إذًا الرسول ﷺ قد رتَّب في حالة هذه المنسيات فقدَّمها أولًا بأول.
* قوله: (فَأَمَّا الآثَارُ، فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان مُتَعَارِضَان، أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ فِي أُخْرَى فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لْيُعِدِ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى مَعَ الإِمَامِ (١) ").
هذا نصٌّ في أنَّ الإنسان إذا صلى مع الإمام وتذكَّر وهو في الصلاة فليتمّ معه، لكنَّه إذا فرغ أدَّى الفائتة أولًا، ثم بعد ذلك صلَّى فريضة الوقت. وهذا نصٌّ في هذه المسألة، وهو صريح. لكن الحديث ضعيف، والصحيح أنَّه موقوف. والمرفوع منه فيه ضعف، وفيه كلام للعلماء، أي: صحَّ موقوفًا.
والأحاديث الصحيحة كحديث جابر صريح في هذه المسألة في الترتيب، وهذا جاء بزيادة فيمن كان مع الإمام.
* قوله: (وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُضَعِّفُونَ هَذَا الحَدِيثَ) (٢).
هذا الحديث الذي يضعِّفه الشافعية صحَّ موقوفًا، ولكن الحديث الذي سيذكره المؤلف ويقول فيه: يصححه الشافعي، هو حديث ضعيف باتفاق.
стр. 2312
* قوله: (وَيُصَحِّحُونَ (١) حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً فَذَكرَهَا، وَهُوَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَلْيُتِمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَضَى الَّتِي نَسِيَ" (٢). وَالحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا نَامَ أَحَدُكمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا. . . " (٣) الحَدِيثَ).
أولًا: هناك قواعد معروفة في علم مصطلح الحديث منها: إذا أردت أن توازن بين حديثين، فإنَّما تنظر أولًا إلى درجتهما، فلكي تجمع بين حديثين أو تُوجِد تعارضًا بينهما، ينبغي أن يكون الحديثان صحيحين.
لكن أن يكون أحدهما صحيحًا؛ كحديث: "مَن نسي صلاة فليصل إذا ذكر" في البخاري، "فلا كفارة لها إِلَّا ذلك" (٤)، أو في مسلم: "مَن رقد عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها" (٥)، أو الذي في بعض السنن (٦)
стр. 2313
وغيرها (١)، وهو أيضًا صحيح: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إِلَّا ذلك". وهذا حديث صحيح، فلا ينبغي حقيقة أن نوجد معارضة بينه وبين حديث صحيح؛ لأنَّه لا مناسبة هنا.
* قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جِهَةِ تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ).
ذكر المؤلف أولًا الدليل النقلي، وإذا أُطلِقَ الدليل النقلي فإنَّما يُقصَد به أدلة الكتاب والسنة.
والآن يريد أن ينتقل المؤلف إلى الدليل العقلي الذي هو المناقشة: هل الأمر مرتبط بالوقت، أو مرتبط بالفعل؟ أي: أداء الصلوات هل هو مرتبط بوقتها، أو مرتبط بفعلها؟
فإن قلنا بوقتها، فقد خرج الوقت، فلماذا الترتيب؟ على رأي المؤلف.
وإن قلنا: هو مرتبط بفعلها فيلزم الترتيب، ويقيسون ذلك بالنسبة للجمع بين الصلاتين، فمن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما؛ فإنَّه يقدِّم الظهر أولًا ثم العصر، ويقدم المغرب أولًا ثم العشاء. إذًا الترتيب أيضًا موجود حتى بين الصلاتين المؤداتين اللتين يجمع بينهما.
ولكن نقول: لا نحتاج إلى مثل هذه المناقشة ولا التعليلات العقلية؛ لأنَّه قد وردت أحاديث عن الرسول ﷺ رتَّب فيها بين الصلوات المقضية، فينبغي أن نقف عند ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
إذًا قول الرسول ﷺ قد صحَّ في هذه المسألة.
стр. 2314
ويبقى بعد ذلك مسألة إذا كان الإنسان في صلاة ثم تذكَّر أنَّه نسي أُخرى؟ (١).
وهذه مسألة أيضًا ينبغي أن يرتَّب فيها وأن تُلحق بغيرها؛ لأنَّه إذا كان الترتيب بين المقضيات متعيِّنًا، وقد فعله الرسول ﷺ ، فينبغي أن يسري ذلك على جميع الصلوات الفائتة.
* قوله: (فَإِنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الأَدَاءِ إِنَّمَا لَزِمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْقَاتَهَا المُخْتَصَّةَ بِصَلَاةٍ مِنْهَا هِيَ مُرَتَّبَة فِي نَفْسِهَا، إِذْ كَانَ الزَّمَانُ لَا يُعْقَلُ إِلَّا مُرَتَّبًا لَمْ يُلْحِقْ بِهَا القَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَضَاءِ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ).
يقصد المؤلف بقوله: (تَشْبِيهِ القَضَاءِ بِالأَدَاءِ)، أي: الإتيان بالصلوات
стр. 2315
في أوقاتها، فإذا صليتَ الظهر في وقت الظهر اعتُبِر أداءً، وإن صليتها بعد ذلك اعتُبر قضاء.
وسيأتي اختلاف العلماء فيمَن فاته جزء من الصلاة مع الإمام هل يعتبر بذلك متمًّا أم يعتبر قاضيًا؟
وقد ورد في الحديث: "فما فاتكم فأتِمُّوا" (١)، وفي بعض الروايات، وإن كانت أقل: "وما فاتَكم فاقضوا" (٢)، و"إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣).
إذًا هل التشبيه بالأداء هنا مسلَّم به أو لا؟ وهذا هو الذي يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف، فإن ألحقنا القضاء بالأداء فلا بُدَّ من الترتيب في رأيه، وإن لم نلحقه يدخل النقاش الذي أثاره هو.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَوَاتِ المُؤَدَّاةِ هُوَ فِي الفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ وَاحِدًا مِثْلَ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، شَبَّهَ القَضَاءَ بِالأَدَاءِ).
قصد المؤلف: هل الترتيب بين الصلوات مرتبطٌ بالوقت أم بفعل الصلاة؟ فإن قلنا: مرتبط بالوقت فهو في نظره حجة للذين يقولون بعدم الترتيب، وإن قلنا: مرتبط بفعل الصلاة حتى وإن نسيت، فذلك يقتضي ويوجب الترتيب، هذا هو خلاصة ما يريد أن ينتهي إليه في هذه المناقشة.
* قوله: (وَقَدْ رَأَتِ المَالِكِيَّةُ أَنْ تُوجِبَ التَّرْتِيبَ لِلْمَقْضِيَّةِ مِنْ جِهَةِ
стр. 2316
الوَقْتِ لَا مِنْ جِهَةِ الفِعْلِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "فَلْيُصلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (١)).
لأنَّ الترتيب بالنظر للوقت مُسَلَّمٌ ليس محلّ نزاع، يعني: الصلوات التي تؤدَّى في أوقاتها يجب ترتيبها، لم ينازع في هذا أحدٌ، فالمالكية يقولون: ننظر إلى الوقت.
أمَّا الفوائت فقالوا فيها: إن الرسول ﷺ قال: "مَن نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلِّها إذا ذكرها" (٢)، فجعل وقت ذكرِها هو وقت لها.
إذًا الوقت موجود حتى بالنسبة للمنسية أو الفائتة.
* قوله: (قَالُوا: فَوَقْتُ المَنْسِيَّةِ هُوَ وَقْتُ الذِّكْرِ).
يركِّز المؤلف على المنسية، وليس الحديث فقط قاصرًا على المنسية، وإنما قد تُنسَى الصلاة، أو يُنام عنها، وقد يخرج الوقت على إنسان متساهل، وهذا كلُّه داخل في ذلك.
* قوله: (وَلذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَفْسُدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَقْتُ الذِّكْرِ وَقْتًا لِلْمَنْسِيَّةِ، فَهُوَ بِعَيْنِهِ أَيْضًا وَقْتٌ للْحَاضِرَةِ أَوْ وَقْتٌ لِلْمَنْسِيَّاتِ).
يريد المؤلف أن يحتجَّ على مذهب المالكية -مذهبه- بهذه المقايسة، أو بهذا الإلحاق، فيقول: هذا كلام غير مُسَلَّم، لأنَّه إن كان كما تقولون مرتبطًا بالوقت وأنَّ المقضية هذا وقتها، إذًا لا فرق بين المقضية والحاضرة، فلماذا تفرِّقون إذًا؟ ولماذا توجبون المقضية على الحاضرة؟ فهو وقت للكلِّ فلا ينبغي أن نفضل إحداهما على الأخرى، هذا الذي يريد قوله.
стр. 2317
ويقصد بـ (وقت الذكر) أي: أن تذكر الصلاة التي تجب عليك وقد كنت نسيتها أو فاتتك، ولا يقصد بـ (الذكر) الدعاء.
* قوله: (. . . وَقْتًا لِلْمَنْسِيَّةِ، فَهُوَ بِعَيْنِهِ أَيْضًا وَقْتٌ لِلْحَاضِرَةِ أَوْ وَقْتٌ لِلْمَنْسِيَّاتِ).
لأن القول: (فليؤدها إذا ذكرها) وقت للفائتة، ولكننا نقول: هو وقت الحاضرة، فلماذا قدمتم هذا على هذا؟
* قوله: (إِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا كَانَ الوَقْتُ وَاحِدًا فَلَمْ يَبْقَ أَنْ يَكُونَ الفَسَادُ الوَاقِعُ فِيهَا إِلَّا مِنْ قِبَلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا كالتَّرْتِيبِ الَّذِي يُوجَدُ فِي أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ الوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ أَحَقَّ بِالوَقْتِ مِنْ صَاحِبَتِهَا؛ إِذْ كانَ وَقْتًا لِكِلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ التَّرْتِيبِ).
نقول: قد قام دليل الترتيب، ومن ذلك أنَّ الرسول ﷺ قضى مع أصحابه عدَّة صلوات يوم الخندق، وحديث جابر في قصة عمر عندما سبَّ المشركين. لكن الكلام الذي يرد على المالكية هو دعواهم أنَّ الإنسان لو تذكَّر صلاة فائتة وهو في صلاة حاضرة بطلت صلاته، وهذا هو الذي يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه في الواقع، بل الدليل العامُّ يدلُّ على خلاف ذلك؛ لأنَّ اللَّه يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
ومن هنا نرى أنَّ العلماء قد اختلفوا فيمن دخل في سُنَّةٍ فأقيمت المفروضة (١)، فهل يقطع صلاته؛ لأنَّ الرسول ﷺ يقول: "إذا أُقِيمتِ
стр. 2318
الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةُ" (١)، هذا نصٌّ.
بعضهم وقف عند هذا النصِّ، وقال: هذا قيدُ الآية: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبعضهم يقول: الأولى أن يخفف الإنسان صلاته في هذه السُّنة ثم بعد ذلك يلحق بالإمام، لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
والشيء الذي يرد هنا على المالكية هو دعوى البطلان، ودعوى البطلان تحتاج إلى دليل، والدليل القائم عمومًا وإن لم يكن نصًّا في المسألة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]؛ يدلُّ على أنَّ الإنسان إذا شرع في عبادة من العبادات فلا ينبغي له أن يبطلها، إلَّا أن يأتي سبب من الأسباب التي يقتضي ذلك، مثلًا: كأن يُحدث في الصلاة؛ فهنا بطلت صلاته، أو أن يتكلم في الصلاة، أو يأكل.
والحدث محلُّ خلاف بين العلماء فيما إذا سبق الإنسان؛ وقد مرَّ
стр. 2319
ذِكر ذلك من قبل، والعلماء يفرقون بين من يحدث باختياره متعمِّدًا أو ناسيًا، لكنَّه أخرج الحدث، فهذا تبطل صلاته وطهوره، لكن الذي يغلبه الحدث؛ أي: يسبقه الحدث ولا إرادة له في ذلك بطلت طهارته بلا شك، فهل تبطل الصلاة دون قصده؟ بمعنى أنه سيذهب ويتطهر، فإذا عاد إلى الصلاة هل يستأنفها؟ بمعنى يبدأها من أولها، أو يبدأ من المكان الذي انتهى إليه؟ (١).
إذًا -في نظري- حجَّة المالكية في ذلك ضعيفة، والحجة الأقوى مع
стр. 2320
الذين يقولون بعدم البطلان؛ لأنَّك كي تحكم على بطلان صلاة دخلت بها تحتاج إلى دليل، ولم يردْ نصٌّ يدلُّ على ذلك، بل الأدلة التي قامت دلَّت على خلاف ذلك.
وقد ورد في ذلك حديث، لكنَّه ضعيف، وليس فيه أنَّ الرسول ﷺ تذكَّر ذلك أثناء الصلاة وأبطلها، وإنَّما فيه أنَّه صلى صلاة المغرب، ثم سأل: "أصليت العصر؟ "، قالوا: ما صليتها، فعاد فصلى العصر، ثم أعاد بعد ذلك المغرب (١).
فلم يرد دليل على أنَّه ﷺ دخل في صلاة ثم قطعها فيما أعلم.
* قوله: (وَلَيْسَ هَاهُنَا عِنْدِي شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فِي هَذَا البَابِ لِتَرْتِيبِ المَنْسِيَّاتِ).
وأنَا مع المؤلف بالنسبة لما ذهب إليه المالكية، وليس على إطلاقه في ترتيب المنسيات، أمَّا ترتيب المنسيات فلعلَّ المؤلف أشار إلى ما حصل يوم الخندق، لكن لعل المؤلف ما وقف على حديث جابر المتفق عليه؛ لأنَّ ما يستدلّ به الذين يقولون بسقوط الترتيب يحاولون تضعيف أحاديث أنَّ الرسول قضى أربع صلوات، ولم يضعِّفوا حديث جابر، لأنَّه متَّفق عليه، فلم يتكلموا فيه من حيث الورود، لكن قالوا: يحمل ذلك على الاستحباب.
* قوله: (إِلَّا الجَمْعُ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ).
كأنَّه يريد أن يقول: ليس لديَّ دليل يدلُّ على الترتيب بين المقضيات، ولا بين الحاضرة والمقضية، إلَّا ما يتعلَّق بالجمع بين الصلاتين.
فالجمع بين الصلاتين هو أداءٌ للصلاتين في وقت إحداهما، فمثلًا:
стр. 2321
لو جمعت بين الظهر والعصر، فإن قدَّمت الصلاتين إلى وقت الظهر، فقد أدَّيت العصر في وقت الظهر، وإن أخَّرتَ ذلك -وهذا هو الأفضل والأكثر- تكون قد أخَّرت صلاة الظهر عن وقتها.
لكننا نقول: الرسول ﷺ قد بيَّنَ أنَّ الوقت بالنسبة للجامع أمر يخصُّه، وهذه وردت فيها استثناءات، فهي صلاة أهل الأعذار، أي: الذين رُخِّص لهم، مثل: المسافر؛ فقد رُخِّص له أن يجمع بين الصلاتين.
وهذه رخصة، واللَّه يحبُّ أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معاصيه (١).
فالقياس عليها حقيقة قياس قويّ، وليس ضعيفًا كما ذكر المؤلف، أو حاول غيره أن يضعف ذلك.
لكننا نقول: هناك أدلة صحيحة صريحة لا تحتاج لالتماس أدلة عقلية لنقوي بها رأي الذين يقولون بالترتيب، ولا شكَّ أنَّ الترتيب هو الأحوط للمسلم، فإذا رتَّب الصلوات يكون قد أدَّاها وهو مطمئن النفس، مرتاح القلب، لا يتطرق إليه شكٌّ، ولا أي ريب.
ولكنَّه لو صلَّاها غير مرتبة بقي غير مستقر، خائفًا؛ لأنَّه يخشى أن يكون قد قصر في أمر هذه الصلوات.
وقوله: (فَإِنَّ الصَّلَوَاتِ المُؤَدَّاةَ أَوْقَاتُهَا مُخْتَلِفَةٌ).
نعم، لأنَّ الجمع فيه خلاف كما ذكر المؤلف.
* قوله: (وَالتَّرْتِيبُ فِي القَضَاءِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الوَقْتِ الوَاحِدِ بِعَيْنِهِ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا، فَافْهَمْ هَذَا فَإِنَّ فِيهِ غُمُوضًا، وَأَظُنُّ مَالِكًا ﵀ إِنَّمَا
стр. 2322
قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الجَمْعِ، وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى اسْتِحْسَان التَّرْتِيبِ فِي المَنْسِيَّاتِ).
الذي يظهر لي فيما أعلم من مذهب المالكية أنَّ وجهة نظرهم في ذلك أنَّ النسيان غير معتبَر هنا، فلو نسي ركنًا لما سقط عنه هذا الركن، ولو نسي شرطًا كذلك. لكن النسيان يؤدَّى.
وهناك مَن يرى أنَّ الناسى يُعذَر، ولا تبطل صلاته، وهناك من يرى أنَّها تبطل.
إذًا أجمع العلماء أن للناسي أحكامًا يعفى عنه فيها، وأحكامًا محل خلاف، وأحكامًا مجمع على ألَّا يُعذرَ فيها.
إذًا لا نفهم أنَّ الناسي أو المكره إنَّما تسقط عنه جميع الأمور لعذر له. ولذلك يفصلون في موضوع المكره؛ فلو أنَّ إنسانًا أُكرَه على عمل من الأعمال، كقتل إنسان ليس له أن يقتله (١)؛ لأنَّه ليس له أن يُذْهِب مهجة غيره ليحفظ مهجته (٢)، كذلك لو طلب منه وضع السيف على رقبته، وطلب
стр. 2323
منه أن يزني ليس له كذلك، والمسألة الأخيرة فيها خلاف (١).
ولكن قالوا: لو أُجبِر على السرقة سرق، وبعد ذلك يردُّ الحق إلى صاحبه (٢).
стр. 2324
ولو طُلِب منه القذف هل يقذف؟ بعضهم يقول: يقذف؛ لأنَّه معروف أنَّه مكره على ذلك الأمر. وهكذا مسائِل مُختلف فيها (١).
стр. 2325
إذًا أهل الأعذار معروفون، فلا تسقط عنهم جميع الأحكام، وإنَّما العذر يعتبر في سقوط بعض الأحكام وعدم سقوط بعضها، فلننتبه لذلك.
* قوله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى اسْتِحْسَانِ التَّرْتِيبِ فِي المَنْسِيَّاتِ).
يريد المؤلف أن يقول: الترتيب ليس محلَّ خلاف ولا نزاع من حيث الجملة، فكلُّ العلماء مجْمِعُون على أن الترتيب أولى.
إذًا ما داموا مجمِعِين على أنَّ الترتيب أولى، فالأولى أيضًا أن نأخذ به، ونتجنب الخلاف، ونعمل بقول رسول اللَّه ﷺ في الحديث الذي يعتبر قاعدة: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (١).
* قوله: (إِذَا لَمْ يُخَفْ فَوَاتُ الحَاضِرَةِ لِصَلَاتِهِ ﵊ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مُرَتَّبَةً) (٢).
أي: إن خُشِي خروج الوقت فليؤدِّ الحاضرة؛ لأنَّ وقتها قائم، لكن إن لم يخشَ فإنَّه يصلي الفوائت.
ويذهب كثير من العلماء إلى أنَّه لو صلَّى مع الإمام وعليه فوائت؛
стр. 2326
فإنَّه ينوي أنَّ هذه الصلاة التي مع الإمام إحدى الفوائت، ثم بعد ذلك يصلِّي الحاضرة في آخر وقتها خشية أن يخرج عليه الوقت؛ لأنَّه لو اعتبر التي مع الإمام هي الحاضرة لقدَّمها على المقضيات مع وجود وقت يمكنه أن يؤدِّي فيه بعضًا من الصلوات الواجب قضاؤها، فكأنَّه لم يرتّب هنا، والترتيب واجب. فلننتبه لذلك.
وبعض العلماء -وإن كان قول قليل- يرى أنَّه لو صلَّى مع الإمام اعتبر هذه الصلاة الحاضرة ولا يضرّ تقديمها؛ لأنَّه أدَّاها في وقتها، لكن الأسلم في ذلك والأحوط هو أن يؤخِّر الحاضرة إلى آخر وقتها (١).
ولكن لا ينبغي أن يتخذ الإنسانُ نسيان بعض الصلوات ذريعة لترك الجماعة.
* قوله: (وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ أَوْجَبَ القَضَاءَ عَلَى العَامِدِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ).
* قوله: (فَإِنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ) هذه مسألة عرضنا لها عندما تكلمنا عن صلاة الخوف. ومن المعلوم أنَّ الرسول ﷺ قضى عدة صلوات وكانوا في حالة خوف، واللَّه قد وصف حالهم ذلك وصفًا في سورة الأحزاب فقال : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠، ١١] إلى آخر الآيات.
إذًا هم في حالة ابتلاء وامتحان، فالأعداء يحيطون بهم كالمعصم، فقد كانوا في حالة خوف وفزع. ولذلك قال العلماء: هذه الصلاة التي أدَّاها الرسول ﷺ قضاء مرتب يوم الخندق، وهي حجة لأبي يوسف
стр. 2327
والمزني؛ الذين يقولون بأنَّ صلاة الخوف -كما عرفتم فيما مضى- غير مشروعة، وإنَّما هي خاصة، ذاك في أول الأمر (١).
ويقول بعض العلماء: إنَّ ذلك قد نُسِخ، أي: ما في وقعة الأحزاب في صلاة الخوف التي ذكرها اللَّه في كتابه، والتي تكلمنا عنها فيما مضى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
* قوله: (وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ كَانَ تَرْكًا لِعُذْرٍ، وَأَمَّا التَّحْدِيدُ فِي الخَمْسِ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ).
يعجبني عِلمُ المؤلف ﵀، ونعلم أنَّ مؤلف هذا الكتاب وقع في أخطاء، والعلماء مختلفون فيه بين مثبت لذلك وبين متردد، وقد درسنا هذا الكتاب وعرفناه حق المعرفة، فلم نجد على المؤلف مأخذًا فيه من حيث المعتقد في هذا الكتاب خاصة، كما أننا وجدناه منصفًا؛ فهو هنا يناقش مذهبه، ويدافع عن الحق، وهو بذلك يضعف مذهب المالكية؛ المذهب الذي ينتسب إليه؛ لأنَّه تعلمه وترعرع (٢) فيه، ونشأ وتوغل (٣) في أعماق هذا المذهب، ومع ذلك نرى أنَّه يخالف المذهب في كثير من المسائل، وإن لم يرجح في كل مسائل كتابه، لكنَّه عندما يرجِّح وفق الدليل، ولكن يؤخذ عليه أنَّه لا يقف في بعض المسائل على كل ما ورد فيها من النصوص، فيحصل تقصير النَّتيجة عدم إلمامه بما ورد في المسألة من أدلة، وبخاصة الأدلة النقلية.
نقد المؤلف مذهبه وأُخِذ عليه ذلك، وبلا شك نقد المؤلف في
стр. 2328
موضعه، وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يسلكه كلُّ طالب علم، ولا ينبغي أن نتبع الرجال على أسمائهم، هذا قول فلان آخذ به وأسلم، إذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تأخذ بأقوال الصحابة، وتقف أيضًا عند قول رسول اللَّه ﷺ ولا تتجاوزه، لكن إذا تردد الأمر بين ذلك فليست القضية هذا قول فلان، أعرض دائمًا أي قول على الأدلة، فما كان موافقًا للأدلة أو إليها أقرب فخذ به، هذا إن كنت من أهل هذا الفنِّ، من القادرين على الموازنة والتعمق (١) والغور (٢) في نصوص الفقه الإسلامي، أمَّا إذا لم يكن المرء من أولئك فلا ينبغي حقيقة أن يجتهد في مثل هذه المسائل، هذا إذا كان في مسائل الفروع، فما بالك بمَن يجتهدون في مسائل العقيدة، فيتجرؤون ويكفرون بعض المسلمين، ويحكمون عليهم بالخطإ وبالفسق، وهم يجهلون تلك الأحكام، تجد أنَّه حفظ حديثًا أو آيات وأحاديث، فبعد ذلك ينصِّب نفسه عالمًا وينبري لهؤلاء، وربما يجهل أفذاذ العلماء وجهابذتهم، وهو نفسه العالم في الميدان. فهذا خطأ كبير، ينبغي أن ننتبه له.
ونحن عندما نتعلم مثل هذه العلوم وجب علينا أن نستفيد من سيرة العلماء السابقين، ومن أراد أن يعرف ذلك فليدرس حياة العلماء الأعلام الذين عنوا وأفنوا وقضوا حياتهم في خدمة دين اللَّه، سواء كان في أمور العقيدة، أو في أمور الفروع، أو في غيرها، فهم قد قضوا حياتهم خدمةً لهذا الدين، ولم يحملهم التعصُّب الأعمى على الخروج عن الحقِّ، ولم يعرف أن أحدًا سلك طريق التعصب إلَّا ووقع في الخطإ، وما عرف أن أحدًا ارتكب طريق الهوى إلَّا وقد وقع في الذَّلل، واللَّه تعالى يحذِّر من الهوى، ويقول لنبيه داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وحاشاه أن
стр. 2329
يحكم بالهوى، لكن هذه دروس توجه إلى الأمة ليستفيدوا بها.
إذًا ينبغي في دراساتنا سواء في الدروس في المسجد النبوي، أو في المدارس، أو في الجامعات، ينبغي أن نمزج ما نقرأه وبين ما نستفيده من سير العلماء، ومن مواقفهم ومما يتعلَّق بدروسنا، ومن مناهج العلماء وطرقهم، والمناهج الصحيحة المستقيمة التي يدرسون بها العلم.
وهكذا نرى مسائل الفقه، والحديث، ونجد أنَّ من العلماء مَن يقف عند الحقِّ ولا يعدل عنه، ولا يهمه أن يقع في خطإ فيعدل عنه، "ولا يمنعنك قضاء أن تقضيه اليوم أن يظهر لك الحق في سواه فترجع عنه غدًا" (١) كما في كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعريِّ الذي تناوله الإمام العظيم شيخ الإسلام ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين" فشرحه في أكثر من مجلد، لأنه قواعد ثابتة في أمور القضاء، يستفيد منها كلُّ من يشتغل في القضاء؛ تعليمًا، أو تعلمًا، أو تطبيقًا له.
إذًا ينبغي أن ننتبه لمثل هذه مسائل، ونعلق عليها؛ لأنَّه ليس القصد فقط أن نتعلم مسائل وفقط، بل ينبغي أيضًا أن نستفيد مما يأتي ضمن هذه المسائل من توجيهات، وغيرها.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ).
وحجَّتهم في ذلك أنَّهم قالوا: إن فيه مشقة وتكرارًا، فإذا ذهب الوقت فكأنك تكرر الشيء، ولكن هذا غير مقبول؛ فلو ورد علينا التكرار في الحال بين الركوع والسجود؛ مثلًا الركوع والسجود أليس يتكرران في كل صلاة، ومع ذلك دائمًا الركوع يسبق السجود، والسجدة الأولى تسبق الثانية، وهكذا.
إذًا هذه أمور مرتبة منسقة ليست محلًّا لأنْ يلحق الإنسان مشقة، أو يتكرر الشيء، فكم من أمور تتكرر وتبقى مستقرة.
стр. 2330
* قوله: (فَهَذَا حُكْمُ القَضَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِي فَوَاتِ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ).
قد أطيل كثيرًا وأحيانًا في الشرح وأبين؛ لأنَّ الإنسان يصعب عليه أن يتجاوز مسائل إلا وقد بانت؛ لأنَّ مثل هذه الكتب القديمة تحتاج إلى وقفات؛ يعني ليس القصد فقط أن نأخذ ما فيها من العلم، إنَّما نريد أن نستفيد من العمق الذي يوجد في هذه الكتب.
[قضاء بعض الصلاة]
* قوله: (وَأَمَّا القَضَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِي فَوَاتِ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ).
يعني: لا في جميع الصلاة.
* قوله: (فَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ النِّسْيَانَ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ سَبْقَ الإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ).
مرادُ المؤلِّف أن هذا النقص الذي يحصل قد يكون سببُه النسيان، ودين اللَّه يُسرٌ، وهناك ما يعرف بسجُودِ السَّهوِ، وإذا كان رسول اللَّه ﷺ قد نسي في قصة ذي اليدين (١) وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وينزَّلُ عليه
стр. 2331
الوحي، لكنَّه في النهاية بشر، وقام من اثنتين أيضًا إلى الثالثة ولم يجلس التشهد الأول (١)، فما بالكم بغيره؟ وما بالكم بمن تشغلُهُم أمور الدُّنيا وهواجسها (٢)، وأحوال الأولاد، وما يتعلَّق بالمال، والضرب في الأرض، وهذه أمور ربما تعرض للمصلِّي في صلاته، وربما تمرُّ به قربات أو مصائب، فتجد أنَّ باله قد انشغل بها في الصلاة؛ لأنَّها أمور تسيطر عليه فينسى، وربما لا يدري ماذا يقرأ الإمام، وهذا قد يحصل لبعض الناس، وإن كان هذا حقيقة يرجع إلى خشوع المرء، فكلما كان الإنسان مرتبطًا بالصلاة خاشعًا ذليلًا للَّه فلا شكَّ أنَّ الشيطان سيبتعد عنه، ولا يسيطر عليه، وقد تجد بعض المصلين وهو في صلاته كأنَّه في السوق، إلَّا أنَّه لا يلتفت، يشتغل ويتكلم وإذا كان معه ساعة يحركها يخلعها وينزلها، ويقوم بحركات كثيرة جدًّا، ومعلومٌ أنَّ من العلماء من يرى بطلان الصلاة بهذه الكيفية، ومنهم من يحدِّد الحركات، فلننتبه لمثل هذه الأمور (٣).
стр. 2332
* قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ يَفُوتَ المَأْمُومَ بَعْضُ صَلَاةِ الإِمَامِ).
وهذا يحصل لكلِّ مسلم، فقد ينام ولا يستيقظ إلَّا وقد أُقِيمت الصلاة، وقد يُحْدِث فيحتاج إلى أن يتطهر فيفوته جزء من الصلاة، وهذا ليس عيبًا، فالرَّسول ﷺ وضَعَ لنا منهجًا واضحًا في هذا فقال: "إذا سمعْتُم الإقامة فأْتُوا إليها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا" (١)، وفي رواية: "فاقْضوا" (٢).
فإذا سمعْتَ الإقامَة فلا تسرع؛ لأنَّك وأنت متَّجِهٌ إلى الصلاة مثابٌ على عملك، فكلُّ خطوة تخطوها لك بها حسنة، فالمتَّجه إلى الصلاة في حكم المصلي، "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
والعلماء وإن وُجِد منهم مَن يقول بالإسراع إلى الصَّلاة عملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فالحديث نصٌّ في المسألة، وتلك الآيات عامَّة.
والخلاف أكثر بالنسبة لصلاةِ الجمعة؛ لأنَّها تدرك بإدراك ركعة، فلو أدرَكَ الإنسانُ أقل من ركعة فعليه أن يتمَّهَا ظهرًا، لكن لو أدرك منها ركعة واحدة فقد أدرك الجمعة (٣).
стр. 2333
ولذلك يقول بعض العلماء: للمصلِّي أن يُسرعَ في الجمعة لا في غيرها (١)، وبعضهم يُعمِّم فيقول: لا ينبغي الإسراع مطلقًا (٢).
* قوله: (فَأَمَّا إِذَا فَاتَ المَأْمُومَ بَعْضُ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ فِيهِ مَسَائِلَ ثَلَاثًا قَوَاعِدَ).
стр. 2334
أي: هناك ثلاث مسائل هي قواعد وأصول، ومسائل كبرى تتفرع عنها مسائل فرعية، هذا هو مراد المؤلف.
إذًا ليس الفقهُ كلُّه في درجة واحدة، فعندما تكلَّمنا عن قضاء الفوائت، عرضنا جزئيات لكنَّها كلها ترجع إلى أصلٍ واحد، ألا وهو: مَن نام عن صلاة أو نسيها أو خرج عليه وقتُها، فهي ترجع إلى قضية مَن فاتته صلاة من الصلوات لعذر، أو لغير عذر، ولكن الجزئيات كثيرة.
والمسائل الثلاث المذكورة هي قواعد في هذا الباب، فهي أصول ثابتة يرَدُّ إليها كلُّ ما له صلة بها.
وقد تكلمنا فيما مضى عمَّن فاتته الصلاة بعذرٍ أو بغير عذرٍ، ونقصد بذلك: مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيها، فهذا من أهل الأعذار، وأن عليه أن يصلِّيَها متى ذكرهَا، حتى وإن كان الوقت وقت نهي، ومَن تساهل في أمر الصلاة حتى خرج وقتها، لا من تساهل في الصلاة فتركها بالكلية، فالصورةُ مختلفة.
فلو أنَّ إنسانًا لم تفته الصلاة جملة، وإنَّما فاته شيء منها، كأن يفوته من الرباعية ركعتان، وهذه هي المسألة التي يريد المؤلِّف أن يتكلَّم عنها، وقد اعتبرها من المسائل القواعد، لأنَّ هناك عدة مسائل تتفرع عنها؛ منها ما أشرت إلى شيء منه أثناء المقدمة.
* قوله: (إِحْدَاهَا: مَتَى تَفُوتُ الرَّكْعَةُ) (١).
أي: متى يدرك المأمومُ الرَّكعة مع الإمام ومتى لا يدرك، هذا هو مراد المؤلف هنا، فإنَّك إذا دخلت المسجد فوجدت الإمام قائمًا فحينئذٍ لم تفتك الركعة، وليست هذا محل نقاش الآن، لكن الكلام الآن فيمَن دخل والإمام راكع والناس وراءه، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من حيث الأصل: هل تدرك الركعة بإدراك الركوع أو لا؟
стр. 2335
الجواب: ما جاء في الصحيحين، أنَّ الرسول ﷺ قال: "مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقَدْ أدركَ الصَّلاة" (١)، وهذا حديث عامٌّ، فهل من أدرك ركعة من الصلاة قد أدرك الصلاة عمومًا، أي: صلاة الجماعة، أو أنَّ المراد: أن مَن أدرك ركعة من الصلاة -كمن دخل الصلاة والإمام راكع- يكون بذلك قد أدرك الركعة.
اتَّفق العلماء على أنَّ مَن دخل الصلاة فأدرك ركعة منها يكون قد حصَّل فضيلة الجماعة، لكن لو لم يدرك الركعة، فهل يدرك الجماعة أم لا؟ الحديث صريحٌ في أنَّ الجماعة تدرك بإدراك الركعة.
يبقى بعد ذلك سؤال: بماذا تدرك الركعة؟
هذه مسألة متفرعة عمَّا في الحديث، فهل لا بُدَّ من إدراك الركعة؛ من قيام والركوع والسجود إلى آخر الركعة، أو أنَّ مَن أدرك الإمام راكعًا فقد أدرك الركعة؟
فإن قلنا هو مدرك لها، وهو مذهب جماهير العلماء، فبِمَ يُدرك الركعة؟ وعلى أيِّ حالة يدركها؟ سنبين إن شاء اللَّه فيما يأتي.
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ: هَلْ إِتْيَانُهُ بِمَا فَاتَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الإِمَامِ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ).
هذه مسألة أُخرَى لعلنا نعرض إليها فيمن حضر الصلاة وقد فاته جزء من الصلاة، فهل يعتبر ما فاته هو أول الصلاة؟ أو أنَّ أول الصلاة هو الذي لحق الإمام فيه، ويعتبر ما يأتي به إتمامًا أو قضاء هو آخرها؟ وهذا محلّ خلاف بين العلماء (٢).
стр. 2336
فلو أنَّ إنسانًا دخل في صلاة العشاء، ثم وجد الإمام قد صلَّى الركعتين الأولى والثانية، وأدركه في الثالثة أو في التشهد، فيكون قد فاته ركعتان، فحينئذٍ سيأتي بركعتين مع الإمام، وتبقى ركعتان لم يأت بهما؛ لأنَّهما فاتاه قبل أن يدرك الإمام، فهاتان الركعتان اللتان سيؤديهما بعد الإمام هل هما قضاء أو أداء؟
وبمعنى أوضح: هل ما سيأتي به بعد الإمام يعتبر هو أول صلاته، ويكون ما صلَّاه مع الإمام هو آخرها؟ أو أنَّ ما سيأتي به بعد ذلك هو آخر الصلاة، ويعتبر أوَّلها ما صلَّاه مع الإمام، وتكون هذه الحالة بالنسبة للمأموم لا الإمام.
وسيأتي في ذلك أحاديث عدَّة؛ منها: حديث أبي قتادة، وحديث أبي هريرة المتفق عليهما؛ ففي حديث أبي قتادة أنَّه قال: بينما كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ ؛ إذ سمع جلبة رجال، فلمَّا صلى قال: "ما شأْنُكم؟ "، قالوا: استعجلنا الصلاة، فقال ﵊: "فلا تفْعَلوا"، ثم قال: "إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة فما أدركْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا" (١).
قوله: "فأتموا" واضحة في أنَّ ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته، وأنَّ ما سيأتي به بعد ذلك هو آخرها، وفي بعض الروايات: "فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقْضُوا" (٢).
стр. 2337
وفي حديث أبي هريرة أنَّ الرسول ﷺ قال: "إذا سمِعْتُم الإقامةَ فامشوا إلى الصَّلاةِ وعليكم السَّكينة والوقار، ولا تُسرِعوا، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا" (١).
وهذه المسألة سيأتي الكلام عليها: هل ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته أو آخرها.
* قوله: (وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يَلْزَمُهُ حُكْمُ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَمَتَّى لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ).
أي: متى يكون مدركًا لصلاة الجماعة؟ فهل يدركها بإدراك الركعة فقط كما جاء في الحديث، أو أنَّه يدركها -أي: فضل الجماعة- ولو بجزء يسير منها؟
الجواب: الحديث صريح في أنَّ مَن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه أنَّ مَن أدرك أقلّ من ذلك فاتته فضيلة الجماعة، لكنَّه يكون مدركًا للصلاة.
وقد جاءت أحاديث أُخرى تبيِّن أنَّه يكتب له الأجر ولو فاته شيء من الأعمال؛ كمن كان مواظبًا على عمل صالح في حال صحته ثم مرض فلم يستطع القيام به، أو سافر، فإنَّه يكتب له ما كان يأخذه من الأجر وهو صحيح مقيمٌ (٢)، وخير دليل على ذلك ما ورد في غزوة تبوك حيث تخلَّف عددٌ من المسلمين عنها، ولم يكن تخلُّفهم رغبةً عن الجهاد، وإنَّما كانوا راغبين في الجهاد، مدركين معنى قول اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. . . (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، لكن حبسهم العذر، ولذلك بيَّن الرسول ﷺ حالهم فقال: "إنَّ بالمدينة رجال ما
стр. 2338
سِرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلَّا كانوا معكم" (١)، فهم مع المؤمنين المجاهدين بقلوبهم، ومعهم بجميع أحاسيسهم، وكانوا يتمنَّون أن يكونوا معهم في معمعة القتال في وسط الجهاد، ولكن حبستهم الأعذار.
فالإنسان إذا نوى نيةً حسنةً، وصدق فيها فإنَّه يُكتب له من الأجر الشيء العظيم، وقد سبق الكلام عن حديث النِّية، وما يرتبط فيه من المسائل، وأهمية هذا الحديث، وكون كثير من العلماء يفتتحون به كتبهم (٢).
* قوله: (أَمَّا مَتَى تَفُوتُهُ الرَّكعَةُ؟ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: إِذَا دَخَلَ وَالإِمَامُ قَدْ أَهْوَى إِلَى الرُّكُوعِ).
(أهوى)، أي: ركع اللإمام.
يعني: إذا دخل المأموم المسجد والإمام قد هوى إلى الركوع.
* قوله: (وَالثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَسَهَا أَنْ يَتْبَعَهُ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ زِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ).
هذه مسألةٌ أُخرى: وهي فيمَن تخلَّف عن الإمام، أي: الحالات التي يتخلف فيها المأموم عن الإمام، والكلُّ ينسى، فربما يعتري المصلي -إمامًا أو مأمومًا- عذر من الأعذار أو يسهو في صلاته فيسبقه الإمام بركن أو أكثر، أو بركعة والمأموم قائم، وأيضًا قد يحصل عذر آخر: كأن يكون هناك زحام -كأيَّام الحج- فلا يستطيع الإنسان أن يسجد، فقد يؤدي المأموم إلى أن يسبقه الإمام.
стр. 2339
إذًا هناك أعذار عدة، فما الحكم بالنسبة للمأموم إذا سبقه الإمام؟
هذه مسألة فيها تفصيل؛ لأنَّ الإمام قد يسبقه بركن واحد؛ فهذا له حال، وقد يسبقه بركنين؛ وهذا له حال، وهو محلُّ خلاف، وقد يسبقه بركعة أو أكثر؛ وذلك محلّ اتِّفاق بين العلماء، أو شبه اتِّفاق بينهم على أنَّ هذه الركعة قد فاتته وعليه أن يأتي بها، وسنفصِّل القول في ذلك إن شاء اللَّه عندما نصل إليه؛ لأهمية هذا الأمر (١).
стр. 2340
* قوله: (أمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى؛ فَإِنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ؛ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَكَعَ مَعَهُ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا) (١).
كلام المؤلف هذا ليس على إطلاقه، فهو يتكلَّم جملةً، كأنَّه أخذ بالرَّأي المشهور الصحيح في هذه المسألة، وهو أنَّه: إذا دخل المأمومُ فوجد الإِمَامَ راكعًا فكبَّر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم أتبعها بتكبيرة الركوع، -وهذا أكمل- ثمَّ بعد ذلك ركع مع الإمام؛ وهذه فيها تفصيل:
بعض العلماء يشترط في ذلك: الاطمئنان؛ فلا يكفي مجرد
стр. 2341
الإلحاق، بل لا بُدَّ من أن يركع، ويطمئن في ركوعه، قبل أن يرفع الإمام (١).
وبعضهم يقول: لو أنَّه ركع بأن يضع راحتيه على ركبته قبل أن يرفع الإمام فذلك تام (٢).
وبعضهم يقول: المهمُّ أن يركع قبل أن يشرع الإمام في الركوع (٣)، فيكون بذلك مدركًا له، حتى وإن فاته التسبيح، أي: قول: (سبحان ربي العظيم)، فإنَّه يسبح ثم بعد ذلك يلحق بالإمام.
وأحوال الأئمة يختلف: فمن الأئمة من يطيل القراءة، ومنهم من يتوسَّط، وهذا أمر مرغوب، وحبب إليه الرسول ﷺ ورغب فيه، ومنهم مَن يُسرع فيها، وقد تؤدِّي سرعة الإمام إلى أن يسبق المأموم؛ فهذا يدخل فيما أشرنا إليه قبل قليل: أنَّ هذا عذر من الأعذار؛ فقد يسرع الإمام فلا يستطيع المأموم أن يتبعه أو يلحقه، وهذا سيأتي تفصيله أيضًا.
إذًا؛ ما هو الأولى في هذا؟
стр. 2342
إذا جاء المأموم والإمام راكع، فإن أمكنه أن يكثر تكبيرة الإحرام، ثم بعد ذلك يهوي إلى الركوع، قبل أن يرفع الإمام، فبذلك يكون مدركًا للركعة، ونحن نرى أنَّ الركعة أيضًا تُدرك بإدراك الركوع.
وهذه مسألة فيها خلاف، ولم يعرض لها المؤلف، ربما لأنَّه سبق أن تحدث عنها، لكن سبق وأن أشرتُ إليها، وهي مسألة بِمَ يُدرَك الركوع؟ أي: إذا جئت وأدركت الإمام راكعًا، هل تكون مدركًا للركعة؟ نحن نقول: نعم، وقد جاء فيه قوله ﷺ : "مَن أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة" (١)، فهذه الركعة، تطلق على بعض أجزائها، وهذه قد عرض لها المؤلف في هذه المسألة.
وقد اتفق العلماء أو الجمهور (٢) على أنَّ الركعة تُدرَك بإدراك الركوع، ويسدلّون بحديث أبي بكر ﵁: عندما جاء والرسول ﷺ راكِعٌ بأصحابه، فخشِيَ أن تفوته الركعة، فجاء مسرعًا، فركع خارج الصف، ثم دبَّ ماشيًا، فدخلَ في الصفِّ، فلمَّا فرغَ رسولُ اللَّه ﷺ من صلاته قال: "مَنْ السَّاعِي؟ " قَالَ أبو بكرة: أَنَا يا رسول اللَّه، قَالَ: "زَادكَ اللَّهُ حرصًا ولا تَعُد" (٣).
وقوله: "لا تعد" القصد ألَّا تركع خارج الصف، ثم تدخل.
وقد سبق الكلام أيضًا عن مَن صلَّى منفردًا خارج الصف، وبيَّنَّا أنَّ الصحيحَ أنَّ صلاتَهُ لا تصحُّ إلَّا إذا لم يجد وسيلة إلَّا ذلك، ورأينا الفرقَ بين مَن يركع خارج الصف، ثم يدخل في الصف قبل أن يرفع الإمام؛ هذه المسألة سبق الكلام فيها تفصيلًا.
المقصود: أنَّ حديث (أبي بكرة) دليلٌ للذين يقولون بأنَّ الركعة تُدرَك
стр. 2343
بإدراك الركوع، لأنَّ الرسول ﷺ لم يأمره بإعادة الركعة، ولم يقل له: إنَّ ذلك خاصٌّ، وعلى من أدرك الإمام راكعًا أن يأتي بركعة جديدة، لا؛ إنَّما هذا نصٌّ في أنَّ الركعة تُدرك بإدراك الركوع.
ومن هنا نجد أنَّ الفقهاءَ يُعبِّرون عن ذلك فيقولون: (وتدرك الركعة بإدراك الركوع).
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذَا الدَّاخِلِ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ تَكبِيرَةً لِلْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةً لِلرّكُوعِ، أَوْ يَجْزِيهِ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ؟) (١).
تُفتَتحُ الصلاة بتكبيرة الافتتاح، وهي تكبيرة الإحرام، وهذه ركن من أركان الصلاة لا يجوز تركها؛ ثم بعد ذلك إذا أراد الإنسان أن يركع، فإنَّه يُكبر تكبيرة أُخرى، وهذه تعرف بتكبيرة الركوع.
وقد سبق الكلام عن المواضع التي تُرفَع فيها اليدان: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول (٢).
إذًا فهناك تكبيرتان، فإذا فى خل في الصلاة من أوَّلها، أو بعد أن دخل الإمام، يُكبِّر تكبيرة الإحرام ثم إذا ركع يُكبِّر أيضًا؛ وهذه ليست محل نقاش، ولكن الكلام فيمن ضاق عليه الوقت، فدخل فوجد الإمام قد ركع فماذا يفعل؟ هو مطالب بتكبيرة الإحرام، وينبغي أن يؤدِّيها وهو قائم؛ لأنّ القيام ركن من أركان الصلاة، فلا ينبغي أن يؤديها وهو منحني، وكثيرًا ما نلاحظ أنَّ كثيرًا من الإخوة، وربما بعضهم من طلاب العلم، يأتي مسرعًا، فتجده يكبِّر وهو يهوي إلى الركوع، وهذا لا ينبغي، بل ينبغي أن يكبِّر وهو منتصِبٌ قائم.
стр. 2344
ومن المعلوم فى مذهب المالكية أنَّهم يُجيزون ذلك، لكنَّ القيام ركن، وهو لا يتحقق إلَّا بأن تؤدِّيه (١).
لكن عند الحنابلة والشافعية قولًا واحدًا؛ أنَّه لا بدَّ من الإتيان بها في حالة القيام، ثم بعدَ ذلك يكبِّر تكبيرة الركوع، سواء كبَّر وهو في حالة القيام وانحنى، أو وهو منحني، والقصد أن تكبيرة الإحرام هي التي يأتي بها (٢).
والأكمل بإجماع العلماء: أن يكبر تكبيرتين: تكبيرة الإحرام وهو قائم؛ ثم تكبيرة الركوع؛ وهذه ليست محل خلاف بين العلماء (٣).
ولو اقتصر على تكبيرة الإحرام: فهذه أيضًا متفق عليها بين العلماء؛ يعني: لو كبَّر تكبيرة الإحرام ثُمَّ بعد ذلك كبَّر تكبيرة الركوع؛ وهذه محل اتِّفاق بين العلماء؛ أنَّه لو كبر تكبيرة واحدة، ونوى بها تكبيرة الإحرام، فلا خلاف بين العلماء بأنَّ صلاته صحيحة، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة وأتباعهم (٤).
стр. 2345
تبقى مسائل ثلاث فيها خلاف:
الأولى: أن يكبِّر تكبيرة واحدة يَنوي بها تكبيرة الركوع؛ وتكبيرة الركوع واجبة عند بعض العلماء، سُنَّة عند بعضهم، ولم يقل أحدٌ بأنَّها ركن، فهو بذلك لم ينوِ التكبيرة التي هي ركن، وإنَّما نوى التكبيرة التي هي واجبة عند البعض، أو سُنَّة عند البعض الآخر، فهذه فيها خلاف، هل يعتد بها أو لا؟
أكثر العلماء يرون أنَّ ذلك لا يصحُّ، بل لا بدَّ من تكبيرة الإحرام (١).
الصورة الأخرى: أن يكبِّر تكبيرة واحدة، وينوي بها تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع (٢)، يعني: هذا الذي نعرفه بتداخل العبادات بعضها ببعض،
стр. 2346
ولذلك وضع العلماء القاعدة المعروفة: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا" (١)، وبعضهم عبَّر عنها بتعبير أدقّ فقال: "إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ في وقت ليسَت إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التَّبعية للأخرى؛ تداخلت أفعالهما واكتفيا فيهما بفعل واحد" (٢).
بيان ذلك؛ فالمراد أنَّ الإنسان قد يأتي في وقت يضيق عليه الأمر، فيقول: ما موعد العبادتان؟ لو دخلت المسجد فأنت مطالب -سنةً لا واجبًا- بأن تؤدي تحية المسجد؛ فالرسول ﷺ يقول: "إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٣)، فلو دخلت وقد أُقِيمَت الصلاة هل تجلس وتصلي ركعتين؟ أو تدخل مع الإمام؟ ستدخل مع الإمام، إذًا لم تصلِّ تحية المسجد، فهل دخلت أيضًا فكفت عنها الفريضة؟ نعم؛ لأنَّه اجتمعت عبادتان من جنسٍ، لأنَّ كُلَّ واحدة منهما صلاة، ليست إحداهما مقضية؛ فليست صلاة الظهر منسية، وأنت لا تؤدي صلاة ظهر، فهذه لا تتداخل، وليست تبعًا للصلاة التي تؤديها كالسنن الرواتب، فإنَّها لا تكفي عنها الفريضة، بل لا بدَّ أن تؤدِّيَها، إذًا هذا تتداخل كما مر.
وكذلك الحال في الحجِّ، فلو أنَّك أخَّرت طواف الزيارة، (طواف الإفاضة) إلى آخر الوقت، ثم ذهبت، فكان آخر عهدك بالبيت طواف الإفاضة؛ فإنَّه يغنيك عن طواف الوداع، فهنا تداخلت (٤).
стр. 2347
ولو كان على الإنسان غسل جمعة وغسل واجب؛ كأن يكون عليه جنابة، ثم نوى إلى جانب غسل الجنابة غسل الجمعة، يكون بذلك قد دخل فيه أيضًا (١).
وكذلك بالنسبة للمرأة التي طهرت إذا قصدت الأمرين معًا، والكلام في هذا يطول.
والخلاصة: إذا اجتمعت عبادتان من جنس، في وقت واحدٍ، صلاة مع صلاة، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى، كالسنن الرواتب، فإنَّ هذه لا يُكتفى فيها بالفرائض.
ومما وقع الخلاف فيه بين العلماء: الصَّلاةُ بعد العصر، وقد جاء
стр. 2348
في الحديث: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ صلَّى بعد العصر" (١)، وأنَّ ذلك أُشكِلَ على جمع من الصَّحابة، كعبد اللَّه بن عبَّاس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وقد أرسلوا مولى ابن عباس إلى عائشة، يسألها عنها؛ لأنَّها كانت تقول: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ ركعتين سفرًا ولا حضرًا: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر" تقول: في بيتي (٢) "، فلما ذهب الرسول إلى عائشة، أحالته إلى أمِّ سلمة؛ ولكن لأدب السلف لم يذهب مباشرة إلى أمِّ سلمة، وإنَّما عاد إلى الصحب الذين أرسلوه، فاستأذنهم، فأرسلوه أيضًا، فأذنوا له أن يذهب إلى أمِّ سلمة فقالت: "سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الركعتين بعد العصر"، يعني سئل: تصلي بعد العصر، وأنت تنهى عنهما، فقال: "أتاني وفدٌ من بني عبد القيس بإسلام قوم فسألوني، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان" (٣).
مراده هنا: أنَّ الرسول ﷺ لم يترك الركعتين الراتبتين التابعتين للظُّهر اللتين بعدها؛ وبذلك نتبيَّن أنَّه ليس كلّ عبادة تدخل ضمن الأُخرى.
فعرفنا من هذا أنَّ العلماء قد اختلفوا فيمَن نوى بتكبيرة واحدة تكبيرتين؛ يعني يأتي فيكبِّر تكبيرة واحدة، وينوي بها تكبيرتي الافتتاح؛ أي: التكبيرة التي تعتبر مفتاح الصلاة، -وهي تكبيرة الإحرام-، وتكبيرة الركوع؛ فبعضُهُم قال: ذلك جائز، والعبادات تتداخل. وبعضهُم قال: لا.
стр. 2349
أمَّا لو كبَّر تكبيرة الركوع: فعند جماهير العلماء أنَّه لا يصح ذلك منه؛ ولا تعتبر تكبيرة (١).
يبقى بعد ذلك الصورة الخامسة: إذا كبَّر ولم ينوِ شيئًا؛ يعني: دخل فقال: (اللَّه أكبر)، وهذا يحصل لكثيرٍ من الناس، فيأتي مسرعًا فيكبِّر لا ينوِ تكبيرة الإحرام، ولا تكبيرة الركوع؟
فمن العلماء من قال: إنَّ ذلك لا يجوز، ومنهم مَن أجاز ذلك.
ولمَّا سُئل الإمام أحمد عن هذه الحالة أو ما يشبهها قال: "أليس قد أراد الصلاة، فقد جاء إلى الصلاة" (٢)، ولذلك يقولون: القرينة تدلُّ على أنَّ المقصود تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّه أول ما بدأ كبَّر، وأول تكبيرة يشرع فيها المصلي هي تكبيرة الإحرام، فتُحمَلُ على ذلك.
ومن العلماءِ مَن لا يُجيزُ ذلك (٣)، فلننتبه.
إذًا؛ فأكمَلُ الأحوال في ذلك أنَّه إذا جاءَ فلا تأخذه العجلة والسرعة خشيةَ أن يقومَ الإمام، وإنَّما يكبِّر تكبيرةَ الإحرامِ وهو قائمٌ، ثم بعدَ ذلك يكبِّر تكبيرةَ الرُّكوع، هذا هو أكملها، ولا خلاف فيه بين العلماء.
ولو اقتصر على تكبيرة واحدة ناويًا بها تكبيرة الإحرام فذلك أيضًا جائز عند العلماء وهو كافٍ.
وقول المؤلف: إنَّ بعض العلماء اشترط ذلك، ولم ينسبه إلى أحد،
стр. 2350
فقد عُرِف هذا عن عمر بن عبد العزيز، وكذلك عن بعض السلف؛ فعن حماد بن أبي سليمان (شيخ أبي حنيفة)، لكن العلماء تأوَّلوا ذلك، وقالوا: إن قصدهما من ذلك إنَّما هو التفضيل وليس الإيجاب؛ بدليل أنَّ عمرَ بن عبد العزيز نُقل عنه أنَّه ما كان يتم التكبير؛ يعني: يقتصر على تكبيرة واحدة، ويقولون أيضًا: أنَّه نُقل عن زيد بن ثابت، وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنَّهما اقتصرا على تكبيرة واحدة، ولم يُنقَل ما يخالف فعلهما فاعتبر بعض العلماء ذلك إجماعًا؛ أي: نُقل أنَّ زيدًا بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر ﵄ كبرا في مثل هذه الحالَةِ تكبيرة واحدة، ولا يخالف - أو لم يُنقل خلاف لأحد من الصحابة، أي ما يُخالف قولهما أو فعلهما، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّه محلّ وفاق (١).
* قوله: (وَإِنْ كَانَتْ تَجْزِيهِ فَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟).
لقد فصَّلنا القول في هذا، وكذلك أكثر مما في الكتاب، وترتيبه مع بعضه لأهميته.
* قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢) وَالشَّافِعِيِّ) (٣).