← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

ولذلك وضع العلماء القاعدة المعروفة: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا" (١)، وبعضهم عبَّر عنها بتعبير أدقّ فقال: "إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ في وقت ليسَت إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التَّبعية للأخرى؛ تداخلت أفعالهما واكتفيا فيهما بفعل واحد" (٢). بيان ذلك؛ فالمراد أنَّ الإنسان قد يأتي في وقت يضيق عليه الأمر، فيقول: ما موعد العبادتان؟ لو دخلت المسجد فأنت مطالب -سنةً لا واجبًا- بأن تؤدي تحية المسجد؛ فالرسول ﷺ يقول: "إذا دخلَ أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٣)، فلو دخلت وقد أُقِيمَت الصلاة هل تجلس وتصلي ركعتين؟ أو تدخل مع الإمام؟ ستدخل مع الإمام، إذًا لم تصلِّ تحية المسجد، فهل دخلت أيضًا فكفت عنها الفريضة؟ نعم؛ لأنَّه اجتمعت عبادتان من جنسٍ، لأنَّ كُلَّ واحدة منهما صلاة، ليست إحداهما مقضية؛ فليست صلاة الظهر منسية، وأنت لا تؤدي صلاة ظهر، فهذه لا تتداخل، وليست تبعًا للصلاة التي تؤديها كالسنن الرواتب، فإنَّها لا تكفي عنها الفريضة، بل لا بدَّ أن تؤدِّيَها، إذًا هذا تتداخل كما مر. وكذلك الحال في الحجِّ، فلو أنَّك أخَّرت طواف الزيارة، (طواف الإفاضة) إلى آخر الوقت، ثم ذهبت، فكان آخر عهدك بالبيت طواف الإفاضة؛ فإنَّه يغنيك عن طواف الوداع، فهنا تداخلت (٤).

стр. 2347

ولو كان على الإنسان غسل جمعة وغسل واجب؛ كأن يكون عليه جنابة، ثم نوى إلى جانب غسل الجنابة غسل الجمعة، يكون بذلك قد دخل فيه أيضًا (١). وكذلك بالنسبة للمرأة التي طهرت إذا قصدت الأمرين معًا، والكلام في هذا يطول. والخلاصة: إذا اجتمعت عبادتان من جنس، في وقت واحدٍ، صلاة مع صلاة، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى، كالسنن الرواتب، فإنَّ هذه لا يُكتفى فيها بالفرائض. ومما وقع الخلاف فيه بين العلماء: الصَّلاةُ بعد العصر، وقد جاء

стр. 2348

في الحديث: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ صلَّى بعد العصر" (١)، وأنَّ ذلك أُشكِلَ على جمع من الصَّحابة، كعبد اللَّه بن عبَّاس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر، وقد أرسلوا مولى ابن عباس إلى عائشة، يسألها عنها؛ لأنَّها كانت تقول: "ما ترك رسول اللَّه ﷺ ركعتين سفرًا ولا حضرًا: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر" تقول: في بيتي (٢) "، فلما ذهب الرسول إلى عائشة، أحالته إلى أمِّ سلمة؛ ولكن لأدب السلف لم يذهب مباشرة إلى أمِّ سلمة، وإنَّما عاد إلى الصحب الذين أرسلوه، فاستأذنهم، فأرسلوه أيضًا، فأذنوا له أن يذهب إلى أمِّ سلمة فقالت: "سُئل رسول اللَّه ﷺ عن الركعتين بعد العصر"، يعني سئل: تصلي بعد العصر، وأنت تنهى عنهما، فقال: "أتاني وفدٌ من بني عبد القيس بإسلام قوم فسألوني، فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان" (٣). مراده هنا: أنَّ الرسول ﷺ لم يترك الركعتين الراتبتين التابعتين للظُّهر اللتين بعدها؛ وبذلك نتبيَّن أنَّه ليس كلّ عبادة تدخل ضمن الأُخرى. فعرفنا من هذا أنَّ العلماء قد اختلفوا فيمَن نوى بتكبيرة واحدة تكبيرتين؛ يعني يأتي فيكبِّر تكبيرة واحدة، وينوي بها تكبيرتي الافتتاح؛ أي: التكبيرة التي تعتبر مفتاح الصلاة، -وهي تكبيرة الإحرام-، وتكبيرة الركوع؛ فبعضُهُم قال: ذلك جائز، والعبادات تتداخل. وبعضهُم قال: لا.

стр. 2349

أمَّا لو كبَّر تكبيرة الركوع: فعند جماهير العلماء أنَّه لا يصح ذلك منه؛ ولا تعتبر تكبيرة (١). يبقى بعد ذلك الصورة الخامسة: إذا كبَّر ولم ينوِ شيئًا؛ يعني: دخل فقال: (اللَّه أكبر)، وهذا يحصل لكثيرٍ من الناس، فيأتي مسرعًا فيكبِّر لا ينوِ تكبيرة الإحرام، ولا تكبيرة الركوع؟ فمن العلماء من قال: إنَّ ذلك لا يجوز، ومنهم مَن أجاز ذلك. ولمَّا سُئل الإمام أحمد عن هذه الحالة أو ما يشبهها قال: "أليس قد أراد الصلاة، فقد جاء إلى الصلاة" (٢)، ولذلك يقولون: القرينة تدلُّ على أنَّ المقصود تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّه أول ما بدأ كبَّر، وأول تكبيرة يشرع فيها المصلي هي تكبيرة الإحرام، فتُحمَلُ على ذلك. ومن العلماءِ مَن لا يُجيزُ ذلك (٣)، فلننتبه. إذًا؛ فأكمَلُ الأحوال في ذلك أنَّه إذا جاءَ فلا تأخذه العجلة والسرعة خشيةَ أن يقومَ الإمام، وإنَّما يكبِّر تكبيرةَ الإحرامِ وهو قائمٌ، ثم بعدَ ذلك يكبِّر تكبيرةَ الرُّكوع، هذا هو أكملها، ولا خلاف فيه بين العلماء. ولو اقتصر على تكبيرة واحدة ناويًا بها تكبيرة الإحرام فذلك أيضًا جائز عند العلماء وهو كافٍ. وقول المؤلف: إنَّ بعض العلماء اشترط ذلك، ولم ينسبه إلى أحد،

стр. 2350

فقد عُرِف هذا عن عمر بن عبد العزيز، وكذلك عن بعض السلف؛ فعن حماد بن أبي سليمان (شيخ أبي حنيفة)، لكن العلماء تأوَّلوا ذلك، وقالوا: إن قصدهما من ذلك إنَّما هو التفضيل وليس الإيجاب؛ بدليل أنَّ عمرَ بن عبد العزيز نُقل عنه أنَّه ما كان يتم التكبير؛ يعني: يقتصر على تكبيرة واحدة، ويقولون أيضًا: أنَّه نُقل عن زيد بن ثابت، وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنَّهما اقتصرا على تكبيرة واحدة، ولم يُنقَل ما يخالف فعلهما فاعتبر بعض العلماء ذلك إجماعًا؛ أي: نُقل أنَّ زيدًا بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر ﵄ كبرا في مثل هذه الحالَةِ تكبيرة واحدة، ولا يخالف - أو لم يُنقل خلاف لأحد من الصحابة، أي ما يُخالف قولهما أو فعلهما، قالوا: فدلَّ ذلك على أنَّه محلّ وفاق (١). * قوله: (وَإِنْ كَانَتْ تَجْزِيهِ فَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَنْوِيَ بِهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا؟). لقد فصَّلنا القول في هذا، وكذلك أكثر مما في الكتاب، وترتيبه مع بعضه لأهميته. * قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢) وَالشَّافِعِيِّ) (٣).

стр. 2351

هو مذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد، فهذا مذهب جماهير العلماء: إذا نوى، أي: قصد تكبيرة الإحرام، فهناك صورتان متفق عليهما: الأولى: أنَّه إذا كبَّر تكبيرتين، فهذه محلُّ إجماع؛ يكبِّر تكبيرة الإحرام ثم تكبيرة الركوع (١). الثانية: أن يكبِّرَ تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرةَ الإحرام؛ وهذه الخلاف فيها شاذٌّ لا يُعتدُّ به؛ وإنَّما تجزئ (٢). يبقى ثلاث صور فيها كلام: الصور الأولى: اتفق العلماء على أنَّه لا يجوز أن يكبر تكبيرة واحدة ينوي بها تكبيرة الركوع (٣). أمَّا إذا نواهما معًا؛ أو سكت ولم ينوِ واحدة، ففيه خلاف بين العلماء: بعضهم يقول: لا تجوز، وبعضهم يفرِّق بين الفرض والنفل، وبعضهم يجيزها، ولا شكَّ أنَّ المؤمن في مثل هذه الأحوال، وبخاصة ما يتعلَّق بالصلاة، يأخذ بالأحوط له في دينه، ولا تأخذه العجلة والسرعة فيقع في خطإ، وربما يخل ذلك في صلاته. * قوله: (وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَهُمْ تَكْبِيرَتَانِ، وَقَالَ قَومٌ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْبِيرَتَيْنِ) (٤).

стр. 2352

نقل هذا عن عمر بن عبد العزيز الخليفة المعروف الأموي، ونقل أيضًا عن الإمام التابعي حماد بن أبي سليمان (شيخ أبي حنيفة). ولكن العلماء المحققين دقَّقوا في الأمر، وقالوا: لم يكن قصدهما من ذلك الإيجاب، وإنَّما التأكيد على تكبيرتين، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ عمر بن عبد العزيز (ما كان ليتم تكبيرة)، يعني: يقتصر على تكبيرة واحدة، وأيَّدوا ذلك بما نقل عن زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر ﵄ كما مرَّ. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ (١). وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا رَكَعَ الإِمَامُ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ، وَأَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ قَائِمًا، وَهُوَ المَنْسُوبُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)).

стр. 2353

بعض العلماء -كابن حجر- يقول: "وهذا كان قولًا في الصدر الأول" (١)، بمعنى: أنَّ هذا القول ليسَ محلّ خلاف، وإن نُسب إلى أبي هريرة، ولكن هذا أمر يحتاج إلى تثبُّت، ففرق بين أن يقول الصحابيُّ قولًا يرفعه إلى رسول اللَّه ﷺ فيكون قولًا له، وبين أن يكون رأيًا له؛ وكما هو معلوم أنَّ أبا هريرة خالف أيضًا في القراءة وراء الإمام، والصحابة يختلفون، وربما يبلغ بعضهم ما لم يبلغ الآخر، وإذا كان هذا بشأن الصحابة، فما بالك بمن جاء بعدهم، وما بالك بما نحن فيه الآن في هذا الوقت. * قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ الآخَرِ، وَقَدْ رَفَعَ الإِمَامُ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَرْفَعْ بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةٌ لِبَعْضٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ). هذا يرجعُ إلى قضية الاهتمامِ؛ فهناك أحاديث مرت بنا، عندما تحدثنا عن اقتداء المأموم بالإمام؛ منها قوله ﵊ في الحديث المتفق عليه: "إِنَّما جُعِلَ الإمام ليُؤتمَّ به، فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبَّر فكبروا" (٢)، وفي رواية: "ولا تكبِّرُوا حتى يكبِّر، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجُدوا" إلى أن قال: "وإذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا

стр. 2354

أجمعون" (١)، وفي رواية: "أجمَعِين" (٢). فهل الاقتداء بالإمام متعيِّن؟ أم يقتدي المأموم بمن أمامه من المأمومين؟ بحيث أنَّه إذا جاء فوجد الإمام قد رفع رأسه من الركوع، والناس بعد لم يرفعوا، هل يعتبر مدركًا للركعة؟ الصحيح أن الاقتداء إنَّما هو بالإمام، وليس بالمأمومين. * قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: تَرَدُّدُ اسْمِ الرَّكعَةِ بَيْنَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الفِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ الِانْحِنَاءُ فَقَطْ، أَوْ عَلَى الِانْحِنَاءِ وَالوُقُوفِ مَعًا). سيبحث المؤلِّف هذه المسألة من الناحية اللُّغوية؛ فقوله ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٣)، حديث متفق عليه. وقال العلماء: وتدرك الركعة بإدراك الركوع، ثم استدلُّوا على ذلك بحديث أبي بكرة، فقالوا: "مَن أدرك الإمام راكعًا، أدرك الركعة". * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٤)، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٥)).

стр. 2355

يريد المؤلِّف أن يقول: الرَّكعة فيها قيام، وقراءة، وركوع، وسجود، وفيها جلسة بين السجدتين، ثُمَّ بعد ذلك القيام للركعة الثانية؛ فالرَّكعة تتكون من عدَّة أشياء؛ فهل إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا، يكون مدركًا للركعة؟ لأنه بهذه الحالة سيدرك جزءًا من القيام، فيكون قد أدرك القيام، وسقطت القراءة عنه في هذه الحالة؛ لأنَّ القراءة، قراءة الفاتحة ركن، ولا تسقط إلَّا في حالة العجز عنها، كأن لا يستطيع أن يتكلَّم، حتى نجد أنَّ من العلماء مَن يخالف في هذه المسألة، فيقولون: إذا كان لا يستطيع أن يقرأ، فهل يلزمه أن يحرِّكَ لسانه؟ هذا قول لبعض العلماء، وإن كان الصَّحيح أنَّ ذلك لا يُجزئ، لأنَّهم يقولون: اللِّسان وسيلة للواجب، لا يمكن أن يؤدَّى الواجب إلَّا به، فإذا ما استطاع أن يؤدِّيَ الواجب، فهل يؤدي الوسيلة؟ كذلك الإنسان لو وُلِدَ ليس له شعر، فهل يلزم في الحج إمرار الموس على رأسه؟ وهذه من المسائل التي تكلم عنها العلماء. واللَّفظ الذي جاء به المؤلِّف هو لفظ مسلم، وأمَّا اللفظ المتَّفق عليه، هو لفظ البخاري: "مَن أدرك ركعةً من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة" (١)، وقد ترجمَ البخارِيُّ للبابِ بهذا: (منْ أدركَ من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)، ثم جاء بالحديث المتفق عليه بينه وبين مسلم: "مَن أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، جاء بالحديث، لكنَّه في الترجمة قال: (من أدرك من الصلاة ركعة)، وبذلك لو أنَّ إنسانًا درسَ صحيح البخاريِّ بدقَّة، لوجد أنَّ في جميع تراجمه فقهًا؛ ولذلك يقولون: (فقه البخاري في تراجمه) (٢)؛ فهو لم يرد أن يضيع الرواية الأُخرى؛

стр. 2356

والرواية الأخرى ليست على شرطه، ولذلك جاء بها معنونًا للباب، وهي في "صحيح مسلم"، وجاء باللفظ الذي توفرت فيها شروطه: "من أدرك ركعة من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة". هذه من القواعد التي ينبغي أن يقف عندها دارس الحديث والفقه، وهذا يدلُّ على سعَة علم أولئك العلماء؛ ومن بينهم الإمام البخاري، وهذا إن دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على سعة اطِّلاعه، وعميق فقهه؛ لأنَّه قد جاء بالحديث الذي ليس على شرطه، فجعله ترجمة ليُستفاد به؛ ثم جاءَ بالحديثِ الذي توفَّرتَ فيه شروطه التي وضعها، فساقه بسنده، وهو: "مَن أدرك ركعةً من الصلاة؛ فقد أدرك الصلاة". وهذه قضايَا كثيرة، وإنَّما ننبه على بعض الأشياء التي فيها فائدة. * قوله: (فَمَنْ كَانَ اسْمُ الرَّكْعَةِ يَنْطَلِقُ عِنْدَهُ عَلَى القِيَامِ وَالِانْحِنَاءِ مَعًا، قَالَ: إِذَا فَاتَهُ قِيَامُ الإِمَامِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ). يُرَد على هذا بأنَّه وإن فات المأموم قيام الإمام، ولكنَّه قام أيضًا،

стр. 2357

فقد أدرك جزءًا من القيام، ولذلك اشترط العلماء أن تكون تكبيرة الإحرام في حالة القيام، ولا تكون في حالة الانحناء، وهذا فيه خلاف في المذهب المالكي (١). * قوله: (وَمَنْ كانَ اسْمُ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ عِنْدَهُ عَلَى الِانْحِنَاءِ نَفْسِهِ؛ جَعَلَ إِدْرَاكَ الِانْحِنَاءِ إِدْرَاكًا لِلرَّكْعَةِ). لا شكَّ أنَّ الركعةَ إذا أُطلقت فتطلق على الركعة عمومًا؛ قراءة إن كان فيها قراءة، وقيام، وركوع، وسجود، وما يتبع ذلك؛ فهذه ركعة، ولا ننسى أنَّ شريعتنا بُنيت على أمور: فقد قامت على التيسير، والتخفيف، ورفع الحرج؛ فكم من أمور تسقط على الإنسان في حال، وتخفف عنه في أحوال، ويؤجل أداؤها عنه في أحوال أُخرى؛ وهذا كلُّه من التيسير، فلم يكن القصد من العبادات التشديد، يقول اللَّه : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. وبيَّن اللَّه في مواضع كثيرة من كتابه الكريم اليسر وحث عليه، وأنَّه ما جعل علينا في هذا الدين من حرج، وأنَّه يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وكم من الآيات، نجد أنَّ اللَّه يعرضها، ثم يبينها بعد ذلك لبيان الحكمة، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وبعد الكلام عن الصيام قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا

стр. 2358

يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وغير ذلك من الآيات الكريمة، وكذلك السنة النبوية. فهذا من باب التيسير، والتخفيف عن الناس، ففي الحديث: "إنَّ اللَّهَ يُحبُّ أن تؤتى رُخصه" (١). ومن العلماء من رأَى إيجَابِ ذلك (٢) "وأنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن (٣)، والمريض يصلي قاعدًا، وأنَّه إذا لم يستطع فيصلي جالسًا، وإذا لم يستطع فإنَّه يصلي على جنب، فمضطجعًا،. . . إلى آخره (٤). أي: أن كلَّ هذه الشريعة قامت على اليسر، والعدل، ونشر الفضيلة بين الناس، ولم يكن الغرض منها مالًا، فلا ينبغي أن نغفل هذه الحكمة، ولا ننسى هذه الآثار في هذه الشريعة. فهذا أيضًا نوعٌ من التخفيف، فيخفف على المسلم أنَّه إذا جاء فوجد الإمام قد ركع، ففي هذه الحالة يدرك الركعة؛ ولذلك في حديث أبي هريرة (المتفق عليه)، قوله ﵊: "إذا سمعتم الإقامة -يعني للصلاة- فامشُوا إليها -إلى الصلاة- وعليكم السكينة والوقار". ولم يقف عند هذا الحد؛ بل قال ﵊:

стр. 2359

"ولا تُسرعوا؛ فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، مع أنَّه إذا مشى بسكينة، يعني بهدوء، يقارب بين الخُطى، وبوقار تكون هيأته هيئة الوقار، ففي هذه الحالة تفوته تكبيرة الإحرام، وربما يفوته غيرها، لكن لا ننسى ما في الأدلة الأُخرى: "أنَّ مَن خرج من بيته يعمد إلى الصلاة، لا يريد إلَّا الصلاة، فهو في كل خطوة يخطوها، يرفعها تكتب له بها حسنة، ويضعها تكتب له بها حسنة" (١). فهو في حكم المصلي؛ وهناك حسنات تُسجل له، وتُدون له في سجل الخالدين، واللَّه سيجازيه عليها أعظم الجزاء، فهو في فضل، وخير، وثواب، فينبغي أن يمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ثم إنَّ الإنسان إذا مشى إلى الصلاة مُسرعًا، وربما يدخل مُضطربًا؛ فيحصل منه ما أشرنا إليه قبل قليل، بأن يأتي فيكبّر مسرعًا، والإمام راكع، لا يدري هل كبر تكبيرة الإحرام أو الركوع؟ يعني ربما ينسى الهيئة التي كان عليها؛ وإذا جئت إلى الصلاة، فإنك تأتي لتعبد اللَّه ولتؤدي الركن الثاني بعد الشهادتين؛ وأين تؤديه؟ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، فينبغِي أن تأتي بوقار وبسكينة، وأن تكون مطمئنًا مستحضرًا جميع الحواس حتى تكون خاشعًا بين يدي اللَّه . * قوله: (وَالِاشْتِرَاكُ الَّذِي عَرَضَ لِهَذَا الِاسْمِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِهِ بَيْنَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالمَعْنَى الشَّرْعِيِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ لُغَةً عَلَى الِانْحِنَاءِ، وَيَنْطَلِقُ شَرْعًا عَلَى القِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَمَنْ

стр. 2360

رَأَى أَنَّ اسْمَ الرَّكعَةِ يَنْطَلِقُ فِي قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً" عَلَى الرَّكْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ). لو أردنا أن نبيِّن الحكمَ فلن نحتاج إلى هذه التعليلات والمناقشات اللُغوية؛ لأننا نريد أن نبسط المسألة، فنقول: ثبت عن الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه أنَّه قال: "مَن أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة". فثبت بذلك أن الصلاةَ تدرك بإدراك ركعة، هذه واحدة. وقد قال العلماء: وتُدرَكُ الركعة بإدراك الركوع؛ ودليل ذلك حديث أبي بكرة (١). إذن الأمر كله مُستمَّدٌ من سُنَّة رسول اللَّه ﷺ وهو يلتقي مع روح هذه الشريعة، ومع يُسْرِها وسماحتها وشمولها، ويدخل في أبواب التيسير؛ وإلَّا فالإنسان إذا ركع لفاتته القراءة؛ أي: قراءة الفاتحة، والقراءة ركن، ومع ذلك نجد أنَّها سقطت عنه في هذه الحالة. * قوله: (وَلَمْ يَذْهَبْ مَذْهَبَ الأَخْذِ بِبَعْضِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ، قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الإِمَامِ الثَّلَاثَةَ الأَحْوَالَ؛ أَعْنِي: القِيَامَ، وَالِانْحِنَاءَ، وَالسُّجُودَ). يعني المؤلف بقوله: (الأَخْذِ بِبَعْضِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الأَسْمَاءُ): أنَّ الركعة تُطلَق على القيام، والركوع، والسجود، وعلى الجلستين، فهذه كلُّها جزئيات، وكلُّها تدخل تحت مسمًّى واحدٍ (ركعة)، فإن كنت ممن يأخذ ببعض الأجزاء، بأن من أدرك بعض هذه الأجزاء، كان مدركًا للركعة، وإن كنت ترى أنَّه لا بدَّ من توفُّر هذه الجزئيات، فلا بد من أن يكون هناك قيام، وركوع، وسجود،. . . إلى آخره؛ وبذلك تُدرك الركعة؛ فهذا هو مراده.

стр. 2361

ولكن العلماء أجابوا عن هذا التعليل، فقالوا: نحن نشترط أن يكون تكبيرُ الإنسان للإحرام قائمًا، وبذلك يكون قد أدرك جزءًا من القيام، ويكبر قائمًا، ثم يركع، فيكون بذلك قد أدرك القيام، أو جزءًا منه. * قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى اعْتِبَارِ الِانْحِنَاءِ فَقَطْ أَنْ يَكُونَ اعْتَبَرَ أَكْثَرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الِانْحِنَاءَ فَقَدْ أَدْرَكَ مِنْهَا جُزْأَيْنِ، وَمَنْ فَاتَهُ الِانْحِنَاءُ إِنَّمَا أَدْرَكَ مِنْهَا جُزْءًا وَاحِدًا فَقَطْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الخِلَافُ آيِلًا إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الأَخْذِ بِبَعْضِ دَلَالَةِ الأَسْمَاءِ أَوْ بِكُلِّهَا، فَالخِلَافُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا مِنَ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا). أحيانًا يكونُ الاستدلالُ على المسائل بالمنقول، وأحيانًا بالمعقول؛ والمؤلف هنا يناقش هذه القضية من ناحية لُغوية، لكنَّه يناقشها أيضًا من حيث المعقول؛ فيريد أن يُجزئَ لنا الركعة، فهل نأخذ بالأكثر، أو بالكلِّ؟ إن أخذنا بالأكثر -على رأيه- فتدرك الركعة بإدراك الركوع؛ وإن قلنا: لا بدَّ من توفُّر جميع ما يتعلَّق بالركعة، فلا، ولكننا نقول: حديث أبي بكرة قد ورد في هذه المسألة، فلا نحتاج إلى هذه التعليلات، ولا إلى هذه المناقشات. * قوله: (وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ رُكُوعَ مَنْ فِي الصَّفِّ مِنَ المَأْمُومِينَ؛ فَلأَنَّ الرَّكْعَةَ مِنَ الصَّلَاةِ قَدْ تُضَافُ إِلَى الإِمَامِ فَقَطْ، وَقَدْ تُضَافُ إِلَى الإِمَامِ وَالمَأْمُومِينَ). هذا تعليلٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: "إنَّما جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه" (١)، وقال في الحديث الآخر: "لا تقُومُوا حتَّى تروني" (٢)، فالذي يؤتم به إنَّما هو الإمام، وقال ﷺ : "سووا صَفُوفكم

стр. 2362

وتراصوا، فإنِّي أراكم من وراء ظهري" (١)، فالذي يُقتدى به هو الإمام وليس المأموم، وفي الحقيقة لا يُقتدى بالمأموم في هذه، وإنَّما تنظر إلى صفوف المأمومين في حالة ما إذا غاب عنك الإمام، فإن أدركت أنَّ الإمام قد رفع، فلا يكفيك أن تقتدي بهم، وإنما تقتدي بالإمام، فمن المأمومين من يتأخر؛ فالاقتداء بالإمام لا المأموم. * قوله: (فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هُوَ الِاحْتِمَالُ فِي هَذِهِ الإِضَافَةِ؛ أَعْنِي: قَوْلَهُ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ"، وَمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَظْهَرُ). عاد المؤلف فقال: (وَمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أَظْهَرُ)؛ والذي عليه الجمهور هو أنَّ الركعة تُدرَكُ بإدراك الركوع، لكن البعض يأتي كالسهم منطلقًا، فيجد الإمام يركع فيهوي ويرى نفسه بذلك قد أدرك الركعة؛ فلماذا لا تأتي بها، وتطبق قول الرسول ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". فالعلماء قالوا: يشترط أن يدرك الإمام راكعًا، وأن يطمئن في ركوعه (٢). وبعضهم قال: لا يشترط الاطمئنان، لكن أن تصل كفَّاه إلى ركبتيه؛ وهذا نصَّ عليه الإمام الشافعيُّ (٣).

стр. 2363

ومن العلماء من قال: إن أدرك الإمام قبل أن يرفع من الركوع فهذا هو المطلوب، ولو فاتك التسبيح أو بعضه فإنَّك تتمه، ولو سبقك الإمام بركن، فهل لك أن تلحق به ولا تجبر ذلك ولا تؤديه؟ فلو سبقك بركن وتابعته تكون مدركًا لهذه الركعة أم أنَّها تفوتك؟ هذا سيأتي الكلام عنه في صلاة الخوف. * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي: هَلْ تَجْزِيهِ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ تَكْبِيرَتَانِ؟ (أَعْنِي: المَأْمُومَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَالإِمَامُ رَاكِعٌ) فَسَبَبُهُ هَلْ مِنْ شَرْطِ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَاقِفًا أَمْ لَا؟ (١)). عند الشافعية والحنابلة لابدَّ من الإتيان بها في حالة القيام؛ وإن جاء بها في غير حالة القيام، لم تصحَّ منه. فلننتبه لهذا، والمالكية لهم رأي في هذه المسألة. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا المَوْضِعَ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ تَعَلُّقًا بِالفِعْلِ (أَعْنِي فِعْلَهُ ﵊، وَكَانَ يَرَى أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ فَرْضٌ، قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَكْبِيرَتَيْنِ) (٢).

стр. 2364

هذا الكلام لا يؤول، فالعلماء الذين يعتدُّ بخلافهم متفقون على أنَّه: لو جاء رجل بتكبيرة واحدة -التي هي تكبيرة الإحرام- لكفته، وهذا عند الأئمة الأربعة كلِّهم وأتباعهم، وليس محل خلاف بينهم. لكن عمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان، رأيهما مُتأول، وقصدهم من ذلك التأكيد عليها، وليس الإيجاب (١). وقد أجاب العلماء بذلك، ثُم هذه قضية ثبتت عن بعض الصحابة، ولا يُعرف لهم مخالف في هذه المسألة فنقف عند ذلك. ومعلومٌ أنَّ أقوال الصحابة نأخذ بها، وأنَّهم إذا اختلفوا نتخير من أقوالهم، فننظر ما هو أقرب إلى الدليل، ولا نتخير ما يوافق رغباتنا (٢)، بل ما يوافق الدليل، والصحابة بشر، وقد يختلفون في مسائل، فأبو بكر ﵁ فاتته أمور، ورجع إلى بعض صغار الصحابة، واستشارهم، وأخبروه بأحاديث، لأنَّ أبا بكر قد يغيب عن رسول اللَّه ﷺ ، فتأتي أحاديث فيدركها ويحفظها غيره، ولا يحفظها هو، فليس معنى هذا أنَّ الصغير أعلم، فنجد أنَّ أبا بكر ﵁ يأتي في مقدمة الصحابة، وعمر، وعثمان، وعلي، فليست القضية قضية مفاضلة في العلم، لكن قد تجد الصغير يحفظ بعض الأمور التي لا تكون عند الكبير؛ وهذا موجود عند طلاب العلم، فقد تجد أستاذًا من أمكن الأساتذة، ومن أوسعهم علمًا، وأغزرهم مادة، تفوته بعض المسائل. ولو وجدت واحدًا من أصغر طلابي مرَّت به مسائل فحفظها، فليس معنى هذا أنَّه يكون أعلم من الآخر. إذًا ما جاء عن الصحابة ﵃ ينبغي أن نأخذ به. وهو قول ثبت عن الصحابة، والأئمة الأربعة وأتباعهم، وهو محلّ

стр. 2365

اتفاق بين المسلمين، فينبغي أن نأخذ به؛ لكن الأكمل عند الأئمة أن يأتي المصلي بتكبيرتين؛ والمُسلِمُ دائمًا يحاول أن تكون صلاته على أحسن حال وأكملها. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا المَوْضِعُ تَعَلُّقًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ"). يشيرُ المؤلِّف إلى الحديث الذي مرَّ بنا في الطهارة؛ وهو قوله ﵊: "مفتاحُ الصلاة الطهور" (١)، وفي الحديث أنَّ الرسول ﷺ يقول: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ" (٢)، ويقول: "لَا يقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ" (٣). إذًا "مفتاح الصلاة الطهور"؛ لأنَّ الطهارة شرط في صحَّة الصلاة، وتحريمها التكبير الذي يحرم عليك ما كان جائزًا خارجها أن تفعله؛ من كلام، وأكل، وشرب، على تفصيل في ذلك، وتحليلها "التسليم"؛ أي: ما مُنع عليك في الصلاة، يحل لك بعد أن تُسلم، وقد مرَّ بنا الكلام عن السلام، ورأي الحنفية فيه، وأنَّ رأي الجمهور هو الحق، وكيفية الخروج من الصلاة، فلا فائدة لإعادته (٤). * قوله: (وَكانَ عِنْدَهُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ هِيَ فَقَطِ الفَرْضُ، قَالَ: يَجْزِيهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَحْدَهَا. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ أَنْ يَأتِيَ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، فَقِيلَ: يَبْنِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ). هذا قول ضعيف، وشاذٌّ حقيقة (٥).

стр. 2366

* قوله: (وَقِيلَ: إِنَّمَا يَبْنِي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى أَنْ يَنْوِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إِلَّا مُقَارَنَةَ النِّيَّةِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَهَا وَصْفَانِ: النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ، وَالْأَوَّليَّةُ: (أَعْنِي وُقُوعَهَا فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ)، فَمَنِ اشْتَرَطَ الْوَصْفَيْنِ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ الْمُقَارِنَةِ، وَمَنِ اكتَفَى بِالصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ اكتَفَى بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ تُقَارِنْهَا النِّيَّةُ). هذا كلُّه قولٌ ضعيف، يعني: أن يأتي بتكبيرة الركوع، ويترك التكبيرة المقصودة؛ فلو كبَّر وسكت، فبعض العلماء خرجوه، وقالوا: هذا جائز؛ لأنَّه ما دام كبر وسكت ينصرف بقرينة الحال إلى تكبيرة الافتتاح؛ لأنَّها هي التي يُفتتح بها الصلاة، ويقوى ذلك بأنَّه جاء ليصلي، فهو ناوٍ للصَّلاةِ. فهذا كلُّه مرتبط بالنية، والنية لها أثر عظيم في العبادات، وقد سبق أن بحثناها، وأنعمنا النظر في حديث: "إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (١)، وأنَّ النية إنَّما شُرعت لتمييز العبادات عن العادات، فقد تجد فعلًا واحدًا تشترك فيه عبادة وعادة؛ فالإنسان قد يصلِّي الصلاة؛ فهذه الصلاة قد تكون فرضًا، وقد تكون نفلًا، وربما يصلي هكذا عادة. وقد يصوم على أنَّه مشروع، وربما يصوم إمساكًا عن الطعام. أو أنَّه يدفع المال لآخر؛ وقد يدفعه على أنَّه زكاة ماله، وربما أراد التصدق به، أو أنَّه قرض، وربما -نعوذ باللَّه- يقصد بذلك أن يدفعه رشوة، هذا كلُّه محتملٌ. فالذي يميِّز ذلك النية؛ فهي التي تفرق بين العادة والعبادة، وبين العبادات بعضها من بعض؛ فالصلاة منها ما هو فرض، وغير فرض؛

стр. 2367

وسنة، ونفل؛ والصيام كذلك؛ منه ما هو ركن، وغير ركن؛ وواجب؛ كصيام النذر، وغير واجب؛ كصيام التطوع؛ وهكذا بقية الأعمال؛ ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه، إلَّا أُجِرَت عليها، حتى اللقمة تضعها في فِيِّ امرأتك" (١)، فهذه وإن لم تكن داخلة في العبادات، لكن إذا قصدت بها وجه اللَّه، فإنك تُجازى عليها. وكذلك الذي يتزوج بقصد أن يُعِفَّ نفسه، وأن يُنجب الأولاد؛ ليكونوا مجاهدين في سبيل اللَّه، ودعاة صادقين إلى الحقِّ. [إذا فات المأموم ركوع الإمام] * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ إِذَا سَهَا عَنِ اتِّبَاعِ الإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى سَجَدَ الإِمَامُ). هذه المسألة: هامةٌ جدًّا وهي تتعلق بما إذا خالف المأموم إمامَه، وهذه المُخالفة لا تخلو من واحد من أمرين: الأمر الأول: إمَّا أنْ يتعمّدَ مُخالفة الإمام، بأن يتركه ولا يَتْبَعه في الصلاة؛ وذلك يؤدي إلى بطلانها. الأمر الثاني: أن يكون ذلك عن عذر، بأن يسهوَ في صلاته. أي: أن يكون المأمومُ قائمًا مع الإمام فيركع الإمام فيَسهو المأموم، وهذه لها عدةُ صورٍ منها: أ - أن يسبقه الإمام في ركنٍ أو أكثر، أو قد يكون هناك زحامٌ شديدٌ فلا يبلغه صوت الإمام، أو قد يكون الإمام يُسرع في صلاته وربما يسبقه بركن من الأركان. ب - أن يسبقه الإمام بركعةٍ كاملة: أي: أن يركع الإمام ويسجد ثم

стр. 2368

يقوم إلى الثانية، وهذا أيضًا يُعدُّ مُسَابقة أي: سَبَقه الإمام بركعة كاملة أو أكثر بأكثر. هذه هي التي سيبحثها المؤلف، أو التي سَيعرض لها في هذه المسألة. ولا أريد أن أدخل في تفصيل المذاهب؛ لأنَّ كل مذهب من المذاهب الأربعة فيه هذه الأقوال أو أكثرها، لكن نتكلم عنها جملة كما بَحَث المؤلف؛ لأنَّ هذه تعد من الجزئيات. ومن أمثلة ذلك: أن يركع الإمام ثم يَرْفع، والمأموم لا يزال قائمًا، فهل يتبَعه المأموم؟ الرأي الأول: عليه أن يتبع الإمام فيركع ثم يلحق بإمامه ويُتابعه، ولا شيء عليه إن كان معذورًا، وإن أثَّر ذلك على ركعته هذه فلا يَعتدُّ بها (١).

стр. 2369

والرأي الثاني: أنه يُعتدُّ بهذه الركعة، لكن لو زادت المُخالفة إلى أكثر من ركن بأن يكون ركع الإمام وسجد، وهو لا يزال قائمًا فلا يعتد بها (١). * قوله: (فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِذَا فَاتَهُ إِدْرَاكُ الرُّكُوعِ مَعَهُ، فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكعَةُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا). إذا لم يُدركِ المأمومُ إمامه في ركوعه بأن سبقه فيه؛ فإنه بذلك تفوته الركعة ولا يَعتَد بها، وعليه أن يأتيَ بركعةٍ أُخرى (٢).

стр. 2370

القول الثاني: أنه يتبعه ويُعتد له بهذه الركعة، وهذا هو الأظهر حقيقة وهو الأقرب للصواب فيما نرى (١). * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُتِمَّ مِنَ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ إِلَى الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَوْمٌ قَالُوا: يَتْبَعُهُ وَيَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ مَا لَمْ يَرْفَعِ الإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا الاخْتِلَافُ مَوْجُودٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ). المؤلف أجمل والعلماء مختلفون كما ذكر: الصورة الأولى: أن يسبق الإمام المأمومَ بركن واحد: فمنهم من قال: إن سها المأموم أو انشغل عن إمامه فسبقه الإمام بركن واحد، فلا يُعتَد بتلك الركعة، وعليه أن يأتي بركعة جديدة، لأن سَبق الإمام له بركن يُفسد عليه ركعته، هذا إذا كان معذورًا (٢). ومنهم من قال: عليه أن يتبع الإمام، أي أن يَلحقه، ويعتد بتلك الركعة وهذا هو الأظهر. الصورة الثانية: أن يَسبقَه الإمام بركنين وهو لا يزال في هذه الركعة: وهذه أيضًا محل خلافٍ بين العلماء، وفي كل مذهب من المذاهب

стр. 2371

تفصيل وآراء متعددة؛ فمنهم من قال: إن سبقه بركنين لا يُعتد بتلك الركعة، وعليه أن يأتي بركعة أُخرى، ومنهم من قال: بل يعتد بها (١). ومن صفات صلاة الخوف الصلاة التي صلاها رسول اللَّه ﷺ بأصحابه بعُسفان، فإنه الرسول ﷺ صَفّهم صفَّين، ودخل بهم الصلاة جميعًا، فرَكَعَ وركعوا جميعًا، ثم سجدَ وسجدَ معه الصف الأول، فلما قام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني ثم قاموا وتَبِعوا إمامهم، وبذلك يكون الإمام قد سبقهم بأكثر من ركن. هذا الحديث يُعدُّ حجة للذين يقولون بأنه لو سبق الإمام المأمومَ بركن أو أكثر دون أن يَصِلَ إلى ركعة؛ فإن صلاته بذلك صحيحة وعليه أن يأتي بما فاته، ويتبع الإمام وتصبح صلاته صحيحة. والسبب في ذلك العذر وهو الخوف، إذًا يقولون هنا: الساهي، أو الذي غلبه الزحام، أو الذي سبقه إمامه هو معذور، فهذا عذر وهذا عذر فيُلحق به. وهذا ليس نصًّا في المسألة، لكن بعض العلماء يقول: هذا هو أقرب ما يُلحقُ به. لكنْ على المرء ألا يتساهل في مثل هذه الأمور، وأن يحتاط لدينه، وأن يأتي الصلاة وهو واعي القلب، وأن يكون خاشعًا، يقظًا، متابعًا لإمامه، لأن الرسول ﷺ قال: "إنما جُعِل الإمامُ ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، ولا تُكبروا حتى يُكبر" (٢). . . (إلى آخر الحديث). وإنما هنا أداة حصر. الصورة الثالثة: إذا سبقه الإمام بركعة كاملة: فإنه لا يعتد بتلك الركعة، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَوْجُودٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ

стр. 2372

وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، ولأصحاب الشافعي وأحمد ولأبي حنيفة، وهذه الصورة فيها خلاف كثير في المذاهب، وربما نعود إليه مرة أُخرى تفصيلًا في أبواب السهو. * قوله: (وَاخْتِلَافٌ بَيْنَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ نِسْيَانٍ أَوْ أَنْ يَكُونَ عَنْ زِحَامٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ). المؤلف لم يتكلمْ عن العمد؛ لأنه لو تعمَّد مخالفة الإمام عمدًا بَطُلَت صلاته، إنما قد يكون العذر أن يسهو -ينسى- متابعة الإمام، أو يغفل، أو أن يكون هناك زحام كما يحصل في أيام الحج مثلًا، وفي الجُمَع التي يَكثُر الناس فيها في المساجد، وربما يكون لعذر آخر، فهذا هو الذي تكلّم عنه. * قوله: (وَبَيْنَ اعْتِبَارِ أَنْ يَكُونَ المَأْمُومُ عَرَضَ لَهُ هَذَا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ قَصْدُنَا تَفْصِيلَ المَذْهَبِ وَلَا تَخْرِيجَهُ، وَإِنَّمَا الغَرَضُ الإِشَارَةُ إِلَى قَوَاعِدِ المَسَائِلِ وَأُصُولِهَا). يريد المؤلف أن يقول ليس غرضنا أن نتَتبّع جزئيات مذهب مالك، ولا أن نُخرِّج الفروع على الأصول هنا، لكن قصدنا أن نشير إلى أمَّهات المسائل، هذا هو مراده. وليس هذا التفصيل والخلاف، والتفريع والتخريج قاصرًا على مذهب المالكية، بل هو أيضًا في المذاهب الأخرى. والمسائل الجزئية كثيرة ومنتشرة ومتنوعة ومتفرقة في كتب الفقه جميعًا، ولو سار الإنسان خلفها لطال به الزمن وما استطاع أن يسير، وربما تتشتت الأذهان، لكنْ دائمًا تُؤخذ أمهات المسائل وأصولها. والإنسان إذا سبقه الإمام بركن واحد وكان معذورًا؛ فإنه يتبع إمامه ولا تبطل تلك الركعة، ولو سبقه بركنين فالأَوْلى أن يأتي بتلك الركعة، أما إنْ سبقه بركعةٍ كاملة فعليه أن يأتي بها، وليس له أن يَعتدّ بتلك الركعة.

стр. 2373

* قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ: هَلْ مِنْ شَرْطِ فِعْلِ المَأْمُومِ أَنْ يُقَارِنَ فِعْلَ الإِمَامِ، أَوْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ ذَلِكَ؟). أولًا: هذه مسألة فيها تفصيل وقد سبق أن تكلمنا عنها في أحكام الإمامة، والعلماء شِبه متفقين على أنَّ المأموم لا يصح له أن يتقدم على الإمام، فليس له أن يسبقه بالنية ولا في الدخول في الصلاة، ولكنهم يختلفون إذا شاركه، فبعضهم لا يُجيز ذلك، وبعضهم يجيز ذلك إذا وافق المأموم الإمام في الشروع شريطة أن ينتهيَ بعده. والصحيح والصواب في ذلك أنه ينبغي أن تكون أقوال وأفعال المأموم عَقِبَ أفعال الإمام، إلا فيما استُثْنِيَ كقول آمين، فإنَّ المأموم يقول آمين مع الإمام لقوله ﵊: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا، فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الإمام غُفِرَ له" (١). وجاءت أحاديث أُخرى تبين أنَّ الرسول ﵊: كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين" ورفع بها صوته (٢)، وكان أيضًا الصحابة ﵃ يؤمِّنون معه. فالتأمين مع الإمام فيه التقاء، أما غالب مسائل الأقوال والأفعال فينبغي أن تكون صادرة عن المأموم عقب الإمام (٣).

стр. 2374

* قوله: (وَهَلْ هَذَا الشَّرْطُ هُوَ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّلَاثَةِ؟ (أَعْنِي القِيَامَ، وَالِانْحِنَاءَ، وَالسُّجُودَ) أَمْ إِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي بَعْضِهَا؟ وَمَتَى يَكُونُ إِذَا لَمْ يُقَارِنْ فِعْلُهُ فِعْلَ الإِمَامِ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ: (أَعْنِي: أَنْ يَفْعَلَ هُوَ فِعْلًا وَالإِمَامُ فِعْلًا ثَانِيًا)). أي: يكون الإمام في السجود والمأموم في الركوع، أو الإمام في القيام وهو في الركوع وهكذا، أو في السجود والإمام في القيام، فخالفه فلم يتابعه، هذا الذي يريد أن يتكلم عنه المؤلِّف. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ: (أَعْنِي أَنْ يُقَارِنَ فِعْلُ المَأْمُومِ فِعْلَ الإِمَامِ)، وَإِلَّا كَانَ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ" (١)). هو جزء من الحديث: "إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه" (٢)، جاء المؤلف بمحل الشاهد فقط. * قوله: (قَالَ: مَتَى لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا لَمْ يَعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ، وَمَنِ اعْتَبَرَهُ فِي بَعْضِهَا قَالَ: هُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ إِذَا أَدْرَكَ فِعْلَ الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِنِ اتَّبَعَهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَتْبَعُهُ مَا لَمْ يَنْحَنِ فِي الرَّكْعة الثَّانِيَةِ، فَإنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ فِعْلِ المَأْمُومِ أَنْ يُقَارِنَ بَعْضُهُ بَعْضَ فِعْلِ الإِمَامِ، وَلَا كُلَّهُ، وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَامَ مِنْ الِانْحِنَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ إِنِ اتَّبَعَهُ فِيهَا؛

стр. 2375

لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي حُكْمِ الأُولَى، وَالإِمَامُ فِي حُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَذَلِكَ غَايَةُ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ). الخلاصة: إنْ سبق الإمام المأموم بركن واحد؛ فعليه أن يتّبعه ويَعتَدّ بتلك الركعة (١)، إن كان معذورًا. وإن سبقه بركنين، فالأَوْلى والأحوط أن يأتي بِتلك الركعة، وإن سبقه بركعة فيجب عليه أن يأتي بها. [المسألة الثانية من المسائل الثلاث القواعد]. [إتمام صلاة المسبوق هل تعتبر أداء أو قضاء؟]. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ الأُوَلِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، وَهِيَ: هَلْ إِتْيَانُ المَأْمُومِ بِمَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ؟). إذا دخل المأموم فوجد الإمام قد سبقه بشيء من الصلاة، بركعة أو ركعتين أو أكثر، يلزمه أن يأتي بما فاته، ولكن فهل الذي سيأتي به بعد فراغ الإمام من الصلاة يعتبر قضاءً أم أداءً؟ فإن قلنا: يعتبر قضاء يكون فعلًا لأول الصلاة التي فاتته، أو هو أداءٌ لها فيكون ما أدركه مع الإمام هو أول صلاته وما بقي هو آخر صلاته، هذا هو عنوان هذه المسألة. مثال: دخل إنسان فوجد أنَّ الإمام قد سبقة بركعتين في الصلاة الرباعية، هو سيصلي معه ركعتين، فإذا فرغ الإمام من الصلاة يقوم فيأتي بما بقي ألا وهو ركعتان، فهاتان الركعتان اللتان سيؤديهما بعد فراغ الإمام من صلاته: هل فعله لهما قضاءً فحينئذ تكون هاتان الركعتان آخر صلاته، ويكون

стр. 2376

القضاء عن أولها، وهذا يختلف، وتظهر فائدته بالنسبة لقراءة الفاتحة وسورة. والخلاف هنا يدور حول ما ورد في الأحاديث: "فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا" (١)، وفي رواية: "وما فاتكم فاقضوا" (٢) بالإضافة إلى وجود أسباب أُخرى سنعرض لها لم يذكرها المؤلف في الكتاب. * قوله: (فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ، قَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ مَا يَأْتِي بَعْدَ سَلَامٍ الإِمَامِ هُوَ قَضَاءٌ، وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ لَيْسَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّ الَّذِي يَأتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ هُوَ أَدَاءٌ، وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ). أكثر الفقهاء يقولون: هو قضاء، لكننا نقول: إن قول الآخرين ومنهم الإمام الشافعي وإن كانوا أقل هو الأظهر. إذًا فما أدركتَه مع الإمام إن قلنا هو أداء فهو أولها، وإن قلنا هو قضاء فهو آخرها (٣). * قوله: (وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، فَقَالُوا: يَقْضِي فِي الأَقْوَالِ (يَعْنُونَ: فِي القِرَاءَةِ)، وَيَبْنِي فِي الأَفْعَالِ (يَعْنُونَ: الأَدَاءَ)). لو أنَّ إنسانًا أدرك مع الإمام الركعتين الأوليين في العصر وفاته الركعتين الأخريين فللعلماء في هذه المسألة: الرأي الأول: الذين يقولون يقضي الأقوال، يطالبونه بأن يقرأ سورة بعد الفاتحة، لأنَّه قضاء في هذه الحالة (٤).

стр. 2377

الرأي الثاني: ومن العلماء من يقول: هو قضاء في الأفعال والأقوال فما فاته من صلاته هو أوّلها، وما أدركه مع الإمام هو آخرها (١). الرأي الثالث: يقولون: ما أدركه مع الإمام هو أولها، وما فاته آخرها (٢)، وقرينة ذلك تكبيرة الإحرام، فإنَّ الإنسان إذا دخل يُكَبِّرُ تكبيرة الإحرام، فهذا دليل على دخوله في أول الصلاة. والخلاف يدور حول الأحاديث التي وردت في ذلك (٣).

стр. 2378

فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي قتادة ﵁: قال (بينما كنا نصلِّي معَ النبيِّ ﷺ ، إذ سَمِعَ جَلَبَةَ رجالٍ، فلما صلَّى قال: "ما شأنُكم". قالوا: استعَجَلْنا الصلاةِ. قال: "فلا تفعَلوا، إذا أتَيتُمُ الصلاةَ فأتوها وعليكم السكينةِ، فما أدرَكْتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا" (١). * فائدة: شرح الحديث: "سمع جلبة رجال": أي: سمع أصوات رجال اختلطت بعضها ببعض. "فلما صلَّى": النبي ﷺ "قالوا: استعَجَلْنا الصلاةِ": أي: الذي دفعنا وأدّى إلى رفع أصواتنا؛ هو أننا استعجلنا الصلاة، أي: تعجلنا وأسرعنا؛ لندرك الصلاة. "فلا تفعَلوا": هذا نهي، أي: لا تستعجلوا الصلاة، "وعليكم السكينةِ": الزموا السكينة. هذه الرواية حجة للذين يقولون بأن ما يدركه مع الإمام هو أول صلاته. ومثله حديث أبي هريرة المتفق عليه: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سَمِعتُمُ الإقامةَ فامشوا إلى الصلاةِ، وعليكم السكينةِ والوَقارِ، ولا تُسرِعوا، فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا" (٢). فأكثر الروايات حُجة للذين يقولون بأن ما يدركه المصلي مع الإمام هو أول صلاته فيكون أداء لا قضاءً، وقالوا: لأن أكثر الروايات جاء فيها

стр. 2379

"فأتموا"؛ ولأنَّ الذي رووا روايات "فأتموا" أحفظ من غيرهم مع صحة الروايات الأخرى. وتأولوا رواية "فاقضوا" بأن المراد بالقضاء هو الفعل، وليس المراد أنك تقضي ما فاتك فيكون هو أول صلاتك. وقالوا: مصطلح (القضاء) هذا مصطلحٌ فقهيٌّ متأخر، والمعروف في لغة العرب أنَّ القضاء يُطلق على عدَّة معانٍ، ومن تلكم المعاني الفعل (١)؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي: أديتم مناسككم، ويقول بشأن الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. إذًا يُطلَقُ القضاء ويُراد به الفعل، وبذلك تجتمع الأمور. قالوا: ومما يؤيد ذلك أنَّ الداخل وراء الإمام متأخرًا يشرع بتكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الافتتاح إنما هي علامة وبداية على أول الصلاة، فيكون قد دخل أيضًا في أولها. ولا شك أن هذا المذهب في نظري هو الأقرب إلى الأدلة وهو أرجحها، والإنسان إذا أدرك مع الإمام شيئًا؛ فيعتبر أول صلاته، والذي يأتي به بعد ذلك يكون آخرها، هذا هو الأقرب إلى الأدلة فيما يظهر لنا -واللَّه أعلم-. * قوله: (فَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ المَغْرِبِ عَلَى المَذْهَبِ الأَوَّلِ: (أَعْنِي مَذْهَبَ القَضَاءِ)، قَامَ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ إِلَى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ، وَسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا). هذا الكلام الذي يقوله المؤلف هو أقوال في بعض المذاهب وليس

стр. 2380

مُسَلَّمًا عندهم، ومع أن الذين يقولون بأنه قضاء وليس أداء يقولون يقوم للركعة الثانية ثم يجلس للتشهد، ثم يجلس، ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها بأم القرآن وسورة. * قوله: (وَعَلَى المَذْهَبِ الثَّانِي: (أَعْنِي عَلَى البِنَاءِ)، قَامَ إِلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ، وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ، وَعَلَى المَذْهَبِ الثَّالِثِ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ، فَيَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ). أما إذا كانت الصلاةُ صلاةَ الظهر فلو قرأ الفاتحة وبعدها سورة فلا بأس بذلك، فقد ورد أنَّ الرسول ﷺ قرأ الفاتحة فقط في الركعتين الآخريين في الظهر، وورد أنه قرأ ما بعد الفاتحة (١). والأشهر عدم قراءة سورة، لكنْ لو فعل الإنسان ذلك لا يكون مخالفًا، لأنَّ الرسول ﷺ "كان يقرأ في الركعتين الآخريين قدر خمس عشر آية في الظهر" (٢). أمَّا العصر والعشاء فيُقتصر فيهما على قراءة الفاتحة. * قوله: (وقَدْ نُسِبَتِ الأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ إِلَى المَذْهَبِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْضِي فِي الأَقْوَالِ، وَيَبْنِي فِي الأَفْعَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي المَغْرِبِ أَنَّهُ إِذَا أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَن يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، ثمَّ

стр. 2381

يَجْلِسَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ يَقْضِي بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ). أما قضية أن ما يأتي به المأموم بعد ذلك يعتبر أداء، فقد نُقل هذا عن بعض الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي، وروايات في بعض المذاهب، والأكثرون على أنه قضاء. ولكن الذي تشهد له الأدلة: هو أنَّ ما يأتي به المأموم بعد ذلك هو أداء وليس قضاء، فمنطوق الحديث: "فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا"، والإتمام لا يكون إلا لشيء سابق، ومعنى "فأتموا" يعني: هناك شيءٌ سبق فتتمه، والسابق يكون دائمًا هو الأول، فعندما تُتم أمرًا تُتِمُّ أمرًا سَبَقَ أوله لا سبق آخره، وهذا أيضًا يؤيد قول الذين يقولون بأن ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته. وهذه المسألة لا تأثير لها في صحة الصلاة وعدم صحتها، سواء قلنا هي قضاء أو أداء، ولكنَّ العلماء يُعنَون بتحقيق المسائل وتحريرها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١)). المؤلف وضع مُصطلحًا يخصه في كتابه حيت قال: "فإذا قلت المشهور فأعني به: الحديث المتفق عليه، وإذا قلت الثابت: فما رواه البخاري أو مسلم". فالمشهور في مصطلحه هو المتفق عليه، والحديث الذي أشار إليه حديث متفق عليه. * قوله: (وَالإِتْمَامُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ). والسابق يكون هو الأول، فإذا بدأت بناءً ثم توقفت فيه، ثم جئت

стр. 2382

بعد ذلك تتمه؛ يكون السابق هو الأول، وما جئت به ثانيًا هو اللاحق. وإن كان الإمام قد سبقك بشيء، لكن أنت ابتدأت الصلاة عند الركعة الثالثة مثلًا فتكون هي أولها بالنسبة لك. * قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (١)، وَالقَضَاءُ يُوجِبُ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ). رواية "فاقضوا" هي التي حصل فيها الإشكال ووقع الخلاف بين العلماء، فمعنى "اقضوا" يعني أمر فاتك فتقضيه، وإذا كان قضاءً فينبغي أن يكون ما أبديته مع الإمام هو آخر الصلاة، وما ستقضيه هو أولها. * فائدة: تدقيق العلماء: ولقد عُنِيَ العلماء من علماء الحديث ومن علماء الفقه بتلك المسائل، ودقّقوا البحث فيها، وعُنُوا بذلك عنايةً فائقة ولم يكن قصدهم -رحمهم اللَّه تعالى جميعًا- ضياعَ الوقت أو صرف الوقت فيما لا ينفع؛ وإنما كانت غايتهم بذلك إلى أن يصلوا إلى حقيقة الأمر أو يقرُبوا منها، يعني: أن يقفوا على الحق في ذلك، ويدفعهم إلى ذلك الإخلاص لدينهم، والورع والزهد في بُغية الوصول إلى الحق والاهتداء إليه. إذًا هم يعنون بمثل ذلك علّهم أن يهتدوا إلى سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، وإلى ما أراد أو على الأقل مما يقرب، فليست هذه المسائل التي يبحثها الفقهاء كما يظن البعض فيها مضيعة للوقت، فهذه الدراسات الفقهية صقلت أفكار العلماء، وتخرجوا في مدارسهم المعروفة، ونبغوا في العلم؛ وأصبحت لديهم الملكة والقدرة على البحث وتحرير المسائل. وستأتي العديد من المسائل في هذا الكتاب وفي غيره؛ التي تحتاج

стр. 2383

إلى إعمال فكرٍ، وإلى تأمل وتدقيق، وإلى ربط بين المسائل، وإلى تركيز وعناية في فهم النصوص. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الإِتْمَامِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ؛ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ القَضَاءِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ جَعَلَ القَضَاءَ فِي الأَقْوَالِ، وَالأَدَاءَ فِي الأَفْعَالِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، (أَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصَّلَاةِ أَدَاءً، وَبَعْضُهَا قَضَاءً)، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ مَوْضِعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ هُوَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ نِيَّةُ المَأْمُومِ وَالإِمَامِ فِي التَّرْتِيبِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا رَاعَاهُ مَنْ قَالَ: مَا أَدْرَكَ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ) (١). اتفق العلماء على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، دليل لمن ذهبوا إلى أن ما أدركه المأموم مع إمامه من ركعات يعتبر هو أول صلاته، وذلك لأمرين: الأمر الأول: المأموم عندما دخل وبدأ الصلاة مثلًا في الركعة الثالثة فهي أولها، فكيف يأتي بشيء متقدم ونقول هو آخرها؟! فهذا يخالف الترتيب في الصلاة، هذا الذي يريده المؤلف. والأمر الآخر: أنَّ من فاته شيء من الصلاة افتتح بتكبيرة الإحرام، ومعلوم أن مفتاح الصلاة التكبير، "تحريم الصلاة التكبير" (٢). لكن قد يرد على هذا إشكال: وهو أنه تختلف نية المأموم عن

стр. 2384

الإمام، فإذا قلنا: أن الركعتين اللتين أدركهما مع الإمام تكون أول صلاته، فهي بالنسبة للإمام تكون هي آخر صلاته، فكأنَّ نية الإمام قد خالفت نية المأموم. ويجاب على ذلك: لا يشترط دائمًا أن تلتقي نية الإمام مع المأموم، فقد يكون الإمام يصلي فرضًا والمأموم يصلي نفلًا، وقد يكون العكس، فقد كان معاذ ﵁ يصلِّي مع رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء (١). الخلاصة: وبذلك ننتهي إلى أنَّ الرأي الذي نراه الأصوب: هو أنَّ ما يدركه المأموم هو أول صلاته، وأنَّ ما يأتي به بعد ذلك هو آخرها. فالترتيب مع الذين يقولون بأن ما أدركه هو أول صلاته، وتكبيرة الإجرام تشهد للذين يقولون بأن ما أدركته هو أول صلاتك، لكن اختلاف النية يكون حجة للذين يقولون بأن ما أدركه هو آخر صلاته وليس أولها وقد أجبنا عن ذلك. ولا شكَّ أنَّ هذه التعليلات التي ذكرها المؤلف ذكرها بعض الفقهاء وذكروا غيرها مما ذكرنا. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ المَسَائِلِ الأُوَلِ، وَهِيَ مَتَى يَلْزَمُ المَأْمُومَ حُكْمُ صَلَاةِ الإِمَامِ فِي الِاتِّبَاعِ؟ فَإِنَّ فِيهَا مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ؟ وَالثَّانِيَةُ: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا مَعَهُ لِحُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ (أَعْنِي سَهْوَ الإِمَامِ)، وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يَلْزَمُ المُسَافِرَ الدَّاخِلَ

стр. 2385

وَرَاءَ إِمَامٍ يُتِمُّ الإِتْمَامَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ بَعْضَهَا؟ فَأَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ). المؤلف دخل في مسألة أُخرى خاصة تتعلق بصلاة الجمعة، والجماعة شرط في الجمعة، وهذا فرق من الفروق التي سنعرض لها. وقد اختلف العلماء بمَ تُدرَك الجمعة؟ الرأي الأول: يرى بعض العلماء أنَّ الجمعة لا تُدرك إلا بإدراك الخطبة، وقد نُقلَ عن أربعةٍ من التابعين وهم: (عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول) (١) أنهم قالوا: من لم يدرك الخطبة -أي خطبتي الجمعة- أو جزء منها فإنه يصلي ظهرًا، لأنهم يرون أنَّ الخطبة شرط في صحة الجمعة، فإن لم تدرك الخطبة؛ فقد اختلَّ شرطٌ من شروط الجمعة فلا تكون جمعة، فيلزمك أن تؤديها ظهرًا، هذا الرأي سبق أن عرضنا له وبيّنا أنه قول ضعيف. الرأي الثاني: الذي عليه عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركًا لها، يعني: لو أنَّ إنسانًا فاتته الركعة الأولى مع الإمام فجاء وقد وجد الإمام حتى ولو كان راكعًا في الركعة الثانية، فإنه بذلك يكون مدركًا للجمعة فيتم مع الإمام هذه الركعة ويضيف إليها أُخرى فقط (٢).
следующие страницы →