إذًا لا شكَّ أن مَن يؤخّر الصلاة عن وقتها أنَّه مُفرط، فهل يلزمه القضاء أو لا؟
لا شكَّ أنَّ العلماءَ الذي يُعتدُّ بإجماعهم قد أجمعوا على أنَّ من ترَكَ صلاة من الصلوات، أي: أخَّرها عن وقتها متهاونًا في ذلك، بأن خرج عليه الوقتُ متعمدًا غير معذورًا، فيجب عليه القضاء.
إذًا حاله من حيث الحكم كحال الناسي والنائم، يلزمه أن يقضيها. ولم يخالف في ذلك إلَّا ابن حزم، وهو من الظاهرية، صاحب كتاب "المحلى" (١).
أمَّا جماهير العلماء فقد أجمعوا على أنَّه إذا خرج الوقت على إنسان تعمد تأخير الصلاة، فيجب عليه أن يؤدِّيَ تلك الصلاة قلَّتْ أو كثُرَت، ولا تسقط عنه، ولا يرتفع عنه الإثم في هذه الحالة؛ لأنَّه مفرِّط، ولأنَّه أخلَّ بشرط من شروطها، أَلَا وهو الوقت، لكنَّها لا تسقط عنه (٢).
وابن حزم عندما ذهب هذا المذهب، بيَّن أنَّ الصلاة لا تجب في هذه الحال، أي: لا يجب عليه القضاء؛ لأنَّه مفرِّط، وهذه الصلاة لها وقت، وهذا الوقت له بداية ونهاية، وقد خرج عليه الوقت، ومن شروط صحة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها. إذًا هذا المفرِّط لم يؤدِّها في وقتها، وهو قادر غير عاجز ولا معذور. إذًا لا تصحُّ منه هذه الصلاة. لكن عليه أن يتوب إلى اللَّه، ويستغفره، ويُكثر من النوافل، والطاعات، والصدقات، وأن يتقرَّب إلى اللَّه بالأعمال الحسنة، والفضائل حتى يثقل ميزانه، فإذا لقي اللَّه لعلَّه أن يغفر له.
стр. 2277
وهذه مسألة قد تعرض لها ابن حزم في كتابه "المحلى" كثيرًا، لكن لا حاجة لها؛ لأننا لا نرى صحَّة ما تمسك به، وخصوصًا أنَّه خرق الإجماع.
أمَّا جمهور العلماء فيقولون: إذا كان قضاء الصلاة واجبًا في حقِّ الناسي والنائم، فوجوبه في حقِّ العامد أولى، والقضية هنا مقايسة.
ويستدلُّ العلماء بدليل آخر، فيقولون: ليس الذي جامع في نهار رمضان عندما جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: هلكت، قال: "ما أهلكَك؟ "، قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان. . . " الحديث الطويل، وجاءت قصة صاحب المكتل، فقال الرسول: "أعتق رقبة. . . " إلى آخر الحديث (١)، جاء في بعض الروايات بإسناد حسن أنَّ الرسولَ ﷺ أمرَه أن يصوم ذلك اليوم الذي جامع فيه في نهار رمضان (٢)، فلم يسقطه عنه. إذًا لم تسقط الكفارة عنه، مع أنَّه قد فوَّت وقته الأصلي في ذلك، فقالوا: وهذا كذلك.
إذًا فقدِ استدلُّوا بهذا الدليل، وبقياسه على الناسي المعذور في كثير
стр. 2278
من الأحكام، وبقوله ﷺ : "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (١)، وبقوله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﵊: "إنَّ اللَّه وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه" (٢). فهذا في حقِّ الناسي، والنائم، فالعامد من باب أولى.
فإذا جاء التَّنبيه على النَّاسي والنائم، فيدخل في ذلك العامد دخولًا أوليًّا؛ لأنَّه غير معذور، فإذا لم تسقط عن صاحب العذر، فكيف تسقط عمَّن لا عذر له!
* قوله: (وَإِنَّمَا اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ ﵊ وَفِعْلِهِ: (وَأَعْنِي بِقَوْلِهِ ﵊: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" (٣))؛ فَذَكَرَ النَّائِمَ).
هذا الحديث قد ذكره العلماء كثيرًا في مناسبات عدة، وقد مرَّ بنا في أبواب الطهارة، وفي مباحث من كتاب الصلاة. وهؤلاء الثلاثة الذين ورد ذكرهم في حديث عائشة وفي حديث عليٍّ: "رُفِع القلم عن ثلاث"؛ فذكر "النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ "؛ لأنهم غير مكلفين، وإيجاب أمر من الأمور عليهم هو تكليف لهم، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ ، فقد أخبر أنَّ القلم مرفوع عنهم، ومَن يأمرهم بأمر من الأمور؛ فإنَّه بذلك يكون مكلِّفًا لهم.
وهناك خلاف في الصبي المميز في بعض المسائل وسيأتي كثير من ذلك إن شاء اللَّه تعالى في أبواب الزكاة والبيوع، ومرَّ أيضًا شيء من ذلك في أبواب الإمامة في صلاة الصبي.
стр. 2279
* قوله: (وَقَوْلِهِ: "إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا؟ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) ").
استدلَّ المؤلف بهذا الحديث ليبيِّنَ أنَّ النائم من أصحاب الأعذار؛ ومعنى رفع عن القلم النائم، أي: لا إثم عليه في حال نومه؛ لأنَّ النائم في هذه الحالة بمثابة المتوفى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، فهو غير مدرك؛ ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. إذا هذا في حقِّ النائم؛ وهو غير مفرط، فلا إثم عليه، ولكن يجب عليه أن يؤدِّيَ ما نسي من صلاة أو أكثر، أو ما نام عنها.
* قوله: ("لا كفارة لها إلَّا ذلك").
بيَّن الرسول ﷺ ذلك في رواية البخاري، فقال: "لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٢)، وفي روايات أُخرى: "فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٣).
ومعنى هذا أنَّ ترك الصلاة يترتَّب عليه إثمٌ في حقِّ غير المعذور، والمعذور يجب عليه أن يؤديها، فإن لم يؤدِّها كان آثمًا، وإذا أدَّاها ارتفع عنه الإثم وسقط.
* قوله: (وَمَا رُوِيَ "أَنَّهُ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَضَاهَا (٤) ").
هذا الذي أشرت إليه قبل قليل، وهو أنَّ الرسول ﷺ كان في أصحابه فناموا في تلك الليلة، وقد حلَّ بهم التعب، وكانت أحوال الناس
стр. 2280
فيما مضى غير مترفة، فما بالكم بأحوال الرسول ﷺ وأصحابه؛ حيث كانوا يقطنون (١) القفار (٢)، ويسلكون المفاوز (٣) السهل منها والوعر (٤)، وكانوا يتحملون المشاق، سواء كانت أسفارهم جهادًا في سبيل اللَّه، أو انتقالًا من مكان إلى مكان، أو دعوةً إلى دين اللَّه، أو في الفتوحات الإسلامية، أو غير ذلك من الأمور التي أباح اللَّه السفر فيها، فكانت تلحقهم بذلك مشاق؛ لذا فقد ناموا في تلك الليلة لِمَا حلَّ بهم من العناء والمشقة والتعب، فلم يستيقظوا إلَّا وقد طلعت عليهم الشمس وشعروا بحرارتها، فاستيقظ بعضهم فأيقظ رسول اللَّه ﷺ ، فأمر الرسول ﷺ صحبه أن يرتحلوا، وبيَّن أنَّ ذلك موضع حضره الشيطان فناموا عن الصلاة، وبعد ذلك صلى الرسول ركعتي الفجر، ثم بعد ذلك صلى بهم الصلاة جماعة.
وفي الحديث أنَّه توضأ وتوضؤوا. . . إلى آخره.
* قوله: (وَأَمَّا تَارِكهَا عَمْدًا حَتَّى يَخْرجَ الوَقْتُ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ آثِمٌ، وَأَنَّ القَضَاءَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ (٥)).
وهذا لا خلاف فيه أنَّ مَن يترك ويؤخِّر الصلاة عن وقتها بغير عذر أنه آثم، وهذا محلُّ إجماع بين العلماء، وليس محلَّ خلاف؛ لأنَّ الوقت شرط، وهذا قد ترك هذا الشرط.
стр. 2281
* قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي وَأَنَّهُ آثِمٌ، وَأَحَدُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ (١)).
ووجهته أنَّه يرى أنَّ الوقت ظرف، وأنَّ الصلاة مظروف في هذا الوقت، فإذا ما أُدِّيَت في غير وقتها من غير عذر فإنَّها لا تصحُّ، لأنَّ هذا كان بإمكانه أن يُؤدِّيها، ولكنه فرَّط فخرج عليه الوقت، والرسول ﵊ سمَّاه مفرِّطًا، فلا تصحُّ منه. لكن مع ذلك أيضًا يقول: لا ينبغي أن ييأس من روح اللَّه ورحمته وعفوه، وتجاوزه عن المسيئين. فعليه أن يعمل الصالحات، ومنها كثرة التطوع، ويأتي في المقدمة أيضًا النوافل والسنن، علَّ اللَّه أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له، وبذلك تثقل موازينه في هذه الأعمال فيسقط عنه ذلك الإثم، ويتجاوز اللَّه عنه ذلك.
فهذه هي وجهته، وإن خالف في ذلك عامَّة العلماء.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ القِيَاسِ فِي الشَّرْعِ (٢). وَالثَّانِي: فِي قِيَاسِ العَامِدِ عَلَى النَّاسِي إِذَا سُلِّمَ جَوَازُ القِيَاسِ.).
مسألةُ القياس مسألةٌ أصولية معروفة، وأهل الظاهر (٣) لا يرون القياس؛ لأنَّهم يرون أنَّ النصوص ينبغي أن تسير مع العقل، ويرون أنَّ
стр. 2282
القياس يأتي على خلاف العقل؛ لأنَّهم يقولون مثلًا: إنَّ القياس يأتي دائمًا مخالفًا لما يلتقي مع المعقول، فلو كان الدين بالرأي -كما جاء في الحديث- لكان أسفل الخُفّ أولى من أعلاه (١). قالوا: ولذلك نجد أنَّ الذي يحلّ محلّ الوضوء هو التيمم، والتيمم هو التراب، والتراب يلوث الأعضاء، والماء ينظفها. إذًا لا علاقة هنا بين البدل والمبدل في نظرهم. ويقولون: القياس ليس القياس، إنَّما هو بالرأي، ولا ينبغي أن يُقاس على الأمور.
وهم بذلك حقيقة يُنكِرون أمرًا واقعًا معروفًا، فالقياسُ قد أشار اللَّه إليه في كتابه العزيز بقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والرسول ﷺ عندما جاء ذلك الرجل الذي يبيِّن أنَّه وُلِدَ له ولدٌ يخالف لونُه لونَ أُمِّه أو أبيه، فسأله الرسول ﷺ عن الإبل: "هل له من إبل؟ " فقال: نعم، فقال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "وأنَّى لها ذلك؟ "، كيف إبلك من هذا النوع يكون فيها الأورق؟ قال: لعلَّه نزعه عرق، قال: "وكذلك لعلَّه نزعه عرق" (٢).
وخطاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁ ذلكم الخطاب العظيم - الذي رسمه له في أبواب القضاء ليسير عليه، وجاء فيه: "اعرفْ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسِ الأمورَ برأيك" (٣).
وفي حديث معاذٍ عندما أرسله الرسول ﷺ إلى اليمن، فقال له: "بِمَ تَقْضِي؟ "، قال: بكتاب اللَّه، قال: "فإنْ لَم تجدْ؟ "، قال: فبسُنَّة رسوله،
стр. 2283
قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي ولا آلوا جهدًا (١). وهذا الحديث وإن خالف فيه البعض، فإنَّ العلماء قد تلقَّوه بالقبول من حيث المعنى. والأدلة في ذلك كثيرة.
إذًا القياس ثابت، والقياس -كما تعلمون- قياس علَّة، وذلك أمر أدلَّتُه واضحة وبيِّنة، واستقراء الأدلة تدل عليه. وهناك قياس الشبه (٢)، وهو القياس الضعيف، وفيه كلام معروف للأصوليين (٣).
أمَّا دعوى أنَّ القياس أصله غير مشروع، فهذا كلام غير صحيح، وباطل من أوَّله.
стр. 2284
وأمَّا قياس العامد على الناسي وإضعافه، فالتعليل هو الذي ذكره المؤلف، فالمعروف في أحكام الشرع أنَّ مَن يترك أمرًا متعمدًا يغلظ عليه، وأنَّ الناسي والنائم، أو أهل الأعذار عمومًا غالبًا ييسر عليهم ويخفف عنهم، فكأنَّه بذلك قد وجد نوعًا من التغليظ.
فكما ذكر المؤلف: إذا كان القصد من ذلك هو التغليظ، فحينئذٍ يبقى القياس سائغًا، وإن لم يكن القصد هو التغليظ فلا يكون سائغًا. هذا هو كلامه.
ولكننا نقول: أن الرسول ﷺ قد نبَّه بالأدنى ليدخل في ذلك الأكثر، فيدخل بالأولى في قوله ﷺ : "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها"، مَن ترك الصلاة متعمدًا، مثل قصة الرجل الذي جامع في نهار رمضان ولم يسقط عنه الرسول ﷺ صيام ذلك اليوم.
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ القَضَاءُ عَلَى النَّاسِي الَّذِي قَدْ عَذَرَهُ الشَّرْعُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَالمُتَعَمِّدُ أَحْرَى أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ - أَوْجَبَ القَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ النَّاسِيَ وَالعَامِدَ ضِدَّان، وَالأَضْدَادُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ؛ إِذْ أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ).
كما يقولون: الضِّدان لا يجتمعان.
* قوله: (وَإِنَّمَا تُقَاسُ الأَشْبَاهُ، - لَمْ يُجِزْ قِيَاسَ العَامِدِ عَلَى النَّاسِي، وَالحَقُّ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا جُعِلَ الوُجُوبُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ كانَ القِيَاسُ سَائِغًا. وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ مِنْ بَابِ الرِّفْقِ بِالنَّاسِي وَالعُذْرِ لَهُ، وَأَنْ يَفُوتَهُ ذَلِكَ الخَيْرُ، فَالعَامِدُ فِي هَذَا ضِدُّ النَّاسِي، وَالقِيَاسُ غَيْرُ سَائِغٍ).
ومن المعلومِ باستقراءِ أدلَّة الشَّرع: أنَّ العاصي ومَن يتساهلُ في الأمور لا يخفَّف عنه، وقد مر ذكر قصر الصلاة في السفر، والجمع بين
стр. 2285
الصلاتين في السفر، وذكرنا اختلاف العلماء بالنسبة للعاصي: أيقصر الصلاة؟ أم يجمع بين الصلاتين؟ (١).
فجماهير العلماء لا يرون القصر للعاصي ولا الجمع بين الصلاتين؛ لأنَّ في ذلك إعانة له، والقصد من ذلك هو ردعه وتهذيبه، ومنعه من تحقيق جريمته؛ لأنَّ في التسهيل عليه إعانة له على ارتكاب ما يريد الوصول إليه، كمَن يسافر ليقطع طريقًا، أو ليسرق، أو لينتهك حرمة، أو ليقتل، أو غير ذلك، فهذا لا يُعان، وإنَّما توضَع له العراقيل التي تحول بينه وبين أن يصل إلى غايته، وأن يحقق هدفه.
وهذا يُؤدِّب الإنسان، وأدلة الشرع جاءت بتأديبه مثل: "أثقل الصلاة على المنافقين؛ صلاة العشاء والفجر"، وقد هَمَّ الرسول أن يحرِّقَ عليهم بيوتهم بالنار (٢). فهذا تهذيب.
إذًا فالمتعمِّد ينبغي أن يُطالَب بأداء هذه الصلاة، والمسألة فيها خلاف يسير.
* قوله: (لِأَنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ، وَالعَامِدَ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَالأَصْلُ أَنَّ القَضَاءَ لَا يَجِبُ بِأَمْرِ الأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ (٣) عَلَى مَا قَالَ المُتَكَلِّمُونَ).
مراده: أنَّ القضاء لا يجب بأمر الأداء، فاللَّه تعالى يقول: ﴿أَقِيمُوا
стр. 2286
الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البينة: ٥]، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والرسول ﷺ يقول: "خَمس صلوات كتبهن اللَّه" (١)، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٢). وهذا أمر بالأداء.
والأمر بالقضاء في قوله: "مَن نام عن صلاة، أو نسيها؛ فليصلِّها متى ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلَّا ذلك" (٣)، بيِّنٌ؛ إذًا هذا قضاء لأداء الصلوات الفائتة، وهو نصٌّ في هذه المسألة.
وأقول: إنَّ ممن نقل الإجماع في هذه المسألة الإمام النوويُّ، وهو نفسه كصاحب الكتاب ذكر أنَّه لم يخالف في ذلك إلَّا ابن حزم، بل لم يقل: أهل الظاهر، بل قال: ابن حزم وحده هو الذي خالف، وابن حزم لا يعتدُّ به في الإجماع؛ لأنَّ الإجماع منعقد قبله، فقد جاء متأخرًا، وله مسائل شاذة يخالف فيها الإجماع. وبلا شكٍّ أنه عالم جليل له فكر طيب، لكنَّه أيضًا له مسائل جانب فيها الصواب وشذَّ فيها، وربما غلظ في بعض عباراته، فهو أيضًا عرضة للخطإ والصَّوَاب.
* قوله: (لِأَنَّ القَاضِيَ قَدْ فَاتَهُ أَحَدُ شُرُوطِ التَّمَكُّنِ مِنْ وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَى صِحَّتِهِ).
قصده بـ (القاضي)، أي: قاضي الصلاة، وليس القاضي الذي يقضي بين الناس.
* قوله: (وَهُوَ الوَقْتُ؛ إِذْ كَانَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَالتَّأْخِيرُ عَنِ الوَقْتِ فِي قِيَاسِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ).
أجمعَ العلماء على أنَّ الوقت شرطٌ، وهذا أمر ليس فيه خلاف. ولم يقع بينهم خلاف إلَّا يسيرًا؛ فقد وقع في صلاة الجمعة رواية في المذهب
стр. 2287
الحنبلي يجيزون فيها تقديم الصلاة على الزَّوال بقليل (١)، أو إذا صادف ووجد في يوم واحد يوم جمعة ويوم عيد ففي هذه المسألة خلاف (٢)، أمَّا الذين يؤدُّون الصلاة في غير أوقاتها؛ فهم أهل الأعذار، أو الذين يجمعون بين صلاتين؛ فالجامع بين الصلاتين له أن يقدِّم العصر إلى الظهر، وله أن يقدِّم العشاء إلى وقت المغرب، وله أن يُؤخِّر كذلك، فهو قد صلاها في وقت الأخرى.
فالذي يجمعُ بين صلاتين هو مما يقيس فيه العلماء في هذه المسألة، وفي مسائل الترتيب أيضًا بين الفوائت.
إذًا أرى أنَّ المسألة صريحة، وهذا الخلاف الذي ذكره ابن حزم إنَّما هو خلاف شاذ، ولا يلتبس ما يتعلَّق بمَن يترك الصلاة تهاونًا، لأن هناك فرق، فذاك إنسان ترك الصلاة أصلًا، وهذا إنسان يصلي لكنَّه متهاون في أداء الصلاة في وقتها، يعني: إنسان -كما يقول العوام- مستهتر، كمَن يجلس ويتكلم ولا يشعر إلَّا وقد خرج عليه الوقت، ثم يفوت الوقت فيقوم ليصلي، فهو رجل مصلٍّ، ويؤمن بوجوب الصلاة ويؤديها، لكنَّه أحيانًا يخرج عليه الوقت.
* قوله: (لَكِنْ قَدْ وَرَدَ الأَثَرُ بِالنَّاسِي وَالنَّائِمِ، وَتَرَدَّدَ العَامِدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَبِيهًا أَوْ غَيْرَ شَبِيهٍ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلْحَقِّ).
стр. 2288
من المعلوم في تقرير الأحكام دائمًا أن يُربَط بعضها ببعض، فلأجل أن يُقَرَّر حكم من الأحكام أحيانًا يُبحَث عن شبيهٍ له، وقد وجدنا ما يشبهه بالنسبة لمَن جامع في نهار رمضان؛ فقد طُولب مع وجوب الكفارة عليه أن يقضي ذلك اليوم. إذًا كذلك هنا، فكلاهما متعمِّد.
* قوله: (وَأَمَّا المُغْمَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْمًا أَسْقَطُوا عَنْهُ القَضَاءَ فِيمَا ذَهَبَ وَقْتُهُ (١)، وَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ القَضَاءَ).
المغمى عليه أيضًا من أهل الأعذار، والمقصود بالمغمى عليه: هو الذي غُشِيَ عليه، فأصبح لا يعي ما يحيط به. ومع الإغماء قد يصيب الإنسان شيءٌ من الصرع فيطول به، وربما يصيبه علة مثلًا في مخه، وكما يحصل الآن كثيرًا من حوادث بعض السيارات وغيرها؛ فيغمى على الإنسان فترة طويلة. فهذا الإنسان في حالة إغمائه معذور، ولا يختلف العلماء في ذلك، ولم يقل أحد بأنَّ المغمى مكلَّفٌ في حال إغمائه؛ لأنَّ هذا تكليف بما لا يطاق، وهذا ما نفته الشريعة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
стр. 2289
إذًا اختلف العلماء فيمَن أُغمِيَ عليه على أقوال ثلاثة:
١ - هناك مَن يرى وجوب القضاء مطلقًا، وهم الحنابلة، أي: يقضى كُلَّ ما فاته من الصلوات فيجب عليه أن يؤدّيه قضاءً.
٢ - وهناك مَن يرى أنَّ القضاء يسقط عنه مطلقًا، وهم المالكية والشافعية.
٣ - وهناك مَن توسَّط وقال: يقضي صلاة اليوم والليلة، وهم الحنفية.
ولا شكَّ أنَّ للخلاف سببًا في ذلك، فالذين يقولون: لا يقضي مطلقًا، ألحقوه بالمجنون؛ لأنَّ المجنون لا يعي، ولا يدرك، كذلك هذا.
والفرق بينه وبين النائم: أنَّ النائم لو أيقظته لاستيقظ معك مباشرة، أما المُغمى عليه فلا يدري، ولا يستيقظ إلَّا بعد أن يزول عنه الإغماء.
والذين أوجبوا عليه قضاء الصلوات إنَّما شبَّهُوه بالنائم.
أما الذين توسَّطُوا في ذلك فقالوا: إنْ أُغمِيَ عليه فترة قصيرة مقدار خمس صلوات وجب عليه القضاء؛ لأنَّ هذا أشبه بالنائم. وإن طال ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنَّ القضاء حينئذٍ سيكون تكرارًا، لأنَّه في وقت إغمائه لا تجب عليه الصلاة.
والذين قالوا بالقضاء مطلقًا استدلُّوا بقصَّة عمَّار بن ياسر ﵁ كما ذكر، وجاء في الأثر أنَّه قد غُشِيَ عليه ثلاثة أيام، فلما استيقظ قيل له: "أصلَّيت؛ قال: لا، ثم دعا بوَضوء فصلَّى" (١).
وجاء أنَّه صلَّى مع كلِّ صلاة صلاةً مماثلة (٢)، ورُوِيَ أنَّه قد صلَّاها مرتَّبة، وهذا هو الصحيح.
стр. 2290
إذًا هذا حجة مَن قال بالقضاء، ولم يُنقَل عن الصحابة ﵃ ما يخالف ذلك.
والذين قالوا: بعدم القضاء مطلقًا قد استدلُّوا بأنَّ عائشة ﵂ سألت رسول اللَّه ﷺ عن الرجل يُغمَى عليه أيقضي الصلاة؟ فقال: "لا يقضي إلَّا أن يفيق في جزء منها" (١)، فقد قيَّدوا ذلك بأن يفيق في جزء منها، فإذا أفاق في حالة إغمائه في وقت الظهر مثلًا صلَّى الظهر، فإن لم يصلِّها قضاها بعد ذلك.
لكن هذا الأثر الذي روته عائشة ضعيف جدًّا لا يُعتدُّ به (٢). ولا شكَّ أنَّ الأحوط في حَقِّ مَن يغمى عليه أن يقضي الصلوات.
وسيأتي أيضًا في حَقِّ مَن تفوته صلوات عدّة: هل يقضيها كلها متصلة أم لا؟
ومالك والشافعي قد أسقطوا عنه القضاء، والذين أوجبوا عليه القضاء مطلقًا الحنابلة، والذين قيَّدوه بخمس صلوات هم الحنفية (٣).
* قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنِ اشْتَرَطَ القَضَاءَ فِي عَدَدٍ مَعْلُومٍ، وَقَالُوا: يَقْضِي فِي الخَمْسِ فَمَا دُونَهَا. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُهُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالمَجْنُون، فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّائِمِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءَ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالمَجْنُونِ أَسْقَطَ عَنْهُ الوُجُوبَ).
فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالنَّائِمِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ القَضَاءَ؛ لقوله ﷺ : "مَن نام عن صلاة
стр. 2291
أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (١).
وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالمَجْنُونِ أَسْقَطَ عَنْهُ الوُجُوبَ؛ لقوله ﷺ : "رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيقَ" (٢).
ومن المسائل التي يستدلُّ بها الحنابلة أيضًا أنَّهم يقولون: لا يسقط حقُّ المغمى عليه في الولاية، والذين درسوا أبواب النكاح يدركون أنَّ الولاية لا تسقط عن المغمى عليه، أي: حقه فى الولاية لا يسقط، وهناك عدة مسائل تثبت للمغمى عليه فلا تسقط عنه في حالة الإغماء (٣).
إذًا يختلف المغمى عليه عن المجنون، فالمجنون تسقط عنه التكاليف. إذًا هناك فرق بين المغمى عليه وبين المجنون، فهو بلا شك أشبه حالًا بالنائم.
ونحن أولًا في ترجيحنا لا نأخذ مذهبًا بعينه؛ لكن نأخذ ما يظهر لنا، ومذهب الذين يقولون بوجوب القضاء أحوط، والرسول ﷺ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٤)، ويقول: "مَنِ اتَّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (٥).
لذلك في فقه الشافعية مثلًا في أبواب الترتيب وغيرها، تجد أنَّهم دائمًا يفضِّلون مذهب الحنابلة في مسائل الترتيب، فيقولون: وإن كنَّا لا نقول بوجوبه، لكن نرى أنَّ ذلك أفضل عملًا بالاحتياط. وسيأتي الكلام عنه أيضًا في مسألة: مَن نسي صلاة في الحضر ثُم ذكرها في السفر، أو نسي صلاة في السفر ثم ذكرها في الحضر (٦).
стр. 2292
[صفة قضاء الصلاة]
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ القَضَاءِ: فَإِنَّ القَضَاءَ نَوْعَان: قَضَاءٌ لِجُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَقَضَاءٌ لِبَعْضِهَا).
أي: أحيانًا ما تفوت الصلاة بكليتها فتقضيها جملة، وأحيانًا يفوت جزء منها. وسيأتي الكلام أيضًا عمَّن أدرك الإمام راكعًا هل يدرك الركعة أم لا؟ وهل يلزمه التكبيرات، من تكبيرة الافتتاح -وهي تكبيرة الإحرام- ثم يعقبها بتكبيرة الركوع، أم يكفيه تكبيرة واحدة (١). وإن كبَّر تكبيرة واحدة مثلًا، فهل ينوي بها تكبيرة الافتتاح أو هما معًا؟ ولو نوى بها تكبيرة الركوع فهل تكفيه أم لا؟ وهل يجوز أن يكبِّر تكبيرة الإحرام وهو مُنحنٍ؟ أم لا بد أن يكون قائمًا؟ هذه كلها مسائل مهمة، ومن يريد أن يتتبع مسائل الفقه وفروعه لطال به المقام. لكن كلَّما ضبط الإنسان أمهات المسائل استطاع أن يُدرك جزئيَّاتها.
[قضاء جملة الصلاة]
* قوله: (أَمَّا قَضَاءُ الجُمْلَةِ، فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي صِفَةِ القَضَاءِ وَشُرُوطِهِ وَوَقْتِهِ، فَأَمَّا صِفَةُ القَضَاءِ: فَهِيَ بِعَيْنِهَا صِفَةُ الأَدَاءِ إِذَا كَانَتِ الصَّلَاتَان فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الفَرْضِيَّةِ).
لا شكَّ أن الإنسان يؤدّي صلاة الظهر أربعًا، ولو فاتته أو نسيها أدَّاها كذلك أربعًا، فلا تختلف. فكونها قد فاتته فلا يزيد فيها ولا ينقص منها، وكذلك أيّ صلاة غيرها.
وقوله: إِذَا كَانَتِ الصَّلَاتَانِ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، كأن تكونا في حضر متشابهتين، كصلاة الظهر والعصر، لكن قد تكون هذه في سفر وهذه في
стр. 2293
حضر، فهل الحكم واحد؟ يعني هل الحكم متَّحد أو مختلف؟
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَ صَلَاةً حَضَرِيَّةً فِي سَفَرٍ أَوْ صَلَاةً سَفَرِيَّةً فِي حَضَرٍ).
أي: يذكر الناسي صلاة وجبت عليه في الحضر حال سفره.
ومن المعلوم أنَّ المسافر يقصر الصلاة، وأنَّ الأفضل له قصر الصلاة، وقد مر تفصيل ذلك، وأن هناك مَن يوجبه، وهناك مَن يرى أنَّه رخصة، وهناك مَن يرى أنَّ الإتمام أفضل، وهناك مَن يرى أنَّ القصر أفضل، وقد انتهينا إلى أنَّ القصر أفضل، وقد دلَّت على ذلك الأدلة، وهي لا تدلُّ على الوجوب؛ لذا لا نأخذ به، وكل صلاة المسافر قد مرَّ تفصيلها.
وقد أجمع العلماء على أنَّ مَن نسي صلاةً وجبت عليه في الحضر ثم ذكرها في السفر أنْ يصلِّيَها أربعًا؛ لأنَّها عندما وجبت عليه وجبت عليه أربعًا. والخلافُ الذي نُقِل في ذلك هو خلاف شاذٌّ، أظنُّه عن المُزنِي ومعه أحد العلماء، وإنَّما عامَّة العلماء متَّفقون على ذلك، ولذلك حكى بعضهم الإجماع على هذه المسألة كالإمام أحمد، وابن المنذر، فقد حكوا الإجماع على عدم الخلاف في هذه المسألة، أي: مَن نسِيَ صلاة في الحضر ثم تذكرها في السفر صلَّاها أربعًا (١).
لكن الخلاف: إذا نُسِيت صلاة في سفر ثم ذُكِرت في الحضر، فهل تصليها في الوقت الذي فيه مسافرًا فتقصر الصلاة؛ لأنَّها وجبت عليك هناك، أو تؤديها كالحال التي ذكرتها فيها؟
وهناك مَن يقول: يُؤدِّيها حضرًا، وهو مذهب الشافعية (٢)
стр. 2294
والحنابلة (١)، قالوا: لأنَّ الرسول ﷺ قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (٢)، وهذا قد ذكرها في الحضر، وهي في الحضر أربع فتؤدَّى أربعًا، وقد نصَّ الإمام أحمد ﵀ على أنَّ ذلك أحوط (٣).
ولا شكَّ أن الأحوط أن تؤدَّى صلاة السفر المنسية في الحضر أربعًا، وهو خروج من الخلاف، واطمئنان للنفس؛ فربما لو صُلَيت اثنتين قصرًا كان الحق مع الفريق الآخر، فتكون قد وقعت في الخطإ، والمسلم مطالب أن يتحرى وأن يبتعد عن الخطإ. والأمر ليس فيه تكليف ولا مشقة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
* قوله: (فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَمْ يُرَاعُوا الوَقْتَ الحَاضِرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (٤)).
أعتقد أنه معه أيضًا أبو حنيفة (٥).
* قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّمَا يَقْضِي أَبَدًا أَرْبَعًا سَفَرِيَّةً كَانَتِ المَنْسِيَّةُ أَوْ حَضَرِيَّةً) (٦).
وهذا هو مذهب الشافعية في الصحيح والحنابلة.
стр. 2295
* قوله: (فَعَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ، إِنْ ذَكَرَ فِي السَّفَرِ حَضَرِيَّةً صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً، وَإِنْ ذَكَرَ فِي الحَضَرِ سَفَرِيَّةً صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١)).
ومن المسائل التي يفرِّع فيها العلماء: أنه لو نسي صلاة وجبت في سفرٍ ثم آبَ إلى الحضر ثم ذكرها في سفرٍ آخر، أيقصرها أم يتمّها؟ وهذه من الفروعِ الكثيرة التي يذكرها العلماء، فأكثر العلماء على أنَّه يصلِّيها قصرًا؛ لأنَّه نسيها في السفر وذكرها في السفر، فكانت حالة الذكر كحالة النسيان فتطابقتا. ومنهم من يقول: لا، يصليها حضرًا (٢).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا يَقْضِي أَبَدًا فَرْضَ الحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَيَقْضِي الحَضَرِيَّةَ فِي السَّفَرِ سَفَرِيَّةً (٣)، وَالسَّفَرِيَّةَ فِي الحَضَرِ حَضَرِيَّةً، فَمَنْ
стр. 2296
شَبَّهَ القَضَاءَ بِالأَدَاءِ رَاعَى الحَالَ الحَاضِرَةَ، وَجَعَلَ الحُكْمَ لَهَا قِيَاسًا عَلَى المَرِيضِ يَتَذَكَّرُ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي الصِّحَّةِ، أَوِ الصَّحِيحِ يَتَذكَّرُ صَلَاةً نَسِيَهَا فِي المَرَضِ: (أَعْنِي: أَنَّ فَرْضَهُ هُوَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي الحَالِ الحَاضِرَةِ). وَمَنْ شَبَّهَ القَضَاءَ بِالدُّيُونِ أَوْجَبَ لِلْمَقْضِيَّةِ صِفَةَ المَنْسِيَّةِ).
وهذا هو رأي الجمهور ويقول الأكثر: إنَّ هذه ديون، يعني: هذه الصلوات التي فاتت عليه تُعتبر ديونًا، فيجب أن يؤدِّيَها كاملة على حالتها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ أَنْ يَقْضِيَ أَبَدًا حَضَرِيَّةً، فَرَاعَى الصِّفَةَ فِي إِحْدَاهُمَا وَالحَالَ فِي الأُخْرَى، (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا ذَكَرَ الحَضَرِيَّةَ فِي السَّفَرِ رَاعَى صِفَةَ المَقْضِيَّةِ)، وَإِذَا ذَكَرَ السَّفَرِيَّةَ فِي الحَضَرِ رَاعَى الحَالَ) (١).
(رَاعَى الحَالَ)؛ أي: حال الوقت الذي هو فيه، وهناك مَن راعى الفعل.
* قوله: (وَذَلِكَ اضْطِرَابٌ جَارٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ مَذْهَبَ الِاحْتِيَاطِ).
وهذا لا شكَّ فيه؛ ولذلك نصَّ الإمام أحمد في هذه المسألة على أنَّه الأحوط (٢)، ونبَّه الحنابلة أيضًا ومعهم الشافعية على أنَّ ذلك مبني على أنَّ القصر رخصةٌ، فالإمام أحمد نُقِل من عباراته فيما ينقل عنه من مسائل ﵀ أنَّه قال: "وهذا أحوط"؛ لأنَّه قال: من نسي صلاة حضرية فذكرها في السفر فلْيصلِّها صلاة حضر إجماعًا، وإن نسي صلاة سفر
стр. 2297
فذكرها في حضر فلْيصلِّها صلاة حضر احتياطًا. وهذا لا شكَّ هو الأحوط للمرء.
* قوله: (وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ يَرَى القَصْرَ رُخْصَةً) (١).
ربما تأتي في الكتاب عبارات قد تكون مُغلقة على البعض، لكن هي في الحقيقة عبارات إذا كان القارئ مُطَّلعًا على أحكام الفقه، ويدقق النظر فيها لعلم أنه ليس فيها غموض حقيقةً، بل لا تختلف عن غيرها، ولكن أساليب القدماء مختلفةٌ بعض الشيء، وربما قراءة مثل هذه الكتب القديمة تشكل على بعض الإخوة الذين تعوَّدوا أن يقرؤوا المؤلفات الحديثة، لكن مَن يعوِّد نفسَه على أن يقرأ الكتب القديمة من المتون والشروح؛ لوجد أنَّ هذا من الأمر الميسور، وإن لم يكن فمن الأمور المتوسطة التي لا تشقّ عليه.
* قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُ القَضَاءِ وَوَقْتُهُ).
هناك شروط للقضاء، وهناك وقت للقضاء؛ كمَن نسي صلوات، فمتى وكيف يقضيها؟ ربما ينسى صلاة فيتذكرها وهو في صلاة يؤديها، وقد ينسى صلاة الظهر فيذكرها وهو يصلي العصر، فما العمل في مثل هذه الحالة؟
стр. 2298
ينبغي للمسلم أن يعرف مثل هذه الأحكام التي تطرأ كثيرًا، فبعض الناس يجهل هذه الأحكام اليسيرة، وربما تُفسِد عليه صلاته. وبعض الإخوة أيضًا قد يحصل له مثل هذا النوع أو غير ذلك، فيجتهد فيها دون أن يسأل، وقد يخطئ في اجتهاده، لأنَّ اجتهاده مبني على غير علم، وينبغي أن تكون أدلة الاجتهاد دائمًا متوفِّرة.
* قوله: (فَإِنَّ مِنْ شُرُوطِهِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ التَّرْتِيبَ) (١).
من المعلوم أنَّ الصلوات مرتبة، فكل صلاة لها وقت محدد، فلا يجوز أن تُصلَّى صلاة الظهر قبل الفجر، ولا العصر قبل الظهر، ولا المغرب قبل العصر، ولا العشاء قبل المغرب. هذا بالنسبة للصلوات المؤدَّاة، فهل هذا الأداء يسري على القضاء؟ وأوقات الصلوات أزمان تؤدَّى فيها الصلاة، أي: يجب أداء الصلاة فيها. فإذا ما فاتت صلاة من الصلوات هل تُرتَّب بالأولى فالتي تليها وهكذا، أو تُصلَّى على أيِّ حال؟ هذا هو الذي يريد أن يشرع فيه المؤلف.
اختلف العلماء في هذه المسألة، فهناك من أوجب الترتيب في المقضيَّات مطلقًا، حتى نصَّ بعضهم: ولو بلغت سنتين، كما نقل عن الإمام أحمد (٢).
فإذا كثُرَت المقضيات على إنسان أُمِر بقضائها عند الجمهور، لكن كيف يقضيها؟ قالوا: يقضيها إلَّا أن تلحقه مشقّة في بدنه أو في نفسه؛ أو يترتب على ذلك ضرر يصيبه في ماله، بأن ينقطع عن طلب المعيشة والإنفاق على أولاده، وعن الضرب في الأرض، وعن العناية بماله، والاهتمام به، والأمور التي ينبغي له أن يهتم بها. فإذا لحقه ضرر بَيِّن، وجب عليه حينئذ أن يتوقَّاه.
стр. 2299
وقد تكون هذه الصلوات التي فاتته مجهولة لا يدركها ولا يعرف عددها، فعليه في هذه الحالة أن يجتهد ويتحرى ويستفتي نفسه (١).
وهذه المسألة عارضة لم يذكرها المؤلف، لكن أحببتُ أن أنبِّه عليها مقدَّمًا.
والترتيب هنا محلّ خلاف بين العلماء، فمن العلماء مَن لا يرى الترتيب وهم الشافعية، مع أنَّهم يستحبُّونه بين المقضيات خروجًا من الخلاف، ويرى الحنابلة وجوب الترتيب مطلقًا، والمالكية والحنفية يرون الترتيب في صلاة يوم وليلة.
ثم يأتي بعد ذلك الخلاف بينهم: فلو تذكرتَ المنسية وأنت تصلِّي مع الإمام أو حتى تصلي وحدك، هل تقطع الصلاة أو لا؟
الجواب: هذا محلُّ خلاف بين العلماء، فهذه الصلاة لو أتممتها هل تعتبر هي الصلاة المؤداة فريضة الوقت ثم تصلي بعدها المنسية وينتهي الأمر؟ أم يجب عليك أن تؤدِّيَ هذه الصلاة ولا تقطعها؟ أو يستحب لك أن تتمَّ هذه الصلاة ولا تقطعها، ثم بعد ذلك تصلي المنسية، ثم تعيد هذه الصلاة التي قدَّمتها على غيرها؟ (٢).
هذا كله فيه كلامٌ للعلماء.
هل هناك فرق بين أن يضيقَ بك الوقتُ أو لا يضيق؟ بمعنى أن تتذكر الصلاة المنسية وأنت في صلاة أُخرى، فلو صلَّيت هذه الصلاة ثم عدْتَ فصليت الصلاة المنسية، ثم عدت لتقضي لخرج الوقت؟ فيختلف
стр. 2300
الحكم في هذه الحالة، فينبغي لك -وإن كان فيها خلاف- أن تنوي أنَّ هذه هي فريضة الوقت، ثم بعد ذلك تصلي الصلاة الفائتة (١).
ولو تذكرت الصلوات التي فاتتك نسيانًا في آخر الوقت وانشغلت بها لخرج عليك وقت الصلاة الواجبة التي لم يخرج وقتها، فالأولى أن تصلي هذه الصلاة في وقتها، ثم بعد ذلك تؤدي الصلوات التي فاتتك؛ لأنَّك لو أدَّيت الفوائت لأدَّيتها في غير وقتها، ثم تنضم إليها هذه أيضًا فتؤديها في غير وقتها؛ لذا فالأولى أن تؤديها في وقتها.
وهذه كلها مسائل فيها خلاف لم يعرض لها المؤلف، وإنَّما وضعتُ لها عناوين لأهميتها؛ لأنَّ الإنسان قد يقع في مثل هذه المسائل، فلننتبه لذلك.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ المَنْسِيَّاتِ: (أَعْنِي بِوُجُوبِ تَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ مَعَ الصَّلَاةِ الحَاضِرَةِ الوَقْتَ، وَتَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ)).
حجة الذين يقولون بسقوط الترتيب، أنَّ الترتيب مرتبط بوقت وهذا الوقت قد انتهى وخرج، فلمَّا فات الوقت فات ما يتعلَّق به، وهم
стр. 2301
الشافعية (١)، ويقولون: إن الترتيب مقدَّر بيوم وليلة؛ لأنَّك لو رتبت بعد ذلك لحصل تكرار، فلا حاجة له إذن.
أما الذين يقولون بوجوب الترتيب فيستدلون بأدلة (٢)، ولا شكَّ أنَّ النصوص معهم، ولا أدري هل ندرك ذلك أو لا، لكن لا مانع أن نشير إليه، ونعود إليه إن شاء اللَّه تفصيلًا.
وقد فات الرسولَ ﷺ يوم الخندق عدَّةُ صلوات؛ فقد أحاط المشركون بالمؤمنين من كل مكان، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠]، وفي مثل هذه المواقف قد ينسى الإنسان أو ينشغل عن الصلاة؛ ولذلك جاء في الحديث أنَّ الرسول ﷺ قد فاتته أربع صلوات، ثم بعد ذلك أمر ﵊ المؤذن فأذن، ثم أقام فصلَّى صلاة الظهر كأكملِ ما تكون، ثم بعد ذلك أُقِيمت الصلاة فصلَّى العصر، ثم المغرب، ثم العشاء (٣)، ولم يفت وقت العشاء حينها لكنَّه تأخَّر عن الوقت المعروف.
وهذا الحديث نازع فيه من لا يرى الترتيب، لكن يرد هذا النزاع الحديث الذي في "الصحيحين"، حديث جابر ﵁ في قصة عمر ﵁ قال: جاء عمر يوم الخندق فأخذ يسبُّ كفارَ قريش؛ لأنَّهم السبب في انشغال المسلمين عن الصلاة، فقال: شغلوني عن صلاة العصر فما كدت أن
стр. 2302
أصلِّيَها حتى غربت الشمس. فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال النبي ﷺ : "واللَّه ما صليتها" (١).
إذًا لم يصلِّ الرسول ﷺ ، ثم أمر بالصلاة فأُقِيمت، فصلَّاها بعد أن غربت الشمس، ثم صلَّى صلاة المغرب. والشاهد هنا: أنَّ الرسول ﷺ قد صلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء. وهذا الحديث كثير من العلماء صحَّح سنده (٢)، وهناك مَن تكلم فيه! (٣).
لكن حديث جابر في قصة عمر، وهو في الصحيحين، ليس محل نقاش، وهو أيضًا نصُّ في هذه المسألة، حيث صلَّى الرسول ﷺ صلاة العصر بعد المغرب. إذًا قد أدَّاها في غير وقتها، ثم بعد ذلك قام فصلى صلاة المغرب (٤).
قد أشرنا من قبل إلى المسائل التي وقع فيه اختلاف بين العلماء، وكذلك ما فيه خلاف في الجزئيات التي عرضنا لها، فهذه المسألة التي تتعلق بترتيب الحاضرة مع الفائتة، أو ترتيب الفوائت بعضها مع بعض؛ فمن العلماء مَن أوجب الترتيب؛ ومنهم مَن رأى وجوب الترتيب بين الحاضرة والمقضية، وبين المقضيات جميعًا، فتقَدَّم الصلاة حسب تقدُّمها على الأخرى. ولم يروا فرقًا بين أن تكون الصلوات التي فاتت المصلي
стр. 2303
كثيرة أو قليلة، فلا يختلف وجوب الترتيب عندهم باختلاف العدد المتروك، بل يرى هؤلاء أنَّ الترتيب واجب مهما كثر عدد الصلوات الفائتة.
ومن العلماء مَن يرى أنَّ الترتيب بين الحاضرة والفائتة أو بين المقضيات واجب ما لم تتجاوز صلوات اليوم والليلة، ألا وهي الخمس صلوات.
وقد مرَّ أنَّ هذا هو -القول الأخير- مذهب الإمامين: مالك وأبي حنيفة، ونقل أيضًا عن بعض العلماء، وأنَّ الأول الذي يوجب الترتيب مطلقًا هو مذهب الحنابلة، وأنَّ الشافعية لا يرون الترتيب في هذا المقام، وإنَّما يستحبُّونه، فلو قدَّم إنسأل مقضية على حاضرة، أو قدَّم مقضية على مقضية تسبقها؛ فإنَّ ذلك لا يؤثَر على الصلاة، ولا تبطل عندهم، بخلاف مَن سبقهم من العلماء وهم الجمهور؛ فإنَّهم يرون تأثير ذلك على صحَّة الصلاة.
فلو أنَّ إنسانًا نسي صلاة أو أكثر، ثم جاء ليؤدِّيَ الصلاة المفروضة، هل يبدأ بصلاة الوقت أو لا؟
تكلَّم العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال بعدمِ التَّفريق، وهم الشافعية، أي: لا فرق إن قدَّم المقضية أو الحاضرة، فلا ضرر إن صلَّى الحاضرة أو المقضية في أوَّل الوقت أو في آخره (١).
ومنهم من قال: يجب تقديم الحاضرة إذا ضاق الوقت، أمَّا إذا كان في الوقت اتِّساع فلا ينبغي أن تُقدَّم الحاضرة على الفائتة، بل تُتْرَك الحاضرة إلى آخر الوقت، بحيث يبقى جزء من الوقت تؤدَّى فيه (٢).
стр. 2304
فلو أنَّ إنسانًا وجد الناس يصلُّون فدخل معهم في الصلاة، فلا يخلو من أمرين عند هؤلاء:
الأول: أن يصلِّي هذه الصلاة ناويًا بها قضاء إحدى الفوائت، وهذا يكفيه، ولا يتعلَّق بذلك سوى اختلاف نية الإمام عن المأموم.
ولكن إن قائل: إنَّما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به، فهل إذا ما اختلفت نية الإمام عن المأموم يكون لها تأثير على الصلاة؟
وزيادة في التوضيح: لو كان الإمام يصلِّي فرضًا وهذا المأموم يصلِّي نفلًا، أو كان الإمام يصلِّي نفلًا كصلاة معاذ ﵁ والناس وراءه يصلون الفريضة، فهل هذا يؤثر أم لا؟
الجواب: الصحيح أنَّ ذلك لا تأثير له على صحة الصلاة، وإن كانت المسألة فيها خلاف.
إذًا مَن يرى وجوب الترتيب يرى أن يُصلَّى مع الجماعة بنية قضاء فائتة من الفوائت، ثم بعد ذلك في آخر الوقت تُصلَّى الصلاة الحاضرة التي لا يزال وقتها قائمًا، ولا ينبغي له أن يفوِّتها. وهذه هي الصورة الأولى.
الثانية: أن يدخل الإنسان في صلاة من الصلوات، ثم يتذكَّر وهو يصلِّي أنَّه قد نسي صلاة أو أكثر، فما الذي يفعله في هذه الحالة؟
من العلماء مَن يوجب قطع الصلاة كالمالكية (١)، ومنهم مَن لا يرى الوجوب، لأنَّ المالكية يرون أنّ وجوب الترتيب مطلقًا في هذه الحالة، فيجب على مَن فى دخل في صلاة حاضرة أن يقطعها، وأن يشرع في الصلاة الفائتة التي يجب عليه أن يقضيها، ثم بعد ذلك يؤدي الصلاة الحاضرة.
وأمَّا الذين قالوا بوجوب الترتيب وهم الحنابلة، فقد قالوا: عليه أن
стр. 2305
يتم تلك الصلاة، والأولى ألَّا يقطعها، لكن إن قطعها لا يَضرُّ عندهم؛ لأنَّها ليست واجبة في هذه الحالة. والأولى عندهم أن يتمِّها (١) كما مرَّ.
وهي واجبة الإتمام عند الشافعية؛ لأنهم لا يرون الترتيب، فمَن دخل في صلاة وتذكر فائتة قد نسيها؛ لزمه أن يستمرَّ في صلاته، وتعتبر هذه الصلاة هي الصلاة الحاضرة؛ لأنَّه لا ترتيب واجب عندهم. كما يرون عدم جواز قطع عبادة قد بُدِئ بها، لأنَّ اللَّه يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
والحنابلة معهم في ذلك، لكنَّهم لا يوجبونه.
والفرق بينهما: أنَّ أداء هذه الصلاة هي الفريضة عند الشافعية ولا تعاد إلَّا استحبابًا، أم الحنابلة فتجب إعادتها عندهم إلَّا أن يضيق الوقت، فإن ضاق الوقت، فإنَّه ينوي أنَّها صلاة الفرض الحاضرة، ثم بعد ذلك يبدأ في قضاء ما فاته من الصلوات.
وينصُّ الحنابلة أيضًا على أنَّه لو أدَّى هذه الصلاة ثم بعد فراغه منها تذكر أنَّه قد فاتته صلاة، فإنَّ صلاته صحيحة، فيكون قد أدى الحاضرة، ثم يشتغل بعد ذلك في قضاء الفوائت.
والمالكية يبطلونها، لأنَّهم لا يرون تقديم صلاة على صلاة.
إذًا ما سبب الخلاف؟
يرى الحنابلة العذر بالنسيان، فيقولون: إنَّ اللَّه يقول: ﴿رَبَّنَا لَا
стр. 2306
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، الرسول ﷺ يقول: "إنَّ اللَّهَ وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" (١)، فمَن نسي فريضة سقط عنه الحكم، ولا إثم عليه كذلك، ولا يُعتَبر مفرِّطًا، فقد أدَّى صلاة ويلزمه قضاء الفائتة.
أمَّا المالكية فيقولون: لا يُعذَر بالنِّسيان، ويستدلُّون بقول الرسول ﷺ يوم الخندق حين صلى المغرب ثم سأل: "هل علم أحد منكم أنِّي صليت العصر؟ " (٢)، قالوا: يا رسول اللَّه ما صلَّيت. فقام فأعاد، مع أنَّه كان ناسيًا. إذًا يرون في هذه الحالة أنَّ النسيان لا يُسقِط الحكم. وهناك أيضًا مسائل كثيرة جدًّا نأخذها جزءًا جزءًا حتى نوثِّق علاقتنا بالكتاب.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِيهَا فِي الخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَمَا دُونَهَا) (٣).
وذلك لأنَّ الترتيب بعد ذلك فيه تكرار ومشقة؛ لذا فهو ينتهي في صلوات اليوم والليلة.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَبْدَأُ بِالمَنْسِيَّةِ وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ الحَاضِرَةِ) (٤).
стр. 2307
وبذلك يخالِفُ الحنابلةُ المالكية في هذه المسألة، فالحنابلة يقولون: إن خشي خروج وقت الحاضرة فإنَّه يؤدي الحاضرة؛ لأنَّ وقتها لا يزال قائمًا، أمَّا الفائتة فقد مضى وقتها. لكن المالكية يقولون: إن الرسول ﵊ يقول: "مَن نامَ عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (١)، وهنا قد ذكرها فهذا هو وقتها، فيجب أن تؤدَّى وأن تقدَّمَ على غيرها ضاق وقت الحاضرة أو اتَّسع.
* قوله: (حَتَّى إنَّهُ قَالَ: إِنْ ذَكَرَ المَنْسِيَّةَ وَهُوَ فِي الحَاضِرَةِ فَسَدَتِ الحَاضِرَةُ عَلَيْهِ) (٢).
أي: يرى المالكية أنَّه لو تذكر المنسيَّة وهو في حاضرة فإنَّ صلاته تبطل، ويلزمه أن يؤدِّيَ الفائتة ثم يعود بعدَ ذلك فيؤدِّي الصلاة الحاضرة.
* قوله: (وَبِمِثْلِ ذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ) (٤).
أبو حنيفة والثوري مع مالك جملةً، لكنَّهما يخالفان مالكًا في التفصيل فيما يتعلَّق بالنَّاسي، وقد يُشير المؤلف إلى ذلك.
стр. 2308
* قوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ رَأَوُا التَّرْتِيبَ وَاجِبًا مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الحَاضِرِ).
يخالف أبو حنيفة مالكًا في هذه الجزئية، ويتَّفق مع أحمد فيها.
وهذه المسائل كثيرة ومتشعبة، لكننا نحتاج إليها في صلاتنا، فربما لا يسلم واحد منَّا من أن يقع فيها، فلننتبه.
ومعلوم أنَّ الصلوات تتكرر في اليوم خمس مرات، والإنسان عرضة للنوم، أو النسيان، أو أن يصيبه عذر من الأعذار. فينبغي أن يعرف مثل هذه المسائل ذات الارتباط بصحة الصلاة، وأنَّه عندما يتردد في مثل هذه الأمور فينبغي أن يأخذ الأحوط له في دينه.
* قوله: (وَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ مَعَ النِّسْيَانِ) (١).
يتحدث المؤلِّف عن أبي حنيفة والثوري، وكذلك أيضًا أحمد. أمَّا الشافعية فلا حاجة لأن نعرض قولهم؛ لأنَّهم لا يرون وجوب الترتيب أصلًا.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الوَقْتِ مُتَّسَعٌ فَحَسَنٌ؛ يَعْنِي: فِي وَقْتِ الحَاضِرَةِ) (٢).
لا يري الشافعية وجوب الترتيب، لكن هذا ليس على إطلاقه. فعندما
стр. 2309
نقول: الشافعية، نقصد بذلك قول الإمام، أو القول المعروف المعمول به في المذهب.
ولكن يوجد بعض الشافعية مَن يخالف في ذلك، ويرى وجوب الترتيب، ويلتقي مع الحنابلة أيضًا وإن طال ذلك. وليس القصد هنا أن نتتبَّع جميع الجزئيات والخلافات داخل المذهب، وإنَّما الذي يهمنا هو تحقيق المسائل وتحريرها لنصل فيها إلى ما نجد أنَّ الدليل أقرب إلى تأييده.
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ).
ما دليل مَن قال بأنَّ الإنسان إذا كان في صلاة ثم تذكَّر صلاة أُخرى لم يؤدِّها أنَّها لا تكفيه هذه الصلاة، ولا تعتبر هذه التي يؤديها عن الحاضرة، وإنَّما يؤديها ثم يعود فيصلي الفائتة، ثم بعد ذلك يتبعها بالحاضرة؟
وردت عدة أدلة قد أشار المؤلف إلى بعضها؛ منها حديث ابن عمر أنَ رسول اللَّه ﷺ قال: "مَن نسي صلاة فلم يذكرها إِلَّا وهو مع الإمام؛ فليصلِّ مع الإمام، فإذا فرغ من الصلاة فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام" (١). لكن هذا الحديث ضعيف.
ومثله أيضًا حديث آخر يتعارض معه، يستدلُّ به الشافعية، وقد أورده المؤلِّف بعد هذا الحديث مباشرة، وهو حديث ضعيف.
وأمَّا الذي تناولنا لفظه فقد اختُلف فيه رفعًا ووقفًا، واختلف فيه أيضًا وصلًا وانقطاعًا (٢).
стр. 2310
لكن الصحيح أنَّه موقوف على عبد اللَّه بن عمر، وهذا هو المذهب الأحوط في هذه المسألة.
ولا ننسى أنَّ من أقوى أدلة الترتيب ما أوردناه سابقًا أنَّ الرسول ﷺ قد نسي عدَّة صلوات يوم الخندق، فقد ورد في بعض الأحاديث أنَّه فاتته الظهر والعصر والمغرب والعشاء، والعلماء عندما يقولون: وفاتته العشاء؛ إنما قصدهم أنَّها تأخرت عن وقتها، وإلَّا فهي لم تفت في الواقع. وقد ورد أنَّ الذي فاتته صلاتان.
ولكن حديث جابر الذي أوردناه في قصة عمر، أو الحديث المتفق عليه نصٌّ في أنَّ الرسول ﷺ قد نسيَ صلاة العصر، وأنَّه لم يؤدِّها إلَّا بعد أن غربت الشمس، وأنَّه قدمها على صلاة المغرب، فدلَّ ذلك على تعيُّن الترتيب، عندما قال جابر: جاء عمر يوم الخندق فجعل يسبُّ كفار قريش؛ لأنَّهم حاصروا المؤمنين، وشغلوهم عن عبادتهم، ولذلك كانوا السبب المباشر في نسيان وترك تلك الصلاة، فجاء عمر لرسول اللَّه ﷺ فجعل يسبُّ كفَّار قريش وقال: يا رسول اللَّه ما كدت أن أصلي العصر حتى غربت الشمس. أي: كادت أن تغرب الشمس، فقال النبي ﷺ : "واللَّه ما صلَّيتها"، قال جابر: فقام فتوضأ وتوضأنا، ثم صلَّى العصر بعد المغرب، ثم صلَّى المغرب (١). وهذا فيه ترتيب، وهو نصٌّ في هذه المسألة، وهو حديث في "الصحيحين"، وقد كرره البخاريُّ في عدة مواضع، وأظنها خمسة أو ستة مواضع، وأيضًا أخرجه مسلم، وجاء في بعض السنن، وفي غيرها من كتب الحديث.
стр. 2311
إذًا الرسول ﷺ قد رتَّب في حالة هذه المنسيات فقدَّمها أولًا بأول.
* قوله: (فَأَمَّا الآثَارُ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان مُتَعَارِضَان، أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فِي أُخْرَى فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ (١) ").
هذا نصٌّ في أنَّ الإنسان إذا صلى مع الإمام وتذكَّر وهو في الصلاة فليتمّ معه، لكنَّه إذا فرغ أدَّى الفائتة أولًا، ثم بعد ذلك صلَّى فريضة الوقت. وهذا نصٌّ في هذه المسألة، وهو صريح. لكن الحديث ضعيف، والصحيح أنَّه موقوف. والمرفوع منه فيه ضعف، وفيه كلام للعلماء، أي: صحَّ موقوفًا.
والأحاديث الصحيحة كحديث جابر صريح في هذه المسألة في الترتيب، وهذا جاء بزيادة فيمن كان مع الإمام.
* قوله: (وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُضَعِّفُونَ هَذَا الحَدِيثَ) (٢).
هذا الحديث الذي يضعِّفه الشافعية صحَّ موقوفًا، ولكن الحديث الذي سيذكره المؤلف ويقول فيه: يصححه الشافعي، هو حديث ضعيف باتفاق.
стр. 2312
* قوله: (وَيُصَحِّحُونَ (١) حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً فَذَكرَهَا، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلْيُتِمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَضَى الَّتِي نَسِيَ" (٢). وَالحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا نَامَ أَحَدُكمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا. . . " (٣) الحَدِيثَ).
أولًا: هناك قواعد معروفة في علم مصطلح الحديث منها: إذا أردت أن توازن بين حديثين، فإنَّما تنظر أولًا إلى درجتهما، فلكي تجمع بين حديثين أو تُوجِد تعارضًا بينهما، ينبغي أن يكون الحديثان صحيحين.
لكن أن يكون أحدهما صحيحًا؛ كحديث: "مَن نسي صلاة فليصل إذا ذكر" في البخاري، "فلا كفارة لها إِلَّا ذلك" (٤)، أو في مسلم: "مَن رقد عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (٥)، أو الذي في بعض السنن (٦)
стр. 2313
وغيرها (١)، وهو أيضًا صحيح: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إِلَّا ذلك". وهذا حديث صحيح، فلا ينبغي حقيقة أن نوجد معارضة بينه وبين حديث صحيح؛ لأنَّه لا مناسبة هنا.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جِهَةِ تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ).
ذكر المؤلف أولًا الدليل النقلي، وإذا أُطلِقَ الدليل النقلي فإنَّما يُقصَد به أدلة الكتاب والسنة.
والآن يريد أن ينتقل المؤلف إلى الدليل العقلي الذي هو المناقشة: هل الأمر مرتبط بالوقت، أو مرتبط بالفعل؟ أي: أداء الصلوات هل هو مرتبط بوقتها، أو مرتبط بفعلها؟
فإن قلنا بوقتها، فقد خرج الوقت، فلماذا الترتيب؟ على رأي المؤلف.
وإن قلنا: هو مرتبط بفعلها فيلزم الترتيب، ويقيسون ذلك بالنسبة للجمع بين الصلاتين، فمن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما؛ فإنَّه يقدِّم الظهر أولًا ثم العصر، ويقدم المغرب أولًا ثم العشاء. إذًا الترتيب أيضًا موجود حتى بين الصلاتين المؤداتين اللتين يجمع بينهما.
ولكن نقول: لا نحتاج إلى مثل هذه المناقشة ولا التعليلات العقلية؛ لأنَّه قد وردت أحاديث عن الرسول ﷺ رتَّب فيها بين الصلوات المقضية، فينبغي أن نقف عند ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
إذًا قول الرسول ﷺ قد صحَّ في هذه المسألة.
стр. 2314
ويبقى بعد ذلك مسألة إذا كان الإنسان في صلاة ثم تذكَّر أنَّه نسي أُخرى؟ (١).
وهذه مسألة أيضًا ينبغي أن يرتَّب فيها وأن تُلحق بغيرها؛ لأنَّه إذا كان الترتيب بين المقضيات متعيِّنًا، وقد فعله الرسول ﷺ ، فينبغي أن يسري ذلك على جميع الصلوات الفائتة.
* قوله: (فَإِنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الأَدَاءِ إِنَّمَا لَزِمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْقَاتَهَا المُخْتَصَّةَ بِصَلَاةٍ مِنْهَا هِيَ مُرَتَّبَة فِي نَفْسِهَا، إِذْ كَانَ الزَّمَانُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا مُرَتَّبًا لَمْ يُلْحِقْ بِهَا القَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَضَاءِ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ).
يقصد المؤلف بقوله: (تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ)، أي: الإتيان بالصلوات
стр. 2315
في أوقاتها، فإذا صليتَ الظهر في وقت الظهر اعتُبِر أداءً، وإن صليتها بعد ذلك اعتُبر قضاء.
وسيأتي اختلاف العلماء فيمَن فاته جزء من الصلاة مع الإمام هل يعتبر بذلك متمًّا أم يعتبر قاضيًا؟
وقد ورد في الحديث: "فما فاتكم فأتِمُّوا" (١)، وفي بعض الروايات، وإن كانت أقل: "وما فاتَكم فاقضوا" (٢)، و"إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣).
إذًا هل التشبيه بالأداء هنا مسلَّم به أو لا؟ وهذا هو الذي يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف، فإن ألحقنا القضاء بالأداء فلا بُدَّ من الترتيب في رأيه، وإن لم نلحقه يدخل النقاش الذي أثاره هو.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَوَاتِ المُؤَدَّاةِ هُوَ فِي الفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ وَاحِدًا مِثْلَ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، شَبَّهَ القَضَاءَ بِالأَدَاءِ).
قصد المؤلف: هل الترتيب بين الصلوات مرتبطٌ بالوقت أم بفعل الصلاة؟ فإن قلنا: مرتبط بالوقت فهو في نظره حجة للذين يقولون بعدم الترتيب، وإن قلنا: مرتبط بفعل الصلاة حتى وإن نسيت، فذلك يقتضي ويوجب الترتيب، هذا هو خلاصة ما يريد أن ينتهي إليه في هذه المناقشة.
* قوله: (وَقَدْ رَأَتِ المَالِكِيَّةُ أَنْ تُوجِبَ التَّرْتِيبَ لِلْمَقْضِيَّةِ مِنْ جِهَةِ