← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذا عُذْرٍ لا شكَّ أن هذا يكون سببًا من أسباب التخفيف عنه في أصل الشرع. (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ (١)، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ" (٢)، وَهَذَا الحَدِيثُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النِّيَّةُ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ فِيمَا أَحْسَبُ) (٣). والقائلون بوُجُوب التَّسْمية من العلماء إنما يقولون بوجوبها حال الذكر، وبسُقُوطها عَمَّنْ نَسِيَهَا، وقد ذكرنا هذا الكلام مُفَصَّلًا فيما مَضَى. والسَّبَبُ في قَوْلهم بوُجُوب التَّسمية إنَّما هو حديث: "لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللهَ"، فبعض العلماء استدلَّ بهذا الحديث على وجوب التَّسمية، وأكثرهم لا يَقُول بالوُجُوب (٤)، بل إنَّ بَعْضَهم فَسَّرَ ذَلكَ بأن التَّسميةَ إنَّما

стр. 247

يُرادُ بها النيَّة هاهنا (١)، وَسَببُ اخْتلَافهم حول هذا الحديث أنَّ مَدَارَهُ على ابن حَبِيب المالكيِّ، لكن الحديث له عِدَّة طُرُقٍ وشواهد، وقد حسَّنَه كثيرٌ من العلمًاء، منهم الإمام النوويُّ ﵀ (٢)، فينبغي للإنسان ألا يَغفَلَ عن ذلك. * قوله: (فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَجْرِي مِنْ هَذَا الْبَابِ مَجْرَى الْأُصُولِ، وَهِيَ كَمَا قُلْنَا مُتَعَلِّقَةٌ إِمَّا بِصِفَاتِ أَفْعَالِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَإِمَّا بِتَحْدِيدِ مَوَاضِعِهَا، وَإِمَّا بِتَعْرِيفِ شُرُوطِهَا، وَأَرْكَانِهَا، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ. وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ إِذْ كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ). ممَّا سبق يتبيَّن لنا مدَى عناية الفقهاء واهتمامهم بهَذِهِ المسائل الفقهيَّة المرتبطة بدين المسلم، فآيةُ الوُضُوءِ إنَّما ذَكَرَت لنا أُمُورًا أربعةً، لَكن العُلَماء انْتَهوا إلى هذه النتائج المفيدة لكل مُسْلمٍ بسَبَب عنَايتهم بالمَسَائل المتعلِّقة بالوُضُوء، وتَدْقيقهم فيها، وهذا كلُّه لا شكَّ إنما يَتَأتَّى من دراسة هذا الفقه العظيم، الذي لا يَبْلَى علَى طول الزَّمان عِزُّهُ، ولا يَفنَى بكثرة ما يُنفَقُ منه، فَكَمْ مَرَّ مِن العصور والدُّهُور علَى هَذِهِ الشَّريعة إلَّا أنَّها تَظَلُّ بَاقيةً ما بقي اللَّيل والنَّهار، صالحةً لكل زمانٍ ومكانٍ. أن الَّذينَ يَجْهلون قدرَ هذه الشريعة من الحاقدين عليها من غير المسلمين عندما أرادوا القدحَ فيها، لم يحاولوا التعرضَ للعقيدة الإسلامية؛

стр. 248

لأنها عقيدةٌ صافيةٌ نقيةٌ، تختلف عمَّا هم عليه من عقائدَ فاسدةٍ، فتَرَكوها لَمَّا لم يجدوا فيها مكانًا للطعن، والتجأوا إلى الفقه الإسلامي، فأَخَذوا يَقْدحون في هذا الفقه، ويتكلَّمون عنه، ويَتَّهمونه بأنه لا يعدو أن يكون حلولًا جزئيةً مفكَّكةً ليس بينها ترابطٌ، ويُقَدِّمُون عليه القانون، وَيرَوْنَه قد وُضِعَ لَه أُصُولٌ وأُسُسٌ. وقَدْ خَرَج من بين هؤلاء نَفرٌ كان قولُهُم قولَ صدقٍ، فأَنْصَفوا هذا الفقه، وعرفوا قيمتَه، وبَعْضهم قد وَجَّهَ اللومَ لبعض المُسْلمين، وقال: إنَّ على المسلمين أن يُظْهروا هذا الفقه. وقَدْ حَدث هذا الإنصاف من بعضهم عندما اطَّلعوا على مباحث العلماء، وظهر لهم ما في الفقه الإسلامي من خصوبةٍ (١) وشمولٍ، وقواعد ثابتة مستقرة صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ. بَلْ إنَّه حينما وُجِدَ من بعض الناس مَنْ يدَّعي أنَّ الفقه الإسلامي استفاد من القانون الروماني -حِينَئذٍ وَجَدْنَا منهم مَنْ خرج ليدحض هذه الشبهة، ويُفنِّدها، ويبين عدم صحتها؛ لأن القانون الروماني في الأصل لم يُتَرجَم للعربية إلا في القرن الثالث، بمعنى أن القانون الروماني حينما تُرجِمَ كان الفقه الإسلامي قد نَضَجَ، وعُرِفَ، وتَنَاقَلَتْهُ الأجيالُ، وكَانَ الأئمَّة الأربعة قَدْ وَضَعُوا أصُولَهم، وَدَرَّسُوا مَذَاهبَهم الفقهيَّةَ، وَمَحَّصوها، بَلْ كَانَ تلاميذهم قَدْ بَحَثوا في عِلَلِ الأحْكَام، وخَرَّجُوا على مَسَائِلِ أصْحَاب المَذَاهب، واستَدَلُّوا علَيها، وَكَانت المَوْسوعاتُ قد دُوِّنَت. وَمَن له اطلاعٌ ومعرفة بتاريخ المذاهب والأدب العربي والتاريخ الإسلامي يجد أن غالب الكتب التي تُرجِمَت من اليونانية وغَيْرها إنَّما عُنِيَتْ في الأَصْل بالفلسفة والمنطق، وهذا قَدْ لا يفيد الإسلامَ، بَلْ قد يكون فيه ضررٌ على الإسلام، أما الفقه، فَهُوَ الَّذي أفادَ غَيْره، حتى إننا لَنَجِدُ أن القانون الفرنسي استفاد كثيرًا من الفقه المغربيِّ؛ لأنه كان موجودًا

стр. 249

في الأندلس، ومن يَقْرأ في كُتُب القانون يُدرِك أهمية ذلك، ومن هنا يتبيَّن لنا مدى خصوبة الفقه الإسلامي. وَمَن الجدير بالذِّكْرِ أنَّ تَجَدُّدَ الحوادثِ والوقائعِ يَسْتَلزم على الدوام أن يكون هناك مَنْ يُعْنَى بهذا الفقه ويُمَحِّصُهُ، ولذا فإننا ننبه دائمًا على أنَّ دراسة الفقه إنما تكون دراسةً مقارنةً فاحصةً لا تَهْدُفُ إلى نُصْرة مَذهبٍ بعينه من المَذَاهب، بَلْ يجب أن تكونَ الغاية من دراسة الفقه هي معرفة الحق من أجل اتباعه كائنًا مَن كان صَاحِبُهُ، فلو أن إنسانًا يتبع مذهبًا من المذاهب، ثمَّ ظهر له بالدليل أن الحقَّ في غيره، فإنما يَتوجَّب عليه الرُّجوع إلى الحق، بل إن هذا هو تمام الاقتداء بأئمة المذاهب الذين كانوا يقولون: "إِذَا صَحَّ الحَدِيثُ، فَهُوَ مَذْهَبِي" (١). والأَخْطَرُ من ذَلكَ أن نجدَ من المسلمين مَنْ يتعصَّب لإمامه في بعض الفروع، أو يتعصب له في مسائلَ ضعيفةٍ، ثم إذا به يترك الأخذَ برأيه في أمور العقيدة التي هي أساس هذه الشريعة ولُبُّهَا، والأصل أن يُعْنَى الإنسان أَوَّلًا بأمر العقيدة، حتى إذا ثَبَتَتْ في قلبه واستَقَرَّتْ، فَحِينَئذٍ له أن يُفَرِّعَ علَيها، ولذَلكَ أمْضَى الرَّسُولُ ﷺ في مكَّة ثلاثةَ عَشَرَ عامًا، وهُوَ يُعْنَى بأمر العقيدة، لم يَكلَّ ولم يَملَّ حتى أرساها وَثبَّتَها، ثم لَمَّا انتَقَلَ إلى المدينة، زادت العناية بالأحكام لَمَّا بدأَت هذه الأحكام تزداد كثوةً. ونخلص من هذا كله إلى أهمية الاهتمام بدراسة الفقه دراسةً مقارَنةً وافيةً، وهذه الدراسة لها مَيْزَةٌ تنفرد بها عن دراسة المذهب الواحد، وهي الوقوف على آراء باقي أصحاب المذاهب، ومعرفة دليل كلٍّ منهم، ولا شكَّ أن الدارس حِينَئذٍ قَدْ يجد في تلك المذاهب ما لَنْ يجده في دراسة المذهب الواحد، فالذي يدرس مذهبًا بعينِهِ من المَذَاهب إنَّما يَدُورُ في فَلَك ذلك المذهب لا يخرج عنه.

стр. 250

قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: (المسح على الخفين) * قوله: (وَالكَلَامُ المُحِيطُ بِأُصُولِهِ يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ). قد يسمع -الإخوةُ- كثيرًا هذه المسألةَ في أصول أمَّهات المسائل، ومن أسباب اختياري لهذا الكتاب أنه كتابٌ يعنى بأمَّهاتِ المسائل، فهو أقرب إلى القواعد الفقهية، وفي شرحنا للمسح على الخفين سيضطرنا المقام أن نعرضَ لقاعدةٍ أو قاعدتين فقهيتين من حيثُ الإيجازِ لا الإطناب (١)، لما لهما من عَلاقَةٍ بالمسح على الخفين من حيث التخفيف؛ لأنَّ المسحَ على الخفَّين مبنيٌّ على التخفيف، فهو إنما وُضِعَ تيسيرًا في هذه الشريعةِ السمحةِ. إذًا قوله: (بِأُصُولِهِ) يعني: أصولَ هذا الباب، وليس معنى ذلك أنَّ كلَّ ما يتعلق بالمسحِ على الخفين إنَّما يذكره المؤلف في هذا الكتاب، بل هو يذكرُ أصولَ المسائلِ، وإذا ضَبَطَ الإنسانُ أصولَ المسائل سَهُلَ عليه أن يَعْرِفَ فروعَهَا وجزئيَّاتِها. * قوله: (فِي سَبْعِ مَسَائِلَ). في العادةِ أنَّ الفقهاء يضعون عُنوانًا مستقلًّا فيقولون مثلًا: بابُ المسح على الخفين، لكنَّ المؤلف أدخله هنا ضمن هذه المسائل؛ لأنه يربط الأبوابَ بعضَها ببعضٍ، فهو لصلته بباب الوضوء لم يفصله عنه، غير أنَّ بعض الفقهاء يعنونونَ للمسح على الخفينَ بباب مستقلٍّ فيقولون: باب المسح على الخفين، على أساس أن الوضوء إنَّما هو كتاب، وكذلك الطهارة، فيقال: كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة. إذًا هنا باب المسح على الخفين، فما معنى المسح على الخفين؟

стр. 251

المراد بكلمةِ: (المسح) إنَّما هو: إمرارُ اليد (١)، يعني: عندما يلبس الإنسانُ الخفَّ يُمِرُّ يده عليه، وليس المقصود إمرارَ اليد مجردةً، وإنما: تُبَلّ اليَدُ وُيمِرُّ بها على الخفين. وسنرى في مسألةٍ قادمةٍ اختلافَ العلماء، هل المطلوب في مسح الخفين هو مسحُ أعلى الخف فقط؟ أو مسح أسفله وأعلاه؟ أو: أنَّ المراد هو مسحُ أسفلِ الخفِّ فقط، وهو رأيٌ ضعيفٌ باطلٌ؟ كلُّ هذا سيأتي الكلام عنه -إن شاء الله-. * فائدة: كلمة "مسائلَ" مجرورة بالفتحة، لأنها ممنوعةٌ من الصرف. * قوله: (بِالنَّظَرِ فِي جَوَازِهِ). المراد بقوله: (فِي جَوَازِهِ) يعني: في حكمه، يعني: ما حكم المسح على الخفين؟ هل هو جائز أو غير جائز؟ والأحاديث في ذلك كثيرة (٢)، ولن نقتصر على كلام المؤلفِ؛ لأننا نرى في مثل هذه المسائل المهمَّة، أنه ينبغي أن نُجَلِّيَها (٣) ونبيِّنَها تفصيلًا، لكن قد تمرُّ منها مسائلُ بسيطة واضحةٌ لا نحتاج إلى أن نقف عندها طويلًا. * قوله: (وَفِي تَحْدِيدِ مَحَلِّهِ، وَفِي تَعْيِينِ مَحَلِّهِ، وَفِي صِفَتِهِ: (أَعْنِي: صِفَةَ المَحَلِّ، وَفِي تَوْقِيتِهِ، وَيي شُرُوطِهِ، وَفِي نَوَاقِضِهِ). هذه سبعُ مسائلَ سيذكرها المؤلِّف، وهي أمَّهاتُ هذا الباب، لكنْ هناك مسائل أُخرى لنبدأ بها، وهو الكلام في حكم المسح على الخفين.

стр. 252

* قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: فَأَمَّا الجَوَازُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: القَوْلُ المَشْهُورُ: أَنَّهُ جَائِز عَلَى الإِطْلَاقِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (١)، وَالقَوْلُ الثَّانِي: جَوَازُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ) (٢). المؤلف لَخَّص لنا الأقوال في أقوالٍ ثلاثةٍ: القول الأول: جوازه مطلقًا، يعني: يجوز المسح على الخفين مطلقًا سواء كان المسح في سفرٍ أو حضرٍ، وهذا قول عامَّة العلماء، بل إنَّ ابن المنذر ﵀ حكى في كتابه: "الإجماع": إجماعَ العلماء على هذه المسألة (٣)، ولم يعتدَّ بذلك الخلاف الذي سيذكره المؤلف. ومن الأمور التي ينبغي أن نشير إليها: أنَّ في مذهب الإمام مالك في حكم المسحِ على الخفين ستَّ رواياتٍ (٤)، المؤلف لم يعرض لها، ونحن

стр. 253

لا نريد أن ندخل في تفريعات المذاهب، وخصوصًا أنها آراؤها واهية، لكنَّ المشهور الصحيح من مذهب الإمام مالك أنه يلتقي مع جماهير العلماء، في جواز المسح على الخفين. ومما يدلُّ على ذلك ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريِّ أنه قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ "أنَّ رسولَ الله ﷺ مسح على الخفين" (١). ونُقل عن عبد الله بن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين أنه جائزٌ خلاف، أي: لا خلاف في جوازه (٢). وقال الإمام أحمد ﵀: ليس في قلبي شيٌ من المسح على الخفين (٣). مراده: أنه لا يرتاب في جواز ذلك ولا يتوقف، بل نفسه مطمئنةٌ وفؤاده مستقِرٌّ، وعلَّل ذلك بأنه: بلغهُ أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ (٤)، ما بين مرفوعٍ إلى رسول الله ﷺ وموقوف على الصحابة. إذًا رأينا أنَّ القولَ الأولَ هو قول عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة على أساس الرواية المشهورة عن الإمام مالك، لأنَّ الإمام مالكًا له ثلاتُ رواياتٍ (٥) كلها تلتقي حول هذا:

стр. 254

الرواية الأولى: القول بجوازه مطلقًا، وهو قول عامة العلماء. الرواية الثانية: القول بمنع جوازه في السفر دون الحضر. الرواية الثالثة: جوازه في الحضر دون السفر. لكنَّ الصحيحَ المشهورَ الذي تلقاه المالكيةُ بالقبولِ، وأخذوا به ودوَّنوهُ في مذهبهم هو قولُ عامةِ العلماءِ، وهذا هو القول الأول (١). - القول الثاني: يرى أصحابه جواز المسح على الخفين في السفرِ دون الحضر، وسنبين العلة في ذلك، وهذه رواية في مذهب مالك كما ذكرنا (٢). القول الثالث: يرى أصحابه منع المسح على الخفين، وهذا قول الشيعة والخوارج (٣). وسيأتي أن ذلك القول نُسب إلى ثلاثةٍ من الصحابة، إلى علي بن أبي طالب (٤)، وعائشة (٥)، وعبد اللّه بن عباس (٦) ﵃، وسنحقق القول في هذه المسألة، ونبين أنَّ ما ورد عن عليٍ ﵁ إنما هو على خلاف ذلك، وأن ما نُقل عن عائشة وابن عباس في كراهة ذلك إنما هو قبل أن

стр. 255

يبلغهما جواز المسح، فلما بلغهما ذلك ثبت عنهما القول بالجواز، ولذلك نقل ابن المنذر وغيره: اتفاق الصحابة على ذلك (١)، وسنجعل ذلك واحدًا من أدلة جماهير العلماء الذين يرون المسح على الخفين. * قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: مَنْعُ جَوَازِهِ بِإِطْلَاقٍ (٢)، وَهُوَ [أَشَذُّهَا]) (٣). وهذا قول شاذٌّ مردودٌ، وقد اعتبر بعض العلماء: أن هذا الخلاف لا يُعتد به، وأن الروايات الموجودة في مذهب مالك رواياتٌ ضعيفةٌ، ولا يؤخذ إلا بقوله المشهور. * قوله: (وَالأقَاوِيلُ الثَّلاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ) (٤). نعم كان هناك خلاف في الصدر الأول لكنَّ هذا الخلاف انتهى إلى وفاقٍ، ولذلك سنبين تفصيلًا ما يتعلق بما نُسب إلى الصحابة الثلاثة الذين أشرنا إليهم. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: مَا يُظَنُّ مِنْ مُعَارَضَةِ آيَةِ الوُضُوءِ الوَارِدِ فِيهَا الأَمْرُ بِغَسْلِ الأَرْجُلِ) (٥).

стр. 256

الوارد في آية الوضوء إنما هو الغسل، وفي الآية قراءتان، القراءة الأولى بفتح اللام قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، والقراءة الثانية بكسر اللام قال تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وهما قراءتان مشهورتان، وفي هذه المسألة خلاف بين بعض العلماء، وبذلك أخذ الشيعة، وانتهينا إلى ترجيح: أنَّ الصحيحَ الواجبَ المتعينَ إنما هو غسلُ الأرجل. فالذين يقولون بعدم المسح يقولون: إنَّ الَايةَ ليس فيها ذكر للمسح، وإنَّما الآية جاءت بالفرائضِ ولم تذكر إلا غسلًا، والمسح ليس بغسلٍ، ولذلك الآية تَردُّ المسح. ومن أدلة الذين يقولون بعدم جواز المسح على الخفين، بل هي من أدلة بعضهم -في الواقع- فهناك من يرى: أنَّ الأرجل لا تُغسل وإنَّما تمسح، ولكن من يقول بالغسل من هؤلاء يرى: أنَّ الآية اقتصرت على الغسل، وأنه ليس فيها ذكر للمسح، فيرون: أن ما وردَ معارضٌ لما في الآيةِ. وقد ذكر المؤلف هنا كلمة طيبة فقال: (مَا يُظَنُّ)، والظن ليس يقينًا (١)، وهذا هو الواقع، بل نقول: ما يُتَوهَّم في الواقع؛ لأنَّ الظنَّ يقرب من اليقين، فهناك يقينٌ واعتقادٌ وظنٌّ، ثم بعد ذلك شكٌّ ووهمٌ، ولذلك نقول: توهم هؤلاء، وإلا فالواقع أنَّ الآية لَا تتعارض مع ما ورد من أحاديثَ في ذلك، وإنَّما الآية جاءت في المغسولات، وهي لا تتحدث عن لابس الخفين، إنَّما تتحدث عن غير لابس الخُفِّ.

стр. 257

* قوله: (لِلْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي المَسْحِ مَعَ تَأَخُّرِ آيَةِ الوُضُوءِ، وَهَذَا الخِلَافُ كلانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي الصَّدْرِ الأَوَّلِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ آيَةَ الوُضُوءِ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ الآثَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَاحْتَجَّ القَائِلُونَ بِجَوَازِهِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ" (٢)). المؤلف أوجز الكلام في هذه المسألة، وهي أهمُّ من أن نُمرَّها كما في الكتاب، فهي مسألة هامَّة، ونحن كما قلنا في دراستنا للفقه: إننا ينبغي أن نحرر المسائل ونحقق القول فيها، لا سيَّما المسائلُ التي يحتدم فيها الخلاف، ويكون الخلافُ فيها ضعيفًا أو ساقطًا، فنحن لا نرى من بين هذه الآراء إلا رأيًا واحدًا، وهو رأي الذين يقولون: بجواز المسح على الخفين مطلقًا، حضرًا كان ذلك أو سفرًا، أمَّا دعوى: أن الآية لم يرد فيها ذكرٌ للمسح، فهذا تعليل مردود عليه، وأمَّا تعليلُ الذين يقولون: بجوازه في السفر دون الحضر، لأن أكثرَ الأحاديث إنما جاءت في السفر، فلا يمنع أيضًا أن يكون ذلك في الحضر لورود أحاديثَ صحيحةٍ منها ما ورد في صحيح مسلم، ومنها ما ورد في غيره كما سنذكره (٣). إذًا قول عامة العلماء هو جواز المسح على الخفين، وكما ذكرنا سابقًا فقد حكى فيه ابن المنذر الإجماع (٤)؛ لأنه لا يعتد بآراء المخالفين ويرى أنها ساقطةٌ، ولذلك عندما يقرأ الإنسان في بعض الكتب المبسوطة نجد أن بعضهم لا يُلقِي بالًا لمثل هذه الآراء الشاذة والضعيفة الساقطة. ومن الأحاديث الصحيحة الصَّريحة التي وردت في المسح على

стр. 258

الخفين حديثِ المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله ﷺ مسحَ على الخفين في غزوة تبوك) (١). وغزوةُ تبوك كانت في آخر أيامِ رسول الله ﷺ ، وقد وقعت بعد نزول آية المائدة التي نتكلم عنها، إذًا جاءت متأخرة (٢). ومن الأدلة الذي يستدل بها هؤلاء: ما ورد في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: (رأيتُ رسول الله ﷺ مسح على الخفين) (٣). زاد أبو داود في روايته: فسئل عن ذلك: هل كان ذلك قبل نزول المائدة؟ فقال: وما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة (٤). فهو برده هذا قطع كل احتمال، كما قيل: (قطعت جهيزة قول كل خطيب) (٥). إذًا جريرٌ ﵁ كان أحد الذين رووا لنا أحاديث رسول الله ﷺ في

стр. 259

المسح على الخفين، فهو قال مرةً: (رأيت رسول الله ﷺ مسح على الخفين) وهذه الرواية في الصحيحين، ومرةً هو مسح على الخفين وهي عند أبي داود، ورواية أبي داود هذه قد تلقاها العلماء بالقبول وسُرُّوا بها، ولما سئل ﵁ عن ذلك قال: وهل أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة، يعني: كأنَّ ذلك أشكل على بعض الصحابة فسألوه: إنما ذلك كان قبل نزول المائدة، يعني: أن المسح على الخفين كان موجودًا فلما نزلت آية المائدة وهي قول الله سبحانه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، وهذه الآية ليس فيها ذكرٌ إلا لمسح الرأس. إذًا هناك من ظنّ أنَّ ذلك كان قبل نزول المائدة، وأنَّ آية المائدة إنَّما جاءت بالغَسل وكفى، فبيَّن أنه إنما أسلم بعد نزول المائدة، ولذلك قال: وما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، وقد كان إسلامه ﵁ في السنة العاشرة، إذًا إسلام جرير كان متأخرًا (١). ومن الأحاديث التي يذكرها العلماء في ذلك أيضًا: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سعد بن مالك (٢)، والمغيرة بن شعبة (٣)، وعمرو بن أمية (٤): (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين). وقد استقصى كثير من العلماء هذه الأحاديث وجمعوها، فبعضهم: أوصلها إلى خمسين حديثًا، وبعضهم: أوصلها إلى ستين، وبعضهم:

стр. 260

أوصلها إلى ثمان وستين، وبعضهم: أوصلها إلى ما يقرب من سبعين حديثًا وردت في ذلك، ما بين مرفوعٍ وموقوف (١). إذًا تبيَّن من هذا أنَّ قول عامة العلماء هو جواز المسح على الخفين، لأدلة منها: أولًا: ثبوت الأحاديث الصحيحة الصريحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ في جواز المسح على الخفين سفرًا وحَضَرًا (٢). ثانيًا: أنَّ الرسول عليه -الصلاة والسلام- أمر بالمسح على الخفين كما في حديث صَفوانَ ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن لا ننزع خفافنا) (٣). ثالثًا: أن رسول الله ﷺ رخَّص في مسح الخفين، للمسافر ثلاثة أيامٍ بلياليهنّ وللمقيم يومًا وليلة (٤). رابعًا: اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على جواز المسح على الخفين (٥).

стр. 261

الخلاصة: ننتهي من ذلك إلى أنَّه قد وردت أحاديثُ صحيحة صريحة، تلقَّاها العلماء بالقبولِ، منذ زمنِ الصَّحابة -رضوان الله عليهم- حتى عصرِ الأئمة، ومن جاء بعدهم، وهي أحاديث صحيحة وصريحة لا تحتمل تأويلًا ولا تبديلًا ولا تغييرًا، وهي تلتقي مع الآية التي في سورة المائدة، إذ الآية ليس فيها ردٌّ للمسح على الخُفَّين، وإنما الذي ورد في الآية هو غسل القدمين، وهي خاصَّةٌ في غيرِ لابِسِ الخُفِّ، أمَّا لابِسُ الخفِّ فإنَّ السنةَ هي التي بيّنت ذلك، والسنَّةُ إنَّما هي بيان لكتاب الله ، والله تعالى يقول: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ويقول الرسول ﵊: "ألا إنِّي أوتيت القرآن ومثله معه" (١). إذًا القول الأول: هو جواز المسح على الخفين، وهو رأي عامَّةِ العلماء الذين يُعتدُّ برأيهم، ومن يقول بغير ذلك فرأيه باطل. القول الثاني: جواز المسح على الخفين في السفر دون الحضر. ومن قالوا بهذا القول ذكروا لتوجيه مذهبهم: السبب الأول: ما ذكره المؤلف، أنهم قالوا: إن المسح على الخفين إنما هو من باب التيسير والتخفيف، بمعنى آخر: إن المسحَ على الخفين رخصة، فقد رُخِّص للإنسان أن يمسح على الخفين، ومظِنّة المشقة إنما هو السفر، فالحاضر لا يلحقه مشقة، ولا يتأذى بغسل قدميه في كل صلاة، ولذلك قالوا: هذا أمرٌ مقصورٌ على السفر.

стр. 262

السبب الثاني: قالوا: إنَّ غالبَ الأحاديثِ وأكثرَها إنَّما ورد في المسح في السفر. ونجيب على ذلك: فنقول: نعم، غالب الأحاديث إنَّما ورد في المسح على السفر، لشدة الحاجة إلى المسح في السفر، لكنَّ ورودَ أحاديث أقل في الحضر، لا يمنع من كون المسح جائزًا في الحضر، وقد وردت أحاديثُ صحيحةٌ منها: حديث حذيفة الذي أخرجه مسلمٌ في صحيحه قال: (كنت مع رسول الله ﷺ فانتهى إلى سباطة قوم فبال فتوضأ فمسح على خفيه). وهذا نصّ صحيح صريح، وهو حديث في صحيح مسلم (١) وفي غيره (٢)، لكنَّنا أحيانًا نقتصر على الصحيحين؛ لأنَّ ذكرَهما كافٍ في هذا المقام فأحاديثُهما صحيحة. إذًا وردتْ أحاديثُ عِدَّةٌ في المسح على الخفين في الحضر ومنها: حديث حذيفة الذي يحكي فيه هذا الصحابيُّ الجليلُ أنَّه كان ملازمًا لرسول الله ﷺ قال: (فانتهى إلى سُبَاطة قومٍ) يعني: مالَ إلى سُباطة القوم، والسُّباطة: هو المكان الذي يجمع فيه التراب، وغالبًا يكون مما يجمع من المنازل (٣)، (فبال الرسول ﵊ فتوضأ ومسح على خفيه). إذًا هذا نصٌّ في أنَّ الرسول ﵊ مسح على الخُفَّين، بل ورد في روايةٍ في غير صحيح مسلمٍ أنَّ ذلك كان بالمدينة (٤). إذًا هذا دليلٌ قطعيٌّ، وهناك أدلَّة كثيرةٌ صريحةٌ، في أنَّ الرسولَ

стр. 263

-﵊ إنَّما مسح على الخفين في الحضر كما فعل ذلك في السفر، وكون أحاديث السفر أكثر لشدة الحاجة إلى ذلك، ولذلك نحن لا ننكر أنَّ المقصود من المسح إنما هو التيسير فهذا أمرٌ مُسَلَّم به، وهو رخصة، والله تعالى يحبُّ أن تؤتى رخصُه كما يكره أن تؤتى معاصيه (١)، ولذلك عندما أراد المغيرةُ أن ينزع خُفَّي رسول الله ﷺ قال: "دعهما، بهذا أمرني ربي" فمسح عليهما (٢). إذًا بهذا يتبين أن المسح على الخفين ثابت. أمَّا تعليل: أنَّ المسح إنما هو في السفر خاصّة؛ لأنَّ السفر هو مظنة المشقة، وهذا هو الذي يقتضي التخفيف، فهذا لا يَرِدُ؛ لأنَّ شريعة الله إنما تؤخذ عن طريق الكتاب والسُّنة، وهذه الشريعة عندما ننظر إلى أصولها نجد أنها بُنيت على التيسير ورفع الحرج، وأنَّ الفقهاء ﵏ أخذوا من ذلك قاعدة فقهيةً جليلة عنونوها بقولهم: [المشقة تجلب التيسير] (٣). وسنعرض لها -إن شاء الله- في آخر هذه المسألة لأهميتها ولما لها من ارتباطٍ في هذا المقام. إذًا رأينا من هذا أنَّ الأحاديثَ الصحيحةَ الصريحةَ المستفيضةَ قد ثبت فيها عن الرسول ﵊ قولًا وفعلًا، أنَّه مسح على الخفين في الحضر والسفر. وجاءت أيضًا: آثار عن الصحابة -رضوان الله عليهم- كلُّها تدلُّ

стр. 264

على جواز المسح على الخفين، ومن هذه الآثار ما جاء فعلًا (١)، ومنها ما جاء عن طريق الأمر (٢)، ومنها ما جاء عن طريق الرخصة (٣). نأتي بعد ذلك إلى ما حُكِيَ عن بعض الصحابة ﵃ كعليٍّ وعائشةَ وعبدِالَّلِه بن عباسٍ، أنهم قالوا: بكراهة المسح على الخفين. ولنأخذ أولًا: ما حكي عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ (٤). عليُّ بن أبي طالب ﵁، هو أحدُ الصَّحابة الذين نقلوا لنا أحاديثَ المسح على الخفين، ومن الأحاديث التي نقلها لنا، ما ورد في صحيح مسلم أنه قال: "جعل رسول الله ﷺ المسح على الخفين ثلاثة أيامٍ ولياليهن للمسافر وبومًا وليلةً للمقيم" (٥)، وأيضًا حديثه المعروف الذي سيعرض له المؤلف عندما يتكلم عن مسألة ما هو الواجب؟ هل هو مسح أعلى الخف أو أسفله أو هما معًا، ونصُّ حديثه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على أعلى خفه أو خفيه" (٦).

стр. 265

إذًا علي بن أبي طالب ﵁، قد ثبت عنه أنَّه روى لنا أحاديث عن رسولِ الله ﷺ ، بل ذكر هذا الحديث: "أنه لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وهذا أمر ظاهر، ولذلك أمور الدين لا تؤخذ بالرأي؛ لأن الأقرب إلى الأرض إنما هو أسفل القدم وليس أعلاه، فلو فكر الإنسان بعقله لذهب إلى أنَّ الأولى هو أسفل القدم، ولكنَّ الدِّين لا يؤخذ بالرأي، وإنما هو يُتَلَقَّى عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﷺ ، وعن الذي نُقل عن أصحابه -رضوان الله عليهم- وما هو من قياسٍ وغيره، فهو مما يردّ إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، كما في قصة معاذ حين بعثه إلى اليمن: "بِمَ تقضي"؟ قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد"؟ قال: بسنة رسوله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأي ولا آلو جهدًا (١). يعني: يحاول قدر الإمكان أن يُصيب الصَّواب، فضرب رسول الله بيده على صدره وقال: "الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله إلى ما يرضي رسول الله". إذًا من هؤلاء الصحابة الذين نُقل عنهم عليٌّ ﵁، ونقله للأحاديث دليلٌ لنا، إذًا فلا إشكال في هذا المقال. وأمَّا ما نقل عن عبد الله بن عباس ﵁ من منعه للمسح على الخفين (٢)، فمد نقل عنه الإمام البيهقي ﵀ أيضًا ما يدلُّ على أنَّه رجَع عن ذلك الأمر (٣).

стр. 266

وعائشة أيضًا نُقل عنها القولُ بمنع المسح على الخفين، وقد ذكر العلماء: أن ما نقل عن ابن عباسٍ وعائشةَ، إنَّما ذلك قبل بلوغهما جواز المسح والخفين، فلما بلغهما كغيرهما ممن لم يبلغه جواز المسح رجعا إلى ذلك القول وأخذا به (١). إذًا ننتهي من هذا إلى أنَّ الخلاف في هذه المسألة إنما هو خلافٌ ضعيفٌ ساقطٌ، وأنَّ المسحَ على الخفين إنما هو ثابت عن الرسول ﵊، وعن أصحابه -رضوان الله عليهم-، وأنَّ العلماء قد تلقَّوْا ذلك بالقبول، وأن الأئمة الثَّلاثة أَخذوه إجماعًا، وأنَّ الصحيح من مذهب مالك وهو الذي تلقاه أصحابه بالقبول، والذي اشتهر بينهم، هو القول الذي يلتقي مع بقية الأئمة في جواز المسح على الخفين. وقد رأينا من ذلك أن هناك أحاديث كثيرة جدًّا، وهي موجودة في كتب الأحاديث، ولكننا أخذنا خلاصتها واكتفينا بذلك؛ لأن المقام لا يستدعي أن نعرض كثيرًا من الأحاديث، فقد عرضنا ما ورد في البخاري: من حديث سعد بن مالك، والمغيرة، وعمرو بن أمية (٢)، وما في صحيح مسلم: من حديث رواه المغيرة وغيره (٣)، وحديث علي الذي ذكرنا قبل

стр. 267

قليل (١)، وكذلك ما ورد في الصحيحين من حديث المغيرة، ومن حديث جرير بن عبد الله إلا ما ورد في زيادة أبي داود وهي زيادة صحيحة (٢). أما الذين قالوا: بعدم جواز المسح فهو كما ذكر المؤلف قوله: رأوا أن ذلك يتعارض مع الآية، وأن الآية اقتصرت على الغسل، فتكون الآيةُ ناسخةً للأحاديث، والنسخ دائمًا له شروط (٣): أولًا: لأنَّه لا يُلْجأ للنسخ إلا عندما تتعارَضُ المسائل، فينظر أيها المتقدم وأيها المتأخر، هذا بالنسبة للأحاديث، وقد ظهر لنا: أنَّ حديثَ جريرٍ إنما كان بعد نزول آية المائدة، فقضى على كل خلاف، ولذلك استقر رأي الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن جاء بعدهم على جواز المسح. ومن هنا تفرَّع عن هذه المسألة مسألةٌ أُخرى لم يعرض لها المؤلِّفُ، ونعرضها لأهميتها لعلاقتها بهذا الباب، أيهما أفضل هل هو المسح أو الغسل؟ قد بينَّا أقوال العلماء في حكم المسح على الخفين، وانتهينا إلى أنَّ جوازَ المسحِ على الخفَّين أمرٌ ثابتٌ، وأنَّه أمر لا نزاعَ فيه، وأنَّ المخالِفَ

стр. 268

في ذلك رأيُهُ ضعيفٌ، وأنَّ الأدلةَ صريحةٌ، وأنَّها لا تتعارض مع الآية، وأنَّ الآية إنما وردتْ في الغَسْل وليس في المسح. إذًا نأتي بعد ذلك أيهما أفضل الغسل أم المسح؟ القول الأول: من العلماء من فضّل المسح على الغسل: وهو قول الشعبي والحكم وحمادٌ من التابعين (١)، وهي الرواية المشهورة عن الإمام أحمد (٢). والقول الثاني: وهو قول أكثر العلماء (٣)، وهي رواية للإمام أحمد (٤): أنَّ الغَسلَ أفضلُ. دليل القول الأول: قالوا: إنَّ المسح رخصةٌ، والرخصةُ إنما هي تخفيفٌ، والشريعة الإسلامية إنما بُنيت على التيسير والتخفيف، ولذلك نجد أن الرسول -عليه

стр. 269

الصلاة والسلام- عندما أهوى المغيرة أن ينزع خفّه قال: "دعهما، بهذا أمرني ربي" (١)، وفي الحديث الآخر: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه" (٢). وفي الحديث المتفق عليه: (أن الرسول ﵊ ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) (٣). ويقول ﵊: "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" (٤). والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا، وهي ذات ارتباطٍ وثيقٍ بالقاعدة المعروفة [المشقة تجلب التيسير] (٥). إذًا من العلماء من قال: بأن المسح أفضل، ودليلهم: أنَّ هذه رخصةٌ، والله تفضل بها علينا، ولذلك يذكر العلماء في حكم قصر الصلاة، أن قصرَ الصلاةِ إنما هو رخصة (٦)، وأكثر العلماء على: أنَّ

стр. 270

القصرَ أفضلُ من الإتمام (١)، وأنَّ آية القصر وهي قول الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] وقد أشكل ذلك على يعلى بن أمية ﵁ فذهب إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له: أليس قد أمِنَ الناس؟ يعني: الآية نزلت وقت الخوف، وقد زال الخوف، فقال له عمر بن الخطاب ﵁ وهو الملهم الذي كثيرًا ما ينزل القرآنُ مؤيِّدًا لرأيه قال: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢). إذًا هذه مِنْحَةٌ وعطيةٌ من الله ، فلماذا نرد هذا الفضل ونتوقف فيه. ومن الملاحظ أننا نجد -بعض الإخوة- ربما يضيِّق فيقول: لماذا آخذ بالرخصة والعزيمة موجودة لديّ؟ نقول له: أنت عندما تأخذ بالرخصة إنما تمتثل أمرًا من

стр. 271

أوامر الله ، أو أمرًا من أوامر الرسول ﵊، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. والذين قالوا بأن الغَسل أفضل قالوا: لأنَّ هذا هو الفرض الذي أمر الله به في الآية، فينبغي أن نقدِّم ذلك. والقضية كلها -بفضل الله- جائزةٌ، يعني: هذه رخصةٌ، وهذه عزيمةٌ، فإن أخذت بالعزيمة فَنِعِمَّا هِي، وإن أخذتْ بالرخصة فذلك أيضًا خير كثيرٌ، وهذه شريعة الله ، وقد بُنيت على التيسير والتَّخفيف. قوله: "فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الَةَ الوُضُوءِ نَاسِخَةٌ لِتِلْكَ الآثَارِ (١)، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) "، هذا كان في أول الأمر. * قوله: (أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﵊ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ المَائِدَةِ، فَقَالَ: (مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ المَائِدَةِ). وقد ذكرنا حديث جريرٍ؛ لأنّ أصله ورد في "الصحيحين" (٣) "رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الخفين"، لكنَّ محل الشاهد الذي يستشهد به العلماء هو ما جاء في رواية أبي داود وغيره (٤)، وهي رواية صحيحة، وهي التي ذكرها المؤلف وهي قوله: "إنما كان قبل نزول المائدة فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة".

стр. 272

إذًا عندما رأى رسول الله ﷺ يمسح على الخفين كان ذلك بعد نزول المائدة، إذًا لا ناسخ ولا منسوخ في هذا المقام. * قوله: (وَقَالَ المُتَأَخِّرُونَ القَائِلُونَ بِجَوَازِهِ: لَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ وَالآثَارِ تَعَارُضٌ، لِأَنَّ الأَمْرَ بِالغَسْلِ إِنَّمَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ لَا خُفَّ لَهُ). هذا تعليلٌ جيدٌ، وتعليلُ جماهيرِ العلماء قالوا: لا نرى تعارضًا؛ لأنَّ الآيةَ جاءت لتبيِّن المغسولات، وقد نصَّت على الممسوح وهو مسح الرأس، فالاية قالت: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، وقد ذكرنا فيما مضى الخلاف فيما يتعلق بالرجلين، وأنَّ الصحيح من ذلك هو الغسل، وأنَّ رأي الذين قالوا: بالمسح إنما هو رأيٌ باطلٌ، وبينَّا أنَّ الغَسل قد يُطلق في لغة العرب على المسح، فيقول فلانٌ تمسَّحت للصلاة، أي: اغتسلت أو توضأت للصلاة (١). * قوله: (وَالرُّخْصَةُ إِنَّمَا هِيَ لِلابِسِ الخُفِّ). يقصد المؤلف بقوله: "إِنَّمَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَنْ لَا خُفَّ لَهُ" يعني: الغسل متوجه إلى غير لابس الخف، وليس مراده: الذي لا يوجد عنده خفّ. وهناك قضية هامة فيما يتعلق بالتخفيف، بعد أن تبيَّن لنا أنَّ العلةَ في المسح على الخفين إنما هي التخفيف والرخصة، ولذلك نجد أن الفقهاء ينصُّون على أن الجنبَ لا يمسح على الخفين (٢)؛ لأنَّ المتوضأ يكرر ذلك

стр. 273

خمس مرات في اليوم والليلة، وفي ذلك مشقةٌ كبيرةٌ عليه، أمَّا الجنب المغتسل من الجنابة وغيرها فالغسل لا يتكرر في حقه كثيرًا كالمتوضئ، ولذلك قالوا: لا يمسح المغتسلُ على الخفين، وإنما المسح على الخفين خاصٌّ بالوضوء (١). * قوله: (وَقِيلَ: إِنَّ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ الأَرْجُلِ بِالخَفْضِ هُوَ المَسْحُ عَلَى الخُفَّينِ) (٢).

стр. 274

يرى البعض: أنَّ قراءةَ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) فيها إشارة إلى المسح على الخفين. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالحَضَرِ؛ فَلِأَنَّ أَكْثَرَ لآثَارِ الصِّحَاحِ الوَارِدَةِ فِي مَسْحِهِ ﵊ إِنَّمَا كانَتْ فِي السَّفَرِ، مَعَ أَنَّ السَّفَرَ مُشْعِرٌ بِالرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفِ). وعلى فرض أنَّ أكثرَ الأحاديث التي وردت في ذلك وردت في السفر، فنجيب على ذلك: بأنَّ المسح في الحضر وردت فيه أيضًا أحاديثُ صحيحةٌ، وآثارٌ عن الصحابة -رضوان الله عليهم- (٢)، يعني: هذا لا يمنع أن تكون أحاديثُ السفر أكثرَ لشدة الحاجة إلى المسح على الخفين في السفر؛ لأنَّ السفر إنما هو مظِنَّةٌ للمشقة، وليس معنى هذا أنَّ الحاضر لا تلحقه مشقة، لا، بل قد يلحق بعض الحاضرين من المشقة ما لا تلحق المسافر، فلو فرضنا أننا في أيام الصيف، وفي شدة القيظ (٣)، فقام إنسان بعد صلاة الصبح فوقف على الفرن، يخبز للناس حتى وقت الظهر، ثم يواصل بعد الظهر، وإنسانٌ آخر يَسافر بسيارةٍ مكيفة، أو حتى على راحلةٍ، ولكنَّه لا يجد مشقةً، كذلك قد يشتغل إنسان في تكسير الحجارة وفي البناء وفي غيرها، فيلحقه من المشقة ما لا يلحق بعض المسافرين، لكنَّ الغالب في السفر أنَّه مظنةُ المشقة، ولذلك لم يقل العلماءُ: إن المشقةَ في السفر متيقنة، بل قالوا: هو مظنة المشقة. ولذلك وضع العلماء لنا مسائل قديمة، لم تكن متحققة في ذلك العصر لكنها وقعت في هذا الزمن، فقد كان العلماء يأتون بما يعرف بالفقه التقديري أو الفقه الفرضي، كانوا يفترضون بعض المسائل، أو يقدرون

стр. 275

بعض المسائل، فيقولون: هَبْ أنَّه قد حدث كذا، فالجواب فيها يكون كذا وكذا، فيقدرون، وهذه من المسائل التي أخذت على بعض العلماء، وأكثر من توسَّع في ذلك الحنفية والشافعية، وقد توسعوا في ذلك عندما بدأ الإمام الشافعي تأصيله أصول الفقه، فاحتاج أن يفرض بعض المسائل، وكذلك أتباع أبي حنيفة توسعوا شيئًا فشيئًا في هذا المجال. ومن المسائل التي افترضها العلماء: لو أنَّ إنسانًا ركب سفينة فقطعت به مسافة القصر في لحظات أيقصر الصلاة أم لا؟ في زماننا أصبحنا نرى الإنسانَ قد يركب الطائرة فتقطع به مسافة القصر في لحظاتٍ، وقد يركب سفينةً سريعة أو يركب السيارة، فلو أن إنسانًا أراد السفر من مكة إلى عسفان، ومن مكة إلى جدة، المسافة بين مكة وجدة بالبرد ثلاثة (١) برد، وهذا على مذهب جماهير العلماء (٢) خلافًا للحنفية (٣)، يعني: ثمان وأربعين ميلًا، كانت تقطع الراحلة في أيام، صارت تقطع في أقل من ساعة، فهل يتغير الحكم بتقريب المسافات؟ الجواب: لا؛ لأنَّ الشريعة في أصلها شريعة عامة، فهي شريعة شاملة، وضعت لتناسب مصالح الناس جميعًا، لأن الشرائع السابقة جاءت لتعالج ما يتعلقُ بحاجة أهلها، فنجد أن الشرائع اتفقت فيما يتعلق بالعقيدة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا

стр. 276

الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وكل نبي من الأنبياء يأتي فيدعو قومه فيقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وفي الأخلاق كذلك، لكنها فيما يتعلق بالمعاملات تختلف؛ لأن تلك شرائع نزلت في أماكنَ محددةٍ وفي أوقاتٍ محدَّدَةٍ، أما الشريعة الإسلامية الخالدة فهي شريعة باقية، ولذلك أحكامها لا تقدر بزمنٍ مضى ولا بزمنٍ حاضر، بل هي تمتد ما دامت هذه الدنيا قائمة. * قوله: (وَالمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ، فَإِنَّ نَزْعَهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى المُسَافِرِ). لا شك أنَّ هذا أمر مُسَلّمٌ به، وهو أنَّ المسح على الخفين من باب التخفيف، وهذا أيضًا من مزايا هذه الشريعة ومن محاسنها، ولا شكَّ أنَّ العلماءَ قد استخلصوا من مثل هذا الموضوع الدروس الكثيرة، فيما يتعلقُ بقصر الصلاة في السفر، وفي التخفيف على المريض، وفيما يتعلقُ بعدم تكليف الصغير والمجنون، وفي التخفيف عن المكره والناسي والجاهل في بعض الأحكام، وكذلك التخفيف عن من فيه قصور، هذه أمور درسها العلماء وفصَّلوا القول فيها، ووضعوا لها قاعدةً عظيمة معروفة ألا وهي قاعدة: [المشقة تجلبُ التيسير] (١)، وهذه من القواعد الفقهية المعروفة. مراحل وضع القواعد الفقهية: أولًا: الفقه الإسلامي لم يأتِ دفعة واحدة، وإنما كانت آيات القرآن تنزل، فمنها ما ينزل جوابًا على سؤال كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقد تأتي استفتاءً كقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وغالب الأحكام إنما تنزل هكذا إما لبيان أمر العقيدة، أو الأخلاق، أو

стр. 277

المعاملات، أو قيام الدولة الإسلامية، أو حقوق الوالي على الرعية، أو حقوق الرعية، أو صلة العبد بربه أي: ما يجبُ على العبد نحو ربه، وأيضًا حقوق العباد على ربهم، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة. ثم بدأ الفقهُ يتسع شيئًا فشيئًا، وأخذ العلماء يستنبطون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكثرت الفروع الفقهية كثرةً ضخمة بعد عصر الأئمة، بسبب كثرة التلاميذ الذين أخذوا عن الأئمة، وأيضًا قد وُجد أئمةٌ آخرون غيرَ الأئمة الأربعة كانوا في نفس منزلتهم كالإمام الثوري والليث والأوزاعي، لكنَّ الأئمةَ الأربعةَ يسَّر الله لهم من التلاميذ المخلصين الذين سهروا الليالي، ووصلوا كلال الليل بكلال النهار، فجمعوا ما أفتى به أولئك العلماء وما قرروه وما اجتهدوا فيه من مسائل فدونوه في كتب مسطورةٍ كما نجد ذلك في كتب الإمام محمد بن حسن الشيباني عندمًا جمع فقه الإمام أبي حنيفة، وكما نجد في: "مدونة" سحنون رواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وكما نجد أيضًا في: "الأم" الإمام الشافعي، وأيضًا في: "مختصر المُزَنِيّ"، وكذلك في مسائل الإمام أحمد التي تنوَّعت كمسائل إسحاق بن منصور، وابنيه عبد الله وصالح، وغير ذلك من المسائل الكثيرة، فجاء التلاميذ فخدموا هذه الثَّروة الفقهية، ثم جاء تلاميذ التلاميذ فبدؤوا يدوِّنونها، ثم جاء بعد ذلك الفقه المقارن الذي ندرسه الآن، وهو أن تُعرض آراءُ العلماء وتُناقش، وأول ما بدأت مسائل الاختلاف بين الحنفية والشافعية، ثم تُوسِّع فيها فانتشرت وانتقلت إلى المذاهب الأربعة، ثم دُوِّنت، ثم جاءت الكتب التي تُعنى بأدلة المذاهب للاستدلال على المسائل ومناقشتها وبيان أسباب الخلاف إلى غير ذلك، فلما جاء العلماء بعد ذلك في القرن الثالث وجدوا هذه الثروة العظيمة، وهذا الكنز الجليل، وهذا الفقه الكثير، ففكروا كيف يستطيعون الإلمام بأطراف هذا الفقه؛ لأنَّ الفقه واسعٌ ومسائله متشعبةٌ، ولذا نجد أن كتابًا ككتاب: "المغني" في عشرة مجلدات، وآخر طبعة له وصلت إلى خمسة عشر مجلدًا، وكتاب: "المجموع" للنووي في عشرين مجلدًا، بدأه الإمام النووي، ثم أتم جزءًا منه السبكي، ثم أتمه بعد ذلك الشيخ

стр. 278

المطيعي وهو من المعاصرين، ونجد كذلك كتبًا مخطوطة أكبر من هذه الكتب، فكتاب ككتاب: "المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي" لابن الرفعة، هذا أكبر من الكتب السابقة، ولكنه لم يطبع. إذًا كتب الفقه أصبحت موسوعات، فلما جاء تلاميذ الفقهاء فوجدوا هذه الثروة العظيمة المبعثرة المنتشرة ففكروا في وسيلةٍ لجمع هذه المسائل، فأخذوا يدرسون ويدققون في علل الأحكام، ويبحثون ويحاولون أن يأتوا بأحكامٍ كليّةٍ عظمى، ليربطوا بها كثيرًا من الأحكام، فانتهوا إلى القواعد الفقهيَّة، فأول ما بدؤوا في القواعد الفقهية وضعوا لنا مجموعة من القواعد، ثم بعد ذلك ركزوا على القواعد الفقهية العظيمة الخمس التي هي: ١ - القاعدة الأولى: [الأمور بمقاصدها] (١): وقد بنيت هذه القاعدة على حديث النية، وقد تكلمنا عنها إيجازًا في ما مضى، عندما تحدثنا عن المسائل الأولى ألا وهي: مسألة وجوب النية، أو اشتراط النية في الوضوء. ٢ - القاعدة الثانية: [اليقين لا يزول بالشك] (٢): فلو أن إنسانًا توضأ فغسل وجهه ويديه ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه، وشكّ هل مسح رأسه أم ماذا يفعل؟ القاعدة عندنا: [اليقين لا يزول بالشك]، هذه القاعدة بناها الفقهاءُ على أدلةٍ ثابتةٍ صحيحةٍ؛ لأنَّه قد ورد في الحديث الصحيح المتفق

стр. 279

عليه: أنَّه شُكِيَ إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (١). إذًا؛ هذا الذي غسل وجهه ولديه ثم مسح رأسه وغسل رجليه، وشكّ في مسح الرأس، عليه أن يطرحَ الشك ودبني على اليمين، أي: يلغي مسح الرأس ويمسح عليه من جديد، ثم بعد ذلك يغسل الرجلين. أيضًا: لو أنَّ إنسانًا توضأ للظهر وكان متيقِّنًا أنه توضأ، خرج من بيته وهو متوضئٌ للظهر، ثم بدأ الشكّ يدبّ إليه، وأخذ الشيطان يوسوس له، هل توضأ أو لا؟ هو متيقن أنه تطهر، لكنه يشك في الحدث فماذا يفعل؟ الصحيح: أنه يبقى على طهارته، لأنَّ [اليقين لا يزول بالشك] "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢)، وليس هذا الحديث على منطوقه فقط، يعني قوله: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا"، فقد يخرج منه شيءٌ لا يسمع صوته، ولا يشمُّ له رائحة، فليس معنى هذا أنه على إطلاقه، وإنما هذا بالنسبة للغالب، وإلا فقد يخرج منه بولٌ أو غائطٌ، ولكنَّ الحديث نبّه على هذه الأشياء ترفُّعًا عن ذكر هذه الأمور. وأيضًا لو حصل العكسُ بأنْ تيقَّن من الحدث وشكَّ في الطهارة فهو غير متطهرٌ، ولم يخالفْ في ذلك إلا المالكية؛ لأنَّ المالكية عندهم قاعدة معروفة: (الشك في الشرط مانع من تحقق المشروط) (٣). أي: إذا شككت في الشرط فمعنى هذا أنك شككت في المشروط فينبغي أن تبطله، هذه رواية في مذهب المالكية، ولهم رواية أُخرى (٤)،

стр. 280

يتفقون فيها مع الجمهور (١)، وهو الصحيح. ودليل هذه القاعدة أنَّ الرسول ﵊ قال: "إذا شكّ أحدكم في صلاة فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك، وليبْنِ على ما استيقن" (٢). وهذا نصٌّ صحيح صريح؛ لأنه بذلك يطرح الشك ولبن على اليقين، فإذا شك أصلى ثلاثًا أو أربعًا، يلغي الرابعة ويقتصر على ثلاثة، وإذا شك أصلى أربعًا أو خمسًا فليطرح الشك وليبن على اليقين؛ لأنه إن كان قد صلى أربعًا فهذه الخامسة إنما هي شفاعة له، وإن كان لم يزد فيكون ذلك إرغامًا (٣) للشيطان؛ لأن الشيطان دائمًا يسعى إلى أن يفسد على المؤمن عبادته، فما بالكم بالركن الثاني من أركان الإسلام، وهو عمود هذه الشريعة وقطبها الذي تدور عليه ألا وهي الصلاة، هذه الصلاة التي كان الرسول ﵊ إذا حزبه أمر فزع إليها (٤)، وكان يقول: "أرحنا يا بلال بالصلاة" (٥)، فالشيطان يحرصُ كلَّ الحرصِ أن يُشَوِّش على المؤمن صلاته، ولذلك وضع الرسول ﵊ منهجًا وطريقًا يُغلقُ به على الشيطان ذلك المنفذ.

стр. 281

هناك قضية أُخرى وهي ألصق بهذه المسألة، وهي قضية التخفيف وهي القاعدة الثالثة من القواعد الخمس، والقواعد الخمس يسميها الفقهاء: القواعد الأساسية، وبعضهم يسميها: القواعد الفقهية الكبرى وهي: أ-[الأمور بمقاصدها] (١). ٢ - [اليقين لا يزول بالشك] (٢). ٣ - [المشقة تجحلب التيسير] (٣). ٤ - [الضرر يزال] (٤). ٥ - [العادة محكمة] (٥). وهنا قد يسأل سائل فيقول: هل للعادة تأثيرٌ في الشرع؟ الجواب: نعم، أحيانًا يُحتاج إلى العادة، وطلبةُ العلم الذين درسوا

стр. 282

أحكام الحيض وما يتعلق ببعض الصناعات، يجد أنَّ بعض الفقهاء كانوا يسألون النساء عن عادتهن. إذًا [العادة محكمة]، وهي تُسمَّى قاعدةُ العادة أو العرف، وهي قاعدة معروفة أصوليًّا وفقهيًّا. أما قاعدة [المشقة تجلب التيسير]، وهي قاعدة لها علاقة بالمسح على الخفين وما فيه من التخفيف. ولنا أن نسأل لماذا انتهى العلماء إلى وضع هذه القاعدة، ومن أين استنبطوها وكيف جاؤوا بها؟ استخلص العلماء هذه القاعدة من كتاب الله ومن السُّنة المطهرة، أي: من بعض نصوص القرآن ومن بعض نصوص السُّنة المطهَّرة، فالله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. والرسول ﵊: (ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) (١). ومن هذه الأدلة من الكتاب والسُّنة استنبط العلماء هذه القاعدة وقالوا: [المشقة تجلب التيسير]. ما معنى هذا؟ هذه القاعدة تلتقي أيضًا مع قاعدة الحرج، ومعنى هذا: أنه إذا لحق الإنسان مشقةٌ في هذه الشريعة، فإن الشريعة الإسلامية تُخفِّف عنه، وليس أدلَّ على ذلك من قصة عمرو بن العاص ﵁ في غزوة ذات السلاسل عندما احتلم ليلتها فقام فتيمم فصلى بأصحابه، كان جنبًا فتيمم وكان الماء موجودًا بين يديه، ولكنه خشي من الضرر فقام فصلى بأصحابه متيممًا،

стр. 283

فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: "أفعلت ذلك يا عمرو"؟ فذكر الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت الرسول ﷺ وأقَّره على ذلك (١)، وهذا يعد إقرارًا منه ﵊. إذًا؛ [المشقة تجلب التيسير]، فكل أمر فيه مشقةٌ نجد أنَّ الشريعة تخفف فيه، فالسفر مظنة المشقة، فأُبيح للإنسان أن يقصر الصلاة، وأن يجمع بين الصلاتين، وكذلك خُفِّفَ عنه ما يتعلق بالجمعة وأحكام كثيرة جدًّا، ومن هنا انتهى العلماء إلى أن أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية إنما هي أمور سبعة (٢). الأمر الأول: السفر، والسبب الثاني: هو المرض، والسبب الثالث: هو الإكراه، والسبب الرابع: هو النسيان، والسبب الخامس: هو الجهل، والسبب السادس: هو العسر وعموم البلوى، والسبب السابع: هو النقص. قد يُشكل على -بعض الإخوة- ما معنى أن الشريعة تخفِّف بسبب النقص؟

стр. 284

في الحديث الصحيح الذي رُوِيَ عن طريق عليٍّ (١) وعائشة (٢) أن الرسول ﵊ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ". بروايات متعددة فيها تقديمٌ وتأخير. من الثلاثة الذين خفف عنهم اثنان؛ وهما: المجنون والصغير، خُفِّف عنهما بمعنى: أنه وضع عنهما التكليف، والعلة في ذلك: وجود نقصٍ فيهما، فالمجنون ذهب عقله، فكيف يُنَزّل منزلة العاقل، والصغيرُ لم يصل سنَّ البلوغ الذي يُصبحُ فيه مكلَّفًا يُدرك ما يدركه الكبير. ولا يَرِدُ على هذا اعتراض قضية غير المرشد وما يتعلق بالحجر عليه، فإنه يحجر على الصغير وعلى السفيه أيضًا، والسفيه قد يكون كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، لكنَّ السفيه إنما هو سفيهٌ فيما يتعلق بالمال، وأعتقد أنَّ كل واحد منا في حياته مرَّ به من الناس من يسرف في إنفاق الأموال، فتجد الإنسان في سن الثلاثين والأربعين والخمسين وينفق كل الذي في جيبه سرفًا، وقد يكون هو وأولاده بحاجةٍ إلى هذا المال، لكنه تعود على الإسراف، وعلى هذا فالمسرف الذي يفرِّط في المال إنما يُحْجَرُ عليه ولا يمنعه كبر السن عن الحجر عليه، فإذا عاد إلى رُشده وعقله يُرفَعُ الحجر عليه، لكنَّ الصغير والمجنون رُفع عنهما التكليف، ولذلك لو كلِّف الصغير والمجنون لكان ذلك خلافَ حديثِ الرسول ﵊: "رُفع القلم عن

стр. 285

ثلاثة"، لأنَّ رفعَ القلم هو رفع التكليف، فلو كُلِّفَ لكان ذلك وضعًا للقلم عليهما، وهو خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ . * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا تَحْدِيدُ المَحَلِّ: فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَيْضًا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ). المراد: هو المسح على الخفين، والخفُّ له أعلى وأسفل، وله جانبان، وله عقر، فيريد بالتحديد ما هو الموضع الذي يُمسح عليه؟ هذا هو المقصود. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ مَسْحُ أَعْلَى الخُفِّ، وَإِنْ مَسَحَ البَاطِنَ -أَعْنِي أَسْفَلَ الخُفِّ- مُسْتَحَبٌّ، وَمَالِكٌ أَحَدُ مَنْ رَأَى هَذَا (١)، والشَّافِعِيُّ). يقصد بأعلى الخف الذي هو ظاهر القدم، ويقصد بباطنه الذي هو أسفل القدمين، فهناك من العلماء من يرى: الجَمَعَ بين الأمرين، ولكنهم يوجبون مسح أعلاه ويستحبون مسح أسفله. قوله: (وَمَالِكٌ أَحَدُ مَنْ رَأَى هَذَا وَالشَّافِعِيُّ) (٢) أي: مالكٌ والشافعي من العلماء الذين قالوا: بمسح أعلى الخفّ وجوبًا وباستحباب أسفله. لكن هناك تفصيلات كثيرة في المذاهب. فالمالكية عندهم: لو مَسَحَ اقتصر على أَعْلى الخفّ فبذلك قام بالواجب، فلا بدَّ من مسحِ أعلاه، فبذلك يلتقون مع غيرهم من الفقهاء،
следующие страницы →