وصلاة الخوف في السفر ركعتان؛ لأن السفر تُقصر فيه الصلاة.
وتُصلى في الحضر أربعًا، وأما صلاة المغرب فقد سبق أنها لا تقصر لا سفرًا ولا حضرًا، وكذلك صلاة الفجر؛ فالفجر تُصلى في السفر ركعتين؛ سواء في ذلك حال الخوف أو السفر، أو الحضر، وصلاة المغرب تُصلى ثلاثًا في الحضر والسفر والخوف وغيره.
لكن نُقل عن عبد اللَّه بن عباس -ووافقه بعض العلماء- أن صلاة الخوف ركعة؛ لأنه نُقل عنه أنه قال: "فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وقد قيل: إن ركعة تجزئ في الخوف" (١).
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن المراد بقوله: "وقد قيل: إن ركعة تجزئ في الخوف"؛ أى: ركعة مع الإمام ثم يُتِمُّون لأنفسهم (٢)؛ فمن الصفات التي تُصلى فيها صلاة الخوف: أنهم يصلون مع الإمام ركعة واحدة، ثم يقومون فيتمون لأنفسهم، فكأنهم انفصلوا عن الإمام، بل من العلماء من يقول: انفصلوا عن الإمام؛ لأنهم يُتمون لأنفسهم، ثم يسلمون وينصرفون، فتأتي الطائفة الأخرى فتكبر وتدخل مع الإمام.
стр. 2172
وهل يدخلون معه وهو جالس أو وهو قائم؟
اختلف العلماء، والأولى: يدخلون معه وهو قائم.
وأما صلاة المغرب؛ هل الطائفة الأولى تُصلي معه ركعتين أم ركعة واحدة؟
يقول بعضهم: يصلون ركعتين. وبعضهم يقول: يصلون ركعة واحدة؛ فمن قال: يصلون ركعتين يقولون: لأن هذا هو الأولى، والذين يقولون: تُصلي الطائفة الأولى ركعة واحدة؛ لأنهم يُدركون فضيلة تكبيرة الإحرام، فينبغي أن يكون مقابل ذلك أن تُدرك الطائفة الأخرى معه ركعتين.
والذين قالوا: يُصَلِّي الأَوَّلون ركعتين قالوا: حتى يُدرك هؤلاء تشهدًا، وأولئك يدركون التشهد الأخير.
والخلاف إنما هو في الأفضل.
* قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵊، وَفِي صِفَتِهَا؛ فَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ جَائِزَةٌ).
قَصَر بعضهم جواز صلاة الخوف على وقت رسول اللَّه ﷺ ، لا بعده؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. . .﴾ [النساء: ١٠٢].
فقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، قصره عليه.
وسينبه المؤلف على رأي أبي يوسف من الحنفية، وسنذكر المزني كذلك ووجه استدلاله.
وأما الأئمة الأربعة فمتفقون على أن صلاة الخوف جائزة مشروعة (١)،
стр. 2173
وأنها منذ زمن رسول اللَّه ﷺ إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها؛ فكلما احتاج المسلمون إليها؛ فإنها تُقام (١)، وهي على نوعين:
(١) صلاة الخوف بعمومها.
(٢) صلاة شدة الخوف.
وصفة صلاة الخوف قد أشرنا إليها، وذكر المؤلف منها سبعًا.
وأما صلاة شدة الخوف؛ فإنهم يصلون رجالًا وركبانًا؛ يعني: سواء كانوا راجلين أو راكبين يُومِئون في ركوعهم وسجودهم، ويخفضون في السجود أكثر.
فيصلونها على أي حالة، إذا اشتد الخوف؛ كحال الطعن وغيره، عندما تلتحم المعارك ويشتد الخوف (٢).
стр. 2174
وقد لا تلتحم المعارك، ولكن تحصل شدة الخوف عندما يُطوقهم الأعداء من كل جانب؛ فتُشرع لهم الصلاة.
وهذا مما يدل على وجوب صلاة الجماعة، وقد عرفنا أن كثيرًا من العلماء بأنها سنة، والحق أن صلاة الجماعة واجبة؛ ولو لم تكن صلاة الجماعة واجبة لكان أحق الناس أن يُخفف عنهم هؤلاء الذين يَرَون عَدُوَّهم رأي العين، يتربص بهم الدوائر، ويتحين أيَّ فرصة لينقض عليهم، ومع ذلك لم يُرخص اللَّه للمؤمنين في ترك الجماعة، وإنما ذلك لأهمية صلاة الجماعة.
موعظة وتذكير بالاعتناء بالصلاة:
وبهذا نتبين أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، وأنها أول ما يُحاسب عليه العبد من أعماله، فالإنسان فإذا وحَّد اللَّه فهو مطالب بأركان، ولذلك عندما جاء الأعرابيُّ إلى رسول اللَّه ﷺ يسأله عما فرض اللَّه عليه - ذكر له أركان الإسلام؛ فعن طلحة بن عبيد اللَّه، قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دويَّ صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول اللَّه ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : "خمس صلوات في اليوم، والليلة". فقال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان"، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: "لا، إلا أن تطوع"، وذكر له رسول اللَّه ﷺ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللَّه، لا أزيد على هذا، ولا أنقص منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أفلح إن صدق" (١).
وقد قال تعالى عن الصلاة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦].
стр. 2175
ويأتي -أيضًا- في مقدمة ذلك صلاة الجماعة التي تساهل فيها كثير من المسلمين، فلم يؤدوا حقها، ولم يُعنوا بها، بل تكاسلوا وتخلَّفوا عنها، وقد عرفنا فيما مضى أن التخلف عنها علامة من علامات المنافقين، أما الذين يتطلعون إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فإن أولئك يسارعون في الأعمال الصالحة -وفي مقدمتها الصلاة- فيُؤدونها في جماعة.
فالذين يسعون إلى الحسنى إنما يسعون إليها بطاعة اللَّه ، والصلاة هي الوسيلة التي يُناجي المسلم فيها ربَّه؛ فيقف فيها بين يدي اللَّه لا يرجو غيره ولا يطلب سواه؛ فلا ملجأ منه إلا إليه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فالذين سبقت لهم منا الحسنى هم أولئك الذين اتقوا اللَّه ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ [الأحقاف: ١٣].
في الموقف الذي يخاف الناس فيه يوم العرض الأكبر على اللَّه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، في ذلك الموقف يجد الإنسان ما قدم من العمل الصالح، ويجد في مقدمته هذه الصلاة التي قال فيها الرسول ﷺ : "من حافظَ عليها كانتْ له نُورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً يومَ القيامةِ" (١).
فهذه هي الصلاة، ولذلك وجدنا أن الرسول ﷺ إذا حزبه أمرٌ فَزع إلى الصلاة، أي: أسرع إليها، وهي -أيضًا- مما تطمئن به القلوب، وترتاح به الأفئدة، وتسكن إليها النفوس، فالإنسان إذا ما ذهب ليُصلي تَخِف همومه، وتزول عنه، ويبقى مطمئن النفس؛ لأنه رجع إلى اللَّه، فإن كانت هناك مصيبة يعلم أن ذلك بقضاء اللَّه وقدره؛ فتَخف آلامه وأحزانه.
стр. 2176
فقد طالب اللَّه المؤمنين بالصلاة في هذا الموقف، تصور: العدو تَراه أمامك، وربما يُحيط بك كالمِعصم، ومع ذلك لا تترك هذه الصلاة؛ لأهميتها، وعناية الإسلام بها، ولذلك كان الصحابة يتسابقون عليها، كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف، ولو فاتته جماعة بعذر، فإنه يَظل في يومه قلقًا غير مرتاح، مع أن اللَّه قد عذره في ذلك.
ففي هذا المقام الذي للإنسان فيه أعظم حاجة إلى التخفيف، لم يُرخص اللَّه في تركها، بل أمرهم أن يُؤدوها مع هذا الخوف، بل وفي حال اشتداد الخوف.
* قوله: (لِعُمُومِ قَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]).
الآية التي تلي هذه الآية مباشرة هي الآية التي يُستدل بها على صلاة الخوف، ولكن لعل المؤلف استشهد بها لما كانت هذه الآية سبب نزول القصر، وإنما الآية التي يُستشهد بها وتُجعل دليلًا في هذا المقام هي قول اللَّه : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ. . .﴾.
وقد نزل قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ في قَصْرِ الصلاة.
ولهذه الآية مناسبة؛ فقد روى النسائي عن أبي عياش الزرقي، قال: "كنا مع رسول اللَّه ﷺ بعسفان، فصلى بنا رسول اللَّه ﷺ صلاة الظهر، وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غِرَّة، فأنزل اللَّه -يعني: صلاة الخوف- بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسولُ اللَّه ﷺ صلاة العصر، ففَرَّقنا فرقتين؛ فرقة تُصلي مع النبي ﷺ ، وفرقة يحرسونه، فكبر بالذين يَلُونه والذين يحرسونهم، ثم ركع فركع هؤلاء وأولئك جميعًا، ثم سجد الذين يلونهم، وتأخر هؤلاء والذين يلونه، وتقدم
стр. 2177
الآخرون فسجدوا، ثم قام فركع بهم جميعًا الثانية بالذين يلونه وبالذين يحرسونهم، ثم سجد بالذين -يعني: يلونه- ثم تأخر، وأقاموا في مصاف أصحابهم، وتَقَدَّم الآخرون فسجدوا، ثم سَلَّم عليهم، فكانت لكلهم ركعتان ركعتان مع إمامهم" (١).
لذلك صدَّر المؤلف بها واعتبرها آية الخوف مع أن الآية التي يُستشهد بها على صلاة الخوف هي قول اللَّه : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى. . .﴾ [النساء: ١٠٢]، إلى آخر الآية المعروفة.
فهذه الآية جاءت في صلاة الخوف، وأما فى صلاة شدة الخوف فجاء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا. . .﴾، فهذا كله ذكره اللَّه في كتابه.
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢].
أمر اللَّه المؤمنين أن يُصلوها، وحَذَّرهم من أن يَغدُر بهم أعداؤهم، ولذلك صَلَّاها رسول اللَّه ﷺ وخلفاؤه من بعده، ومنهم: علي بن أبي طالب ﵁ في قتاله مع الخوارج، وكان قتالًا مفروضًا عليه، وكان معه جمع غفير من الصحابة، بل من أكابر الصحابة رضوان اللَّه عليهم ولم يُخالف في ذلك، بل كان إجماعًا منهم (٢).
стр. 2178
* قوله: (وَلِمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ وَعَمَلِ الأَئِمَّةِ وَالخُلَفَاءِ بَعْدَهُ بِذَلِكَ، وَشَذَّ أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالَ: لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بإِمَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا تُصَلَّى بَعْدَهُ بِإِمَامَيْنِ، يُصَلِّي وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِطَائِفَةٍ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الآخَرُ بِطَائِفَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الحَارِسَةُ رَكْعَتَيْنِ أَيْضًا، وَتَحْرُسُ الَّتِي صَلَّتْ) (١).
وقد أخذ أبو يوسف ذلك من قول اللَّه : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] (٢).
وهذا لا يمنع أن تَدخل أمته فيها؛ فمن المقرر في علم أصول الفقه أن الخطابات قد تأتي موجهة لرسول اللَّه ﷺ وأمته داخلة في ذلك (٣)، فكون اللَّه ﷺ خَاطَبَه بقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ لا يمنع أن تكون أُمَّته داخلة معه، بل هي داخلة في ذلك دخولًا أوليًّا.
стр. 2179
وإنما رأى أبو يوسف -صاحب أبي حنيفة- أن هذه مزية لرسول اللَّه ﷺ ، وهي فضيلته وفضله على غيره، وهذا أمر مُجمع عليه، ولا يُنازع فيه مسلم، وهذه الفضيلة تجبر ما في صلاة الخوف من نقص وإخلال بالواجبات وتبديل ونحوه. ولا يتحقق ذلك في غير رسول اللَّه ﷺ (١).
وقد أجاب العلماء عن ذلك: بأن الفضيلة لا تُسوغ ترك الواجب؛ حتى وإن كانت الصلاة مع رسول اللَّه ﷺ ، فأداءُ الواجب أَوْلَى (٢).
ولم يَعرض المؤلف لقول المزني -من أصحاب الإمام الشافعي- بأن صلاة الخوف قد نُسِخت.
ولا ينازع المزني في قيام صلاة الخوف في زمن رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه يراها مَنسوخة (٣)، وقد استدل بأن رسول اللَّه ﷺ فَوَّت عِدَّة صلوات يوم الخندق؛ يوم الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠].
لمَّا حاصر المشركون المؤمنين يوم الخندق، وأشار سلمان الفارسي على رسول اللَّه ﷺ بحفر الخندق، وكان موقفًا رهيبًا مخيفًا، فانشغل المسلمون عن عدة صلوات، هي: الظهر والعصر والمغرب؛ قالوا: فكون
стр. 2180
الرسول ﷺ فاتته صلوات ومع ذلك لم يُصَلِّ صلاة الخوف - دَلَّ ذلك على نسخها؛ إذ لو كانت باقية لصلاها (١).
والجواب عما ذكر: أنَّ النسخ لا يُلجأ إليه إلا عند تعذر الجمع بين الأدلة، عند الترجيح بينها (٢).
ومن شرط النسخ: معرفة التاريخ؛ فالمتأخر يَنسخ المتقدم ما لم يُمكن الجمع (٣).
ويمكن الجواب عن قوله بجوابين:
• الجواب الأول: أن صلاة الخوف جائزة، وليست واجبة، وترك النبيِّ ﷺ لها في غزوة الخندق لا يَلزم منه النسخ (٤)، وهذا يُبطل رأيه.
стр. 2181
• الجواب الثاني: أن المشهور أن صلاة الخوف نزلت بعد غزوة الأحزاب؛ فأنى يتأتى نسخ المتأخر بالمتقدم (١)؟!
وبذلك يتبين ضعف هذين القولين، ويظهر أن الحق هو ما ذهب إليه أئمة العلماء من الفقهاء والمحدثين؛ ومنهم الأئمة الأربعة من مشروعية صلاة الخوف، وأنها لم تُنسخ، ولم تكن خاصة برسول اللَّه ﷺ .
ولا يخفى أن أعلم الناس بسنة رسول اللَّه ﷺ هم الذين شاهدوا التنزيل، ونهلوا من مشكاته ﵊، وأخذوا الحلم غضًّا طريًّا لم تَشبه شائبة، ولم يخالطه كدر ولا إشكال، وهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وقد صلوا صلاة الخوف فلا حُجة بعد حجتهم، ولا قول بعد أقوالهم، لا سيما وقد اتفقوا؛ فلا يسعنا خلافهم، أما إذا اختلفوا، فحينئذ يُجتهد في أقوالهم (٢).
فينبغي أن نقف حيث أجمعوا، ولا يعني ذلك ذم أبي يوسف، أو المُزني، بل هما عالمان مجتهدان، ولكنهما أخطآ في فهمهما وفي اجتهادهما، وإذا اجتهد القاضي فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ واحد؛ لأن غرضهما الحق لا غير.
ولا يسمح المقام بذكر تفاصيل اختلاف العلماء في هذه المسألة؛ فبعضهم يُفرِّق بين أن يكون العدو في جهة القبلة بحيث يراه المسلمون، وبين أن يكون العدو في غير القبلة (٣).
стр. 2182
وقد وقعت صلاة الخوف في زمن رسول اللَّه ﷺ على صفات متعددة، فمنها ما حصل في غزوة ذات الرقاع، ونخلة، وعُسفان، وغير ذلك.
(وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الخَوْفِ هِيَ عِبَادَةٌ، أَوْ هِيَ لِمَكَانِ فَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ، لَمْ يَرَ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالنَّبِيِّ ﵊.
الآية دليل على أنها عامَّة: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
(وَمَنْ رَآهَا لِمَكَانِ فَضْلِ النَّبِيِّ ﵊ رَآهَا خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ ﵊.
قد بيَّنا ضعف هذا القول، بل هو شاذٌّ، كما ذكر المؤلف؛ إذ لا دليل على هذا الاختصاص، وأصل صلاة الخوف ليست واجبة، وإنما هي جائزة، وأيضًا صلاة الرسول ﷺ هي الفضيلة، ولا شَكَّ أنها أفضل من غيرها، ولكن لا يؤدي ذلك إلى أن أترك واجبًا لأجل أمرٍ فاضل.
* قوله: (وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ يُمْكِنُنَا أَنْ يَنْقَسِمَ النَّاسُ عَلَى إِمَامَيْنِ).
أي: بدلًا من أن يُصلوا صلاة ناقصة الواجبات؛ لأجل أن يكونوا
стр. 2183
خلف إمام واحد كان يمكن أن يَنقسموا مجموعتين بإمامين.
* قوله: (وَإِنَّمَا كَانَ ضَرُورَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ ﵊، وَتَأَيَّدَ عِنْدَهُ هَذَا التَّأْوِيلُ بِدَلِيلِ الخِطَابِ المَفْهُومِ مِنْ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠٢]، وَمَفْهُومُ الخِطَابِ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ، فَالحُكْمُ غَيْرُ هَذَا الحُكْمِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ إِلَى "أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ تُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الخَوْفِ إِلَى وَقْتِ الأَمْنِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ"، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَوْمَ الخَنْدَقِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الخَوْفِ، وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهَا).
قال ابنُ عبد البر ﵀: "قد احتجَّ بهذا -يعني: أنه ما صَلَّى رسول اللَّه ﷺ الظهر والعصر يوم الخندق حتَّى غَربت الشمس- من ذهب إلى أن صلاة الخوف تُؤخر إذا لم يَستطع عليها على وجهها إلى وقت الأمن والاستطاعة، وهذا قولُ جماعة من فقهاء أهل الشام شَذُّوا عن الجمهور الذين هم الحُجَّة على مَن خالفهم، وقد بان فسادُ ما ذهبوا إليه بالحديث الثابت أن يوم الخندق قبل صلاة الخوف وقبل نزول الآية فيه" (١).
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ صَلَاةِ الخَوْفِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا لِاخْتِلَافِ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ: (أَعْنِي: المَنْقُولَةَ مِنْ فِعْلِهِ) ﷺ في صَلَاةِ الخَوْفِ، وَالمَشْهُورُ مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ صِفَاتٍ، فَمِنْ ذَلِكَ: مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ "عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا،
стр. 2184
وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِمْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ"، وَبِهَذَا الحَدِيثِ قَالَ الشَّافِعِيُّ).
ظاهر كلام المصنف ﵀ أن الشافعي اقتصر على هذه، والصواب أنه استحب ثلاث صور، مع صلاة شِدَّة الخوف؛ قال النوويُّ: "واختار الشافعي ﵀ منها ثلاثة أنواع: (أحدها): صلاته ﷺ ببطن نخل. (والثاني): صلاته ﷺ بذات الرِّقاع. (والثالث): صلاته ﷺ بعُسفان، وكلها صحيحة ثابتة في "الصَّحيحين"، ولصلاة الخوف نوعٌ رابعٌ جاء به القرآنُ، وذكره الشافعيُّ وهو صلاة شِدَّة الخوف؛ قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ " (١).
ويُوافقه أحمد على هذه الصفة في حديث صالح بن خَوَّات، ويجوز الصلاة بكل صفة وَرَدَت.
* قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ هَذَا الحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ مَوْقُوفًا؛ كَمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: أَنَّهُ لَمَّا قَضَى الرَّكْعَةَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ سَلَّمَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْهُمْ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَارَ مَالِكٌ هَذِهِ الصِّفَةَ، فَالشَّافِعِيُّ آثَرَ المُسْنَدَ عَلَى المَوْقُوفِ، وَمَالِكٌ آثَرَ المَوْقُوفَ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالأُصُولِ: (أَعْنِي: أَلَّا يَجْلِسَ الإِمَامُ حَتَّى تَفْرُغَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ الإِمَامَ مَتْبُوعٌ لَا مُتَّبعٌ)، وَغَيْرُ مُخْتَلَفٍ عَلَيْهِ).
كأنَّ مالكًا قاس على سائر الصلوات؛ فالمأموم ينتظر الإمام بلا عكس، فقَدَّم هذه الصفة لِمُوافقتها الأصول، ووافقه على ذلك أبو ثَوْرٍ.
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ سَجَدَ الآخَرُونَ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، فَسَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا"، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ صلَّاهَا بِعَسَفَانَ، وَصَلَّاهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ هَذَا عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِي ﷺ .
قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَهُوَ أَحْوَطُهَا، يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ كَبِيرُ عَمَلٍ مُخَالِفٍ لِأفْعَالِ الصَّلَاةِ المَعْرُوفَةِ، وَقَالَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جُمْلَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَخَرَّجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَقَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِكُمْ").
لكن ينبغي تقييد هذه الصفة بقيود؛ قال ابن قُدامة في "المُغني": "ومِن شرط هذه الصلاة: أن يكون العدو في جهة القبلة؛ لأنه لا يُمكن حراستهم في الصلاة إلا كذلك، وأن يكونوا بحيث لا يَخفى بعضهم على بعض، ولا يُخاف كمين لهم" (١).
* قوله: (وَالصِّفَةُ الخَامِسَةُ: الوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ. قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ زَهْدَمٍ: "كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ، فَقَامَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الخَوْفِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، فَصَلَّى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا شَيْئًا"، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ مُخَالَفَةً كَثِيرَةً. وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الحَضَرِ أَرْبَعٌ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَفِي الخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ"، وَأَجَازَ هَذِهِ الصِّفَةَ الثَّوْرِيُّ).
стр. 2187
وقد قال بهذه الصفة طائفةٌ من السَّلف؛ منهم: طاوس، ومجاهد، والحَسَن، وقتادة، والحَكَم، ويقتضي عموم كلام أحمد جوازها؛ لأنه ذَكر ستة أوجه، ولا أعلم وجهًا سادسًا سواها، وأصحابنا يُنكرون ذلك (١).
وهذه الصفة تختصُّ بشدة القتال، ولا تستعمل عمومًا؛ قال ابن قدامة: "والذي قال منهم: ركعة، إنَّما جعلها عند شدة القتال".
* قوله: (وَالصِّفَةُ السَّادِسَةُ: الوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ"، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الحَسَنُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِ نِيَّةِ الإِمَامِ وَالمَأْمُومِ لِكَوْنِهِ مُتِمًّا، وَهُمْ مُقْصِرُونَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ).
لكن في حديث أبي بَكْرَة أنَّه سَلَّم من الركعتين، وصَلَّى بالأخرى ركعتين، ثم سَلَّم؛ روى أبو داود عن أبي بكرة، قال: "صَلَّى النبي ﷺ في خوفٍ الظهرَ؛ فصَفَّ بعضُهم خلفه، وبعضهم بإزاءِ العدو، فصلى بهم ركعتين، ثم سَلَّم، فانطلق الذين صَلَّوْا معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سَلَّم، فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين"، وبذلك كان يُفتي الحسن.
وأمَّا حديث جابر -وهو مخرج في "الصَّحيحين"- وفيه: "فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصَلَّى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان".
ومأخذ الحَسن أن النبي ﷺ أَتَمَّ أربعًا، وهم قد صلوا ركعتين؛ فدل على صِحَّة اختلاف نية الإمام والمأموم.
مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ: "لَا يُصَلِّي الخَائِفُ إِلَّا إِلَى القِبْلَةِ" (١)، وَ"لَا يُصَلِّي أَحَدٌ فِي حَالِ المُسَايَفَةِ" (٢). وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةُ هَذَا الفِعْلِ لِلْأُصُولِ).
أي: لأصول الصلاة؛ فإنَّ مَن صلى هذه الصلاة احتاج إلى الإخلال باستقبال القبلة والطمأنينة، وغير ذلك، فرأى أبو حنيفة أنه لا يُصلي على هذه الحال. وإذ قد ثبتت السُّنَّة بها، فلا تعويل على غيرها.
* قوله: (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا جَائِزَةٌ، وَأَنَّ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يُصَلِّيَ أَيَّتَهَا أَحَبَّ).
ومنهم الإمام أحمد، وأصحابه كما قَدَّمنا.
стр. 2190
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا كانَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ المَوَاطِنِ).
أي: أن كل صلاة تُناسب حالة، فبعضها يُناسب إذا كان العدو في القِبلة، وبعضها بعكسه، وبالجملة؛ فتعدد هذه الصفات توسيع من اللَّه تعالى على المكلفين، فيُشرع لهم أن يأخذوا بما يحتاجونه من ذلك، واللَّه أعلم.
(البَابُ السَّادِسُ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّالِثَةِ فِي صَلَاةِ المَرِيضِ)
الصلاة لها عِدَّة أبواب، وقد مرَّ بنا جملة منها، أولها: حُكمُ الصلاة، وصلاة الجماعة، وصلاة الجمعة، وكذلك صلاة السَّفر، وغير ذلك، وبقي -أيضًا- أنواع من الصلوات ستأتي، كصلاة العيدين، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الجنازة، ونحن الآن نتحدث عن صلاة المريض.
والمريض مَن لَحِقَه مرضٌ، فهل المرض عذرٌ في إسقاط الصلاة، أو هو عذرٌ في تخفيفها؟
لا شَكَّ أن المريض مخاطب بالصلوات فهو يدخل في الخطاب بقول اللَّه : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينَّة: ٥]، وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ. . .﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت في شأن الصلاة.
وجاءت السُّنَّةُ النبوية ببيان أهمية الصلاة، وما يتعلَّق بها.
стр. 2191
فالمريض داخلٌ في المُخاطَبِين بوجوب الصلاة، ولكن اللَّه جعله من أهل الأعذار، وبيَّن الرسول ﷺ الحالة التي يُصَلِّي عليها المريض، فلا تَسقط عنه الصلاة في أيِّ حال، فإن عجز عن القيام صَلَّى قاعدًا، وإن عجز عن القعود صَلَّى مُضطجعًا على جنبه، فإن لم يستطع صلى مُستلقيًا، ولا تسقط عنه، ولو وصل الأمر به إلى أن يشير، وهذا يدلنا على عظيم أهمية الصلاة.
والمريض أحدُ سبعةٍ وَرَدَ التخفيفُ عنهم في هذه الشريعة المطهرة.
فإن أسباب التخفيف في هذه الشريعة سبعة: يأتي منها السَّفر، والمرض، والإكراه؛ فالمُكره يُخفف عنه تخفيفًا مُقَيَّدًا بقيود وحدود بَيَّنها العلماء.
ومن أسباب التخفيف: النِّسيان، والجهل، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، يقول ﵊: "عُفِيَ لأمَّتِي عَن الخَطَأِ والنِّسيان وما اسْتُكرِهوا عليهِ".
ومن أسباب التخفيف: عُموم البلوى، فهناك أمور يَشُقُّ على الإنسان أن يَتخلص منها -ولها أمثلة كثيرةٌ جدًّا- وربما نَعرض للشيء من ذلك حال حديثنا عن هذه المسألة أو غيرها إن شاء اللَّه.
ومن أسباب التخفيف: النقص، والمراد به: القصور، ومن ذلك: رَفْعُ القلم عن الصَّبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق.
ومنه العبد؛ فقد خَفَفت عنه هذه الشريعة كثيرًا من الأحكام نظرًا لظروفه ونَقْصِه، فمنها: عِدَّة المملوكة تأتي على النِّصف من عدة الحرة، وكذلك الحدود خُفِّف عنهم فيها، فلم يُساووا الأحرار، والمرأة تَسقط عنها الجمعة والجماعة، ولا يجب عليها الجهاد، واختصت ببعض الأحكام، فأُبيح لها لبس الذهب والحرير، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة.
وقد استوعب العلماء ذلك فيما يُعرف بالقواعد الفقهية؛ وهذا
стр. 2192
الموضوع يَنبني على قاعدةٍ هامة، وهي قاعدة: "المَشقة تَجْلِب التَّيسير" (١).
* قوله: (أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المَرِيضَ مُخَاطَبٌ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ (٢)).
هذا محلُّ إجماع؛ لأنه يدخل ضمن المخاطبين المأمورين بأداء الصلاة المَنهيين عن تركها، ولكن مرضه سبب من أسباب التخفيف؛ ولذلك يُيسر عليه؛ كما في حديث عمران بن الحُصين: أن الرسول ﵊ قال له: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلى جَنبٍ"، وهو حديث أخرجه البخاري وغيره (٣)، ويتبين به أن للمريض أحوالًا.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ القِيَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ، وَيُصَلِّي جَالِسًا (٤)).
للصلاة أركان وشروط، وقد تقدم من شروط صحتها: ستر العورة، واستقبال القبلة، وغير ذلك.
ومن أركانها: القيام فلا يَسقط إلا بالعجز عنه، ومن قَدر على القيام
стр. 2193
وعجز عن الركوع والسجود لم يَسقط عنه القيام؛ لأنه ركن مُستقل بذاته. ونظيره: مَن عجز عن القراءة لم يسقط عنه القيام، والعكس: مَن عجز عن القيام لم تَسقط عنه القراءة؛ لأن كُلَّ ركن منها قائم بذاته.
* قوله: (وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الرُّكُعِ وَالسُّجُودِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا، وَيُومِئُ مَكَانَهُمَا (١)).
الركوع والسجود ركنان، ومع ذلك يسقطان في حال العجز، أو لحوق ضرر، وسيأتي مُفَصَّلًا إن شاء اللَّه.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَفِي هَيْئَةِ الجُلُوسِ، وَفِي هَيْئَةِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الجُلُوسِ وَلَا عَلَى القِيَامِ؛ فَأَمَّا مَنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: هَذَا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ القِيَامَ أَصْلًا (٢)).
اختلفوا فيمن رُخِّص له أن يُصَلِّي جالسًا، هل هو العاجز عن القيام
стр. 2194
مطلقًا؛ كالمشلول الذي لا يستطيع النهوض؟ أو هو الذي يستطيع النهوض ولكن تَلحقه مضرة بالقيام يُسَمِّيها الفقهاء: المشقة.
وإن قلنا: إن المقصود بذلك مَن تلحقه مشقة، فما نوع هذه المشقة؟
فالمشقات تتفاوت، وليست كلها على نسق واحد، ولا مرتبة واحدة؛ فَمِن المشاق ما يترتب عليه لحوق ضَرر بَيِّن قد يؤدي إلى إزهاق النفس أو ذهابها، ومن المشقة ما قد يؤدي إلى ذهاب عضو من أعضاء الإنسان، ومنها ما هو سهل يسير، ومنها ما يأتي منزلة بين المنزلتين؛ فلا تصل إلى درجة لحوق الهلاك بالإنسان، ولا تَنزل إلى درجة المشاق اليسيرة.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: هُوَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ القِيَامُ مِنَ المَرَضِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ).
ليس هذا مذهب مالك فحسب، بل هذا هو رأي جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (١)، وهو الذي يلتقي مع رُوحِ هذه الشريعة ولُبِّها، والمقصود: مَن يَلحقه مشقة وضرر بقيامه.
стр. 2195
وقال: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهم هو: هَلْ يَسْقُطُ فَرْضُ القِيَامِ مَعَ المَشَقَّةِ أَوْ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ؟ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ).
ليس المراد بقوله: (وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ): أنَّه ليس فِيمن عَجز عن القيام نصٌّ بالجلوس، وإنَّما مراده أنه ليس هناك نصٌّ يُبَيِّن: هل المراد بالعاجز عن القيام هو العاجز مطلقًا، أو هو الذي يستطيع ولكن تلحقه مشقة؟ ولذلك لا يصحُّ تَعليق البعض بقولهم: "بل فيه نصٌّ"، ثم يُورد حديث عمران بن حصين، وفيه: قوله ﵊: "صَلِّ قائمًا، فإن لَم تَستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلى جَنْبٍ"؛ إذ ليس هذا مراد المؤلف، بل قصد أنه لم يَرِد نَصٌّ يُحَدِّد المراد بعدم الاستطاعة: هل هي العجز، أو القدرة مع لحوق المشقة؟
ومع ذلك؛ فعمومِ أدلة الشريعة دالٌّ على ذلك، فاللَّه عندما يذكر لنا كثيرًا من الأحكام يُذيِّلها -أي: (يختمها) - بذكر الحُكم ثم يَذكر علته؛ فعندما تكلم عن الوضوء والغُسل في سورة المائدة في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]- فَذَكَر الحُكم، ثم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، والحرج: المَشقة، فاللَّه عندما خَفَّف عن المؤمنين في هذه الأحوال وأنزل التيمم وشَرعه، إنَّما أراد بذلك أن يَرفع المشقة عن المؤمنين.
واللَّه -أيضًا- يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] تذييلًا لآيات الصيام.
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٧، ٧٨].
стр. 2196
فاللَّه رَفَعَ الحرج عن هذه الأمة، والأدلة على ذلك كثيرة في كتاب اللَّه ، وأَمَّا سنة رسول اللَّه ﷺ فهي مليئة بمثل ذلك، فالرسول ﵊ عندما أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن بِمَ أوصاهما؟ قال: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا" (١).
وقال ﵊ أيضًا في الحديث الصَّحيح: "إنَّما بُعِثْتُم مُيَسِّرِين، ولَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين" (٢).
و"ما خُيَّر رسولُ اللَّه ﷺ بين أمرين؛ أحدهما أَيْسَر من الآخر إلا اختار أَيْسَرَهما، ما لم يكن إثمًا" (٣)، وبُعِث ﵊ بالحَنِيفية السَّمحاء، والأحاديث كثيرةٌ جدًّا.
ومِن مجموع هذه الأدلة في كتاب اللَّه وفي سنة رسوله ﷺ أَسَّسَ العلماء القاعدة المعروفة؛ إحدى القواعد الخمس الكبرى: "المَشقة تَجلب التيسير".
فقد أخذها العلماء من النصوص، وقالوا: إنَّ الرُّخص في هذه الشريعة والتَّخفيفات إنَّما مدارها على هذه القاعدة: "المَشقة تَجلب التَّيسير".
وهذه القاعدة لم يَضعها العلماء ارتجالًا، وإنما أخذوها واستمدوها من كتاب اللَّه ومن سُنة رسول اللَّه ﷺ ، ونحن لو أردنا أن نتتبع سيرة رسول اللَّه ﷺ في أقواله، وفي أيضًا أفعاله وفي توجيهاته وفي تقريراته -لوجدنا أنه ﵊ إنَّما كان يُوَجِّه إلى التيسير.
فهذه الشريعة قامت على أُسُسٍ منها:
* عدم المشقة.
* العدالة بين الناس.
стр. 2197
* مراعاة مصالحهم.
فقول المؤلف: (لم يَرِد نصٌّ) مُعارَض بعموم أدلة الشريعة الدالة على التيسير والتخفيف، فليس المقصود من ذلك: العجز عن القيام، وإنما المقصود لُحوق المشقة.
فهذا القول هو الرَّاجح في هذه المسألة، بل الذي نراه صوابًا أن المراد بقوله: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تَستطع فقاعدًا، فإن لم تَستطع فَعَلَى جَنْبٍ"، هو مَن تَلحقه مشقة يتضرر بها لو قام، أما إذا كانت المشقة يَسيرة فلا اعتبار لها في هذا المقام.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الجُلُوسِ: فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَجْلِسُ مُتَرَبِّعًا (أَعْنِي: الجُلُوسَ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنَ القِيَامِ)).
الخلاف هنا في الأفضلية لا الصِّحة. والتربيع معروف؛ فأكثر العلماء يقولون بالتربيع، وهو مذهب مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد في الصحيح المشهور عنه (٣).
стр. 2198
وتعليلهم الجلوس متربِّعًا: أنَّه إذا عجز الإنسان عن القيام، أي: لَحِقته مشقةُ ظاهرة فَصَلَّى قاعدًا، فإنه يجلس على هيئة تُخالف الهيئة التي كان يجلس عليها؛ لأنَّ هذا الجلوس بدلٌ من القيام، فينبغي أن يكون بدل القيام مخالفًا للجلوس المعتاد في الصلاة؛ كجلوس الافتراش أو التَّوَرُّك (١).
والافتراش: أن يَفرش رِجْلَه اليُسرى ويجلس عليها.
والتورك: أن يَجلس على وركه، ويُقَدِّم رِجْلَه اليسرى.
ومن العلماء من يقول: يجلس على أيِّ هيئة كانت.
ومنهم من يقول: يجلس مُفترشًا، وهي رواية للشافعي (٢).
ومنهم من يقول: يَجلس متوركًا.
ومنهم من يرى أنه: يَنصب رجله اليمنى.
وأما مَن ذهب إلى أنه يجلس إمَّا مفترشًا أو متوركًا أو على أي هيئة من هيئات الصلاة يختارها؛ فحللوه بأن التربيع قُحود العادة، بينما الافتراش جلوس العبادة، فنُقَدِّم جلوس العبادة على جلوس العادة.
стр. 2199
* قوله: (وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ الجُلُوسَ مُتَرَبِّعًا (١)؛ فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْبِيعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ. .).
عِلَّة مَن رأى كراهة التربيع: أنه جلوس العادة، فلا ينبغي أن يكون جلوس الصلاة.
* قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْبِيع فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ)؛ أي: لكونه حَلَّ مَحل القيام، لا أنه وَجلوس التشهد شيء واحد؛ فالتربيع كما لو جلس العاجز كجلسة التشهد.
* قوله: (وَمَنْ كَرِهَهُ، فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُلُوسِ الصَّلَاةِ).
أي: ليست من هيئات الصلاة، وقال بعضهم: بل هو الأَولى؛ لأنه بدل قيام، والقيام غير الجلوس، فينبغي أن يكون ما يَخلفه ويَنوب عنه ويَحل محله يختلف عن الجلوس المعروف.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ صَلَاةِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى القِيَامِ وَلَا عَلَى الجُلُوسِ، فَإِنَّ قَوْمًا فَالُوا: يُصَلِّي مُضْطَجِعًا، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصَلِّي كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَقَؤمٌ قَالُوا: يُصَلِّي مُسْتَقْبِلًا رِجْلَاه إِلَى الكَعْبَةِ).
اختلف العلماء في الحالة الثالثة، وهي العاجز عن الجلوس (٢).
هل يُصَلي في هذه الحالة على جَنْبه مضطجعًا؟
وإذا قلنا: على جنبه؛ فهل الأَولى أن يَضطجع على جنبه الأيمن، أم هو مُخيَّر بين الجنبين، أم يُصلي مُستلقيًا؟
стр. 2200
ورد في رواية ليست في البخاري: "فإن لَم تَستطع فعلى جنبٍ، فإن لم تَستطعْ فمستلقيًا".
فالاستلقاء (١) جاء مرحلة رابعة، ولكن هذه الزيادة فيها كلام للعلماء (٢).
أكثر الفقهاء ومنهم المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على أنَّ العاجز عن الجلوس يُصلي مضطجعًا، والأفضل: أن يضطجع على جَنْبِه الأيمن ووجهه إلى القبلة.
وقال الآخرون: يَستلقي فيَمُدُّ رِجْلَيه ناحية القبلة ووجهه، أي: ينام
стр. 2201
متمددًا إلى القِبلة، ودليلهم في ذلك نَصُّ الحديث: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِع فقاعدًا، فإن لم تستَطِع فعلى جَنبٍ"، وهذا نصٌّ، ولا اجتهاد مع النص. والنص ما لا يَقبل تأويلًا ولا تبديلًا، فلا يجوز لنا أن نجتهد مع وجود النص.
والذين قالوا: يُصلي مستلقيًا: أبو حنيفة (١)، وبعض السَّلف (٢)، وخالفه صَاحِبَاه (٣)، وله رواية بموافقة مذهب الجمهور (٤).
وقد عَلَّلوا قولهم: بأنه في هذه الحالة يَتَجه إلى القبلة، فإذا أراد أن يركع رفع رأسه، وإذا أراد أن يَسجد اتَجه إلى القبلة، وأمَّا الذي ينام على جنبه الأيمن؛ فإنه إذا أراد أن يَسجد لف رأسه فاتَّجه إلى غير القبلة (٥).
وأجاب الجمهور: بأن الصَّحيح في حال ركوعه يكون وجهه إلى الأرض، وكذلك في سجوده؛ فيَبقى الإشكالُ واردًا.
ولا شكَّ أن الوقوف عند النص هو الأَوْلَى بأن يُصلي الإنسان قائمًا؛
стр. 2202
فإذا لَحِقته مشقة بَيِّنة وظاهرة؛ قد يَحصل معها تأخر الشفاء أو مُضاعفة الألم أو تأخر البُرء، فإنه يُصلي جالسًا على أيِّ حال.
وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الأفضل، فإن عَجَز صَلَّى على جنبه، والأَولى أن يُصلي على جنبه الأيمن، لأنَّ الرسول ﷺ "كان يُعجبه التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه، وطهوره، وفي شأنه كله" (١).
وشرع للإنسان إذا دخل المسجد أن يُقَدِّم رِجْله اليُمنى، وإذا خرج يقدم اليسرى، وكذلك في لبس ثيابه، وغير ذلك؛ فكل عمل فيه فَضْل فإنه يُقدم فيه اليمين، فالأولى أن يُصلي على الجانب الأيمن، لكن لو صَلَّى على جانبه الأيسر صَحَّت صلاته عند مَن يفضلون الصلاة على الأيمن.
• مسألة:
هل تصحُّ صلاة مَن صلى مُستلقيًا عند مَن يقول: "يُصَلِّي على جنب"؟
فأكثرهم قالوا: تَصِحُّ (٢). لأن هذه من هيئات المصلي، فيصح له ذلك.
ونازعت قلة منهم في ذلك (٣).
стр. 2203
والأولى بالمسلم أن يقف عند ظاهر النصوص -ما دامت بَيِّنة- فيأخذ بما هو الأحوط له في دينه وأبرأ له في ذلك.
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَلَى جَنْبِهِ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا وَرِجْلَاهُ إِلَى القِبْلَةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ ابْنُ المُنْذِرِ).
ولا يَنتهي الأمر عند هذا الحَدِّ، فلو لم يَتيسر له القيام ولا الجلوس ولا الاستلقاء - أَوْمَأَ إيماءً ولو بِطَرْفِه.
وهذا كله يدل على خطورة الصلاة، وعِظم شأنها وأهميتها، وأنَّها لا تسقط في حال من الأحوال.
[الجملة الرابعة في قضاء الصلاة وجبر ما يقع فيها من خلل]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَشْتَمِلُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الَّتِي لَيْسَتْ أَدَاءً)
أراد بذلك أن يقول: إنَّ من أفعال الصلاة ما هو أداء (١)، ومنها ما هو قضاء (٢)؛ فإذا ما جاء المصلي مثلًا وقد سبقه الإمام برَكْعَةٍ أو رَكْعَتَين، فهل ما سيُؤدِّيه يُعْتبر قضاءً أم أداءً؟ هذا مما سيَذْكره المؤلف، وفيه خلافٌ بين العلماء، ويَترتَّب عليه أيضًا أحكامٌ أُخرى، وفروعٌ.
ولا شكَّ أن اختيارَ المؤلف لمثل هذه المسائل مهمٌّ، وربما قد نرى
стр. 2204
مسائل تتكرر معنا في هذا الكتاب، وهذه من أقل الكتب تكرارًا، فلَوْ قرأ القارئ في الكتب الموسعة مثلًا؛ يجد المسائل تَتكَرَّر كثيرًا أما هنا، فقد يُكرِّر المسائل؛ ليزيد في بيانها في أمرٍ لَمْ يسبق أن تحدث عنه.
* قوله: (وَهَذِهِ هِيَ: إِمَّا إِعَادَةٌ، وَإِمَّا قَضَاءٌ، وَإِمَّا جَبْرٌ لِمَا زَادَ).
قَسَّم المؤلف الأفعالَ التي ليست أداءً إلى أنها إما إعادة، أو قضاء، أو جبر لما زاد.
* الإعادة: كَأنْ تعيد الصلاة مثلًا على القول بوجوب الترتيب بين الصلوات، فلو دخل المصلي والإمام يُصلي صلاة العصر مثلًا، ثم تذكر وهو في الصلاة أنه نسي الظهر؛ فلا ينبغي له أن يقطع الصلاة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، إذ هنالك حالتان للوقت:
١ - حالة يكون الوقت أمامك موسعًا.
٢ - وحالة يكون الوقت مضيقًا.
ففي هذه الحالة يُصلي مع الإمام هذه الصلاة، ثم إذا ما فرغ يعود فيُصلي صلاة الظهر، ثم يعيد الصلاة التي صلَّاها مع الإمام.
* القَضَاء: وهو أن تدخل، فتجد الإمام قد سبقك بركعةٍ أو ركعتين أو أكثر، فَتُصلِّي معه ما أدركت، ثم بعد ذلك هل تعيد أم تقضي؟ عليه القضاء كما سيأتي في الأحاديث: "فما فاتَكم فأتِمُّوا" (١).
وفي بعض الروايات: "فما فاتكم فاقْضُوا" (٢).
والحديث المتفق عليه: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إليها وعليكم السكينة، فما أدركتم فَصلُّوا، وما فاتكم فأتموا"، رواه البخاري (٣).
стр. 2205
هَذِهِ هي الرِّواية المشهورة، وفِيهِ روَاية أُخرى صحيحة: "وَمَا فَاتكم فَاقْضُوا" (١).
إذًا، من هنا ذكر الإعادة، وكذلك أيضًا أمورٌ تتعلق بالقضاء أو الإتمام.
* قوله: (أَوْ نَقَصَ بِالسُّجُودِ).
* وإما جبرٌ لما زاد أو نقص: يقصد بهذا (سجود السهو) فقد يحصل خلل في الصلاة، وهذا الخلل (إما أن يكون نقص في الصلاة، وإما زيادة فيها، أو شك في عدد الركعات).
مثال الزيادة: أي: قَدْ يقوم الإنسان إلى خامسةٍ لصلاة رباعية، فَيُنبَّه ويعود، ثمَّ يسجد للسهو بعد السلام.
وَقَدْ يكون لنَقْصٍ في الصلاة أيضًا كما في قصة (ذي اليدين): أنَّ الرَّسُول ﷺ سلَّم من اثنتين في صلاة رباعية، فتكلم ذو اليدين، وقال: أقصرت الصلاة أم نَسيت؟ قال: "مَا قَصرت، وما نسيت"، ثم سأل الرسول ﷺ الصحابة، فذكروا له ذلك، فقام فصلى ركعتين، ثم سجد سجدتين قبل السلام (٢).
أمَّا لو شك في صلاتِهِ، فلم يدرِ كم صلى، فَلْيَبْنِ على الأقل، ويسجد قبلِ السلام، لقوله ﷺ : "إذا شَكَّ أحدُكمْ في صَلاتِهِ، فلم يَدْرِ كَمْ صلَّى، ثلاثًا أمْ أربعًا؟ فليطرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ على ما استيقنَ"، صحيح مسلم (٣).
أَيْ: لَوْ شكَّ: هل صلَّى اثنتين أم ثلاثًا، يجعلها اثنتين ويضيف الثالثة، هذا مراده.
стр. 2206
ومن هنا جاء سجود السهو بعضه بعد السلام، وبعضه قبل السلام، ولذلك بيَّن الرسول ﷺ فقال: "فإن كان صلاها رابعةً، شفعن له، وإن كان صلَّاها خمسًا كان ترغيمًا للشيطان" (١). إذ الشَّيطان يُوَسوس للإنسان في صلاته يحاول أن يوقعه، وأن يشوِّش عليه، وأن يُذْهب عنه خشوعه حتى ما يكون من المُفْلحين الَّذينَ أشَار اللَّه إليهم بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
فَاللَّه يسَّر على هذه الأمة، فأوجد سجود السهو؛ ليكون ترغيمًا (٢) للشيطان، ودحرًا (٣) له.
إذًا، القصد هنا أنك قد تعيد الصلاة، والإعادة لأجل الترتيب سيأتي الخلاف هنا فيها، هل الصلاة الفائتة تُرَتب أم لا؟
الترتيبُ متعينٌ بين الصلوات: (صلاة الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وهكذا)، لكن في الفوائت هل هناك ترتيب أم لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء سيأتي الكلام عنه على وجوب الترتيب (٤)، ولا بد من إعادة الصلاة، لكن يختلف الأمر بين أن تأتي فتجد الإمام قد شرع في صلاة العصر مثلًا وأنت تعلم أنك نسيت صلاة الظهر؛ هنا تدخل معه في هذه الصلاة، وتنوي صلاة الظهر، أما ما تَكلَّمنا عنه فهو أنك
стр. 2207
دخلتَ معه على أن هذه صلاة العصر، ثم بعد ذلك تبيَّن أنك نسيت الظهر.
وَهَذَا علَى القول بجواز اختلاف نية الإمام عن المأموم، وهو أن تدخلَ معه في العصر، فتنوي الظهر وهو يصليها عصرًا (١).
* قوله: (فَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ إِذًا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ).
إن من القضايا المهمة في هذا الكتاب هذه المسائل التي يومئ إليها المؤلف، وهي مسائل أحيانًا تكون أركانًا ومهمة يوجز الكلام فيها، وهي تحتاج إلى عنايةٍ أكثر واهتمام، وهناك مسائل يفصل القول فيها ويبينها.
* قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي الإِعَادَةِ. البَابُ الثَّانِي: فِي القَضَاءِ. البَابُ الثَّالِثُ: فِي الجُبْرَانِ الَّذِي يَكُونُ بِالسُّجُودِ).
بمعنى: إعادة الصلاة.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
стр. 2208
(البَابُ الأَوَّلُ فِي الإِعَادَةِ) (١)
* قوله: (وَهَذَا البَابُ الكَلَامُ فِيهِ فِي الأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي الإِعَادَةَ، وَهِيَ مُفْسِدَاتُ الصَّلَاةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ؛ عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا (٢)، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ؛ عَمْدًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نِسْيَانًا (٣)، وَبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ أَخَلَّ بشَرْطٍ مِنْ شُرُوط صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَإنَّما يَخْتَلِفُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الشُّرُوطِ المُصَحِّحَةِ، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا البَابِ خَارِجَةً عَمَّا ذُكِرَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ).
بَعْض العلماء يُفصِّل فيُفرِّق بين الحدث الذي يحصل باختيار الإنسان؛ سواء كان هذا المختار متعمدًا أو ناسيًا، لكنه خَرَج باختياره، وبين إنسان يطرأ عليه الحدث (أي: يغلبه الحدث)، فيحدث في ذلك، فهل الصورة تختلف؟
стр. 2209
الجواب: لا خلاف بينهم في هذا المقام أن الحدث سواء كان المحدث متعمدًا أو ناسيًا ولا فرق بين أن يغلبه الحدث أو لا يغلبه إن ذلك ينقض الطهارة، لكن الخلاف بينهم هل يبطل الصلاة أو لا (١)؟
ولذلك، جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيدٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: شُكِيَ إلى النبيِّ ﷺ الرجُلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ، قال: "لَا يَنْصَرف حتَّى يَسْمَعَ صوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (٢).
"لا ينصرف": نهيٌ من النبي ﷺ ، وليس الأمرُ قَاصرًا على أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا (٣)، فَقَدْ يخرج منه أكثر من ذلك، وَدائمًا مَنْهجُ الكتَاب وأُسْلوب رَسُول اللَّه ﷺ هو التَّكنية: أن يُكنَّى عن بَعْض الأمور: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فأَحْيَانًا لا يأتي التصريح بمَا هو مرادٌ، لكنه تَدلُّ الإشَارة عَلَيه دلالة واضحة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَقْتَضِي الإِعَادَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِذَا كَانَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ قَبْلَ طُرُوِّ الحَدَثِ أَمْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنَ الصَّلَاةِ).
مُرَادُهُ: إنَّ الحدث إذَا طرأ في الصلاة فأثَّر عليها، فَهَلْ هذا يَسْتوجب استئنافَ الصلاة، أَيْ: أن يعيدَها من أوَّلها؟ لَا يَخْتلفون في أنَّه إذا أحدث الإنسان، فإن وضوءَه ينتقض، وإنه يجب عليه أن يتوضأ، لكن بَعْد الوضوء هل يستأنف الصلاة أي: يعيدها أو أنه يبدأ من المقام الذي كان عنده؟
стр. 2210
فَمَثلًا لو أنه أحدث وهو في الركوع، فهل يعود إلى الركوع الذي أحدث فيه؟ أو أنه يبدأ الصلاة من أوَّلها.
* ذهب (المالكية (١) والحنابلة (٢) والشافعية (٣)) إلى وجوب الاستئناف، وأنه لا أثر لذلك الحدث، وذلك دون دخولٍ في تفصيل آراء هذه المذاهب.
* وَنُقِلَ عن بعض السَّلف (كعُمَر بن الخطاب (٤)، وعبد اللَّه بن