← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ومن هنا جاء سجود السهو بعضه بعد السلام، وبعضه قبل السلام، ولذلك بيَّن الرسول ﷺ فقال: "فإن كان صلاها رابعةً، شفعن له، وإن كان صلَّاها خمسًا كان ترغيمًا للشيطان" (١). إذ الشَّيطان يُوَسوس للإنسان في صلاته يحاول أن يوقعه، وأن يشوِّش عليه، وأن يُذْهب عنه خشوعه حتى ما يكون من المُفْلحين الَّذينَ أشَار اللَّه إليهم بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. فَاللَّه يسَّر على هذه الأمة، فأوجد سجود السهو؛ ليكون ترغيمًا (٢) للشيطان، ودحرًا (٣) له. إذًا، القصد هنا أنك قد تعيد الصلاة، والإعادة لأجل الترتيب سيأتي الخلاف هنا فيها، هل الصلاة الفائتة تُرَتب أم لا؟ الترتيبُ متعينٌ بين الصلوات: (صلاة الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وهكذا)، لكن في الفوائت هل هناك ترتيب أم لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء سيأتي الكلام عنه على وجوب الترتيب (٤)، ولا بد من إعادة الصلاة، لكن يختلف الأمر بين أن تأتي فتجد الإمام قد شرع في صلاة العصر مثلًا وأنت تعلم أنك نسيت صلاة الظهر؛ هنا تدخل معه في هذه الصلاة، وتنوي صلاة الظهر، أما ما تَكلَّمنا عنه فهو أنك

стр. 2207

دخلتَ معه على أن هذه صلاة العصر، ثم بعد ذلك تبيَّن أنك نسيت الظهر. وَهَذَا علَى القول بجواز اختلاف نية الإمام عن المأموم، وهو أن تدخلَ معه في العصر، فتنوي الظهر وهو يصليها عصرًا (١). * قوله: (فَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ إِذًا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ). إن من القضايا المهمة في هذا الكتاب هذه المسائل التي يومئ إليها المؤلف، وهي مسائل أحيانًا تكون أركانًا ومهمة يوجز الكلام فيها، وهي تحتاج إلى عنايةٍ أكثر واهتمام، وهناك مسائل يفصل القول فيها ويبينها. * قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي الإِعَادَةِ. البَابُ الثَّانِي: فِي القَضَاءِ. البَابُ الثَّالِثُ: فِي الجُبْرَانِ الَّذِي يَكُونُ بِالسُّجُودِ). بمعنى: إعادة الصلاة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:

стр. 2208

(البَابُ الأَوَّلُ فِي الإِعَادَةِ) (١) * قوله: (وَهَذَا البَابُ الكَلَامُ فِيهِ فِي الأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي الإِعَادَةَ، وَهِيَ مُفْسِدَاتُ الصَّلَاةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ؛ عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا (٢)، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى لِغَيْرِ القِبْلَةِ؛ عَمْدًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ نِسْيَانًا (٣)، وَبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ مَنْ أَخَلَّ بشَرْطٍ مِنْ شُرُوط صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَإنَّما يَخْتَلِفُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الشُّرُوطِ المُصَحِّحَةِ، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا البَابِ خَارِجَةً عَمَّا ذُكِرَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ). بَعْض العلماء يُفصِّل فيُفرِّق بين الحدث الذي يحصل باختيار الإنسان؛ سواء كان هذا المختار متعمدًا أو ناسيًا، لكنه خَرَج باختياره، وبين إنسان يطرأ عليه الحدث (أي: يغلبه الحدث)، فيحدث في ذلك، فهل الصورة تختلف؟

стр. 2209

الجواب: لا خلاف بينهم في هذا المقام أن الحدث سواء كان المحدث متعمدًا أو ناسيًا ولا فرق بين أن يغلبه الحدث أو لا يغلبه إن ذلك ينقض الطهارة، لكن الخلاف بينهم هل يبطل الصلاة أو لا (١)؟ ولذلك، جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيدٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: شُكِيَ إلى النبيِّ ﷺ الرجُلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ، قال: "لَا يَنْصَرف حتَّى يَسْمَعَ صوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (٢). "لا ينصرف": نهيٌ من النبي ﷺ ، وليس الأمرُ قَاصرًا على أن يسمع صوتًا أو يجد ريحًا (٣)، فَقَدْ يخرج منه أكثر من ذلك، وَدائمًا مَنْهجُ الكتَاب وأُسْلوب رَسُول اللَّه ﷺ هو التَّكنية: أن يُكنَّى عن بَعْض الأمور: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فأَحْيَانًا لا يأتي التصريح بمَا هو مرادٌ، لكنه تَدلُّ الإشَارة عَلَيه دلالة واضحة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَقْتَضِي الإِعَادَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إِذَا كَانَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهَا رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ قَبْلَ طُرُوِّ الحَدَثِ أَمْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنَ الصَّلَاةِ). مُرَادُهُ: إنَّ الحدث إذَا طرأ في الصلاة فأثَّر عليها، فَهَلْ هذا يَسْتوجب استئنافَ الصلاة، أَيْ: أن يعيدَها من أوَّلها؟ لَا يَخْتلفون في أنَّه إذا أحدث الإنسان، فإن وضوءَه ينتقض، وإنه يجب عليه أن يتوضأ، لكن بَعْد الوضوء هل يستأنف الصلاة أي: يعيدها أو أنه يبدأ من المقام الذي كان عنده؟

стр. 2210

فَمَثلًا لو أنه أحدث وهو في الركوع، فهل يعود إلى الركوع الذي أحدث فيه؟ أو أنه يبدأ الصلاة من أوَّلها. * ذهب (المالكية (١) والحنابلة (٢) والشافعية (٣)) إلى وجوب الاستئناف، وأنه لا أثر لذلك الحدث، وذلك دون دخولٍ في تفصيل آراء هذه المذاهب. * وَنُقِلَ عن بعض السَّلف (كعُمَر بن الخطاب (٤)، وعبد اللَّه بن

стр. 2211

عمر (١)، وعلى بن أبى طالب (٢)) والحنفية (٣) يرون أنه يبنى على ما انتهى إليه أي: يبني على ما مضى من صلاته. وتكلَّم المؤلف عن هذه المسألة وقال: لم يرد فيها إلا أثرٌ عن عبد اللَّه بن عمر، أورده مالك في "موطئه" فيما صح عنه أنَّه كَانَ إذا أصَابه رعاف (٤) فإنه ينصرف ثم بعد ذلك يتوضأ، ويعوفى للصلاة، ولا يتكلم (٥). وَوَرد في ذلك حديثٌ مختلفٌ في صحته، وقد صح مرسلًا، وهو حديثٌ عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أصَابه قيءٌ أو رعافٌ أَوْ قَلس (٦) أو مَذيٌ (٧) فَلْيَنْصَرفْ فليتوضَّأ، ثم ليبن على صَلَاتِهِ، وهُوَ في ذَلِكَ لا يَتَكَلَّم" (٨). فَهَذا دليلٌ على أنه يَبْني. وَردَّ الجمهورُ بأنه ليس هناك دليلٌ مرفوعٌ إلى رسول اللَّه ﷺ قد صح، وَهَذا أمرٌ اختلفَ فيه السَّلف، ولَمْ يكن قَوْل الصحابة ﵃ في ذَلكَ متحدًا؛ وإنَّما وقَع بينهم خلافٌ في هذه المسألة، وقالوا: نرجع

стр. 2212

فيها إلى القياس، والقياس معتمد، فيقولون: لو أن إنسانًا أحدث متعمدًا، فإنه في هذه الحالة إلى جانب بطلان طهوره، تبطل صلاته، قالوا: فيلحق بذلك غير المتعمِّد، فقَاسوا غير المُتَعمِّد على المتعمِّد في هذه الحالة، فرأوا أنه لا فرق بينهما، أي: لم يَرَوا فرقًا بين أن يكون الحدث قَدْ صدَر من إنسان متعمدًا، أو ناسيًا، وبين أَنْ يكون من إِنْسَانٍ قَدْ غلبه الحدث، وسَيْطر عليه، فلم يملك ردَّه، وإنما الذي ورَد في ذلك الرعاف، وَسَبق أن تَكلَّمنا عن الأحداث تفصيلًا، وَبينَّا الفرقَ بين ما يخرج من دُبُر الإنسان وقُبُله، وبَيْن ما يَخرج من بقيَّة بَدَنه، وتفصيل العُلَماء في النجَاسات، وَكَذلك بالنسبة لسائر الحيوانات والكلام في الدم وغيره. وَالرَّاجح: أنه لا شكَّ أن الأَوْلَى أن يأخذ بالأَحْوَط، وهو أن يعيدَ صَلَاته، وليس ذلك داخلًا في قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]؛ لأنَّه ما قَصَد إبطال الصلاة، وإنما وُجِدَ خلل أفسد عليه طهارته؛ فَسَرَى ذلك عند البعض إلى صلاته، وعند البعض اقتصر على الطهارة، فيَنْبغي أن يُجدِّد طهارته ثم يعود. "وقَبْل طُرُوء الحَدَث"، أَيْ: قبل حُصُوله. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْنِي لَا فِي حَدَثٍ، وَلَا فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إِلَّا فِي الرُّعَافِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَبْنِي لَا فِي الحَدَثِ وَلَا فِي الرُّعَافِ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ). مَسْألة الرعاف فيها اختلافٌ، وَهِيَ ليست عند الشَّافعيِّ وَحْده؛ بَلْ وعند أحمد (١).

стр. 2213

* قوله: (وَذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَبْنِي فِي الأَحْدَاثِ كُلِّهَا). قَصَد بِالكُوفيِّين: علماء الكوفة، وعلَى رأسهم الإمام أبو حنيفة، ولَيْس ذلك قاصرًا عليه، وإنَّما لفظ "علماء الكوفة" إذا أُطْلق ينصرف أيضًا إلى (حماد بن أبي سليمان، وهو تابعي، وكذلك شيخُهُ إبْرَاهيم النَّخعي، والأسود النخعي، وغير هؤلاء كثيرٌ)، كَمَا أن بقيَّة علماء الأمصار أيضًا عددهم كبير. * قَالَ: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي جَوَازِ ذَلِكَ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊. وَيعترض عَلَيه؛ لأنه وَرَد في ذلك حديث عائشة رَفَعته إلى رسول اللَّه ﷺ ، وَلَكنه صحَّ مرسلًا. قالت عائشة: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أصابه قيءٌ أو رعاف أو قَلس أو مَذيٌ، فلينصَرِفْ فليتوضَّأ ثم ليبنِ على صلاتِه وهو في ذلك لا يتكَلَّم" (١). "فلينصرف"، أَيْ: من صلاتِهِ. "ليَبْن (٢) على صَلَاتِهِ"، أَيْ: يبدأ من المَكَان الذي انتهى إليه. * قوله: (وَإِنَّمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَعَفَ فِي الصَّلَاةِ، فَبَنَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) (٣). هذا أَوْرَده مالكٌ في "موطئه" أن ابن عمر "كان إذا أصابه رعاف، انصرف من صلاته، ثمَّ ذهب فتوضأ، وعاد وبنى على صلاته"، وابن عمر من السلف الذين نقل عنهم البناء، ومعه والده عمر (٤)، ونقل أيضًا عن

стр. 2214

علي بن أبي طالب موقوفًا عليه (١)، وعن سلمان الفارسي (٢)، وغيرهم كثير (٣). * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا الفِعْلَ مِنَ الصَّحَابِيِّ يَجْرِي مَجْرَى التَّوْقِيفِ، إِذْ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِقِيَاسٍ، أَجَازَ هَذَا الفِعْلَ). ظَاهر قَوْل المؤلف يقول: عندما يعمل الصحابي عملًا من الأعمال، لا ينصرف إلى الذهن أن هذا هو رأيه؛ وإنما لا يمكن أن يفعل أمرًا من مثل هذه الأمور يتعلَّق بعبادةٍ من أجل العبادات وأعظمِها ألا وهي الصلاة، والطهارة شرط فيها إلا أن يكون ذلك لأمر توقيفي سمعه أو بلغه عن رسول اللَّه ﷺ ، لكننا نقول: ليس كل ما يُنْقَل عن السلف يكون قَد اعتمد على دليلٍ، فما يُنْقَل عن السلف منه ما يعتمد على دليلٍ، ومنه ما يكون قولًا للصحابي، لكن هذا الذي فَعَله ابن عمر يُعضِّده ويُقوِّيه الأثر الذي أَوْرَدناه، وهو حديث عائشة الذي صَحَّ مرسلًا. والَّذين لا يَأْخذون بالبناء يُضعِّفون هذا الحديث، وقَدْ جاء بعدة روايات، والَّذي ذَكرت لَكم صحَّ مرسلًا. * قوله: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرُّعَافَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، أَجَازَ البِنَاءَ فِي الرُّعَافِ فَقَطْ، وَلَمْ يُعَدِّهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (٤).

стр. 2215

رُبَّما يُشْكل على البعض كلمة "البناء"؛ فأنت إذا أردتَ أن تُقيم منزلًا (دارًا) تضع له أساسًا، ثم بَعْدَ ذلك تضع البناء، فأنت قد دخلتَ في الصلاة وشرعت فيها؛ ومفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فمَعْنى البناء أنك لا تلغي ما مضى، وإنما تَعْتبره تأسيسًا، فتبني عليه، هذا هو مرادُهُ، فَمَا مضَى تَعْتبره أساسًا تبني عليه، وكَوْنك تَسْتأنف يعني: تلغي ما مَضَى، وتبدأ العمل استئنافًا، أي: جديدًا. ومسألة "الرُّعاف" ليس بمثابة الحدث، وقد مرَّ الكلام فيه فيما سبق، وكذلك الرعاف يختلف قلةً وكثرةً، والدم الذي يخرج من الإنسان تكلمنا عنه سابقًا، ويُفرق أيضًا بين ما يراه الإنسان فاحشًا زائدًا، وبين ما يراه قليلًا؛ فما يخرج من دمٍ يسيرٍ معفو عنه، وتقدير ذلك يرجع إلى الإنسان (١)، ولذلك

стр. 2216

استفتِ نَفْسَك وإنْ أفتَوْك (١). * قوله: (وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَدَثٌ، أَجَازَ البِنَاءَ فِي سَائِرِ الأَحْدَاثِ قِيَاسًا عَلَى الرُّعَافِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ ﵊. خُلَاصَة القَوْل ودليله: * الجمهور: قاسوا غيرَ العامد على العامد، فقالوا: العامد تنتقض طهارته، وتفسد صلاته، وغَيْره كذلك؛ لأنه أحدثَ، فلَا نرى فرقًا بينهما، فأخذوا بالقياس لضعف الأدلَّة عندهم. * الآخرون: تَمسَّكوا بما نُقِلَ عن الصَّحابة، وبأثر عائشة المرسل. . هَذِهِ هي خُلَاصة ما في هَذِهِ المسألة. المُؤلِّف ليس لديه تعمق واسعٌ فيما يتعلَّق بمباحث السُّنَّة، ولذلك أحيانًا نجد أن مباحثَه تقصر عن الوُصُول إلى الغاية؛ فتجد أحيانًا أنه يبحث المسائل بحثًا عقليًّا، وربما يعرض لبعض الأدلة، وتَخْفاه أدلةٌ أُخرى، وربما ترد أدلةٌ صحيحةٌ في المسألة ولا يقف عليها، أو ربما يتصوَّر أنها غير صَحيحَةٍ بدليل أنه أحيانًا يقول: لَوْ صحَّ الحديث، مع أنه في "الصَّحيحين"، أو في أحدهما. ولذَلكَ، درَاسة هذا الكتاب تحتاج إلى عِنَايةٍ وتَفهُّمٍ لألفاظه، وهذا الكتاب لا شكَّ من الكتب القديمة التي تفيد أيضًا طالب الفقه في دراسته؛ فيستفيد من أسلوبه، ومن طريقة عَرْضه للمسائل، ومن طريقة ترتيبه.

стр. 2217

ولا شك أن القراءة في الكتب المتقدمة فيها فوائد؛ لأن عمقَ الأسلوب له أثرٌ؛ لأنَّ المسألة عندما تُعْمِلُ فِكْرَك، وتُجِدُّ فيها، وتتعمق فيها، أو تَسْبر غَوْرها (١)؛ بهذا يُصْبح عندك مَلَكةٌ ومِرَانٌ على دراسة المسائل التي تحتاج إلى كدِّ (٢) ذهنٍ وتعبٍ، وإنما لا تُعود نفسك على أن تكون سطحيًّا تأخذ بالظواهر، وتتعود على ذلك، ويتعود ذهنك على هذا الأمر، فلا يكون لديه الاستعداد أن يدرس المسائل الصعبة التي تحتاج إلى وَقَفَاتٍ وتَعمُّقٍ كما نجد ذلك في سائر العلوم. * قوله: (إِذْ قَدِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ المُصَلِّيَ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الصَّلَاةِ (٣)، وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ فِيهَا فِعْلًا كَثِيرًا (٤) لَمْ يُجِزِ البِنَاءَ؛ لَا فِي الحَدَثِ، وَلَا فِي الرُّعَافِ). مُرَادُهُ بأنَّ الإجماعَ قد حَصَل فيما لو أن المصلي اتجه إلى غير القبلة بسبب حدثٍ أحدثه، أو ما شَابَه ذلك أنه قَدْ خرج من الصلاة بذلك الانصراف عن القبلة؛ وذلك لأنَّ الاتجاه إلى القبلة من شُرُوط صحَّة الصلاة (٥)، وَكَذَلك انْعَقَد الإجماعُ على خُرُوج المصلِّي من صلاته؛

стр. 2218

إذا فعل فعلًا كثيرًا يتبين للرائي أنه ليس في صلاةٍ بسبب كثرة فعلِهِ، فلا يجوز له البناء بعد رجوعه إلى الصلاة ثانيةً، سواء كان انصرافه عن القبلة بسبب حدثٍ أو رعافٍ. * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ؟). هَذِهِ من المَسَائل المهمة، وربما لا يسلم أحدٌ منا من الوقوع فيها، وهذه ينبغي أن يُلاحظ فيها جانبان: الجانب الأول: (هو المُصلِّي): إذا أراد المصلي أن يُصلي نافلةً أو سنةً من السنن، فعليه أن يختار مكانًا يجد فيه سترةً، فإن كان في المسجد؛ فإنه يقف أمام الحائط، أو سارية (١) من السواري، أو كرسيٍّ من الكراسي، أو وجود شَيْءٍ من الأشيَاء؛ لأن الرَّسول ﷺ كان تُوضَع له العنزة (٢)، وَكَانَ يُصلِّي إلى مؤخرة الرحل (٣)،

стр. 2219

وصلى إلى بعيره (١)، وجاءت أحاديث كثيرة تحض على السُّترة في الصلاة، وتُرغِّب فيها، وأن المسلم ينبغي عليه أن يَتَّخذ له سترةً إذا أراد أن يُصلي، وأن هذه السترة ينبغي أن تكون وقايةً له بحيث لا يمر أحدٌ بينه وبين سترته، كما أنه لا ينبغي للطرف الآخر أن يؤذي أخاه المؤمن بالمرور بين يديه، فيترتب على ذلك تشويش عليه، وربما ذهاب خشوعه، وهناك مَنْ يرى أنه يقطع الصلاة. إذن، ينبغي للمسلم أن يختار سترةً، فلا ينبغي أن يُعرِّضَ نفسه ليتسبب في أن يلحق بإخوانه المسلمين إثمًا بسببه. الجانب الثاني: (هو المارُّ بين يديه): ينبغي أن يتوقع مثل ذلك، فلا يتسرع في الخروج، فيمر بين يدي المصلين، والمسألة تختلف بين أن يكون المُصلِّي (إمامًا، أو منفردًا، أو مأمومًا). أما المأموم: فسترة الإمام سترة للمأموم، وقد ورد في ذلك أحاديث نُقلت في ذلك (٢)، وإن كان فيها كلام للبعض، لكن هذه من المسائل التي التقى عندها العلماء، وأخذوا بها، فسُتْرة الإمام سترة للمأموم (٣). إذن، يبقى الإشكال فيما يتعلَّق بالإمام، وفيما يتعلَّق بمَنْ يُصلي

стр. 2220

منفردًا، وإن كان يُصلي الفريضة أو كان يُصلي صلاة تطوع؛ فينبغي أن يتخذ له سترةً، ولا ينبغي للمسلم أيضًا أن يمرَّ بين يديه، وقَدْ جاءت أحاديثُ فيها من الوعيد الشديد، ومن التوبيخ للَّذين يمرُّون بين أيدي المصلين (١)، كذلك أيضًا وَرَد النهي عن تَخطِّي رقاب الناس وتجاوزها (٢). كَمَا أنَّه لا ينبغي أن تُتْرك الصفوف الأولى خاليةً حتى لا يتسبب ذلك في وجود مَنْ يتخطَّى رقاب الناس، فَالرَّسُولُ ﷺ كان يُعْنى بهذا الأمر، وكانت -كما قلنا- تُوضَع له العنزة (٣) وهي عصا، وكذلك كان الصحابة ﵃ يَفْعلون (٤)، ولذلك جاء في حديثٍ أن الرسول ﷺ كان يصلي بأصحابه في مكان وليس أمامه سترة، فأرادت بهيمة أو بهمة أن تمر، فظلَّ يتقدَّم يدفعها حتى لصقَ بطنه بالجدار (٥)، وهذا دليلٌ على ردِّ المرور.

стр. 2221

* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: المَرْأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ). اختلَف العلماء: هل هناك فرقٌ بين مارٍّ ومارٍّ؟ فهل الإنسان يختلف عن الحيوان؟ وَهَل الذَّكَر يختلف عن الأنثى؟ ذهب الجمهور (أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وهي رواية عن الإمام أحمد (٤)) وهي الرواية القريبة للنصوص أيضًا، وإن كان وردت نصوص أُخرى لكن فيما يظهر لنا أنه لا يقطع صلاته إذ الذي ورد في ذلك يدل على نقص الصلاة لا بطلانها.

стр. 2222

لكن نُقِلَ عن بعض السلف (كالحسن البصري (١)؛ وهو من كبار التابعين، وعكرمة (٢)، وهي رواية للإمام أحمد (٣)) إلى أنه يقطع صلاته، وإن كانت الرواية التي يرجحها كثيرٌ من الحنابلة ويأخذون بها هي التي تلتقي مع مذهب الجمهور، وهو أن المرور لا يقطع. وَوَرَد أن الذي تُقْطع الصلاة من أجله هو ما جاء في الحديث: "يَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكَلبُ الأسوَدُ" (٤). وقَدْ وَرَد ما يعارض هذا الحديث كما جاء في بعض الأحاديث أن عائشة كانت تعترض بين يدي رسول اللَّه ﷺ وهو يُصلِّي، وكان إذا سَجَد غَمزَها، فَقَبضت رِجْلَيها، فإذا ما قام، مدَّت رجليها (٥). قوله: (وَصَلَّى إلى السرير)، وَنُقِلَ أيضًا كما في رواية مسروقٍ، أن السيدة عائشة أنكرَت وقالت: "شبَّهتمونا بالحمر والكلاب" (٦)!

стр. 2223

وَجَاء أيضًا في حديث الفضل بن عباس أنه قال: أتانا رسول اللَّه ﷺ في بادية في الصحراء، فصلى إلى غير سترة، فكانت أتان وكلبة لنا تعبثان بين يديه (١) -وهنا وردت الأتان وهي أنثى الحمار- وقد جاء في الحديث أن الحمار يقطع الصلاة، وهذه كانت ترتع بين يديه. كَذَلك جَاءَ في حديث عبد اللَّه بن عبَّاس وهو حديثٌ متفقٌ عليه (أنه جَاءَ على حِمَارٍ أتانٍ ورَسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي بالناس في مِنى، فَنزلَ عن الأتان، وَدَخَل في الصَّفِّ، وكانت الأتان تَرْتع بين بعض الصف) (٢). هنا ظاهر الحديث الأخير هذا أنه كان بين الصفوف، وأنه ليس أمام رسول اللَّه ﷺ . إذن، وَرَدَ هذا، وورد هذا، ومن أصرح الأدلة التي يأخذ بها الجمهور: "لا يقطع الصلاة شيء" (٣) حديث أبي داود، لكنهم يختلفون فيه صحةً وضعفًا (٤). فَهَذِهِ المسألة فيها خلافٌ، وَالخلافُ فيها ليس كبيرًا، هل مُرُورُ ما ورَد النهي عنه يقطع الصلاة أو لَا؟

стр. 2224

فأَكْثَر العُلَماء على أنَّه (لا يقطع الصلاة إنما ينقصها)، فقد نُقِلَ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال: "ينقص نصف الصلاة" (١)، ولا شك أنه قَدْ جاء التحذير من المرور، وأن من مرَّ يأثم بذلك إذا كان عالمًا بالنهي والوعيد الوارد فيه، أمَّا إذَا كان ناسيًا جَاهلًا للتحريم، فلا إِثْمَ علَيه؛ لقوله ﷺ : "رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطأ والنِّسيان وَمَا استُكْرهوا عليه" (٢). وقَدْ نُقِلَ عن الإمام أحمد في روايته مع الفريق الثاني (أنَّه لما سُئِلَ عن مُرُور الكلب والحمار والمرأة؟! فقال: مرور الكلب يقطع، وقال: في نفسي من الحمار والمرأة شيء) (٣)؛ لأن الكلب لم يرد أدلة أُخرى تقيده، والأسود خاصة، أما بالنسبة للحمار والمرأة وردت أدلة أُخرى تدل على عدم جواز ذلك. * قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الخِلَافِ: مُعَارَضَةُ القَوْلِ لِلْفِعْلِ). لماذا خصت هذه الأشياء (المرأة، والحمار، والكلب الأسود)؟ أما عن الكلب، فقَدْ ورد في حديث أبي ذرٍّ ﵁ لما سُئِلَ: ما بال الكلب الأسود من غيره؟ قال: سَألتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ عنه، فَقَال: "شَيْطان" (٤). لَيْس مَعْنى ذلك أنه شيطانٌ في ذاتِهِ، لكن العلماء تأوَّلوا ذلك،

стр. 2225

فقالوا: إنه كثير العقر (١)، وليس معنى ذلك أنه عندما يطلق على الشيء لفظة "شيطان" أنه شيطان فعلًا. فاللَّه يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. فَسُمِّي من الجن شياطين، ولذلك يُسمى المارد من الإنس شيطانًا، وَسَيرد بنا حديث متفق عليه في الَّذي يمرُّ بين يدي المُصلِّي؛ قوله ﷺ : "فَليُقاتِلهُ، فإنما هو شيطانٌ" (٢). أمَّا بالنسبة للمرأة، فقَدْ ذكرنا أحاديث تدل على أن عائشة كانت معترضةً بين يدي رسول اللَّه (٣). قَالَ العُلَماء: النَّهي عن مُرُور المرأة بين يدي المصلي؛ لأنها تصرف المصلي، وربما يشتغل بها وغيره، ولذَلكَ أجابوا عن حديث عائشة بأن عائشة كانت مع رَسُول اللَّه ﷺ ، وَهُوَ يَخْتلف عَنْ غيره؛ فأيكم يملك إربه كما كان يملك ﷺ . وَكَذلك ورَد فِي الحديث أنَّ ذلك كان في الليل، وليس في البُيُوت مصابيح (٤). أمَّا بالنِّسبة للحمار: فقَدْ وَرَدتْ أحَاديثُ تدلُّ على أنَّ هذه الأشياءَ لا تقطع الصلاة، وَوَرد أيضًا هذا الحديث، وهو يدلُّ على قطع الصلاة، فما الجواب؟

стр. 2226

الَّذين قالوا بأنه لا يقطع الصلاة؛ رَأَوا أن هذا الحديث وهو: "الكَلْبُ الأَسْوَد، والمرأة، والحمار يقطع الصلاة"، منسوخ، وهذا غير صحيح؛ لأن دعوى النسخ إنما يُنْتَقل إليها عندما يتعذر الجمع بين الأدلة، والجمع هنا ممكنٌ، فيحمل ما ورد في هذا الحديث على نقصان الصلاة، وبذلك تلتقي الأدلة، ولا معارضة بينهما. ودعوى النسخ أيضًا تحتاج إلى معرفة التاريخ، إذ بها يتبين المتقدم من المتأخر، ولا يلزم أيضًا أن يأتي دليل متأخر عن حديث متقدم فيكون ناسخًا؛ لأنه قد يكون مخصصًا له، وقد يكون مطلقًا له، وقد يكون متضمنًا حكمًا آخر. فالمَسْألةُ لَيْسَت على إطلاقها بأن يُدَّعى بأن حديث عائشة وما في معناه (كحَديث الفضل بن العباس (١)، وحديث عبد اللَّه بن عباس (٢))؛ أنها ناسخةٌ لحديث قطع الصلاة؛ لأنَّ هذا يُلْجأ اليه إذا تَعذَّر الجمع (٣). فَالعُلَماءُ قَدْ وضعوا مسالك، ووضعوا موازينَ دقيقةً في ذلك، وأنه عندما يُوجَد تَعَارضٌ بين دَليلَين دائمًا يُحَاول أن يُوفق بينهم.

стр. 2227

مثلًا نجد من الأدلة: "خَيْرُ الشُّهود الذي يشهد قبل أن يُسْتشهد" (١). وفي حديثٍ آخَرَ: "شرُّ الشهود الذي يشهد قبل أن يُستشهد" (٢). فهل هذا ناسخ للآخر؟ لا، فيُحْمل حديث: "شرُّ الشُّهُود الَّذي يشهد قبل أن يُستشهد"، على هذا الذي يتسرَّع في الشهادة في أمرٍ يَتَرتب عليه إلحاق ضررٍ بمسلمٍ، ويُحْمل حديث: "خَيْر الشُّهُود الذي يشهد قبل أن يُسْتشهد"؛ على إنسَان يعلم بوجود حقٍّ لأخيه المسلم لو كَتَمه لتضرر، فيأتي فيُعْلنه، فيترتب عليه خيرٌ لأخويه، لأخيه الذي عنده الحق بأن يخرج ذلك الحق من عنده، ولصاحب الحق ليتمتع به، ويستفيد منه، وبذلك أَمْكَن الجمع بينهما. وكذلك أيضًا وردت أحاديث كثيرة منها: "فِرَّ من المجذومِ فراركَ من الأَسدِ" (٣)، والأحاديث الأخرى التي تدل على خلاف ذلك (٤) وهكذا، فالمنهج الصحيح في ذلك أن يسلك دائمًا مسلك الجمع؛ لأن الجمع بين الأدلة سَوَاء كانت في الكتَاب أو في السُّنة؛ فإنه يُعْمل بالأدلة عمومًا،

стр. 2228

وعندما ترجح بينها إنما ترجح لوجود مرجحٍ، والانتقال إلى النسخ إنَّما هو عملٌ ببعضها، وتركٌ للبعض الآخر. وَلَا شَكَّ أنَّ أسلمَ طَرِيقٍ إنَّما هو الجمع بين الأدلة، وبذلك يُمْكن أن تعمل الأدلة جميعًا، وهو أَوْلَى من أن نأخذ ببعضها، ونترك البعض الآخر. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ خَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ المَرْأَةُ، وَالحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ" (١)). أما قوله: "معارضة ذلك الفعل للقول"، هَذَا لو لم يرد حديث: "لا يقطع الصلاة شيء" (٢)، وَهُوَ يريد أن يجعل القول: "يَقْطَع الصَّلاة: المَرأةُ، والحمَار، والكَلب الأسود"، هذا قولٌ، ويريد أن يجعل حديث عائشة وقصَّة اعتراضها بين يَدَي رسول اللَّه ﷺ ، وَحَديث الفضل بن عباس، وَكَذلك حديث عبد اللَّه بن عبَّاس، هذه أفعال، فيريد أن يوازن بين الفعل والقول، وأيهما يقدم؟ لكنه ورد حديث: "لا يَقْطع الصلاة شيءٌ"، إذن ورد قولٌ؛ فليست القضية كما يقول المؤلف أن سبب الخلاف معارضة القول للفعل. * قوله: (وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَرِضَةً كَاعْتِرَاضِ الجِنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي" (٣)). هَذَا الحديثُ وَرَد بألفاظٍ متعددةٍ في (البخاري ومسلم وعند أصحاب السنن (٤)، وأحمد (٥)، وغير هؤلاء (٦))، وَلَكن المؤلف جاء بلفظٍ مِنَ

стр. 2229

الألفاظ التي اشتملت على الغرض المقصود، والأحكام المترتبة، والَّتي استفادوا بها من هذا الحديث، جَاءَ به ليكون دليلًا على المسألة. كذلك جَاءَ أيضًا: (أنَّها على سَرِيرٍ، وأن الرَّسولَ ﷺ كان يُصلِّي، وأنها كانت تذهب حتى لا تشغل رسول اللَّه ﷺ ) (١). * قوله: (وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ عَنْ عَلِيٍّ (٢)، وَعَنْ أُبَيٍّ (٣)). رَوَى أيضًا عن السلف آراء لهم مثل قول الجمهور، ومن أدلة الجمهور حديث الفضل بن عباس، ويرونه من أقوى أدلتهم في هذه المسألة عندما قال: "كان رسول اللَّه ﷺ في بادية في الصحراء، فقام إلى غير سترةٍ فصلى والناس وراءه، فكانت أتان وكلبة تعبثان بين يديه ولا يبالي" (٤). ووجه الدلالة في الحديث: "ولا يبالي"، وقد أجاب عنه بعض العلماء (٥)، وَقَالوا: ذلك في أول الأمر، وقبل مشروعية السترة، وجاء في حديث عبد اللَّه بن عباس الذي أوردناه قبل قليل في مِنًى أنه: "نَزلَ عن الأتان، وكانت تَرْتع بين الصُّفوف" (٦)، لَكن هذَا ليس أمَام الإمام.

стр. 2230

وَجَاء أيضًا في حَدِيثٍ آخَر أوردناه أنَّ الرَّسولَ ﷺ ردَّ بهمةً أو بهيمةً حتى لصق بطنه الجدار (١). فالشَّيْءُ الذي ننتهي إليه هُوَ أهمية السُّترة، وأنها مشروعةٌ، وأنه ينبغي للإنسان أن يعتني بها، ولا ينبغي أيضًا للمسلم الآخر المار أن ينتهك حرمة أَخِيهِ المسلم. * قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي كَرَاهِيَةِ المُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ المُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ إِذَا صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ) (٢). فَهَذا أمرٌ مُسلَّمٌ به بين العلماء في أنه يُكْره للمار أن يمرَّ بين المُصلِّي وبين سترته، كما أنهم يُطَالبون المصلي أن يتخذ سترةً، فلا يُعرِّض نفسه للمرور بين يديه أي: إذا أراد الإنسان أن يُصلي فليتخذ سترةً؛ وقايةً له من أن يمرَّ أحد بينه وبين يديه، ولكن إن مرَّ بينه وبين يديه فإنه يدفعه، فإن أبى فليقاتله كما سيأتي في الحديث (٣). وهذه السترة كما سبق أن تكلمنا عنها في أوائل أبواب الصلاة، وبيَّنا أن العلماء حددوا ذلك، واختلفوا في مقياسها، هل ارتفاعها ذراع أو ثلثا ذراع، أو أقل أو أكثر؟ وتكلموا أيضًا عما يَقَع بين المصلي وبين سترته من مَسَافةٍ، وقَدْ ثبت في الحديث الصحيح: "أن الرسول ﷺ كان بينه وبين سترته ممر الشاة" (٤)، قدرها بعض العلماء بثلاثة أذرع (٥).

стр. 2231

فهناك سترةٌ، وهذه السترة تُعْطي الإنسانَ فرصةً ليسجد وهو مطمئن، فهي مُرغَّبٌ فيها، وحضَّ عليها الرَّسول ﷺ . فالحَنابلَة يَأْخُذُون بذلك (١)، وغَيْرهم لا يأخذ به (٢)، فإذا لم يجد

стр. 2232

سترةً، وَضَع شيئًا يقيمه أمامه، عصا، أو يخط خطًّا، أو نحو ذلك، وسر الخلاف: أن الحنابلة يصححون الحديث (١)، وغيرهم يضعِّفونه (٢)، والواقع أن الإنسان إذا لم يجد وهو في صحراء مثلًا فيَنْبغي أن يخطَّ خطًّا. * قوله: (وَلَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَمُرَّ خَلْفَ السُّتْرَةِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرَوْا بَأْسًا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ المَأْمُومِ؛ لِثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصُّفُوفِ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدُ" (٣)). أتانٌ (٤) وهي أنثى الحمار. "نَاهَزتُ" (٥)، أَيْ: قاربت الاحتلام. تَرْتَع أي: تسير على راحتها.

стр. 2233

وقَدْ وقع خلاف بين العلماء لما تُوفي رسول اللَّه ﷺ ، كم كان عُمُرُ ابن عباس وقتئذٍ أهي عشر سنوات؟ أم اثنتا عشرة سنة؟ أم خمس عشرة سنة؟ وقد رجَّح الإمام أحمد أنه عندما مَاتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ كان عمره خمس عشرة سنة (١). وَالحديثُ هنا يُشير إليه بقوله: "ناهزت الاحتلام"، وذلك في مِنى، والرسول ﷺ حج ولم تمضِ إلا أشهر وتُوفِّي ﷺ ، إذًا ابن عباس الأقرب أنه كان في سن الخامسة عشرة من عمره. قَوْله: (وَهَذَا عِنْدَهُمْ يَجْرِي مَجْرَى المُسْنَدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى كرَاهِيَةِ المُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي، لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ فِي ذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: "فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (٢)). الوعيد جَاءَ في عدة أحاديث، منها قوله ﷺ : "لَوْ يَعلَمُ المارُّ بين يدَيِ المُصلِّي مَاذَا عليه، لَكَان أن يَقِفَ أربعينَ خيرًا له من أن يمُرَّ بين يدَيه" (٣). و"لو" يجوز استعمالها، وفيها كلام معروف، فالرسول ﷺ يقول أيضًا: "لوِ استَقْبَلتُ مِنْ أَمرِي ما استدبَرتُ لما سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَجَعلتُها عُمْرةً" (٤).

стр. 2234

وَفِي هَذَا المقام يَجُوز استخدامها، وسُئِلَ الرَّاوي عن ذلك؛ أربعين ماذا؟ شكٌّ من الراوي، هل قال: أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنةً (١). وَجَاء في حَدِيثٍ آخَرَ عند ابن ماجه وغيره: "مئة عامٍ" (٢). فلو أخذنا بأقل مقدار وأقل زمن، ألا وهو أربعون يومًا؛ لكان ذلك من أشقِّ الأشياء عليه، أي: أن يقف الإنسان أربعين يومًا ينتظر هذا المصلي ليفرغ من صلاته أهون له وخيرٌ له من أن يمر بين يديه. والحديث: "لو يَعْلَمُ المارُّ بينَ يدَي المصلِّي ماذا عليه"، أَيْ: مقدار ماذا عليه من الإثم، وقَدْ جاء التصريح به في بعض الأحاديث: "لَوْ يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم (٣) -ماذا سيلحقه من الإثم- لكان خيرًا له أن يقف مدةً طويلةً كانت خيرًا له من أن يمرَّ بين يدي المصلي". إذًا، في هذا وعيدٌ شديدٌ، وفيه تحذيرٌ أكيدٌ من رسول اللَّه ﷺ للذين يَتسَاهلون فيَمرُّون بين أيدي المصلين، فيُحَاولون أن يقطعوا عليهم صلاتهم. وقَدْ ورد أيضًا في أثرٍ عن أبي سعيد أنه كان يُصلي، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفعه، ثم أراد أن يمر فدفعه، فغضِب الشاب وأخذ يتكلم، فدخل على مروان يشكو أبا سعيد، فلما جاء أبو سعيد ذكر له مروان بن الحكم ذلك، فأورد أبو سعيد حديث رسول اللَّه ﷺ : "لو يَعلَمُ المارُّ بين يدَي المُصلِّي ماذا عليه -يعني من الإثم- لَكَان أن يَقِفَ أربعينَ خيرًا له من أن يمُرَّ بين يدَيه" (٤).

стр. 2235

فالأَمْرُ خطيرٌ، وَنَجن نتساهل في هذا، وربما يمر الإنسان ولا يُلْقي بالًا لذلك الأمر، فأنت بذلك شَوَّشت على أخيك المسلم، وأثَّرت عليه، فينبغي أن تحفظَ له هذا المقام، فيَنْبغي للمُصلِّي ألا يُعرِّض إخوانَه المسلمين لمِثْلِ ذلك، ولكن بعض المواضع تختلف أحيانًا، فيُكْره أَخُوك على المرور، فمثلًا أحيانًا يكون الإنسان في حَرَم مكة (١)، أو في المدينة كما تعلمون، والناس كُثُر، ويشقُّ على الإنسان ألا يمرَّ، فقد تكلم العلماء عن هذه الأماكن التي يزدحم فيها. الناس، وقالوا: ربما يتسامح فى ذلك قَدْر الإمكان (٢)، أمَّا في المواضع التي تستطيع أن تُتَجنَّب فلا. ولذلك، جاء أيضًا في الحديث الآخر: "إذا جغل أحدُكُم سترةً بين

стр. 2236

يديه، فأراد أحد أن يمرَّ بينه وبينها، فَلْيَدْفعه، فإن أبى فليُقَاتله، فإنما هو شيطانٌ" (١). ولقَدْ جَاء المؤلف بالشطر الثاني من الحديث، فَقَال: "فليُقَاتله، فَإنَّما هو شيطانٌ"، فالرَّسول ﷺ شبَّه الذي يمر بين يدي المصلي بأنه شيطانٌ، فإذَا صلَّى أحدٌ، فَجَعل بينه وبين القبلة ما يستره، فأراد أحدٌ أن يمر بينه وبين سترته "فليدفعه"، وفي بعض الرِّوايات: "فَلْيَدفع بنحره" (٢)، وهذا في "الصحيحين"، "فَإِنْ أبَى فليُقَاتله، فإنما هو شيطانٌ". في آخر الحديث: "فَإِنْ أبَى -أي: امتنع- فليُقَاتله، فانما هو شيطانٌ"، هذا يَتَرتب عليه كثيرٌ من الأحكام. لم يذكرها المؤلف. فإذا أراد أن يمرَّ فَدَفعته فمرَّ: * بعض العلماء (٣) يقول: ترده؛ لأن الرسول ﷺ قال: "فليدفعه، فإن أبى فليقاتله"، فلو تجاوز يرده. * والبعض يقول: لو رَدَّه لكان مرورًا آخر. * والبعض يقول: لا يؤخذ بلفظ الحديث (٤). ومهما يَكُنْ من أمرٍ، فالأمر فيه خطورة، وفيه وعيدٌ شديدٌ لمَنْ يفعل

стр. 2237

ذلك، فإن أبى (أي: المار)، وأصرَّ على أن يمر فمر، فإنما هو شيطانٌ. وليس المراد أنه "شيطان" فعلًا، وإنما أُجيب عن ذلك: بحَمْل هذا الفعل على فِعْلِ الشيطان، أي: أن الشيطان لا يريد بالمسلم خيرًا، وهو يعلم أن أقرب وسيلةٍ تربط المرء بربه إنما هي هذه الصلاة، وهذه الصلاة فيها السجود، وأن أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد (١)، وأن الإنسان في هذه الصلاة قد طرح الدنيا وَرَاءه، واتجه إلى اللَّه بقلبٍ سليمٍ منيبٍ، وأنه بذلك قد مرَّغ أشرف ما في بدنه ألا وهو الوجه، فسجد للَّه خاضعًا منيبًا منقادًا مُطرحًا بين يديه. فالشيطان لا يُسَر إذا رأى المسلم في هذه الحالة، فهو يبذل كل طاقته ليُشوِّش على المسلم، فيُفْسد عليه صلاته، فيلبس عليه فيها حتى يتردَّد، وقَدْ مرَّ أمثلةُ كثيرةٌ من ذلك أنَّ الشيطان يُحَاول أن يشوِّش على الإنسان حتى يزيد أو ينقص في صلاته، وأن الإنسان إذا تردَّد، فإنه يجبر صلاته: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ، فلم يَدْرِ كم صلَّى ثلاثًا أمْ أربعًا؟ فليطرَحِ الشَّكَّ، وليبنِ على ما استيقنَ" (٢)، وبيَّن أنَّ ذلك يكون ترغيمًا للشيطان، ودحرًا له. إذًا، الشيطان يحمل الإنسانَ على هذا الفعل -فإنَّما هو شيطانٌ- أَيْ: حمله شيطانٌ على هذا الفعل؛ لأنَّ الشيطان لا شكَّ يَسْعى إلى الإغواء، قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. فمَنْ يعمل هذا؛ كأن الشَّيطانَ حمَله على ذلك، وانقاد له، وامتثل

стр. 2238

لمذهبِهِ، أو ربما -فإنَّما هو شيطانٌ- أي: فِعلُهُ فِعْلُ الشَّيطان. * وبَعْضهم قال (١): المُرَادُ بذلك القرين -فإنَّما هو شيطانٌ- أَيْ: قرينه، وقَدْ ورد التنصيص على ذلك في "صحيح مسلم": "فَإِنْ أبَى فليُقَاتله، فإنَّ معَه القرين" (٢) أي: قرينه. فَهَذه المسألة تدلُّ على خطورة المُرُور، وربما أطلنا عليها، وقد نراها سهلةً يسيرةً نعرفها، لكنها مسألةٌ لها أهميةٌ عظيمةٌ، والمسلم في هذه الحياة عندما يأتي إلى بيتٍ من بُيُوت اللَّه، جاء يطلب الأجر، يسعى إلى الثواب، يريد أن يطلب ما عند اللَّه، فهو في هذه الحالة قدم الباقية على الفانية، تركتَ الفانيةَ وراءك، وأعرضتَ عن أمور الدنيا، وتركتها وراءك ظهريًّا، وَجئت تَطْلب الأجرَ والثوابَ من اللَّه . فَعَليك أن تَعُودَ بِثَوَابٍ جزيلٍ من اللَّه ، فلا تُعرِّض نفسك لمثل هذه الأمور، وما يَمْنعك أن تمكثَ قليلًا في المسجد، فتُعْطي إخوانك المسلمين فرصةً ليُصلُّوا صلواتهم حتى لا تقعَ في المحظور، ولا تتسبب في نقصان صلاتهم، وقَدْ رأينا أن ابن مسعود ﵁ نُقِلَ عنه أنه قال: "ينقص نصف الصلاة" (٣). وَالعُلَماء كلهم مُتَّفقون على عدَم بطلان الصلاة (٤)، فالقصد بذلك النقص أي: يلحق الصلاة نقص؛ سواء كان النقص في الثواب، أو في غير ذلك.

стр. 2239

كذلك نَحْن نعلم أن الصلاة ثوابها يزداد وينقص بسبب الخشوع؛ ولذلك ممن أثنى اللَّه عليهم: (المؤمنون)، وأثنى على الخاشعين في صلاتهم، يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢] إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. إذًا، كُلَّما خشعَ قلب الإنسان، خشعت جوارحه، وَسَكنت وازداد ثوابه، وَكلَّما ضعف وقلَّ خشوعه، سَيْطر عليه الشيطان، وبدأ يكثر الحركةَ والتقلبَ، وانصرف ذهنه، وَخَرج إلى أمور الدنيا، وبدأ يبيع ويشتري ويُسَافر، وينزل، وربما يُخَاصم، وربما يدرس قَضَايا طويلةً، وربما يدخله الشَّيطان في قضايا تعقَّدت عليه قبل الصلاة، فتدخل عليه الأفكار، فيشتغل فيها، فلَوْ سألته: ماذا قرَأ الإمام؟ يَقُولُ: لا أدري، ماذا فَعَل الإمام؟ يَقُول: لا أدري، أي: يبقى صورة دون أن يخضع قلبه لذلك العلم. ولذلك، لما رأى الصحابي عمر ﵁ ذلك الرجل الذي يُكْثر الحركة قال: "لَوْ خَضَع قلبُهُ، لَخَضعت جوارحُهُ" (١). فَنَتبيَّن من هذا أيضًا أهميَّة المحافظة على حُرْمة المسلم، وعَدَم المرور بينه وبين سترته، وَإِنْ لم تكن له سترةٌ؛ فَلْيُحَاول المسلم ألَّا يمرَّ بين يديه، كَذَلك ينبغي للمصلي أن يبحث عن مكانٍ يجد فيه ما يستره عن مرور الناس. * قوله: (وإنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهِيَةِ المُرُورِ بَيْنَ يَدَي المُصَلِّي، لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ فِي ذَلِكَ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: "إذا صَلَّى أحدُكُم إلى شيءٍ يستُرُهُ، فأرادَ أحَدٌ أنْ يمرَّ بين يديْهِ، فليدفَعْهُ، فَإنْ أبَى فَليُقاتِلْهُ، فإنَّما هو شَيْطانٌ").

стр. 2240

بَيَّن الرسول ﷺ المقاتلةَ للمارِّ، ونَفْهم من هذا الحديث أن الرسول ﷺ حضَّ على السترة، وبعض الروايات عند مسلم: "فليدفع بنحره" (١)، ولذلك تكلم العلماء في لو أن إنسانًا أراد أن يمر بين يدي المصلي، هل هناك مراحل يتخذها معه؟ بمعنى يدفعه قليلًا؟ يختلف الأمر إذا كانت هناك سترة أم لا (٢)، فبعض العلماء قال: إذا كان يَتنَاوله، دَفَعه، وإذا كان لا يَصلُ إليه، فإنَّه يُشير إليه أو يُسبِّح (٣)، وَوَرد أن الإنسان إذا نابه شيءٌ في صلاته، فليُسبِّح الرجال، ولتصفق النساء (٤)، فالعلماء يُفرِّقون بين إنسانٍ له سترة، وإنسان ليس له سترة، فيقولون: مَنْ يضع سترةً يتقي بها مرور غيره؛ فأمره أشدُّ، وخطره أكبر، فإذا أرَاد إنسان أن يمرَّ بينه وبين سترته، يدفعه قليلًا؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "فإنْ أَبَى فليُقَاتله". فائدة لُغوية: صيغة المفاعلة تدل على أن اثنين اشتركا في الفعل، ولذلك يُنكر العلماء على أن تقول مثلًا: قاتل أو ضارب في أمرٍ يكون فيه واحد، أو تقول: ساهم وأنت تتحدث عن واحدٍ، إنما تقول: أسهم، إنما

стр. 2241

يَحْصل ذلك فى الأمور المشتركة (١)، فَجَاء فى الحديث: "فَلْيُقَاتله"، إذا كان هناك دافعٌ يدفعه، فإن أبى فليقاتل. وبَعْضُ العلماء يقول: ليس المراد من ذلك القتل المعروف، لأنه يؤدي إلى ذهاب حياته، كما ذكر القاضي عياض في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٢). وبعض العلماء قال: لا يدفعه، فإن أبى فليدفع أكثر، فإن انتهى الأمر إلى أن يدفعه بقوة، فلو ذهب فإنه يذهب دمه هدرًا، ولا دية عليه (٣).

стр. 2242

وَيَخْتلفون في الدية، وهذه مسائلُ جزئيةٌ لَمْ يعرض لها المؤلف، لَكننا عرضنا لها لنُبيِّن أهميَّة الأمر. فَالرَّسولُ ﷺ بيَّن أنَّ مَنْ يمرُّ بين يدي المصلي شيطانٌ، وأن عليه أن يدفعه، وأنه إذا أبى أن يرتدع من الدفع؛ فليُقَاتله، وهذا يدلُّ على خطورة الأمر وأهميته. * قوله: (المسألة الثالثة اخْتَلَفُوا فِي النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ كَرِهُوهُ، وَلَمْ يَرَوْا الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ نَفَخَ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ أَوْ لَا يُسْمَعَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ النَّفْخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا أَوْ لَا يَكُونَ كَلَامًا. المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ). حَكَى ابْنُ المُنْذر إجماع العلماء على أن الضحكَ يقطع الصلاة (١)، لكن تتبعه كَثيرٌ من العلماء كابن قدامة في "المغني" (٢)، والنووي في "المجموع" (٣)، وغير هؤلاء، وَبيَّنوا أن مرادَه بذلك هو إذا بان منه حرفان،

стр. 2243

وليس المراد هو مجرد الضحك؛ فإنهم قالوا: كثيرٌ من العلماء لا يَرَوْن أن الضحك يؤثر إذا لم يَبُنْ من الضاحك حَرْفان. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّبَسُّمِ (١)). وأما التبسم، فالخلاف فيه يسيرٌ جدًّا، فجماهير العلماء يرون أنه لا تأثير له، لأنه لا يُسمَّى كلامًا (٢). * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ التَّبَسُّمِ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِالضَّحِكِ أَوْ لَا يُلْحَقَ بِهِ). وسبب اختلافهم في ذلك إلحاق التَّبسُّم بالضحك: * فمن ذهب إلى أن التبسّم يلحق بالضحك، قال: يقطع الصلاة. * ومن ذهب إلى أن التبسُّم لا يلحق بالضحك؛ لأنه ليس كلامًا، قال بعدم قطع الصلاة.

стр. 2244

* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ الحَاقِنِ). هناك جزئيات ومسائل لم يَعْرض لها المؤلف، منها: * (مسألة النفخ في الصلاة): وقد وقِع فيها خلاف، وأن مِنَ العلماء مَنْ يُفَصِّل القولَ في ذلك، فيقول: مَنْ نفخ في صلاته، فَبَان منه حرفان، بطلت صلاته، وإن لم يَبُنْ منه شيء فلا (١). وَيُفرِّقون بين أن يغلبه الأمر، أو لا يغلبه، هذا فيما يتعلَّق بالتأفيف. وذلك حَصَل من الرَّسول ﷺ كما ذَكَر ذلك الترمذي في "سننه" أن الرسول ﷺ نفخ في صلاته (٢) أي: في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي في سجوده.

стр. 2245

* (ما يتعلَّق بالبكاء): كثيرًا ما يعتري الإنسان البكاء، فالإنسان بشرٌ والمؤمن له قلبٌ، وهذا القلب يختلف باختلاف الناس، فهناك مَنْ وهبه اللَّه قلبًا رقيقًا رحيمًا يتأثر بالمواعظ، إذا سمع آيةً تأثر بها، فإن كان الموطن موطن خوف ترى أثر ذلك واضحًا فيه، وقد يعتريه البكاء، وقد يتجاوز ذلك إلى الشهيق. كَذَلك أيضًا من الناس مَنْ لا يتأثر بذلك، فتجد قلبه كالحجارة، وهكذا الحال بالنسبة للمواعظ، إذًا هناك بكاء، وهناك تأوهٌ، وهناك أنينٌ، فما الحكم؟ كثيرًا ما نجد أن من الأئمة مَنْ يدعو في صلاته، كما نرى ذلك في صلاة التراويح، فيغلبه البكاء، فهل هذا البكاء يُؤثِّر في الصلاة؟ العلماء فصَّلوا القول في ذلك، فقالوا: مَنْ غلبه البكاء، فلا تأثير له؛ لأن ذلك دليلٌ على صحة القلب واستقامتِهِ وسلامتِهِ، وكلما كان المؤمن رقيق القلب متأثرًا، فإنه يعلوه البكاء في صلاته، فالإنسان قد تَمرُّ به آياتٌ تتحدَّث عمَّا يتعلَّق بعَذَاب القَبْر، وبالحشر، وبجهنم وصفاتها، فهو -بلا شكٍّ- يتأثَّر في هذه المواقف، فيَغْلبه البكاء، فمَنْ غلبه البكاء أي: سَبَقه بحيث إنَّه لا إرادة له في ذلك، فهذا لا تأثيرَ له، ولا يُؤثِّر في صلاته نقصًا. * ونوع لا يغلبه البكاء، ولكنه يبكي، وهذا الذي يبكي لا يخلو من أمرين:
следующие страницы →