابلة، أو قول في المذهب (١). وإنما فرق مالك وأحمد؛ لأن فقههما هو فقه الأثر؛ أي: أنك تجد كثرة الآثار المنقولة عن الإمامين؛ لأنهما توسَّعا في علم الحديث؛ أي: في رواية الحديث، وأحمد أكثر الأئمة في ذلك؛ كما هو معروف. ويُسمَّى فقههما: فقه الأثر، لا سيما فقه الإمام أحمد؛ لكثرة الآثار المروية فيه، سواء كانت أحاديث مرفوعة إلى رسول اللَّه ﷺ ، أو مُرسلة، أو آثارًا عن الصحابة. وإنما فَرَّقا للآثار الواردة؛ فقد جاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "من السُّنَّة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء" (٢)، قالوا: ويريد بالسنة: سُنة رسول اللَّه ﷺ (٣). وجمع أبان بن عثمان ﵀ في ليلة مطيرة بين المغرب والعشاء (٤). وعن عبد اللَّه بن عمر أنَّه كان "إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء

стр. 2156

في المطر، جمع معهم" (١). ونُقِل عن غير واحد من السلف (٢). فهذه الآثار المنسوبة إلى الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك في المغرب والعشاء هي مُتمسك مالك وأحمد في الرواية الأولى. والذين أجازوا ذلك استدلوا بحديث أن الرسول ﵊: "جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء" (٣). لكنَّ الحديث فيه مقال (٤)؛ ولذلك لم يأخذ به الآخرون. ولا أعني: حديث عبد اللَّه بن عباس المتفق عليه؛ لأن حديث عبد اللَّه بن عباس جاء بروايات أن رسول ﷺ جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، "في غير خوف، ولا سفر"، وفي رواية: "في غير خوف، ولا مطر"، فذِكرُ المطر مَنَعَهم من الاستدلال به.

стр. 2157

تبقى مسألة، وهي: إذا كان مطر يَبل الثياب، وجاز الجمع بين الصلاتين تخفيفًا وتيسيرًا، فهل الحُكم سار على الكل لأن الحاجة عامة، أم تخص من تلحقه المشقة فقط؟ اختلف العلماء؛ فالشافعية (١)، والحنابلة في رواية (٢) قالوا: يجوز للإنسان أن يجمع، حتى وإن صَلَّى في بيته، أو كان مقيمًا في المسجد، أو كان بيته على المسجد مباشرة بحيث لا تمسُّه قطرة واحدة؛ لأن الحكم إذا قُرِّر شمل مَن تلحقه المشقة وغيره؛ كالمسافر، ومثله إباحة عقد السلم، وإباحة كلب الصيد، ونحو ذلك. ومنهم مَن قال (٣): لا تعم، بل تُقصر المشقة على صاحبها، ولا يُتجاوز بها إلى غيره؛ كالرُّخصة في ترك الجمعة والجماعة تختص صاحب العذر، ولا يجوز لمن لا عذر له أن يترك الجمعة ولا الجماعة.

стр. 2158

* قوله: (وَأَجَازَهُ أَيْضًا فِي الطِّينِ دُونَ المَطَرِ فِي اللَّيْلِ). أي: أجازه مالك في الطين، والمراد به هنا: الوَحَل أو الوَحْل بإسكان الحاء أو فتحها، وصورته: أن ينزل الماء فيختلط بالطين فيتكون الوحل؛ فالمالكية (١) والحنابلة (٢) قالوا: يُجمع بين الصلاتين في الوحل إذا ترتب على ذلك مشقة، فالعلة الموجودة في المطر -وهي لحوق المشقة- موجودة أيضًا في الوحل. ووافقهم على هذا بعض الشافعية، واعتبروه وجهًا قويًّا في المذهب، وإن كان المعروف من مذهب الشافعية: أنه لا يجمع بين الصلاتين لأجل الوحل -الذي سَمَّاه المؤلف الطين-، ولا لأجل المرض (٣). * قوله: (وَقَدْ عَذَلَ (٤) الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي تَفْرِيقِهِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ، وَصَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ رَوَى الحَدِيثَ، وَتَأَوَّلَهُ: (أَعْنِي: خَصَّصَ عُمُومَهُ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ)، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "جَمَعَ

стр. 2159

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ": "أَرَى ذَلِكَ كَانَ فِي مَطَرٍ" (١)). "عذل"، أي: أخذ على مالك التفريق؛ إذ إنه قد روى حديث ابن عباس: أنه قال: "صَلَّى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر" وقال: "أرى ذلك كان في مطر"، ومع هذا عدل عنه، ولذلك عذله الشافعي؛ إذ كأنه أخذ بأحد شطري الحديث وترك الشطر الآخر، وسيناقشه المؤلف. ولكن للمالكية والحنابلة وجهة من النظر؛ وهي أن الآثار جاءت في

стр. 2160

المغرب والعشاء (١). وفيما ذكره من أن مالكًا ﵀ خصصه من جهة القياس (٢)، أو أنه أخذ بأحد شطري الحديث وترك شطرًا - نَظَرٌ؛ فإن مالكًا إنما راعى العمل، كما سيشير المؤلف؛ فإن مالكًا هو إمام دار الهجرة، وقد أدرك الفقهاء السبعة، وهم متفقون على هذا، مع ما ذكرنا من الآثار، وهي معتمد الحنابلة في مذهبهم حينما فَرَّقوا بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فأجازوا الجمع في الأُخريين في المشهور دون الأُولَيَيْن، وفي القول الآخر وافقوا الشافعية (٣). (قَالَ: فَلَمْ يَأْخُذْ بِعُمُومِ الحَدِيثِ، وَلَا بِتَأْوِيلِهِ: (أَعْنِي: تَخْصِيصَهُ)، بَلْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَتَأَوَّلَ بَعْضَهُ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ). وهذا لا يجوز بالإجماع لو لم يكن للمذهبين مُستند، فأما ولهم مُستند فيصح التفريق. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِهِ فِيهِ: "جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ"، وَأَخَذَ بِقَوْلِهِ: "وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ"، وَتَأَوَّلَهُ). ولننتبه أن العلماء دائمًا يُدققون ويبحثون عن علل الأحكام، فإذا كان الغرض من الجمع بين الصلاتين: المطر؛ فهذه العلة -وإن تحققت في الاثنين- فهي تختلف، ففرق بين سائر يسير في وضح النهار يرى طريقه ويدركه غاية الإدراك؛ فيذهب يمينًا وشمالًا، ويتجنب المواقع، وبين إنسان

стр. 2161

يسير في ظلمة أو في شبه ظلمة؛ فإنه -وإن وجدت إضاءة- فالنهار دائمًا يختلف عن الليل في قوة الإضاءة (١). تنبيه: هذه المسالة ناقشها المؤلف مفصلة عقليًّا ومنطقيًّا، مع أنه لا يفعل هذا أحيانًا في مسائل كبرى في كتابه. * قَالَ: ((وَأَحْسَبُ أَنَّ مَالِكًا ﵀ إِنَّمَا رَدَّ بَعْضَ هَذَا الحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ عَارَضَهُ العَمَلُ). نقول: بل لم يَرُدَّ الحديث، ولكنه رأى أن الجمع بين الظهر والعصر كالمخصص بالعمل. * قوله: (فَأَخَذَ مِنْهُ بِالبَعْضِ الَّذِي لَمْ يُعَارِضْهُ العَمَلُ، وَهُوَ الجَمْعُ فِي الحَضَرِ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ: "كَانَ إِذَا جَمَعَ الأُمَرَاءُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، جَمَعَ مَعَهُمْ" (٢)، لَكِنَّ النَّظَرَ فِي هَذَا الأَصْلِ الَّذِي هُوَ العَمَلُ كَيْفَ يَكُونُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مُتَقَدِّمِي شُيُوخِ المَالِكِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ الإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّ إِجْمَاعَ البَعْضِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ). • مسألة أصولية: عمل أهل المدينة، هل هو حُجَّة أم لا؟ فالمالكية يذهبون إلى أنه حُجَّة، وخالفهم جمهور الفقهاء والأصوليين، وهو الأقوى (٣)؛ فقهاء المدينة جزء من الفقهاء؛ فلا يمكن

стр. 2162

قصر الإجماع عليهم، بل إجماعهم جزء من إجماع العلماء لا كله؛ فالإجماع لا يقتصر على طائفة أو على بلد. * قوله: (وَكَانَ مُتَأَخِّرُوهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ نَقْلِ التَّوَاتُرِ، وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِالصَّاعِ وَغَيْرِهِ مِمَّا نَقَلَهُ أَهْلُ المَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَالعَمَلُ إِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ، وَالفِعْلُ لَا يُفِيدُ التَّوَاتُرَ إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِالقَوْلِ، فَإِنَّ التَّوَاتُرَ طَرِيقُهُ الخَبَرُ لَا العَمَلُ، وَبِأَنَّ جَعْلَ الأَفْعَالِ تُفِيدُ التَّوَاتُرَ عَسِيرٌ، بَلْ لَعَلَّهُ مَمْنُوعٌ، وَالأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ عُمُومِ البَلْوَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ). يعني: أن الصاع الذي اعتبره الفقهاء إنما هو ما تناقله أهل المدينة من صاع النبي ﷺ ؛ فيريدون أن يجعلوا إجماع أهل المدينة أو عمل أهل المدينة حُجَّة، كالصاع المتفق عليه (١). واعتراض المؤلف على هذا بأن أقصاه أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة وغيره؛ كطين الشوارع، وما لا نفس له سائلة، وما يحصل عند دوس الدَّواب في حرث القمح، والجروح اليسيرة والدمامل وغيرها، فكله معفو عنه؛ لأن البلوى تعم به. (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْثَالُ هَذِهِ السُّنَنِ -مَعَ تَكَرُّرِهَا وَتَكَرُّرِ وُقُوعِها- أَسْبَابَهَا غَيْر مَنْسُوخَةٍ، وَيَذْهَبُ العَمَلُ بِهَا عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ أَتْقَنوا العَمَلَ بِالسُّنَنِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ). لكن يمكن أن يُجاب عنه بأن أصحاب رسول اللَّه ﷺ انتشروا في

стр. 2163

الآفاق، فلم يبقوا في المدينة؛ فمنهم من بقي بمكة، ومنهم من ذهب إلى الطائف، ومنهم من ذهب إلى البصرة، ومنهم من أقام بالكوفة، ومنهم من ذهب إلى مصر، ومنهم من كان بالشام، وكل منهم يحمل علمًا عن رسول اللَّه ﷺ (١)؛ ولذلك نجد أن الشافعي بعد أن طوَّف بين العراق ومكة واليمن ألقى عصا التَّسْيارِ (٢) في مصر؛ فغيَّر كثيرًا من الأقوال التي كان قد أخذ بها؛ لأنه وقف على أدلة ووجهات نظر؛ فرجع عن كثير من أقواله القديمة، ودوَّن -أيضًا- مذهبه الجديد المعروف. * قَالَ: (وَهُوَ أَقْوَى مِنْ عُمُومِ البَلْوَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لأَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحْرَى أَلَّا يَذْهَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي طَرِيقِ النَّقْلِ). يقصد بقوله: (في طريق النقل)؛ أي: الواسطة في نقل الأخبار. (وَبِالجُمْلَةِ: العَمَلُ لَا يُشَكُّ أَنَّهُ قَرِينَةٌ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالشَّيْءِ المَنْقُولِ إِنْ وَافَقَتْهُ أَفَادَتْ بِهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَإِنْ خَالَفَتْهُ، أَفَادَتْ بِهِ ضَعْفَ الظَّنِّ، فَأَمَّا هَلْ تَبْلُغُ هَذِهِ القَرِينَةُ مَبْلَغًا تُرَدُّ بِهَا أَخْبَارُ الآحَادِ الثَّابِتَةُ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَسَى أَنَّهَا تَبْلُغُ فِي بَعْضٍ، وَلَا تَبْلُغُ فِي بَعْضٍ؛ لِتَفَاضُلِ الأَشْيَاءِ فِي شِدَّةِ عُمُومِ البَلْوَى بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ السُّنَّةُ الحَاجَةُ إِلَيْهَا أَمَسُّ وَهِيَ كَثِيرَةُ التَّكْرَارِ عَلَى المُكَلَّفِينَ - كَانَ نَقْلُهَا مِنْ طَرِيقِ الآحَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا فِيهِ ضَعْفٌ، وَذَلِكَ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ:

стр. 2164

إِمَّا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَإِمَّا أَنَّ النَّقْلَ فِيهِ اخْتِلَالٌ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ المُتَكَلِّمُونَ؛ كَأَبِي المَعَالِي وَغَيْرِهِ). يقصد بـ "أبي المعالي": الجويني، وهو من علماء الشافعية وأئمتهم، وله كتاب معروف في الأصول. * قوله: (وَأَمَّا الجَمْعُ فِي الحَضَرِ لِلْمَرِيضِ، فَإِنَّ مَالِكًا إبَاحَهُ لَهُ إِذَا خَافَ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ بِهِ بَطَنٌ (١)). هذه مسألة أُخرى: حكم الجمع في الحضر للمريض. فالمالكية (٢) والحنابلة (٣) وكثيرٌ من علماء الشافعية يرون جوازه، ويعتبرونه وجهًا قويًّا في مذهبهم (٤)، خلافًا للشافعية في مشهور مذهبهم (٥). استدل الأولون بحديث عبد اللَّه بن عباس، قال: "صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوفٍ، ولا سفرٍ"، وفي رواية: "في غير خوف، ولا مطر".

стр. 2165

فلما ذكر: (الخوف، والسفر، والمطر) تبين أنه إمَّا لأجل المرض أو غيره، ولا يكون عذر أقوى من المرض؛ فيجوز الجمع لأجله (١). وأجاب الشافعية: بأنه قد مرض رسول اللَّه ﷺ مرارًا، ومع كثرة أمراضه لم ينقل أنه ﵊ جمع لأجل المرض، فدلَّ ذلك على أنَّه لا يُجمع لأجله (٢). فعارضهم الأَوَّلُون: بأن العلة في المطر متحققة في المرض وأكثر (٣). فأجاب الشافعية: بأن المريض إذا شَقَّ عليه الأمر انتقل إلى حالة أُخرى، وهي القعود؛ للحديث: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تَستطع فقاعدًا، فإن لم تَستطع فعلى جَنْبٍ" (٤)؛ فليس له الجمع. وقوَّى الأولون ما ذهبوا إليه (٥): بأن الرسول ﷺ رَخَّص لحَمَنة بنت جَحْش في الجمع؛ فقال: "وإن قَويت على أن تُؤخري الظهر وتُعجلي العصر؛ فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتُعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي. . . " (٦). قوله: "بطن": يعني: يَسيل بطنه، وهو ما يُعرف الآن بالإسهال

стр. 2166

ونحوه إذا كثر ذلك، فالمشقة أنواع؛ فهناك مشقة يترتب على ترك الأخذ بالرخصة فيها الهلاك؛ فلو أن إنسانًا لحقته مشقة وجاع ولم يجد ما يأكله إلا ميتة؛ فإن ترك هذه الميتة مات؛ فهذا يجب عليه أن يأكل الميتة، ومثله لو أصابته غصَّة ولم يجد ما يدفعها به إلا مُحَرَّم؛ فإنه يفعل ذلك، ولا يُلقي بنفسه إلى التهلكة. فهذه مشقة معروفة معتبرة. ودونها مشقة لا تصل بالإنسان إلى ذهاب نفس أو طرف، ونحوه لكن يتضرر بها، وهذه هي المقصودة هنا. أما المشقة اليسيرة؛ كصداع يسير، أو ألم ضِرس، أو ألم في طرف من الإنسان، هذا لا أثر له في الجمع، وإنما المقصود بالمشقة التي يتأذى بها الإنسان، وإن لم تصل إلى درجة الهلاك. * قال: (وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعَدِّي عِلَّةِ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ، أَعْنِي المَشَقَّةَ). علة الجمع في السفر: هي المشقة، وقد اختلفوا هل هي متعدية أو قاصرة؟ فالعلة المتعدية؛ كإلحاق الأرز بالقمح؛ لأن العلة موجودة في الأرز، سواء قلنا: العلة هي الكيل، أو الوزن والطعم، فهي موجودة في الفرع والأصل (٢).

стр. 2167

وأما العِلة القاصرة فلا يتجاوز بها محلها، ولا تُنقل إلى حكم آخر (١). فعلى رأي المؤلف، مَن يرى أنها متعدية يقول: لا فرق بين هذا وهذا، فإذا جاز الجمع في المطر جاز في المرض؛ فالمشقة متحققة في المريض أكثر، ومن يقول: العلة قاصرة، فيُقتصر بها على موضعها لا يتجاوز بها. والحقيقة: أن سبب الخلاف؛ ليس هو الخلاف في العلة -كما ذكر المؤلف- لكن في فَهْم حديث ابن عباس: "في غير خوف، ولا سفر"، "في غير خوف، ولا مطر"، فبقي أن تكون العلة؛ إما المرض، أو مساوية له، أو دونه، فإن كانت مساوية للمرض وليس المرض، فالمرض مثلها، وإن كانت دون ذلك؛ فالمرض من باب أولى. قالوا: وكون الرسول ﷺ لم يُنقل عنه أنه جمع لأجل المرض، هذا لا يَلزم منه عدم الجواز؛ لأن الرسول ﷺ تَحَمَّل أشياء كثيرة. * قَالَ: (فَمَنْ طَرَّدَ العِلَّةَ، رَأَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الأَوْلَى وَالأَحْرَى). (طَرَّد (٢) العلة)؛ أي: جعلها مُطردة (٣)، بمعنى: نقلها إلى حكم آخر، لا أنه ألغاها.

стр. 2168

(وَذَلِكَ أَنَّ المَشَقَّةَ عَلَى المَرِيضِ فِي إِفْرَادِ الصَّلَوَاتِ أَشَدُّ مِنْهَا عَلَى المُسَافِرِ، وَلَمْ يَعُدَّ هَذ العِلَّةَ، وَجَعَلَهَا كَمَا يَقُولُونَ: قَاصِرَةً -أَيْ: خَاصَّةً بِذَلِكَ الحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ- لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ). إذا كنتم تَعذرون المريض في ترك الجُمع والجماعات، فلماذا لا تُجيزون له الجمع؟ أجاب الشافعية بالفرق؛ فالجماعة لها بدلٌ، وهو الصلاة منفردًا، والجمعة بدلها الظهر، وأما الصلاة في وقتها فلا بدلَ لها؛ فالجَمْع إخراجٌ لها عن الوقت (١)؛ فهذا قياس مع الفارق. (البَابُ الخَامِسُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ: القَوْلُ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ) (٢) هذا باب مُهم، ويعتني به الفقهاء رحمهم اللَّه تعالى، ويذكرونه في أبواب الصلوات. وقد جاءت صلاة الخوف عن الرسول ﷺ على عدة صفات أوصلها

стр. 2169

العلماءُ إلى سِتَّة عشر (١). وقد اقتصر المؤلف على المشهور منها، وهي سبع، وهي لا تحتمل تبديلًا ولا تغييرًا، وكلها ثبتت عن الرسول ﷺ . ولا يختلف العلماء في جواز صلاتها على أيِّ صفة كانت، وإنما خلافهم في أيِّ الصفات أفضل (٢)؟ فتارةً يُصلي الإمام بطائفة ركعة ثم تنصرف، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها ثم تنصرف، وتارةً يصلي بهم الإمام ركعة ثم يظل قائمًا؛ فيتمون لأنفسهم، ثم يذهبون فتأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام؛ تدركه وهو قائم، ثم تُصلي معه ركعة، ثم يجلس للتشهد، ثم بعد ذلك يقومون فيُتمون لأنفسهم، ثم يُسَلِّم بهم (٣). والمؤلف لم يُقدم لها، وهي تحتاج إلى مقدمة: أولًا: حكم صلاة الخوف في الحضر: فصلاة الخوف لا تخلو إمَّا أن تكون في سَفَر أو حضر؛ فجماهير

стр. 2170

العلماء يَرون أن صلاة الخوف تُصَلَّى سفرًا وحضرًا (١)، خلافًا لمالك فقال: لا تُصلى في الحضر (٢). ثانيًا: نوع القتال المُبيح لصلاة الخوف: أطلق المؤلف صلاة الخوف، ولم يُقَيِّدها، والصواب: تقييدها بالقتال المباح. فأحيانًا يكون القتال واجبًا؛ كقتال الكفار، وقُطَّاع الطريق، والبُغاة الذين يَخرجون على الإمام، فإذا قاتلهم الإمام فإنه يُقاتَل معه، فهنا يُشرع أن تُصَلَّى صلاة الخوف. أما لو كان القتال على خلاف ذلك، وهو القتال المحرم؛ كقتال أهل العدل، أو مُقاتلة أهل الأموال لأخذ أموالهم، فهنا لا تُصلى فيه صلاة الخوف. فتحصل من ذلك اشتراط: أن يكون القتال مباحًا؛ لِتَحِلَّ صلاةُ الخوف (٣).

стр. 2171

وصلاة الخوف في السفر ركعتان؛ لأن السفر تُقصر فيه الصلاة. وتُصلى في الحضر أربعًا، وأما صلاة المغرب فقد سبق أنها لا تقصر لا سفرًا ولا حضرًا، وكذلك صلاة الفجر؛ فالفجر تُصلى في السفر ركعتين؛ سواء في ذلك حال الخوف أو السفر، أو الحضر، وصلاة المغرب تُصلى ثلاثًا في الحضر والسفر والخوف وغيره. لكن نُقل عن عبد اللَّه بن عباس -ووافقه بعض العلماء- أن صلاة الخوف ركعة؛ لأنه نُقل عنه أنه قال: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وقد قيل: إن ركعة تجزئ في الخوف" (١). وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن المراد بقوله: "وقد قيل: إن ركعة تجزئ في الخوف"؛ أى: ركعة مع الإمام ثم يُتِمُّون لأنفسهم (٢)؛ فمن الصفات التي تُصلى فيها صلاة الخوف: أنهم يصلون مع الإمام ركعة واحدة، ثم يقومون فيتمون لأنفسهم، فكأنهم انفصلوا عن الإمام، بل من العلماء من يقول: انفصلوا عن الإمام؛ لأنهم يُتمون لأنفسهم، ثم يسلمون وينصرفون، فتأتي الطائفة الأخرى فتكبر وتدخل مع الإمام.

стр. 2172

وهل يدخلون معه وهو جالس أو وهو قائم؟ اختلف العلماء، والأولى: يدخلون معه وهو قائم. وأما صلاة المغرب؛ هل الطائفة الأولى تُصلي معه ركعتين أم ركعة واحدة؟ يقول بعضهم: يصلون ركعتين. وبعضهم يقول: يصلون ركعة واحدة؛ فمن قال: يصلون ركعتين يقولون: لأن هذا هو الأولى، والذين يقولون: تُصلي الطائفة الأولى ركعة واحدة؛ لأنهم يُدركون فضيلة تكبيرة الإحرام، فينبغي أن يكون مقابل ذلك أن تُدرك الطائفة الأخرى معه ركعتين. والذين قالوا: يُصَلِّي الأَوَّلون ركعتين قالوا: حتى يُدرك هؤلاء تشهدًا، وأولئك يدركون التشهد الأخير. والخلاف إنما هو في الأفضل. * قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵊، وَفِي صِفَتِهَا؛ فَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ جَائِزَةٌ). قَصَر بعضهم جواز صلاة الخوف على وقت رسول اللَّه ﷺ ، لا بعده؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. . .﴾ [النساء: ١٠٢]. فقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، قصره عليه. وسينبه المؤلف على رأي أبي يوسف من الحنفية، وسنذكر المزني كذلك ووجه استدلاله. وأما الأئمة الأربعة فمتفقون على أن صلاة الخوف جائزة مشروعة (١)،

стр. 2173

وأنها منذ زمن رسول اللَّه ﷺ إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها؛ فكلما احتاج المسلمون إليها؛ فإنها تُقام (١)، وهي على نوعين: (١) صلاة الخوف بعمومها. (٢) صلاة شدة الخوف. وصفة صلاة الخوف قد أشرنا إليها، وذكر المؤلف منها سبعًا. وأما صلاة شدة الخوف؛ فإنهم يصلون رجالًا وركبانًا؛ يعني: سواء كانوا راجلين أو راكبين يُومِئون في ركوعهم وسجودهم، ويخفضون في السجود أكثر. فيصلونها على أي حالة، إذا اشتد الخوف؛ كحال الطعن وغيره، عندما تلتحم المعارك ويشتد الخوف (٢).

стр. 2174

وقد لا تلتحم المعارك، ولكن تحصل شدة الخوف عندما يُطوقهم الأعداء من كل جانب؛ فتُشرع لهم الصلاة. وهذا مما يدل على وجوب صلاة الجماعة، وقد عرفنا أن كثيرًا من العلماء بأنها سنة، والحق أن صلاة الجماعة واجبة؛ ولو لم تكن صلاة الجماعة واجبة لكان أحق الناس أن يُخفف عنهم هؤلاء الذين يَرَون عَدُوَّهم رأي العين، يتربص بهم الدوائر، ويتحين أيَّ فرصة لينقض عليهم، ومع ذلك لم يُرخص اللَّه للمؤمنين في ترك الجماعة، وإنما ذلك لأهمية صلاة الجماعة. موعظة وتذكير بالاعتناء بالصلاة: وبهذا نتبين أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، وأنها أول ما يُحاسب عليه العبد من أعماله، فالإنسان فإذا وحَّد اللَّه فهو مطالب بأركان، ولذلك عندما جاء الأعرابيُّ إلى رسول اللَّه ﷺ يسأله عما فرض اللَّه عليه - ذكر له أركان الإسلام؛ فعن طلحة بن عبيد اللَّه، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دويَّ صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول اللَّه ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : "خمس صلوات في اليوم، والليلة". فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان"، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا، إلا أن تطوع"، وذكر له رسول اللَّه ﷺ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللَّه، لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح إن صدق" (١). وقد قال تعالى عن الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦].

стр. 2175

ويأتي -أيضًا- في مقدمة ذلك صلاة الجماعة التي تساهل فيها كثير من المسلمين، فلم يؤدوا حقها، ولم يُعنوا بها، بل تكاسلوا وتخلَّفوا عنها، وقد عرفنا فيما مضى أن التخلف عنها علامة من علامات المنافقين، أما الذين يتطلعون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فإن أولئك يسارعون في الأعمال الصالحة -وفي مقدمتها الصلاة- فيُؤدونها في جماعة. فالذين يسعون إلى الحسنى إنما يسعون إليها بطاعة اللَّه ، والصلاة هي الوسيلة التي يُناجي المسلم فيها ربَّه؛ فيقف فيها بين يدي اللَّه لا يرجو غيره ولا يطلب سواه؛ فلا ملجأ منه إلا إليه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١]. فالذين سبقت لهم منا الحسنى هم أولئك الذين اتقوا اللَّه ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ [الأحقاف: ١٣]. في الموقف الذي يخاف الناس فيه يوم العرض الأكبر على اللَّه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، في ذلك الموقف يجد الإنسان ما قدم من العمل الصالح، ويجد في مقدمته هذه الصلاة التي قال فيها الرسول ﷺ : "من حافظَ عليها كانتْ له نُورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً يومَ القيامةِ" (١). فهذه هي الصلاة، ولذلك وجدنا أن الرسول ﷺ إذا حزبه أمرٌ فَزع إلى الصلاة، أي: أسرع إليها، وهي -أيضًا- مما تطمئن به القلوب، وترتاح به الأفئدة، وتسكن إليها النفوس، فالإنسان إذا ما ذهب ليُصلي تَخِف همومه، وتزول عنه، ويبقى مطمئن النفس؛ لأنه رجع إلى اللَّه، فإن كانت هناك مصيبة يعلم أن ذلك بقضاء اللَّه وقدره؛ فتَخف آلامه وأحزانه.
следующие страницы →