يَحْصل ذلك فى الأمور المشتركة (١)، فَجَاء فى الحديث: "فَلْيُقَاتله"، إذا كان هناك دافعٌ يدفعه، فإن أبى فليقاتل.
وبَعْضُ العلماء يقول: ليس المراد من ذلك القتل المعروف، لأنه يؤدي إلى ذهاب حياته، كما ذكر القاضي عياض في شرحه لـ "صحيح مسلم" (٢).
وبعض العلماء قال: لا يدفعه، فإن أبى فليدفع أكثر، فإن انتهى الأمر إلى أن يدفعه بقوة، فلو ذهب فإنه يذهب دمه هدرًا، ولا دية عليه (٣).
стр. 2242
وَيَخْتلفون في الدية، وهذه مسائلُ جزئيةٌ لَمْ يعرض لها المؤلف، لَكننا عرضنا لها لنُبيِّن أهميَّة الأمر.
فَالرَّسولُ ﷺ بيَّن أنَّ مَنْ يمرُّ بين يدي المصلي شيطانٌ، وأن عليه أن يدفعه، وأنه إذا أبى أن يرتدع من الدفع؛ فليُقَاتله، وهذا يدلُّ على خطورة الأمر وأهميته.
* قوله: (المسألة الثالثة اخْتَلَفُوا فِي النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ كَرِهُوهُ، وَلَمْ يَرَوْا الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ نَفَخَ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُسْمَعَ أَوْ لَا يُسْمَعَ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ النَّفْخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا أَوْ لَا يَكُونَ كَلَامًا. المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ).
حَكَى ابْنُ المُنْذر إجماع العلماء على أن الضحكَ يقطع الصلاة (١)، لكن تتبعه كَثيرٌ من العلماء كابن قدامة في "المغني" (٢)، والنووي في "المجموع" (٣)، وغير هؤلاء، وَبيَّنوا أن مرادَه بذلك هو إذا بان منه حرفان،
стр. 2243
وليس المراد هو مجرد الضحك؛ فإنهم قالوا: كثيرٌ من العلماء لا يَرَوْن أن الضحك يؤثر إذا لم يَبُنْ من الضاحك حَرْفان.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّبَسُّمِ (١)).
وأما التبسم، فالخلاف فيه يسيرٌ جدًّا، فجماهير العلماء يرون أنه لا تأثير له، لأنه لا يُسمَّى كلامًا (٢).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ التَّبَسُّمِ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ بِالضَّحِكِ أَوْ لَا يُلْحَقَ بِهِ).
وسبب اختلافهم في ذلك إلحاق التَّبسُّم بالضحك:
* فمن ذهب إلى أن التبسّم يلحق بالضحك، قال: يقطع الصلاة.
* ومن ذهب إلى أن التبسُّم لا يلحق بالضحك؛ لأنه ليس كلامًا، قال بعدم قطع الصلاة.
стр. 2244
* قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ الحَاقِنِ).
هناك جزئيات ومسائل لم يَعْرض لها المؤلف، منها:
* (مسألة النفخ في الصلاة): وقد وقِع فيها خلاف، وأن مِنَ العلماء مَنْ يُفَصِّل القولَ في ذلك، فيقول: مَنْ نفخ في صلاته، فَبَان منه حرفان، بطلت صلاته، وإن لم يَبُنْ منه شيء فلا (١).
وَيُفرِّقون بين أن يغلبه الأمر، أو لا يغلبه، هذا فيما يتعلَّق بالتأفيف.
وذلك حَصَل من الرَّسول ﷺ كما ذَكَر ذلك الترمذي في "سننه" أن الرسول ﷺ نفخ في صلاته (٢) أي: في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي في سجوده.
стр. 2245
* (ما يتعلَّق بالبكاء): كثيرًا ما يعتري الإنسان البكاء، فالإنسان بشرٌ والمؤمن له قلبٌ، وهذا القلب يختلف باختلاف الناس، فهناك مَنْ وهبه اللَّه قلبًا رقيقًا رحيمًا يتأثر بالمواعظ، إذا سمع آيةً تأثر بها، فإن كان الموطن موطن خوف ترى أثر ذلك واضحًا فيه، وقد يعتريه البكاء، وقد يتجاوز ذلك إلى الشهيق.
كَذَلك أيضًا من الناس مَنْ لا يتأثر بذلك، فتجد قلبه كالحجارة، وهكذا الحال بالنسبة للمواعظ، إذًا هناك بكاء، وهناك تأوهٌ، وهناك أنينٌ، فما الحكم؟
كثيرًا ما نجد أن من الأئمة مَنْ يدعو في صلاته، كما نرى ذلك في صلاة التراويح، فيغلبه البكاء، فهل هذا البكاء يُؤثِّر في الصلاة؟
العلماء فصَّلوا القول في ذلك، فقالوا:
مَنْ غلبه البكاء، فلا تأثير له؛ لأن ذلك دليلٌ على صحة القلب واستقامتِهِ وسلامتِهِ، وكلما كان المؤمن رقيق القلب متأثرًا، فإنه يعلوه البكاء في صلاته، فالإنسان قد تَمرُّ به آياتٌ تتحدَّث عمَّا يتعلَّق بعَذَاب القَبْر، وبالحشر، وبجهنم وصفاتها، فهو -بلا شكٍّ- يتأثَّر في هذه المواقف، فيَغْلبه البكاء، فمَنْ غلبه البكاء أي: سَبَقه بحيث إنَّه لا إرادة له في ذلك، فهذا لا تأثيرَ له، ولا يُؤثِّر في صلاته نقصًا.
* ونوع لا يغلبه البكاء، ولكنه يبكي، وهذا الذي يبكي لا يخلو من أمرين:
стр. 2246
- إما أن يكون بكاؤه خوفًا من اللَّه ، وخشيةً له، وخوفًا من النار، وما فيها من العذاب الذي أعدَّه اللَّه للعُصَاة المُلْحدين، فقَدْ يَتذكَّر أهوال القَبْر وَمَا فِيهِ من السؤال، وكذلك قد يتذكَّر ما في عرصات القيامة، وقد تمرُّ به آياتٌ، فيتأثر بها، فيَبْكي، فَهَذا إن كان بكاؤه خوفًا من النَّار، أو خشيةً للَّه ، فإنه في هذه الحالة لا تبطل صلاته.
- أمَّا إنْ كان بكاؤه لغير ذلك، فلا يخلو إما أن يبين منه حرفان أو لا، فإن بان منه حرفان، بَطَلت صلاته وإلا فلا (١).
وَمِنَ العُلَماء مَنْ يرى أن البكاء ذِكْرٌ، وأنه ما إذا كان ذكرًا فإنه لا يفسد الصلاة؛ ويَسْتدلون على ذلك بقول اللَّه تعالى في مدحه لنبيه وخليله إبراهيم ﵇: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا
стр. 2247
إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤].
"وأوَّاه" (١) صفة مبالغة، فاللَّه مدح إبراهيم بهذا الوصف، فلو لم يكن ذلك محل ثناء لمَا امتدحه اللَّه به، إذًا فالأَوَّاه يتَّصف بهذه الصفة، وما دام يتصف بها وهي صفة ذِكْرٍ؛ فلا ينبغي أن تُؤثِّر في الصلاة؛ لأن الذِّكر لا يؤثر في نقصان الصلاة، وَلَا فِي بُطْلانها.
كَذَلك أيضًا يختلفون فيما يتعلَّق بالبكاء، ويقولون فيما يتعلَّق بالبكاء بعد أن اتفقوا على أن مَنْ غلبه البكاء، أو بكى خوفًا من النار، أو خشيةً للَّه؛ فإن ذلك لا يؤثر، وبعضهم يرى أن البكاء لا يفسد الصلاة؛ لأن اللَّه أثنى على الباكين وامتدحهم في كتابه، فقال : ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقال: ﴿. . . خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].
فَهذِهِ صفةٌ امتدح اللَّه بها الباكين (٢).
وَمِنَ العُلَماء مَنْ يقول: إن البكاء إنْ لم يكن لما ذُكِرَ أولًا، خوفًا من اللَّه، وخوفًا من النار، وغلبه البكاء، فهذا يُعْتبر خارجًا عن الصلاة، فيؤثر فيها، كالحال بالنسبة لرَدِّ السلام، وأيضًا الرد على العاطس، ونحو ذلك.
فَهَذِهِ مَسائلُ يَخْتلفون فيها، كما يَخْتلفون كما ذكرنا في التأوُّه والأنين، فمنهم مَنْ يرى أنه لا تأثير له إن لم يبن حرفان، ومنهم مَنْ يرى أنه يؤثر في الصلاة؛ لأنه لم يَرِدْ في ذلك دليلٌ يستدل به.
стр. 2248
هَذَا هو خلاصة ما في هذه المسائل ذات الصلة بالكلام، وهي ما يَذْكرها العلماء غالبًا من المسائل المتفرِّعة عن الكلام في الصلاة.
* قوله: (اخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ الحَاقِنِ).
قَدَّمَ المؤلف الكلام على الحاقن على الكلام على رد السلام، وَكَان الأَوْلَى أن يقدم ذاك أيضًا؛ لأنه مرتبطٌ بالكلام، لكنَّنا نسير على نَسَق الكتاب ونَهْجه.
أوَّلًا: يقصد بالحاقن (١): الذي يَحْمل بولًا شديدًا، وأصبحَ محصورًا، أَيْ: يحتاج إلى أن يتبوَّل، أصبح هذا البول يؤثر فيه.
وكذلك أيضًا مَنْ يدفعه الغائط، فمَنْ هو الحاقن أو الحاقب (٢)، وما حكم صلاتِهِ؟
اختلف في ذَلكَ العلماء:
أوَّلًا: فجمهور العلماء يَرَون أن مَنْ صلى وهو حاقن أو حاقب؛ فإنه يُكره له ذلك، ولا تأثير لذلك في الصلاة (٣). أي أنه لو صلى على صفةٍ
стр. 2249
من هاتين الصفتين؛ فإنها لا تُؤثِّر في صلاته، ولا تُفْسدها، وَقَاسوا ذلك على مَنْ صلى ونفسه تتوق ومتعلقة بالطعام: "لَا صَلَاة بحَضْرة الطَّعام، ولَا وَهُوَ يُدَافعه الأَخْبَثان" (١).
فالعُلَماءُ متَّفقون على أن مَنْ صلى وهو يشتهي الطعام، وتتوق نفسه إليه وتميل إليه؛ فإن صلاته صحيحة بلا خلاف (٢)، كذلك هنا بالنسبة لمَنْ صلى وهو حاقن أو حاقب.
ثانيًا: ومن العلماء من قال: ينبغي أن يعيد في الوقت، وقد نسب المؤلف ذلك إلى مالك، وأظن أن مذهب المالكية فيه تفصيل في هذه المسألة (٣)، ونُقل أيضًا عن ابن أبي موسى من الحنابلة ما يقرب من ذلك (٤)، ولكنه قيَّد ذلك بأن يكون شديدًا.
ولكن: ما الحكمة من قول العلماء بأن من صلى وهو حاقن أو حاقب فإنه يُكْره له ذلك أو تبطل صلاته؟
لأنَّ الإنسانَ مُطَالبٌ بأن يخشعَ في صلاته، والحاقن قَدْ يذهب خشوعه، فقد تَشوَّش ذهنه، وانشغل قلبُهُ، وقد ذَهَب عنه اطمئنان القلب،
стр. 2250
وراحة النفس؛ لأن هناك أمرًا يزعجه، ويشغل باله، ولذلك لا ينبغي أن يدخل الصلاة وهو حاقن أو حاقب حتى وإنْ فَاتَته الصلاة، وإنما يَنْبغي أن يدخلَ إلى الصلاة وهو مطمئن النفس، لَا يُوجَد ما يشغل باله، ولا ما يُشوِّش عليه، ولا ما يذهب خشوعه أو يضعفه، لأن اللَّه أثنى على الخاشعين.
لكن لو حصل ذلك، هل يؤثر ذلك في صلاته؟
لا شك أنه وَرَد في ذلك عدة أحاديث، ومن تلك الأحاديث قوله ﷺ : "لا يحلُّ لامْرِئٍ أن ينظرَ في جَوْف بيت امْرِئٍ حتى يستأذنَه، ولا أن يقومَ إلى الصلاة وهو حقن" (١).
"حَقِن" على وَزْن "فَعِل"، وهذه صيغة من صيغ المبالغة، وحقن يعني حاقن.
وجاء أيضًا في الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث عائشة أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاةَ بحضرةِ طعامٍ، ولا وهو يُدافِعُه الأخبثانِ" (٢).
كَأنَّ البولَ والغائطَ يُصَارعانه، هما يريدان منه أن يقضي حاجته، وهو يتحمل ويتصبر، فيدخل في الصلاة، ولا شكَّ أن ذلك سيَشْغله، وسيشوش عليه، ومع ذلك نجد أن جماهير العلماء حملوا ذلك على الكراهة، وقالوا: لا نرى فرقًا بين هذا وبين مَنْ يدخل في صلاته ونفسه متعلقة بذلك الطعام.
وَلذَلك، جاء في الحديث: "إذا حضرت العِشَاءُ، فابدؤوا بالعَشاء" (٣).
стр. 2251
كذلك الحديث الذي مرَّ بنا قبل قليل، وهو حديث عائشة أن الرسول ﷺ قال: "لَا صَلَاة بحَضرة الطعام".
لأنَّ القصدَ من ذلك أن يدخل الإنسان في هذا الرُّكن الثَّانِي من أركان الإسلام وهو مطمئن النفس، مرتاح البال، لا يشغله شاغلٌ عن طاعة اللَّه ، وعن ذِكْرِهِ، وعن تلاوة القرآن، وأداء هذه الصلاة برُكُوعها، وأركانها، وشرائطها، وواجباتها حتى يحصل على عَظِيمِ الثواب من اللَّه ، لَكنَّهم قالوا: لا يختلف حاله عن حال مَنْ يشغله الطعام، ولا كذلك مَنْ ينشغل بأمور الدنيا؛ فكم مِنَ المُصلِّين مَنْ إذا دخل في صلاته، أصبح يفكر في أمور الدنيا يقلبها يمينًا وشمالًا، وهناك أيضًا مَنْ يفكر في أمورٍ أُخرى قد تكون في مصلحة المسلمين، كما أُثِرَ ذلك عن عمر ﵁ (١)، ومع ذلك قال العلماء: لم يرد نصٌّ في أن هذه الأشياء تبطل الصلاة، بمعنى أن العلماء لم يقولوا بأنها تبطل الصلاة (٢)، فالخلاف في هذه المسألة هو خلافٌ بين الجمهور وبين غيره.
стр. 2252
وَالرَّاجح: أنَّ الأَوْلَى في المُصلِّي ألَّا يدخل في صلاته وهو حاقن أو حاقب؛ فإن فَعَل، فصلاتُهُ صحيحةٌ مع الكراهة، والعلة في ذلك -كما ذكرنا- هو أن وجودَ مثل هذه الأشياء تَشْغله وتُشوِّش عليه، وربما تجعل قلبه ينصرف، وقد يحسُّ بألمٍ، وبمشقةٍ، فبدل أن ينشغل في عبادته، ويُفرِّغ نفسه لها؛ يتشوش ذهنه في هذه الأمور.
* قوله: (فَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ يَكْرَهُونَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ حَاقِنٌ، لِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ).
زَيْد بن أرقم هو الَّذي وَرَد عنه: "كنَّا نَتكَلَّم في الصلاة، يُكلِّم أحدنا صاحبَه إلى جَنْبه"، حتى نزَل قوله تَعالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
"فأُمِرْنَا بالسُّكُوت" في رواية "الصحيحين" (١)، وفي مسلم: "فأمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام" (٢).
* قوله: (قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الغَائِطَ، فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ" (٣)، وَلمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" (٤)، يَعْنِي: الغَائِطَ وَالبَوْلَ، وَلِمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ
стр. 2253
عَنْ عُمَرَ أَيْضًا (١)، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ، وَأَنَّهُ يُعِيدُ).
نُقِلَ هذا عن مالك (٢)، وليس المالكية كلهم متفقين على هذا، وحُكِيَ عن بعض الحنابلة عن ابن أبي موسى من الحنابلة (٣) أنه قال: "إذا اشتدَّ به الأمر، فإن ذلك يؤثر على صلاته"، ومذهب الجمهور أن ذلك مكروهٌ، وليس مبطلًا للصلاة؛ لأنه ليس من مُبْطلات الصلاة، إنَّما الذي يبطل الصلاةَ أمورٌ كثيرةٌ، منها الكلام، وفيه تفصيلٌ، ومنها انتقاض الطهارة، والأكل والشرب ومسائل عدة معروفة.
* قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الحَاقِنِ فَاسِدَةٌ) (٤).
ابن القاسم هو إمام معروف من أجلَّاء علماء المالكية الذين تتلمذوا على يد الإمام، وتربوا في مدرسته، وأقصد بالإمام الإمام مالكًا إمام دار الهجرة، فهو الذي روى مُدوَّنته، أو التي حكاها سحنون عن ابن القاسم، فَابْنُ القَاسم كان يسأل مالكًا أحيانًا، وفي الكثير يجيب مالكٌ ﵀، وأحيانًا لا يجيب مالكٌ، والمالكية يَعْرفون ما يخص الإِمَامَ مالكًا، وما جَاءَت به إجابات ابن القاسم.
* قَالَ: (وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ "أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالإِعَادَةِ فِي الوَقْتِ وَبَعْدَ
стр. 2254
الوَقْتِ" (١). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي النَّهْيِ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ؟) (٢).
هذه مسألة أصولية معروفة، وهي: هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟ وكما هو الحال بالنسبة للأمر، فالأمر يقتضي الوجوب، والنهي أحيانًا يقتضي فساد المنهي عنه، وأحيانًا يأتي صارف من الصوارف كقرينة، فتنقل ذلك من النهي الذي يفسد العمل إلى الكراهة، وقد يكون النهي نهي تنزيه، وهذه مسائل معروفة.
* قوله: (وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ فَعَلَهُ فَقَطْ إِذَا كَانَ أَصْلُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِهِ وَاجِبًا أَوْ جَائِزًا، وَقَدْ تَمَسَّكَ القَائِلُونَ بِفَسَادِ صَلَاتِهِ
стр. 2255
بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الشَّامِيُّونَ (١)، مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ ثَوْبَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
هذا هو الحديث الذي أشرنا إليه قبل قليلٍ، وهو حديث ثوبان الذي أخرجه الترمذي وحسَّنه: "لا يحل لامرئٍ أن يدخل جوف بيت حتى يستأذن، ولا أن يُصلي وهو حقن" (٢).
* قوله: (قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ جِدًّا". قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ السَّنَدِ، لَا حُجَّةَ فِيهِ) (٣).
جاء المؤلف بلفظ آخر، أما اللفظ الذي ذكرت، فَهُو لفظ الترمذي وَحَسَّنه، وابن عبد البَر قد تكلَّم عنه، والحديث فيه خلافٌ بين العلماء تصحيحًا وتضعيفًا (٤).
لَكن الحَديث الآخر يكفي عنه حديث عائشة الذي أخرجه مسلم في "صحيحه"، وأخرجه غيره أن الرسول ﷺ قال: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (٥).
* قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قال: اخْتَلَفُوا فِي رَدِّ سَلَامِ المُصَلِّي عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ).
стр. 2256
هذه المسألة الخلاف فيها متعلق بالكلام في الصلاة؛ هل القصد بذلك رد السلام في الصلاة؟ فلو أن إنسانًا دخل، فوجد إنسانًا يصلي، أو جماعةً يصلُّون، فسلَّم عليهم، فهل لهذا المصلي أو لتلك الجماعة أن يردُّوا ﵇؟
- إن قلنا: نعم، فما نوع الرَّد؟ هل يردُّون عليه لفظًا بأن يقول مثلًا: وعليكم السلام.
- أو أنه يردُّ عليه إشارةً؟ وإن قلنا بالإشارة؛ فما نوع الإشارة؟ هل يُشير بيده فيجعل كفه أسفل، وأعلاها إلى أعلى؟ أو يُشير بإصبعه هكذا، أو أنه يُؤجِّل ذلك إلى ما بعد الصَّلاة؟
ففي هذه المسألة أحوال:
- الحال الأولى: هل يرد ﵇ لفظًا أو يرد عليه بالإشارة؟ وإن قلنا: يرد عليه إشارةً، فما نوع الإشارة؟ أو: هل له أن يسكت، فإذا ما فرغ من صلاته رد ﵇؟
الأَحَاديثُ التي قَدْ وردت فى ذلك كثيرةٌ جدًّا، ولقد تكلَّمنا عن السلام في الصلاة، وذلك عندما تحدثنا عن الكلام أثناء الخطبة في الجمعة، فإننا عرضنا هناك لمسائلَ، منها: رد السلام إذا كان الإمام يخطب على المنبر يوم الجمعة، فسلم أحد الحاضرين وهو يخطب، هل يرد عليه أم لا؟
وقَدْ وردت أحاديث في رد السلام؛ يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والرسول ﷺ ذكر أنَّ ذلك من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ووردت أيضًا أحاديث عدة تدل على رد السلام (١)، فذلك مضى وانتهى.
стр. 2257
أما عن رد السلام بالنسبة للمصلي؛ فما حكمه؟
لا شك أن الكلام في الصلاة كان جائزًا مطلقًا، ولذلك جاء في حديث زيد بن أرقم أنه قال: "كنَّا نَتَكلَّم فِي الصلاة، يُكلِّم أَحدُنَا صَاحبه إلى جنبه حتى نزل قَوْله تعالى: ﴿. . . وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسُّكُوت" (١).
وفي روايةٍ زيادة لمسلم: "ونُهِينَا عن الكلام" (٢).
فكان الكلام مطلقًا جائزًا في أول الأمر، ولذلك استغرب يعلى بن أمية، عندما رد على الذي عطس في الصلاة، فأنكر عليه الصحابة ﵃ (٣)، كَذَلك جاء في حديث عبد اللَّهِ بن مسعود أنه قال: كنَّا نُسلِّم على رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي قبل أن نذهب إلى النجاشي، فلمَّا رجعنا، سَلَّمنا على رَسُول اللَّه ﷺ ، فلَمْ يردَّ علينا، فَسَألوا رسولَ اللَّه ﷺ عن ذَلكَ، فقال: "إنَّ في الصلاة لشُغْلًا" (٤).
وَفِي حَدِيثِ يَعْلى بن أُميَّة بعد أن عطس الرجل، فقال: يَرْحمك اللَّه، ثم أنكرَ عليه القوم، فدَعَاه رَسُولُ اللَّه ﷺ بعد ذلك، ثمَّ قال له في آخر الحديث: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي
стр. 2258
التسبيح، والتكبير، وقراءةُ القرآن" (١)، فَمِنْ هذه الأدلة وغيرها -وهي كثيرةٌ جدًّا- نَتبيَّن أن الكلامَ كان جائزًا، وأن ردَّ السلام كان يحصل أيضًا، ثمَّ جاءت بعد ذلك أدلة تمنع ذلك.
وَفِيمَا يتعلَّق بالإشارة:
جَاءَ فِي حديث صهيبٍ ﵁ أنه مَرَّ برَسُول اللَّه ﷺ وهو يُصلِّي قال: "فَسلَّمت عليه وكلَّمته، قال: فرد إشارةً.
قال بعض الرواة: لا أظنه إلا أشار بإصبعه (٢).
أي: أن الرسول ﷺ كان يصلي، فسلم صهيبٌ على رسول اللَّه ﷺ وهو في الصلاة فرد بالإشارة.
وَجَاءَ أيضًا في حديث عبد اللَّهِ بن عُمَر ﵄ أنه قال: "جَاءَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إلى قُبَاءٍ، فصلَّى فيها، فأقبل عليه الأنصار، فسلموا على رسول اللَّه ﷺ ، فقلت لبلال: كيف ردَّ عليهم؟ فقال بلالٌ - قال بعد ذلك الراوي: قال يعقوب: لا أظنه إلا أشار بيده وكفه إلى أسفل" (٣).
الخُلَاصَة: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ ردَّ إشارةً، وأنه جَاء في حَدِيثٍ أنه أشار بِيَدِهِ هكذا، وَبَاطن الكف إلى الأرض، وأعلاها إلى أعلى، وأنه مرةً أشار بإصبعه؛ وجاء أيضًا في حديث جابرٍ أنه مرَّ برسول اللَّه ﷺ وهو يصلي على الراحلة إلى غير القبلة في نَافِلَةٍ، فسلَّم عليه، فلم يردَّ عليه ﷺ ، فلمَّا
стр. 2259
فرَغِ من صَلَاتِهِ قال: "إنه لَمْ يمنعني من أن أردَّ عليك إلا أنِّي كنت أُصلِّي" (١).
إذن؛ تَبينَّا من هَذَا أن ردَّ السلام كان في أوَّل الأمر جائزًا؛ وأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ سلَّم عليه أصحابه بعد ذلك، فلَمْ يردَّ عليهم، وبين في بعض الأحاديث كحديث بن مسعود أنه قال: "إنَّ فِي الصلاة لشغلًا".
وجاء في حديثٍ آخَرَ: أنه رد إشارةً بإصبعه.
وفي حديثٍ أيضًا: أنه رد إشارةً بيده.
وأيضًا جاء أن الرَّسُولَ ﷺ لم يردَّ، وأن ردَّه جاء بعد الصلاة.
ولذَلكَ، اختلف العلماء في هذه المسألة:
فمنهم مَنْ يرى -وهُمْ جَماهير العلماء- أنه لا يجوز أن يرد المصلي فى صلاته لفظًا؛ فإن فعلَ، بطلت صلاته.
فلو أن إنسانًا مرَّ بالمُصلِّي فسلم عليه، فقال: السلام عليكم؛ فرد فقال: وعليكم السلام، فإنَّ صلاته تبطل عند جماهير العلماء؛ لكنه إن رد عليه إشارةً، فلا تَبْطل عند هؤلاء تَمسُّكًا بما ذكرنا من بعض الأدلة (٢).
стр. 2260
وَمِنَ العُلَماء مَنْ يرى: أنه يؤخِّر ذلك إلى ما بعد الصلاة، فيرد عليه (١).
وَبَعْض العُلَماء يُفصِّل القول في ذلك؛ لأنه ربما يسلم عليه إنسانٌ يجهل الحكم، فَيَظن أنه بتَرْك الردِّ عليه، يترك ذلك أثرًا في نفسه؛ وهذا حصل مع عبد اللَّه بن مسعودٍ؛ لأنهم كانوا يسلمون على رسول اللَّه ﷺ ، فلما عادوا من عند النجاشي، سلَّم على رسول اللَّه ﷺ ، فلم يردَّ علَيه، فوقع في نفسه شَيءٌ، فسأل رَسُول اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "إنَّ فِي الصلاة لشغلًا".
إذن؛ لا يَنْبغي لمسلمٍ أن يرد السلام في الصلاة؛ لأن السلام كلام، فلا ينبغي أن يحصل منه، فإن سلم عليه أحدٌ فليرد إشارةً، إما بيده، وإما أن يُشير كذلك بإصبعه، أو أن يؤجل ذلك إلى ما بعد الصلاة، وذلك وَرَد عن الرسول ﷺ .
* قوله: (فَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَالحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ) (٢).
لأنَّهم يَرَون أن ذلك من الذِّكْر، فلا يمنع؛ وهؤلاء يستدلون بقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وقوله
стр. 2261
تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أي: علَى أَهْل دينكم.
* قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ بِالقَوْلِ، وَأَجَازُوا الرَّدَّ بِالإِشَارَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ) (١).
هؤلاء هُمْ جمهور العلماء، وكذلك مذهب أحمد.
* قوله: (وَمَنَعَ آخَرُونَ رَدَّهُ بِالقَوْلِ وَالإِشَارَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ النُّعْمَانِ (٢)).
يُقْصد بالنعمان: أبو حنيفة؛ لأن اسمه النعمان.
* قوله: (وَأَجَازَ قَوْمٌ الرَّدَّ فِي نَفْسِهِ (٣)، وَقَوْمٌ قَالُوا: يَرُدُّ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ) (٤).
هذه اختلافات داخل المذاهب، فمثلًا الحنابلة يقولون: لا يجوز أن يرد لفظًا، وإنما يرد إشارةً بإصبعه أو بيده، وله أن يؤجل ذلك إلى ما بَعْد الصلاة (٥).
وَمَعْلومٌ أنَّ الفقهَ يَخْتلف باختلاف مذاهب رُوَاته؛ فهناك مذهبان من المذاهب الأربع (مالك وأحمد)، عُني إمامهما بفقه الأثر، أي: يقفون عند الأحاديث والآثار التي جاءت عن الصحابة والسلف، لَكن بعد ذلك الذين جاؤوا من بعدهم فرغوا، فيُعْرف هذا بفقه السلف؛ ويُعْرف الفقه الحنفي
стр. 2262
بفقه الرأي؛ لأنه اعتمد في كثيرٍ من المسائل على القياس؛ ويرون المذهب الشافعي وسطًا بين هذه المذاهب، فهو يجمع بين المدرستين.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ رَدُّ السَّلَامِ من نَوْع التَّكَلُّمِ فِي الصَّلَاةِ المَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الكَلَامِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، وَخَصَّصَ الأَمْرَ بِرَدِّ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ الآية [النساء: ٨٦] بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ الكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ).
الآيةُ مجملةٌ عامةٌ، لَكن الأحَاديث خاصَّة.
وَمِنْهَا: كنَّا نُسلِّم على رسول اللَّه ﷺ قبل أن يَذْهبوا إلى النجاشي -كَمَا جَاءَ في بعض الرِّوايات- فلمَّا رجعوا من عنده سلموا، فلم يرد عليهم، وقال: "إنَّ فِي الصلاة لشُغلًا"، وسُلِّم عليه ﷺ بعد ذلك ولم يرد، وإنَّما كان يرد بالإشارة، والإشارة لا تبطل الصلاة؛ إنما الذي يبطل الصلاة هو الكلام، وليس هذا الكلام على إطلاقه، فقَدْ عرف ما يتعلَّق بذلك تفصيلًا.
* قوله: (قَالَ: لَا يَجُوزُ الرَّدُّ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الكَلَامِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، أَوْ خَصَّصَ أَحَادِيثَ النَّهْيِ بِالأَمْرِ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَجَازَهُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: وَمَنْ قَالَ: لَا يَرُدُّ، وَلَا يُشِيرُ، فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ (١)).
أبو بكر بن المنذر - هُوَ إمامٌ جليلٌ، وهو منَ العلماء الذين عنوا بأقوال الأئمة، وأيضًا من العلماء الذين عنوا فيما يتعلَّق بنَقْل الإجمَاع، وكثيرًا ممن كتبوا بعده، أَخَذوا وتأثَّروا بكتبه، وله كتابه "الأوسط"، وله
стр. 2263
كذلك كتبٌ عدة، وكلُّها من الكُتُب الجامعة، وإلى كونها تجمع الفقه، كَذَلك تجمع الأحاديث والآثار، فكُتبُهُ إلى جانب كَوْنها مَرَاجع في الفقه، هي مَرَاجع في الأحاديث، وأيضًا في آثار الصحابة والسلف ﵃ عمومًا.
قوله: "فقد خالف السُّنة"، إن قال: لا يرد -يقصد هنا: ليس الرد باللفظ، وإنما أن يرد إشارةً- على اختلاف الصفات التي ذكرنا.
* قوله: (. . . فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ صُهَيْبٌ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ رَدَّ عَلَى الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ" (١). . .).
رد إشارةً، وليس القصد هنا هو الرد بالقول.
وكذلك في حديث عبد اللَّه بن عمر عندما أشار إلى أن الرسول ﷺ جاء إلى قُبَاء وكان يصلي، فجاء إليه الأنصار، فسلموا عليه، سأل بلالًا كيف رد عليهم، فأجابه بأن قال يعقوب (يعني: راوي الحديث)، قَالَ: أشَار بيده؛ ثمَّ فصلها، فَقَال: فبَسَط كفَّه أسفلها إلى الأرض (٢).
إذًا؛ هذه من أنواع الإشارة التي ترد، لكن لو أشار بعينه (طَرْفه) هذا ما تكلَّم عنه الفقهاء؛ فالفقهاء عندما يجدون نصًا، يُفرِّعون عليه كثيرًا من المسائل؛ لَكن هذا الكتاب لا يعرض لكل شيءٍ؛ بَلْ هو يختار الأصل، ويَكْفيك أنك إذا أمسكتَ بأصول المسائل، يسهل عليك أن ترد إليها ما يتعلَّق بذلك.
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
стр. 2264
(البابُ الثاني: في القَضاء (١))
هذه من المسائل المهمة التي تتعلق بالقضاء في الصلاة.
وسوف يتكلَّم المؤلِّف عن أحكام ناسي الصلاة، أو الذي قد نام عنها، وعما يتعلَّق بمن ترك الصلاة متعمِّدًا، وما أكثرهم!
وهناك أناس يتساهلون في الصلاة، فيتركونها فترة من الزمن في حياتهم، وربما تنتابهم المنِيَّةُ وهم على هذه الحال، وهناك من تتداركه رحمة اللَّه فيهديه فيعود إلى الحق، فيرجع للصلاة فيؤديها، وهذا له حال أيضًا.
وهذه مسائل سبق أن أومأَ إليها المؤلِّف، وبعضها قد مرَّ تفصيلًا في أوائل أبواب الصلاة في فصل حكم الصلاة.
стр. 2265
فتكلمنا عن حكم الصلاة عمومًا؛ وعرفنا أنَّها ركن من أركان الإسلام بإجماع، وأنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ مَن ترك هذه الصلاة جاحدًا لوجوبها كفر، لكنهم اختلفوا فيمَن يترك الصلاة متهاونًا أو متكاسلًا مع الإيمان بوجوبها، لكن يخيِّم عليه الكسل والتهاون فيتساهل بها، ومن العلماء من حكم بكفره؛ للأحاديث التي وردت، وهناك من قال بأنَّه لا يكفر، لكن يُقتل حدًّا، وهناك من يرى حبسه وتعذيره.
وممن يُعذَرون في ترك الصلاة: النائم، والناسي، لأنَّ النائم أحد الثلاثة الذين رفعَ عنهم القلمَ، والناسي أيضًا جاء استثناؤه في كتاب اللَّه : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي الحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمّتِي" (١)، أو "إِنَّ اللَّهَ وضع عن أمَّتِي الخطأَ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه" (٢)، وكذلك حديث: "مَن نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلِّهَا متى ذكَرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٣).
وفي هذه المسائل نجد أنَّ المؤلِّف ﵀ يُدْخِل عدة جزئيات قد فاته الحديث عنها فيما مضى، يريد بذلك أن يلحقها في هذا الموطن.
* قوله: (وَالكَلَامُ فِي هَذَا البَابِ: عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ، وَفِي صِفَةِ أَنْوَاعِ القَضَاءِ، وَفِي شُرُوطِهِ: فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟).
هل يجب القضاء على كل تارك للصلاة؟
стр. 2266
يتكلم العلماء عن المرتدِّ أوَّلًا:
وقد اختلفوا في المرتد (١): فلو أنَّ إنسانًا مسلمًا ثم ارتدَّ وأسلم، ثم ارتدَّ فترك شيئًا من الصلوات، فهل يعامل معاملة الكافر الأصلي فيسقط عنه ما مضى؟ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، أو أنَّه يُطالب بقضاء ما فاته من الصلوات؛ لأنَّ حاله تختلف عن حال ذاك؛ لأنَّ الرسول ﵊ يقول: "من بدَّلَ دينه فاقتلوه" (٣).
أما مَن يتساهل فيترك الصلاة حتى يخرج وقتها، ولم يُصلِّها، وليس من أهل الأعذار فحكمه كذلك.
وأهل الأعذار قد مضى الكلام عنهم، وأعاد المؤلف منهم الناسي والنائم.
стр. 2267
وسيأتي الكلام على المغمى عليه، هل يقضي ما فاته من الصلوات أو لا؟ وفيه كلام للعلماء، فقد اختلفوا في المغمى عليه؛ لأنَّ من العلماء مَن يرى القضاء مطلقًا، ومنهم: من لا يرى القضاء مطلقًا، فيعامله معاملة المجنون، وهناك: مَن يعامله معاملة النائم، فيطالبه بالقضاء مطلقًا، ومنهم مَن يقول: إن كان في حدود صلوات يوم وليلة (خمس صلوات) فيطالَب بقضائها، فإن زادت سقطت عنه، والسبب هو: هل يلحق بالنائم أو بالمجنون. وسيأتي الكلام عن ذلك -إن شاء اللَّه- مفصلًا في الشرح، أمَّا في الكتاب فهو موجز (١).
أما الكافر الأصلي فلا يقضي ما فاته من الصلوات (٢).
* قوله: (وَفِي صِفَةِ أَنْوَاعِ القَضَاءِ).
ما صفة أنواع القضاء؟
لا شكَّ أن مَن فاتته صلاة أو أكثر أنه سيؤديها على الهيئة التي كان عليها، لكن هل يرتبها كالحال في ترتيب الصلوات؟ كمَن لم يُصلِّ الظهر مثلًا والعصر والمغرب والعشاء، وأراد أن يقضيها، فهل يبدأ بالظهر أولًا، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، أو أنَّ له أن يُصلِّيَ ما شاء (٣).
стр. 2268
ثم يختلفون فيما لو حضَر مصلٍّ الجماعةَ والإمام يُصلي العصر مثلًا، فدخل مع في هذه الصلاة، ثم تذكَّر أثناء الصلاة أنَّه لم يصلِّ الظهر، فما الحكم؟ هل يصلي معه هذه الصلاة، ثم يعود فيصلي الظهر، ثم يعيد صلاة العصر. . . وفرَّق العلماء بين أن يذكر صلاة الظهر وهو مع الإمام أو يذكرها بعد الانتهاء من الصلاة، فإن تذكرها وهو في الصلاة فعليه أن يعيدها، أما إن تذكَّرها بعد الفراغ من الصلاة مع الإمام فلا إعادة عليه (١)، ويفرقون أيضًا بين أن يضيق به الوقت في قضاء الفوائت، وبين ألَّا يضيق بها.
فهذه كلُّها مسائل عرض لها المؤلِّف، وأشار إليها، لكننا في مثل هذه المسائل التي تمرُّ بالمسلم، وربما نقع كلُّنا في شيء منها، وإن كانت جزئية فنحن كثيرًا ما نركِّز عليها، ونحاول أن نُبيِّنَها للحاجة إليها (٢).
* قوله: (وَفِي شُرُوطِهِ).
هل القضاء له شروط؟ نعم سيأتي تفصيلها.
стр. 2269
[على من يجب قضاء الصلاة]
* قوله: (فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟).
بدأ المؤلِّف بالصِّفة الأولى: ألا وهي: (عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟)، فهل يجب القضاء على كلِّ مَن ترك الصلاة؟
أما الحائض فتقضي الصَّوم، ولا تقضي الصلاة (١)، وأهل الأعذار إن أدركوا آخر جزء من وقت الصلاة التالية، فإنهم يصلونها.
فلو أنَّ حائضًا أو نفساء، أو مَن أسلم حديثًا، أو صبي بلغ قبل وقت المغرب، فإنَّه يُصلِّي الظهر والعصر، وكذلك الحال بالنسبة للعشاء والمغرب قبل طلوع الفجر.
ومثل هذه مسائل قد مرت بنا، وتحدثنا عنها (٢).
стр. 2270
وهناك ناسٍ، وجاهلٌ، ونائمٌ، ومجنون، ومغمًى عليه. فمن الذي يُطالَب بقضاء الصلوات إذا زال عذرُهُ، ومن لا يُطالَب؟ وهل يطالَب من المفرِّطِ في الصلوات أم لا؟
* قوله: (فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي العَامِدِ، وَالمُغْمَى عَلَيْهِ (٢)).
فالعلماء -كما ذكر المؤلف- مجْمِعُون على أنَّ مَن نَسي صلاة أو أكثر، أو نام عنها، وجبَ عليه أن يؤدي تلك الصلاة أو الصلوات، ولا تسقط عنه بحال؛ لأنَّه مرفوع عنه الإثم فقط؛ لأنَّ النَّائم مرفوع عنه القلم.
وكذلك رُفِعَ القلم عن المجنون، والناسي معفو عنه، وكذلك من أُكْرِه ومُنِع من الصلاة.
إذًا هؤلاء معفوٌّ عنهم، بمعنى أنَّ الإثم يسقط عنهم، لكن فرض الصلاة لا يسقط بحال من الأحوال، بل يجب عليهم أن يُؤدّوها (٣)،
стр. 2271
ووقتها حين يتذكرها؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ قد قال في الحديث الصحيح: "مَن نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها" فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والعلة: "لا كفارة لها إلَّا ذلك" (١)، لا يرفع كفارتها إلَّا أن يُؤدِّيَها متى صلَّاها.
وإن كان هناك خلاف بين العلماء في وقتها هل هو موسَّع، أو لا؟ لكن الصحيح أن وقتها مضيَّق (٢)، وأنَّها تؤدَّى، وإن كان الوقت وقت نهي؛ لأنَّ أوقات النهي تؤدَّى فيها الصلوات المقضية، والصلوات ذات الأسباب، وقد سبق أن رجَّحنا مذهب الشافعية في هذه المسألة (٣).
و"العامد": هو الذي يتعمَّد ترك الصلاة.
فمن تركها منكِرًا لها فهو كافر، وعليه أن يدخل في الإسلام مرَّة أُخرى.
ومَن تركها موقِنًا بوجوبها عالمًا بذلك، لا يُنكِر ذلك، بل يقول: أنا أعلم أنَّ الصلاة واجبة، وأنَّها ركن من أركان الإسلام، لكنني أتكاسل، وأتهاون، وأتساهل، وأسأل اللَّه أن يعفوَ عني، ويهديني، ويأخذ بيدي إلى طريق الخير والرشاد، ويوفقني إلى أداء هذه الصلوات؛ فهذا له حكم آخر، سيأتي تفصيله.
* قوله: (فَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ القَضَاءُ؟ فَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ).
فهذه مسألة ليس فيها خلاف بين العلماء؛ لأنَّه قد جاء نصٌّ عن
стр. 2272
رسول اللَّه ﷺ ، ونعلم أنَّ لكلِّ صلاة من الصلوات وقت محدد، وأنَّ الوقت له أولٌ وآخرٌ، وقد بيَّنَ ذلك جبريلُ لرسولِ اللَّه ﷺ تطبيقًا عمليًّا عندما صلى به عند البيت مرَّتين (١)، وبيَّنه الرسول ﷺ لذلك الرجل الذي جاءه يسأله عن أوقات الصلاة؟ فأمره أن يقيمَ يومين معه، فبيَّنَ له الأوقات (٢).
هذه الأوقات إذا ما فاتت الإنسان الصلاةُ فيها، بمعنى: أنه قد خرج وقتها ولم يصلِّها، فذكر المؤلِّف أولًا أهل الأعذار، ومنهم النائم، وكذلك. . .
إذًا الناسي من أهل الأعذار، وكذلك النائم، فمن نام عن صلاة، أو نسيها فإنَّه يؤديها، وقد بيَّن ذلك الرسول ﷺ وجاءت عنه عدة أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرها: ففي "صحيح البخاري" أنَّ الرَّسولَ ﷺ قال:
стр. 2273
"مَن نسي صلاة فليصلّ إذا ذكر، لا كفارة لها إلَّا ذلك" (١)، وفي "صحيح مسلم": "إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلِّ" (٢). وفي غير الصحيحين -وهو حديث صحيح أورده المؤلف- أنَّ الرسول ﷺ قال: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها"، وهذا أمر: "فليصلِّها متى ذكرها" (٣)، وفي رواية: "إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلا ذلك" (٤).
إذًا ذُكر الحكمُ مقرونًا بعلَّته، وأنَّ الإثم لا يرتفع عمَّن ينام عن الصلاة، أو ينساها إلَّا إذا قام بأدائها.
ومع ذلك اختلف العلماء في حقِّ النَّاسي والنَّائم، ولم يعرض المؤلف لهذه المسألة، لأنَّها من الفروع: فإذا نسي إنسان صلاة أو أكثر، أو نام عن صلاة أو أكثر، فهذه الصلوات التي نسيها ماذا يفعل بها؟ فالرسول ﷺ قال: "مَن نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها متى ذكرها".
فهل هذا الأمر على الفور؟ (٥)، وقد عرفنا ذلك في باب الحج.
стр. 2274
إذًا مَن نسي صلاة أو نام عنها ثم تذكر أو زال عنه النوم، فهل يجب عليه أن يؤدِّيَها في وقتها؟ فلو قُدِّر أنَّ هذه الصلاة هي صلاة الفجر، فهل يلزمه أن يؤدي الفرض، أو أنَّه يسبق ذلك بالركعتين المطلوبتين اللتين هما من السنن الرواتب؟ أو أنَّ له أن يؤخَر ذلك قليلًا؟
أكثر العلماء على أنَّ أدَاءَها على الفور؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "فليصلِّها إذا ذكرها"، وحتى الذين قالوا بأنَّها على التَّراخي يستحبُّون أن تؤدَّى في أول زوال العذر، بأن استيقظ النائم، أو تذكَّر الناسي.
ففي هذه الحالة كلهم متَّفقون على مشروعية أدائها في أول وقت يتذكرها، أو يزول عنه العذر. لكنهم اختلفوا: هل يؤديها مباشرة أو لا؟
وسبب الخلاف هنا أنَّ الرسول ﷺ سهر ذات ليلة ومعه أصحابه في سفر من أسفاره، فنزلوا واديًا فناموا، فلم يدروا إلَّا بحرارة الشمس، أي: لم يوقِظْهم إلَّا حرارة الشمس، فاستشكل ذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ فذهبوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "هذا مكان حضره الشيطان"، فأمرهم أن يرتحلوا. ثُمَّ انتقل إلى مكان غير بعيد، ثم أمر المؤذن فأذن، فتوضأ، ثم بعد ذلك صلى ركعتين -أي: ركعتي الفجر- ثم صلَّى الصلاة (١).
وهذا فيه دليل آخر أنَّ بعضَ العلماء يستحبّ أن تؤدَّى الصلوات
стр. 2275
الفوائت جماعة؛ لأنَّ الرسول هنا صلاها جماعة في أصحابه، وهذه لم يعرض لها المؤلف (١).
فقوله ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها"، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان ويتضمن الشرط (٢)، إذًا "فليصلها" وقت ذِكرها لزومًا "لا كفارة لها إلا ذلك". لذلك بعض العلماء استدلُّوا بالحديث الذي ذكرنا، وأنَّه لو أخَّرها لا يضرُّ. لكنهم جميعًا -حتى الذين يقولون بعدم وجوب المباشرة- يرون أنَّ ذلك جائز.
إذًا الأولى فيمَن نام عن صلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها حتى يخرج من الخلاف في ذلك.
أما حكم من يتعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها، فاللَّه يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] ويقول سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
إذًا لا ينبغي للمؤمن أن يتساهل في الصلاة ولا مواقيتها؛ لأن الوقت شرط من شروط صحَّة الصلاة، ولا يجوز لمسلم غير معذور، لا يريد الجمع بين الصلاتين، أو ليس من أهل الأعذار أن يؤخِّر الصلاة فيفوتها عن وقتها؛ لذلك بيَّنَ الرسول ﷺ ما يتعلَّق بهذا الموضوع، فقال ﵊: "ليس في النوم تفريط، إنَّما التفريط أن يُؤخّر وقت الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" (٣).
стр. 2276
إذًا لا شكَّ أن مَن يؤخّر الصلاة عن وقتها أنَّه مُفرط، فهل يلزمه القضاء أو لا؟
لا شكَّ أنَّ العلماءَ الذي يُعتدُّ بإجماعهم قد أجمعوا على أنَّ من ترَكَ صلاة من الصلوات، أي: أخَّرها عن وقتها متهاونًا في ذلك، بأن خرج عليه الوقتُ متعمدًا غير معذورًا، فيجب عليه القضاء.
إذًا حاله من حيث الحكم كحال الناسي والنائم، يلزمه أن يقضيها. ولم يخالف في ذلك إلَّا ابن حزم، وهو من الظاهرية، صاحب كتاب "المحلى" (١).
أمَّا جماهير العلماء فقد أجمعوا على أنَّه إذا خرج الوقت على إنسان تعمد تأخير الصلاة، فيجب عليه أن يؤدِّيَ تلك الصلاة قلَّتْ أو كثُرَت، ولا تسقط عنه، ولا يرتفع عنه الإثم في هذه الحالة؛ لأنَّه مفرِّط، ولأنَّه أخلَّ بشرط من شروطها، أَلَا وهو الوقت، لكنَّها لا تسقط عنه (٢).
وابن حزم عندما ذهب هذا المذهب، بيَّن أنَّ الصلاة لا تجب في هذه الحال، أي: لا يجب عليه القضاء؛ لأنَّه مفرِّط، وهذه الصلاة لها وقت، وهذا الوقت له بداية ونهاية، وقد خرج عليه الوقت، ومن شروط صحة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها. إذًا هذا المفرِّط لم يؤدِّها في وقتها، وهو قادر غير عاجز ولا معذور. إذًا لا تصحُّ منه هذه الصلاة. لكن عليه أن يتوب إلى اللَّه، ويستغفره، ويُكثر من النوافل، والطاعات، والصدقات، وأن يتقرَّب إلى اللَّه بالأعمال الحسنة، والفضائل حتى يثقل ميزانه، فإذا لقي اللَّه لعلَّه أن يغفر له.
стр. 2277
وهذه مسألة قد تعرض لها ابن حزم في كتابه "المحلى" كثيرًا، لكن لا حاجة لها؛ لأننا لا نرى صحَّة ما تمسك به، وخصوصًا أنَّه خرق الإجماع.
أمَّا جمهور العلماء فيقولون: إذا كان قضاء الصلاة واجبًا في حقِّ الناسي والنائم، فوجوبه في حقِّ العامد أولى، والقضية هنا مقايسة.
ويستدلُّ العلماء بدليل آخر، فيقولون: ليس الذي جامع في نهار رمضان عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: هلكت، قال: "ما أهلكَك؟ "، قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. . . " الحديث الطويل، وجاءت قصة صاحب المكتل، فقال الرسول: "أعتق رقبة. . . " إلى آخر الحديث (١)، جاء في بعض الروايات بإسناد حسن أنَّ الرسولَ ﷺ أمرَه أن يصوم ذلك اليوم الذي جامع فيه في نهار رمضان (٢)، فلم يسقطه عنه. إذًا لم تسقط الكفارة عنه، مع أنَّه قد فوَّت وقته الأصلي في ذلك، فقالوا: وهذا كذلك.
إذًا فقدِ استدلُّوا بهذا الدليل، وبقياسه على الناسي المعذور في كثير
стр. 2278
من الأحكام، وبقوله ﷺ : "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (١)، وبقوله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﵊: "إنَّ اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" (٢). فهذا في حقِّ الناسي، والنائم، فالعامد من باب أولى.
فإذا جاء التَّنبيه على النَّاسي والنائم، فيدخل في ذلك العامد دخولًا أوليًّا؛ لأنَّه غير معذور، فإذا لم تسقط عن صاحب العذر، فكيف تسقط عمَّن لا عذر له!
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﵊ وَفِعْلِهِ: (وَأَعْنِي بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" (٣))؛ فَذَكَرَ النَّائِمَ).
هذا الحديث قد ذكره العلماء كثيرًا في مناسبات عدة، وقد مرَّ بنا في أبواب الطهارة، وفي مباحث من كتاب الصلاة. وهؤلاء الثلاثة الذين ورد ذكرهم في حديث عائشة وفي حديث عليٍّ: "رُفِع القلم عن ثلاث"؛ فذكر "النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ "؛ لأنهم غير مكلفين، وإيجاب أمر من الأمور عليهم هو تكليف لهم، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ ، فقد أخبر أنَّ القلم مرفوع عنهم، ومَن يأمرهم بأمر من الأمور؛ فإنَّه بذلك يكون مكلِّفًا لهم.
وهناك خلاف في الصبي المميز في بعض المسائل وسيأتي كثير من ذلك إن شاء اللَّه تعالى في أبواب الزكاة والبيوع، ومرَّ أيضًا شيء من ذلك في أبواب الإمامة في صلاة الصبي.
стр. 2279
* قوله: (وَقَوْلِهِ: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا؟ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) ").
استدلَّ المؤلف بهذا الحديث ليبيِّنَ أنَّ النائم من أصحاب الأعذار؛ ومعنى رفع عن القلم النائم، أي: لا إثم عليه في حال نومه؛ لأنَّ النائم في هذه الحالة بمثابة المتوفى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، فهو غير مدرك؛ ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. إذا هذا في حقِّ النائم؛ وهو غير مفرط، فلا إثم عليه، ولكن يجب عليه أن يؤدِّيَ ما نسي من صلاة أو أكثر، أو ما نام عنها.
* قوله: ("لا كفارة لها إلَّا ذلك").
بيَّن الرسول ﷺ ذلك في رواية البخاري، فقال: "لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٢)، وفي روايات أُخرى: "فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٣).
ومعنى هذا أنَّ ترك الصلاة يترتَّب عليه إثمٌ في حقِّ غير المعذور، والمعذور يجب عليه أن يؤديها، فإن لم يؤدِّها كان آثمًا، وإذا أدَّاها ارتفع عنه الإثم وسقط.
* قوله: (وَمَا رُوِيَ "أَنَّهُ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَضَاهَا (٤) ").
هذا الذي أشرت إليه قبل قليل، وهو أنَّ الرسول ﷺ كان في أصحابه فناموا في تلك الليلة، وقد حلَّ بهم التعب، وكانت أحوال الناس
стр. 2280
فيما مضى غير مترفة، فما بالكم بأحوال الرسول ﷺ وأصحابه؛ حيث كانوا يقطنون (١) القفار (٢)، ويسلكون المفاوز (٣) السهل منها والوعر (٤)، وكانوا يتحملون المشاق، سواء كانت أسفارهم جهادًا في سبيل اللَّه، أو انتقالًا من مكان إلى مكان، أو دعوةً إلى دين اللَّه، أو في الفتوحات الإسلامية، أو غير ذلك من الأمور التي أباح اللَّه السفر فيها، فكانت تلحقهم بذلك مشاق؛ لذا فقد ناموا في تلك الليلة لِمَا حلَّ بهم من العناء والمشقة والتعب، فلم يستيقظوا إلَّا وقد طلعت عليهم الشمس وشعروا بحرارتها، فاستيقظ بعضهم فأيقظ رسول اللَّه ﷺ ، فأمر الرسول ﷺ صحبه أن يرتحلوا، وبيَّن أنَّ ذلك موضع حضره الشيطان فناموا عن الصلاة، وبعد ذلك صلى الرسول ركعتي الفجر، ثم بعد ذلك صلى بهم الصلاة جماعة.
وفي الحديث أنَّه توضأ وتوضؤوا. . . إلى آخره.
* قوله: (وَأَمَّا تَارِكهَا عَمْدًا حَتَّى يَخْرجَ الوَقْتُ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ آثِمٌ، وَأَنَّ القَضَاءَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ (٥)).
وهذا لا خلاف فيه أنَّ مَن يترك ويؤخِّر الصلاة عن وقتها بغير عذر أنه آثم، وهذا محلُّ إجماع بين العلماء، وليس محلَّ خلاف؛ لأنَّ الوقت شرط، وهذا قد ترك هذا الشرط.