← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

يَجْلِسَ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ يَقْضِي بِأُمِّ القُرْآنِ وَسُورَةٍ). أما قضية أن ما يأتي به المأموم بعد ذلك يعتبر أداء، فقد نُقل هذا عن بعض الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي، وروايات في بعض المذاهب، والأكثرون على أنه قضاء. ولكن الذي تشهد له الأدلة: هو أنَّ ما يأتي به المأموم بعد ذلك هو أداء وليس قضاء، فمنطوق الحديث: "فما أدرَكْتُم فصَلُّوا، وما فاتَكم فأتِمُّوا"، والإتمام لا يكون إلا لشيء سابق، ومعنى "فأتموا" يعني: هناك شيءٌ سبق فتتمه، والسابق يكون دائمًا هو الأول، فعندما تُتم أمرًا تُتِمُّ أمرًا سَبَقَ أوله لا سبق آخره، وهذا أيضًا يؤيد قول الذين يقولون بأن ما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته. وهذه المسألة لا تأثير لها في صحة الصلاة وعدم صحتها، سواء قلنا هي قضاء أو أداء، ولكنَّ العلماء يُعنَون بتحقيق المسائل وتحريرها. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ المَشْهُورِ: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١)). المؤلف وضع مُصطلحًا يخصه في كتابه حيت قال: "فإذا قلت المشهور فأعني به: الحديث المتفق عليه، وإذا قلت الثابت: فما رواه البخاري أو مسلم". فالمشهور في مصطلحه هو المتفق عليه، والحديث الذي أشار إليه حديث متفق عليه. * قوله: (وَالإِتْمَامُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ). والسابق يكون هو الأول، فإذا بدأت بناءً ثم توقفت فيه، ثم جئت

стр. 2382

بعد ذلك تتمه؛ يكون السابق هو الأول، وما جئت به ثانيًا هو اللاحق. وإن كان الإمام قد سبقك بشيء، لكن أنت ابتدأت الصلاة عند الركعة الثالثة مثلًا فتكون هي أولها بالنسبة لك. * قوله: (وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَمَا أَدْرَكتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (١)، وَالقَضَاءُ يُوجِبُ أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ). رواية "فاقضوا" هي التي حصل فيها الإشكال ووقع الخلاف بين العلماء، فمعنى "اقضوا" يعني أمر فاتك فتقضيه، وإذا كان قضاءً فينبغي أن يكون ما أبديته مع الإمام هو آخر الصلاة، وما ستقضيه هو أولها. * فائدة: تدقيق العلماء: ولقد عُنِيَ العلماء من علماء الحديث ومن علماء الفقه بتلك المسائل، ودقّقوا البحث فيها، وعُنُوا بذلك عنايةً فائقة ولم يكن قصدهم -رحمهم اللَّه تعالى جميعًا- ضياعَ الوقت أو صرف الوقت فيما لا ينفع؛ وإنما كانت غايتهم بذلك إلى أن يصلوا إلى حقيقة الأمر أو يقرُبوا منها، يعني: أن يقفوا على الحق في ذلك، ويدفعهم إلى ذلك الإخلاص لدينهم، والورع والزهد في بُغية الوصول إلى الحق والاهتداء إليه. إذًا هم يعنون بمثل ذلك علّهم أن يهتدوا إلى سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ، وإلى ما أراد أو على الأقل مما يقرب، فليست هذه المسائل التي يبحثها الفقهاء كما يظن البعض فيها مضيعة للوقت، فهذه الدراسات الفقهية صقلت أفكار العلماء، وتخرجوا في مدارسهم المعروفة، ونبغوا في العلم؛ وأصبحت لديهم الملكة والقدرة على البحث وتحرير المسائل. وستأتي العديد من المسائل في هذا الكتاب وفي غيره؛ التي تحتاج

стр. 2383

إلى إعمال فكرٍ، وإلى تأمل وتدقيق، وإلى ربط بين المسائل، وإلى تركيز وعناية في فهم النصوص. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الإِتْمَامِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ؛ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ القَضَاءِ قَالَ: مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ جَعَلَ القَضَاءَ فِي الأَقْوَالِ، وَالأَدَاءَ فِي الأَفْعَالِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، (أَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الصَّلَاةِ أَدَاءً، وَبَعْضُهَا قَضَاءً)، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى أَنَّ مَوْضِعَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ هُوَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، لَكِنْ تَخْتَلِفُ نِيَّةُ المَأْمُومِ وَالإِمَامِ فِي التَّرْتِيبِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ أَحَدَ مَا رَاعَاهُ مَنْ قَالَ: مَا أَدْرَكَ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ) (١). اتفق العلماء على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، دليل لمن ذهبوا إلى أن ما أدركه المأموم مع إمامه من ركعات يعتبر هو أول صلاته، وذلك لأمرين: الأمر الأول: المأموم عندما دخل وبدأ الصلاة مثلًا في الركعة الثالثة فهي أولها، فكيف يأتي بشيء متقدم ونقول هو آخرها؟! فهذا يخالف الترتيب في الصلاة، هذا الذي يريده المؤلف. والأمر الآخر: أنَّ من فاته شيء من الصلاة افتتح بتكبيرة الإحرام، ومعلوم أن مفتاح الصلاة التكبير، "تحريم الصلاة التكبير" (٢). لكن قد يرد على هذا إشكال: وهو أنه تختلف نية المأموم عن

стр. 2384

الإمام، فإذا قلنا: أن الركعتين اللتين أدركهما مع الإمام تكون أول صلاته، فهي بالنسبة للإمام تكون هي آخر صلاته، فكأنَّ نية الإمام قد خالفت نية المأموم. ويجاب على ذلك: لا يشترط دائمًا أن تلتقي نية الإمام مع المأموم، فقد يكون الإمام يصلي فرضًا والمأموم يصلي نفلًا، وقد يكون العكس، فقد كان معاذ ﵁ يصلِّي مع رسول اللَّه ﷺ صلاة العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، هي له تطوع ولهم مكتوبة العشاء (١). الخلاصة: وبذلك ننتهي إلى أنَّ الرأي الذي نراه الأصوب: هو أنَّ ما يدركه المأموم هو أول صلاته، وأنَّ ما يأتي به بعد ذلك هو آخرها. فالترتيب مع الذين يقولون بأن ما أدركه هو أول صلاته، وتكبيرة الإجرام تشهد للذين يقولون بأن ما أدركته هو أول صلاتك، لكن اختلاف النية يكون حجة للذين يقولون بأن ما أدركه هو آخر صلاته وليس أولها وقد أجبنا عن ذلك. ولا شكَّ أنَّ هذه التعليلات التي ذكرها المؤلف ذكرها بعض الفقهاء وذكروا غيرها مما ذكرنا. * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ المَسَائِلِ الأُوَلِ، وَهِيَ مَتَى يَلْزَمُ المَأْمُومَ حُكْمُ صَلَاةِ الإِمَامِ فِي الِاتِّبَاعِ؟ فَإِنَّ فِيهَا مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ؟ وَالثَّانِيَةُ: مَتَى يَكُونُ مُدْرِكًا مَعَهُ لِحُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ (أَعْنِي سَهْوَ الإِمَامِ)، وَالثَّالِثَةُ: مَتَى يَلْزَمُ المُسَافِرَ الدَّاخِلَ

стр. 2385

وَرَاءَ إِمَامٍ يُتِمُّ الإِتْمَامَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ بَعْضَهَا؟ فَأَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ). المؤلف دخل في مسألة أُخرى خاصة تتعلق بصلاة الجمعة، والجماعة شرط في الجمعة، وهذا فرق من الفروق التي سنعرض لها. وقد اختلف العلماء بمَ تُدرَك الجمعة؟ الرأي الأول: يرى بعض العلماء أنَّ الجمعة لا تُدرك إلا بإدراك الخطبة، وقد نُقلَ عن أربعةٍ من التابعين وهم: (عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول) (١) أنهم قالوا: من لم يدرك الخطبة -أي خطبتي الجمعة- أو جزء منها فإنه يصلي ظهرًا، لأنهم يرون أنَّ الخطبة شرط في صحة الجمعة، فإن لم تدرك الخطبة؛ فقد اختلَّ شرطٌ من شروط الجمعة فلا تكون جمعة، فيلزمك أن تؤديها ظهرًا، هذا الرأي سبق أن عرضنا له وبيّنا أنه قول ضعيف. الرأي الثاني: الذي عليه عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة يقولون: من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركًا لها، يعني: لو أنَّ إنسانًا فاتته الركعة الأولى مع الإمام فجاء وقد وجد الإمام حتى ولو كان راكعًا في الركعة الثانية، فإنه بذلك يكون مدركًا للجمعة فيتم مع الإمام هذه الركعة ويضيف إليها أُخرى فقط (٢).

стр. 2386

وهناك جزئيةٌ أُخرى لم يعرض لها المؤلف، وبها وقع الخلاف بين الجمهور والحنفية؛ لأن الحنفية يقولون: لو أدرك أقلَّ من ركعة يكون مدركًا للجمعة، ولهم أدلةٌ ومقايساتٌ معروفة (١). وحديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٢)، هذا عام يشمل الجمعة وغيرها، لكن قال كثير من العلماء: هو يدرك الصلاة لكنه لا يدرك الجماعة؛ لأنه لم يدرك ركعة. والجمهور استدلوا بعدة أدلة: منها: الحديث المتفق عليه "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٣) مفهوم هذا الحديث أن من لم يدرك ركعة لا يكون مدركا لها، فمن لم يدرك ركعة من الجمعة لم يكن مدركًا للجمعة؛ وعليه أن يأتي بها ظهرًا، فقد جاء النص في الجمعة في قوله ﷺ : "مَنْ أدرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجمُعَةِ، فلْيُصَلِّ إليها أُخْرَى" (٤) لكن فيه كلام للعلماء، فمفهومه أن من لم يدرك ركعة من الجمعة لا يكون مدركًا لها.

стр. 2387

وقد استدلَّ الحنفية بعدة أدلة -كلها أدلة عقلية-: الدليل الأول: أن الذي يدرك مع الإمام ركعة يلزمه أن يبني على ذلك، ومن يُدرِك بعض الركعة يبني على صلاة الإمام ويلزم أن يتابعه، فلماذا فرقتم بين هذا وذاك؟! الدليل الثاني: لو أنَّ مسافرًا جاء فوجد الإمام المقيم في آخر صلاته فدخل معه، فإنه يلزمه أن يتم صلاته ولا يفصل، -والمسألة فيها خلاف بين العلماء-، لكن أكثرهم يقول بذلك، ولهذا يعتبره الحنفية دليل إلزام لهؤلاء؛ لأن من هؤلاء من يقول بأن المسافر لو جاء فدخل مع الإمام ولو في آخر الصلاة؛ يلزمه أن يتم الصلاة وليس له أن يقصرها. الدليل الثالث: أنَّ من أدرك صلاة الظهر مع الإمام ولو في آخرها يكون مدركًا للظهر؛ فكذلك من أدرك الجمعة. * قوله: (وَيَقْضِي رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ) (١). وأحمد أيضًا، وأبو حنيفة لا يخالفهم في ذلك، وإنَّما يخالفهم في الأقل. * قوله: (فَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ، صَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا). هذا هو مذهب الجمهور (٢). * قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: بَلْ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ أَدْرَكَ مِنْهَا مَا أَدْرَكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (٣).

стр. 2388

وبعض العلماء كحمّاد بن أبي سليمان (١). * قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا: هُوَ مَا يُظَنُّ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (٢)، وَبَيْنَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٣)). قوله ﷺ : "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" عام يشمل أي جزء تدركه وهذا دليل يتمسك به الحنفية، والجمهور يقولون: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٤) متفق عليه، ويستدلون بحديث: "من أدرك ركعة من الجمعة فليصلّ إليها أُخرى" وهذا الحديث فيه كلام للعلماء. * قوله: (فَإِنَّهُ مَنْ صَارَ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا"، أَوْجَبَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ). يعني: ومن أخذ بعموم حديث: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"، فحينئذ يصلي ركعتين وهي الجمعة فقط، حتى ولو جاء في آخر التشهد، ما دام الإمام لم يُسَلِّم، وهذا مذهبُ الحنفية (٥). * قوله: (وَمَنْ كَانَ المَحْذُوفُ عِنْدَهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 2389

وَالسَّلَامُ: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (١) أَيْ: فَقَدْ أَدْرَكَ حُكْمَ الصَّلَاةِ). المؤلف يُشير إلى قضية هامة قد تكون جاءت عرضًا في حديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" وهي: أنه ليس المراد من ذلك أنَّ من أدرك ركعةً من الصلاة سقط عنه باقي الصلاة وذهبت عنه تبعته، لا، ليس هذا مرادًا، ولذلك يُقدر العلماء محذوفًا، ومثله حديث: "مَن أدرَك ركعةً مِن العصرِ قبْلَ أنْ تغرُبَ الشَّمسُ فقد أدرَك العصر، ومَن أدرَك ركعةً مِن الفجرِ قبْلَ أنْ تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرك الفجر" (٢). إذًا من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك وقت العصر، و"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٣)، يعني: فقد أدرك فضل الصلاة، أو فقد أدرك حكم الصلاة. هذه من التعليلات التي يذكرها العلماء. إذًا هناك مقدر، وهذا المقدر يُحتاج إليه؛ ليرفع اللبس، وهذا غير وارد أصلًا، لكن قد يوجد من المتنطعين ممن يأخذون بظواهر النصوص دون إدراك لمعانيها ودون ربط لها بغيرها، فيقول: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهذا ليس مفهومها من الحديث ولم يقل به أحد من أهل العلم. * قوله: (وَقَالَ: دَلِيلُ الخِطَابِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَلَمْ يُدْرِكْ حُكْمَ الصَّلَاةِ، وَالمَحْذُوفُ فِي هَذَا القَوْلِ مُحْتَمِلٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ فَضْلُ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حُكْمُ الصَّلَاةِ، وَلَعَلَّهُ لَيْسَ هَذَا المَجَازُ فِي أَحَدِهِمَا أَظْهَرَ مِنْهُ

стр. 2390

فِي الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، كَانَ مِنْ بَابِ المُجْمَلِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَكَانَ الآخَرُ بِالعُمُومِ أَوْلَى). يَقصُد بدليل الخطاب هو: ما يُعرَف عند الأصوليين بمفهوم المخالفة (١)، فحديث: "في الغنم السائمة الزكاة" (٢) (٣) مفهومه: أن غير السائمة لا زكاة فيها. حديث: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٤)، مفهومه المخالف: أنَّ من أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركًا للصلاة، ومنطوقه: أنَّ الصلاة تُدرك بإدراك ركعة، ويقصد بها إدراك الجماعة والجمعة (٥). ولذلك جاء التأويل: "فقد أدرك الصلاة" أي: حكم الصلاة، أو فضل الصلاة كصلاة الجماعة، أو وقت الصلاة، كمن يرى من -أهل الأعذار- الذين يصلون قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر، أو حتى غير أهل الأعذار. فلو أن إنسانا قصَّر فأخر صلاة العصر إلى ما قبل غروب الشمس؛ هو يكون مدركًا للوقت، لكنه آثم بذلك؛ لأنه جاء فصلى في وقت نهي عنه أن يؤخر الصلاة إليه، لكنه يختلف عمن يؤخر صلاة العصر إلى ما بعد المغرب، أو يؤخر صلاة الفجر إلى ما بعد طلوع الشمس، الحال مختلفة.

стр. 2391

وهذا الذي يتكلم عنه المؤلف يريد به أن يوازن بين العموم وبين مفهوم المخالفة، فالعموم يُقَدم على مفهوم المخالفة، لكن يُحتاج إلى مفهوم المخالفة عند غياب النصوص، والنصوص هنا ظاهرةٌ، وهذا أمر قد نُقل عن الصحابة والتابعين وأخذ به العلماء. ولا شكَّ أنَّ الأدلة النقلية والعقلية تعضد هذا القول، وهو أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة. * قوله: (وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَظْهَرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ المَحْذُوفَاتِ، وَهُوَ مَثَلًا الحُكْمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّاهِرُ مُعَارِضًا لِلْعُمُومِ إِلَّا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، وَالعُمُومُ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الخِطَابِ عِنْدَ الجَمِيعِ، وَلَا سِيَّمَا الدَّلِيلُ المَبْنِيُّ عَلَى المُحْتَمَلِ والظَّاهِرِ. وَأَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"، أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ هَذ المَحْذُوفَاتِ فَضَعِيفٌ، وَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنْ لُغَةِ العَرَبِ إِلَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ أَنَّ هُنَاكَ اصْطِلَاحًا عُرْفِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا). لكننا نقول حديث الرسول ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١) هذا نص في الصلاة عمومًا. وحديث: "من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أُخرى" (٢). وفي رواية: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" (٣). يدل على أنَّ من أدرك أقلَّ من ذلك لا يكون مدركًا لها. وفي الحقيقة ليست هذه التعليلات التي ذكرها المؤلف هي تعليلات الحنفية، وإنما تعليلاتهم التي ذكرت وهي أنهم يقولون: أنتم تقولون بأنه

стр. 2392

إذا أدرك ركعة يكون مدركًا للصلاة أليس لازم ذلك أن يكون متابعًا للإمام؟ بلى. قالوا: كذلك ولو أدرك أقل. ويقيسون ذلك أيضًا بالنسبة للمسافر الذي يدرك الإمام المقيم في آخر الصلاة فإنه يتبعه. نقول: القياس على المسافر هذا غير صحيح؛ لأن المسافر يختلف، هذا نقص في العدد وذاك يتعلَّق بحكم من أحكام السفر فيلزمه في هذه الحالة أن يتابعه؛ لأن الإمام جُعِل يُقتَدى به، فعلى المسافر أن يلتزم ما يفعله الإمام فيكون متمًّا أيضًا. ويقيسون ذلك على صلاة الظهر، ونحن نقول: القياس على صلاة الظهر قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة المفروضة ليس من شرطها الجماعة، بخلاف الجمعة فإنَّها لا تكون بغير جماعة. [المسألة الثانية] [متى يدرك المأموم حكم سجود السهو] * قوله: (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ اتِّبَاعِ المَأْمُومِ لِلْإِمَامِ فِي السُّجُودِ: (أَعْنِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ)، فَإِنَّ قَوْمًا اعْتَبَرُوا فِي ذَلِكَ الرَّكْعَةَ: (أَعْنِي: أَنْ يُدْرِكَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ رَكْعَةً)، وَقَوْمٌ لَمْ يَعْتَبِرُوا ذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ بَعْتَبِرْ ذَلِكَ، فَمَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ"، وَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ، فَمَصِيرًا إِلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ"). مراد المؤلف هنا متى يتبع المأموم الإمام في سجود السهو؟

стр. 2393

ربما يسهو الإمام قبل أن يلحق المأموم الذي فاتته، -لأنَّ المأموم قد يبدأ الصلاة مع الإمام وقد يبدأها بعد ذلك-، ونحن نقول بأن المأموم ملزمٌ بأن يتبع إمامه، إلا في حالة إذا كان الإمام سها فقام المأموم ليقضي وقام واقفًا وشرع في القراءة فليس له أن يرجع في هذه الحالة؛ لأنه سيُخل بركن. ومن أهم المسائل: مسائل تتعلق بمخالفة المأموم للإمام، فهناك أمور تقتضي سجود السهو وذلك في الواجبات، لكن الخطورة تكون في المخالفة في الأركان، هذه التي سيتكلم عنها المؤلف. [المسألة الثالثة] [ماذا يلزم المسافر إذا اقتدى بمتم؟] * قوله: (وَلذَلِكَ، اخْتَلَفُوا فِي المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ المُسَافِرَ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ الحَاضِرِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَمْ يُتِمَّ، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ، فَهَذَا حُكْمُ القَضَاءِ الَّذِي يَكُونُ لِبَعْضِ الصَّلَاةِ مِنْ قِبَلِ سَبْقِ الإِمَامِ لَهُ). هذه المسألة أشرنا إليها قبل قليل، وفيها خلاف بين العلماء، فهناك من يرى: أنَّ المسافر إذا أدرك أقل من ركعة يلزمه أن يتم، وهناك من يرى: أنه لا يلزمه الإتمام (١).

стр. 2394

[قَضَاءُ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ] * قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ القَضَاءِ لِبَعْضِ الصَّلَاةِ). قد يفوت المأموم شيء في صلاته، فإن كان الذي تركه واجبًا، كالتشهد الأول، سجد سجدتي سهو كما فعل رسول اللَّه ﷺ حين قام من اثنتين ولم يجلس وبعد ذلك سجد سجود السهو، وأيضًا سَلمَ من اثنتين ﵊ في قصة ذي اليدين ثم قال له ذو اليدين: يا رسولَ اللَّهِ، أقصُرَتِ الصلاة أم نسيت؟، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما قصرت وما نسيت"، ثم سأل الصحابة، فقال ﷺ : "أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعم، فقام فأتى ﵊ بالركعتين الباقيتين، ثم سجد بعد السلام (١). والذي معنا الآن إنسان ترك ركنًا أو أكثر، وعبَّرَ عنه المؤلف بمن ترك أربع سجدات، وهذه مسألة مشهورة في الفقه، لا تفتح كتابًا من كتب الفقه المشهورة إلا وتجدها فيه، وستجد أن الأقوال مختلفة تمامًا فيها. * قوله: (الَّذِي يَكُونُ لِلْإِمَامِ وَالمُنْفَرِدِ مِنْ قِبَلِ النِّسْيَان: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا رُكْنًا فَهُوَ يُقْضَى -أَعْنِي فَرِيضَةً- وَأَنَّهُ لَيْسَ يُجْزِي مِنْهُ إِلَّا الإِتْيَانُ بِهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، بَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا

стр. 2395

الفَضَاءَ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ فِيهَا الإِعَادَةَ، مِثْلُ: مَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، سَجْدَةً مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ بِأَنْ يَسْجُدَ لَهَا، وَيُبْطِلُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الرَّكَعَاتِ، ثُمَّ يَأْتِي بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١). وَقَوْمٌ قَالُوا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِأَسْرِهَا، وَيَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٢). وَقَوْمٌ قَالُوا: يَأْتِي بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَتَكْمُلُ بِهَا صَلَاتُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٥)، وَقَوْمٌ قَالُوا: يُصْلِحُ الرَّابِعَةَ، وَيَعْتَدُّ بِسَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (٦)، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا: مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، فَمَنْ رَاعَاهُ فِي السَّجَدَاتِ والرَّكَعَاتِ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَمَنْ رَاعَاهُ فِي السَّجَدَاتِ أَبْطَلَ الرَّكَعَاتِ مَا عَدَا الأَخِيرَةَ، قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ مَا فَاتَ المَأْمُومَ مِنْ صَلَاةِ الإِمَامِ، وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ التَّرْتِيبَ أَجَازَ سُجُودَهَا مَعًا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا

стр. 2396

سِيَّمَا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ هُوَ وَاجِبًا فِي الفِعْلِ المُكَرَّرِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ -أَعْنِي: السُّجُودَ- وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى قِيَامٍ وَانْحِنَاءٍ وَسُجُودٍ، وَالسُّجُودُ مُكَرَّرٌ، فَزَعَمَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ السُّجُودَ لَمَّا كَانَ مُكَرَّرًا لَمْ يَجِبْ أَنْ يُرَاعِىَ فِيهِ التَّكْرِيرَ فِي التَّرْتِيبِ، وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِيمَنْ نَسِيَ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، فَقِيلَ: لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ وَيَقْضِيهَا. وَقِيلَ: يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وَقِيلَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَفُرُوعُ هَذَا البَابِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، وَلَيْسَ قَصْدُنَا هَاهُنَا إِلَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ). لو أن إنسانًا صلى صلاة رباعية -ففي كل ركعة سجدتان-، فنسي من كل ركعة سجدة. من الركعة الأولى (سجدة) ومن الثانية (سجدة) ومن الثالثة (سجدة) ومن الرابعة (سجدة). ثم وهو في التشهد تذكر أنه نسي أربع سجدات من أربع ركعات. هذه من المسائل الدقيقة في الفقه لم يلتقِ العلماء فيها حول قوله واحد. الرأي الأول: فمن العلماء من قال تبطل صلاته (١)؛ لأن هذا أشبه بمن يلعب في الصلاة، وهذه رواية عن الإمام أحمد. الرأي الثاني: ومن العلماء من قال: بل يأتي بالسجدة عن الركعة الرابعة، ثم بعد ذلك يأتي بالركعات الثلاث الأولى، كأنها انتهت.

стр. 2397

يعني: هو في التشهد الآن فيأتي بالسجدة التي نقصت عليه في الركعة الرابعة؛ لأنه في التشهد الأخير، ثم يقوم بعد ذلك فيأتي بثلاث ركعات، لأنه نسي في كل ركعة من الركعات الثلات سجودًا، والسجود ركن، والركن يبطل الركعة سواء تُرِك سهوًا أو عمدًا، وهذا هو قول الإمام مالك، وهي روايةٌ أُخرى للإمام أحمد (١). الرأي الثالث: ومن العلماء من قال: يأتي بأربع سجدات متوالية، ويكفيه ذلك، وتصح صلاته (٢). والسبب في ذلك: أنهم لا يرون الترتيب في الصلاة بين الركعات، وهذا قولٌ ضعيفٌ. الرأي الرابع: ومنهم من قال بالتلفيق، يعني: هو نسي في الركعة الأولى سجدة وفي الثانية سجدة، وما أتى به في الركعة الثانية من ركوع وغيره يعتبر لاغيًا؛ لأنه أخل به حين ترك هذه السجدة، فينقل السجدة في الركعة الثانية إلى الأولى فكأنه بذلك أدى ركعة، ثم في الركعة الثالثة ينسى سجدة وفي الرابعة سجدة فينقل سجدة الركعة الرابعة إلى الثالثة فيكون بذلك قد أدى ركعتين ويلزمه ركعتان، وفي رواية في هذا المذهب وهو -المذهب الشافعي- أنه يأتي بالتي نسي في الركعة الرابعة، يعني: يأتي

стр. 2398

بسجدتي الركعة الرابعة ثم بعد ذلك يقضي ركعة واحدة (١). وهذه مسألة مهمة يكثر تنصيص الفقهاء عليها (إذا نسي إنسانٌ أربعَ سجدات)، وهذا كله والإنسان لا يزال في الصلاة، أما إذا خرج من الصلاة فإنه يؤديها -أي يعود مرة أُخرى ويصليها-، لكن كلُّ هذا حصل أثناء الصلاة. كذلك ربما لا ينسى الإنسان ولكن يتشكك، هل جاء بالسجدة أو بالركوع في الركعة الثانية أو لا؟ يقول العلماء: يبني على اليقين، ويأتي بركعة بدل هذا الذي شك فيه. (البَابُ الثَّالِثُ مِنَ الجُمْلَةِ الرَّابِعَةِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ) (٢) * قوله: (وَالسُّجُودُ المَنْقُولُ فِي الشَّرِيعَةِ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ). سجود السهو يتعلَّق بالصلاة وهي أمر عظيم، وهي الركن الثاني بعد الشهادتين، قال اللَّه فيها: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] وقال : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ

стр. 2399

الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، ويقول : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، ويقول : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وبيّن اللَّه المكان التي تقام فيه الصلاة وفضله ألا وهي المساجد؛ فقال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. فالمساجد إنما أُقيمت؛ لأداء الصلاة فيها، ولذكر اللَّه ، ولتلاوة القرآن، ولعبادة اللَّه وحده-. ولم تكن البيوت مكانًا للصلاة إلا في السُّنَن؛ فإنَّ رسول اللَّه ﷺ قد قال: "اجعلوا في بيوتِكم من صلاتِكم، ولا تتَّخِذوها قبورًا" (١). وهذا في غير الفرائض، أما الصلوات الخمس فإنها تُؤدى في هذه المساجد، وهي واجبة الأداء فيها إلا أصحاب الأعذار كالمريض والمسافر أو الذين عُفي عنهم عن حضور الجماعة كالمرأة والعبد المملوك وغير ذلك ممن عُفيَ عنهم. وكلما ازداد خشوع الإنسان في الصلاة؛ فإنه يخشع قلبه معه، ولذلك لما رأى عمر ﵁ رجلًا يُكثر الحركة في الصلاة قال له: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه (٢). واللَّه يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ

стр. 2400

(٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. فالخشوع في الصلاة يدل على اهتمام المرء بها. وهذه الصلاة هي وسيلة لمناجاة اللَّه ، فعندما تخرج من بيتك متطهِّرًا تتجه إلى مسجد من مساجد اللَّه ، فاللَّه يجازيك منذ أن بدأت في وضوءك بالحسنات حتى تفرغ من صلاتك، وبعد أن تنتهي منها وتبقى في هذا المسجد، ففي كل خطوة تخطوها إلى المسجد؛ تكسب بذلك حسنة وتضع سيئة. ومع أهمية الصلاة فقد نُهي عن الإسراع إذا سمع الإنسان الإقامة. ولذلك ينبغي للمرء أن يعرف للصلاة قيمتها، فإذا جئت المسجد فينبغي ألا تنشغل بغير الصلاة؛ لأنك تناجي من لا تخفى عليه خافية؛ تناجي علام الغيوب، واللَّه يُبين الصلاة وأهميتها فيقول : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقد تجد من الناس من إذا قام في صلاته يُصلي كالسارية لا يهتز ولا يتحرك، وبعض الناس تجده يقضي صلاته في الحركة، وفي الرفع، وفي تعديل ملابسه، وربما تجد بعض المصلين من يلتفت في الصلاة، وبعضهم يرفع بصره إلى السماء وهذا مكروه، وبعضهم يتشاغل في بعض الأمور التي تشغله عن الصلاة، وهذه أمورٌ لا ينبغي أن تكون من المسلم. فينبغي للمرء المسلم أن يحافظ على هذه الصلاة، فواللَّه إن مكانتها لعظيمةٌ، وإنَّ أمرها لخطير، وإن الصحابة ﵃ قد أدركوا أهمية هذه الصلاة، وأدركوا قيمتها، فهذا عمر ﵁ عندما طُعِنَ وهو يصلي بالناس صلاة الفجر ﵁ يسأل هل صلى الناس؟ فيجيبونه نعم (١).

стр. 2401

رجلٌ جرحه يسيل دمًا ومع ذلك يسأل عن الصلاة، ورسول اللَّه ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة يعني -أسرع إليها-؛ لأن بالإذان والصلاة ترتاح النفوس وتطمئن القلوب، وهذه سعادة لا تدانيها سعادة. وهذه الصلوات كلها وقتها محدود، خمس صلوات في اليوم والليلة لا تساوي إلا جزء يسيرًا من يومنا وليلتنا، فلنحافظ عليها غاية المحافظة، حتى إذا لقينا اللَّه نلاقيه بقلوب مطمئنة، ولتكن صلواتنا وفق ما قال رسول اللَّه ﷺ : "صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي" (١). وسجود السهو يتعلَّق بهذه الصلاة، فالإنسان قد يُخطئ في صلاته، وفرق بين أن يتعمد الإنسان الخطأ وبين أن يحصل منه سهوًا ونسيانًا، فالذي يتعمد الخطأ في الصلاة فإن كان هذا الخطأ من الأمور التي تُبطِل الصلاة فإن ذلك يبطلها. أما إذا حصل ذلك منه نسيانًا وسهوًا؛ فإن ذلك فيه تفصيل، لأن الإنسان قد ينسى ركعة من الركعات، وقد ينسى سجدة من السجدات، وقد ينسى ركوعًا، وقد ينسى ركنًا من الأركان من غير ذلك، ففي هذه الحالة لا يكفيه سجود السهو، بل يجب أن تأتي بما نسيته من الأركان ثم بعد ذلك تسجد للسهو. والعلماء يختلفون تفصيلًا في سجود السهو؛ لأنَّ الصلاة فيها الأركان والشروط والواجبات والسُّنن. والصلاة تقوم على أمرين: إما فعل: كالركوع والسجود والقيام. وإما قول: كقراءة القرآن والذكر وكالتشهد، ونحو ذلك من الأدعية.

стр. 2402

والأفعال في الصلاة قد تكون من جنس الصلاة وصلبها كالركوع والسجود، وقد تكون من غير جنس الصلاة كما لو تقدم إنسان في صلاته أو تحرك أو حمل طفلًا ووضعه، أو حرّك شيئًا أو نحو ذلك، فهذا ليس من جنس الصلاة؛ وهذا على الصحيح أنه لا يُسجد له، ولكن يختلف باختلاف حجمه قلة وكثرة، فإن كان هذا العمل الذي يفعله الإنسان خارجًا عن الصلاة كثيرًا يؤثر فيها؛ فإنه يبطلها، وإن كان قليلًا فهو معفو عنه، ورسول اللَّه ﷺ قد تقدَّم وهو في الصلاة وفتح الباب وحمل أمامة، وكان يصلي وعائشة معترضة بين يديه اعتراض الجنازة، فإذا سجد ﵊ غمزها فقبضت رجليها، فإذا قام مدت ذلك، فليست كل حركة في الصلاة تبطلها، لكن كثرة الحركة فى الصلاة وتكررها تبطلها وتدل على عدم انشغال قلب المؤمن بالصلاة. وسجود السهو يَحصُل في الصلاة، وهذا السهو الذي يحصل يختلف باختلاف ما حصل؛ فقد يقوم الإنسان من التشهد وهذا له أحوال: إن كان في أول طريقه إلى القيام ففي هذه الحالة يعود. وإن كان قد أستقر قائمًا وهنا قد اختلف العلماء في ذلك أيهما الأولى أن يرجع أو يبقى؟. إن كان قد شرع في القراءة في الركعة الثالثة فلا ينبغي له أن يعود؛ لأنه دخل في ركن آخر. وهذه قضايا دقيقة ينبغي أن يفهمها المسلم، لأن كل إنسان قد يسهو، وربما الإنسان يصلي منفردًا كأن يكون مسافرًا أو مريضًا. وسجود السهو إنما شُرِعَ بسبب النسيان؛ ولذلك يقول عامة العلماء: من تعمد المخالفة فلا سهو له، خلافًا للشافعية. فالإنسان إذا نسي شيئًا في الصلاة؛ فهو يؤديه إذا كان مما يجب أدائه، وإن كان مما لا يجب؛ فإنه يسجد للسهو وينتهي. وقد يترك الإنسان شيئًا في الصلاة ولا يحتاج إلى سجود سهو، كأن

стр. 2403

يترك سنة من السنن، لكنَّ الإنسان تختلف حاله إن كان ترك الواجب متعمدًا أو تركه ناسيًا؛ لأن الناسي لا إثم عليه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ سِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (رحمة اللَّه بعباده) والنسيان سبب من الأسباب التي ذكر العلماء أنها من أسباب التخفيف في هذه الشريعة، فالشريعة إنما جاءت بالرحمة واليسر، ورفع الحرج والمشقة عن الناس قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. فعندما نقرأ آية الوضوء نجد أنَّ اللَّه بيّن سبب التخفيف فيها، وعندما نقرأ آية الصيام كذلك نجد أيضًا أن اللَّه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر. فهذه شريعة سمحة تسير مع الإنسان في كل زمان ومكان؛ تعالج أسقام هذه الحياة علاجًا مستقيمًا لا عوج فيه ولا انحراف، لأنها نزلت من لدن حكيم عليم، يعلم ما يصلح عباده وما يصلح شؤونهم وما تستقيم به أحوالهم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. أما أن نحتكم بقوانين وضعها البشر! فالبشر مهما بلغوا الغاية في الذكاء والفطنة وحصافة العقل؛ فإنهم بشر يخطئون ويصيبون، وقد يكون الخطأ في جانبهم أكثر من الصواب. فلا موازنة بين شريعة نزلت من لدن علام الغيوب، وبين قوانين وضعية وضعها الناس من زبدة أفكار تعشش فيها الرذائل وتُفرِّخ. فهل نعدل عن كتاب اللَّه وعن سنة رسول اللَّه ﷺ ، ونأخذ بأقوال الرجال الذين خرجوا عن الطريق السوي؟ -ولا نقصد بذلك المسائل التي يجتهد فيها العلماء، فإنهم ﵏ أخذوا تلكم الأحكام من كتاب اللَّه ومن سنة رسوله ﷺ إما منطوقًا، أو

стр. 2404

مفهومًا، أو من مقاصد الكتاب والسُّنَّة، فهم دائمًا يدورون حول هذين المصدرين. لكننا نقول: إن الذين عَدَلوا عن شريعة اللَّه، واتخذوا عنها بديلًا ما وضعه الناس مما يُعرف بقوانين وضعية وضعها البشر، هذه فيها مخالفة لدين اللَّه، والحكم فيها تفصيل: - من حكم بغير ما أنزل اللَّه معتقدًا أنَّ ذلك الحكم خير مما في شريعة اللَّه؛ فهذا كافر لا يختلف العلماء في تكفيره. - كذلك من حكم بغير ما أنزل اللَّه معتقدًا أن ذلك مساويًا لشريعة اللَّه؛ فإنه يلحق بذلك الصنف. - أما من يحكم بغير شريعة اللَّه مع إيمانه واعتقاده الجازم بأن الحق في هذه الشريعة لكن يتأوّل أو يذكر أسبابًا غير مقبولة فهذا حاله يختلف، قيل: لا يُحكم عليه بالكفر، وإنما يُحكم عليه بالظلم والفسق، واللَّه قد بيّن ذلك في آيات ثلاث في سورة المائدة قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. (الفرق بين شريعتنا وشريعة من قبلنا) وهذه الشريعة هي شريعة خصبة، لا تنتهي ولا تقف عند حد؛ لأنها وضِعَت لأنْ يعيش عليها الناس إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وهي تختلف عن الشرائع السابقة؛ لأنَّ الشرائع السابقة إنما نزلت في أمة محددة، وفي زمن معين، ويُحكَم بها في وقت محدد، أما الشريعة الإسلامية فإنها شريعة خالدة باقية ما بقي الليل والنهار، فهي الشريعة التي نجد فيها حلًّا لكل مشكلة، وجوابًا عن كل معضلة، مهما تعددت المسائل

стр. 2405

وتعددت الوقائع، وإن حصل تقصير فليس في شريعة اللَّه وإنما التقصير من الذين ينتسبون إليها. * قوله: (إِمَّا عِنْدَ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ). قد يزيد الإنسان في صلاته، كأن يقوم إلى خامسة، وإذا قام إلى خامسة فينبغي أن ينبهه المأمومون، والرسول ﷺ يقول: "إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء" (١)، فالرجال يُسبحون؛ والتسبيح نوع من الكلام، لكنه كلام مستثنى، أما النساء فإنهنّ يصفقن؛ والتصفيق للرجال مكروه؛ لأنَّ ذلك مما اختص به النساء. وقد يزيد الإنسان رُكنًا في الصلاة أو ركعة فيها، أو يُنقِص ركنًا. الحالة الأولى: إذا انتهى من الركعة الثانية في الرباعية ولم يجلس للتشهد الأول فقام، فهذا يعتبر سهوًا يجبر بسجود السهو، والتشهد وإن كان واجبًا عند بعض العلماء فإنك لا تأتي به وإنما تسجد عنه، لكن العلماء يقولون: لو أن الإنسان ارتفع وفي أثناء قيامه تذكر، يجب عليه أن يعود، وإن تذكر وقد استقر قائمًا فأكثر العلماء على أنه لا يعود، لأنه شرع في ركن آخر وهو القيام فلا ينبغي أن يتركه. وبعضهم قال يعود. الحالة الثانية: إذا ترك المصلي ركنًا فيجب عليه أن يأتي به، وإن لم يكن ركنًا فلا يجب. الحالة الثالثة: إذا شرع في الركن الذي يليه ألا وهي القراءة، فلا يجوز له أن يعود، وإذا عاد بعد أن يشرع في القراءة يقول العلماء: تبطل صلاته إن كان عالمًا، أمَّا إذا كان جاهلًا فهناك كلامٌ للعلماء. ونترك المسائل تفصيلًا إلى موضعها. وسجود السهو يكون إن زاد المصلى في صلاته أو نقص منها أو

стр. 2406

شكَّ أيضًا، فلو قُدِّرَ أنَّ إنسانا شك هل صلى ثلاث ركعات أو أربع ركعات في صلاة، فأكثر العلماء يقولون: يبني على اليقين، فيعتبر أنه صلى ثلاثًا فقط ثم يأتي بالرابعة، ومنهم من قال: يتحرى فما غلب على ظنه أداه، أي: يتذكر ويتحرى الصواب في المسألة، فإن غلب على ظنه أنَّ هذه هي الرابعة فإنه يجلس للتشهد ويسجد سجدتين للسهو بعد التسليم. والأحاديث التي جاءت في سجود السهو هي: قوله ﵊: "وإذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرَّ الصوابَ، فلْيُتِمَّ عليه، ثم لِيسجدْ سجدتين" (١) وفي بعض الروايات: "بعد التسليم" (٢) وهذا يكون في التحري. وحديث ابن بُحينة المتفق عليه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ومن اثنتَين ولم يجلسْ، فسُبِّحَ به" (٣). وجاء في حديث ذي اليدين أن رسول اللَّه ﷺ : "سلم من اثنتين" (٤). وجاء في حديث عمران بن حصين أنه ﵊ "سَلَّم من ثلاث" (٥). وقال ﷺ : "إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ أصلَّى ثلاثًا أمْ أربعًا فليطرَحِ الشَّكَّ ولبين على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم،

стр. 2407

فإن كانَ صلَّاها خَمسًا، شفَعنَ لَه صلاتَه، وإن كانَ صلَّاها أربعًا كان تَرغيمًا للشَّيطانِ" (١). ومن هذا نتبين أن الشيطان يتابع المؤمن في كل أحواله، وهو يدرك أن أجلّ عبادة بعد الشهادتين يتقرب بها العبد إلى اللَّه هي الصلاة؛ ولذلك يحاول أن يُشوش عليه صلاته، فيظل يُلقي الوساوس بنفسه حتى يتردد ويتشوش، فبيّن الرسول ﷺ خلاص المؤمن من ذلك أنه يأتي بما يتيقن، فإن كان التي أتى بها خامسة شفعت له صلاته، وإن كانت رابعة كانت ترغيمًا للشيطان أي: إذلالًا وتحقيرًا ودحرًا وردًّا له؛ لأنه أراد أن يوقع المؤمن في الخطأ، وأن يلبس عليه أمره، فاللَّه أرشده عن طريق رسوله ﷺ إلى التخلص من أكبر عدو يتربص به الدوائر. وسجود السهو لا نأخذه على أن كل القضية سهو، بل كل مسألة من مسائل الشريعة لو وقف المرء عندها وتتبعها؛ لأدرك فيها من الأسرار ومن الحكم ومن الأحكام الشيء الكثير؛ لأنها شريعة نزلت من اللَّه تعالى أنزلها على عباده فهو الذي وضع فيها هذه الأسرار. فهذا ما يتعلَّق بسجود السهو؛ ولذلك قال الرسول ﷺ : "إنَّ أحدَكم إذا قامَ يصلِّي جاءهُ الشَّيطانُ فلبَّسَ عليهِ، فلا يدري كم صلَّى، فإذا وجدَ ذلكَ أحدُكُمْ، فليسجُدْ سجدتينِ وهوَ جالسٌ" (٢). "فلبَّسَ عليهِ حتَّى لا يدريَ كم صلَّى": أي لبّس عليه الشيطان، وشوش عليه، ألقى الوسواس في نفسه "حتى لا يدري كم صلى" (٣)، ثم بيّن الرسول ﷺ المخرج من ذلك فقال: "فإذا وجدَ ذلكَ أحدكم فليسجُدْ سجدتينِ وهوَ جالسٌ".

стр. 2408

فالرسول ﷺ بين لنا أنَّ الشيطان لن يتركنا، فالشيطان لا يترك المرء إلا إذا وافقه في هواه واطمئن إليه وعرف أنه مشى في ركابه وأصبح من جنده، لكن هناك صنف من الناس قد اصطفاهم اللَّه وتحدى إبليس بذلك لما قال ﴿. . . فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. فهذه شريعة عظيمة لا يبلى عزها على طول الزمان، ولا تفنى بكثرة ما يؤخذ منها من أحكام، وما يصدر منها من فتاوى، وما يحدث من حوادث فتجيب عليها، وهي شريعة باقية لا تنضب، فلنعرف لهذه الشريعة قيمتها. * قوله: (اللَّذَيْنِ يَقَعَانِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا). الصلاة تقوم على أقوال وأفعال، فالأفعال كالركوع والسجود والجلوس، والأقوال كقراءة الفاتحة، وكالتسبيح كقولك: "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا في الركوع، وقولك: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثًا في السجود، وكقول الإمام: "سمع اللَّه لمن حمده"، وكقول الإمام المأموم: "ربنا لك الحمد"، وكقول المصلي بين السجدتين: "رب اغفر لي"، إلى غير ذلك من الأدعية المعروفة المشهورة في الصلاة. (وقد يحصل من الإنسان خطأ في الأذكار كأن يقرأ القرآن في الركوع، وقد نهى الرسول ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع فقال ﷺ : "إنِّي نُهيتُ أن أقرأَ القرآن راكعًا أو ساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الرّب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمِنٌ أن يستجاب لكم") (١). أي: حريٌّ أن يستجاب لكم؛ كما جاء في الحديث الآخر:

стр. 2409

"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (١) يكون العبد قريبًا من ربه ﷺ في سجوده؛ لأن أعز ما في الإنسان هو وجهه فإذا وضعه على التراب ومرغه ذليلًا منقادًا، خاضعًا منطرحًا بين يدي اللَّه فهذه هي غاية الذل وغاية الانقياد وغاية الطاعة وغاية الاستسلام للَّه وتسليم الأمر إليه، فإذا ما ألقى نفسه على الأرض؛ واستجبت للَّه بكل جوارحك وبكل حاسة، إذًا أنت قريب للَّه فاصدق في عبادتك، فأخلص للَّه سينجيك من كل سوء ويحفظك من كل عدو يتربص بك الدوائر. [السجود الذي يكون للنسيان] * قوله: (مِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ لَا مِنْ قِبَلِ العَمْدِ). الذي يُخل في صلاته متعمدًا فهذا متلاعبٌ، فلو أنَّ إنسانًا تعمد ترك ركن؛ بطلت صلاته. * قوله: (وَإِمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ). وإما بسبب شك قال ﷺ : "إذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلم يَدرِ كَم صلَّى" (٢). * قوله: (فَأَمَّا السُّجُودُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ النِّسْيَانِ لَا مِنْ قِبَلِ الشَّكِّ، فَالكَلَامُ فِيهِ يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ فُصُولٍ). هذه كلها مقدمات ذكرها المؤلف -رحمة اللَّه-.

стр. 2410

(الفَصْل الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ السُّجُودِ) هل هو واجب أو سنة؟ هذا هو مراد المؤلف. * قوله: (الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَوَاضِعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ). أين يكون السجود للسهو قبل التسليم أو بعده؟ جاء عن الرسول ﷺ أنه سجد للسهو قبل أن يُسلم وسجد بعد السلام، ثبت عنه هذا وثبت هذا، ومع ذلك فقد اختلف العلماء في موضع السجود للسهو: قال بعضهم: قبل السلام مطلقًا. وبعضهم قال: بعده مطلقًا. وبعضهم توسط في ذلك، وهؤلاء قولهم هو الأولى؛ لأنهم جمعوا بين النصوص. * قوله: (الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الجِنْسِ مِنَ الأَفْعَالِ، وَالأَفْعَالِ الَّتِي يَسْجُدُ لَهَا). فالأفعال التي من جنس الصلاة يسجد لها، أما الأفعال التي من غير جنس الصلاة فلا يسجد لها. كما لو أنك مثلًا تشهدت في الركوع أو في السجود، أو أنك تشهدت وأنت قائم في حالة نسيان، فهذا لا يؤدي إلى سجود السهود على القول الصحيح.

стр. 2411

* قوله: (الرَّابعُ: فِي صِفَةِ سُجُودِ السَّهْوِ). هل هو كسجود الصلاة؟ الجواب: نعم، نقدم ذلك باختصار. * قوله: (الخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ). هذه المسألة أيضًا فيها تفصيل. * قوله: (السَّادِسُ: بِمَاذَا يُنَبِّهُ المَأْمُومُ الإِمَامَ السَّاهِيَ عَلَى سَهْوِهِ). بعض المأمومين يخطئ فينبه الإمام إذا قام من التشهد الأول ولم يجلس، يقوله له "سبحان اللَّه"، ولكنَّ التشهد الأول لا يفسد الصلاة، فهو واجب عند الحنابلة، وسنة عند غيره، -ونحن نرجح أنه واجب-. لكن ما دام شرع الإمام في ركن آخر فلا ينبغي التنبيه، فهذا جهل من بعض المأمومين، لكن ينبه لو أخل بركن، كأن قام إلى خامسة إذا كنت متأكدًا، فإن أصر فلا تتابعه، وتنبيه الإمام يكون بالتسبيح بالنسبة للرجال، وبالتصفيق بالنسبة للنساء. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (الفَصْلُ الأَوَّلُ اخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ السَّهْوِ، هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟). من العلماء من قال: هو واجب، ومنهم من قال: سنة، ومنهم من فصّل القوله في ذلك؛ فقالوا: يجب سجود السهو فيما تبطل الصلاة بعمده، أمَّا ما لا تبطل الصلاة بعمده كما لو ترك سُنّة من السنن؛ فهذا يكون فيه السجود سنة لا واجبًا.

стр. 2412

* قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ) (١). وهي رواية للإمام أحمد، لكن ليست بالمشهورة (٢). * قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ، لَكِنْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ) (٣). معنى الشرط: أنه لو تركه الإنسان فسدت صلاته. * قوله: (وَفَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ فِي الأَفْعَالِ، وَبَيْنَ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ فِي الأَقْوَالِ، وَبَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، فَقَالَ: سُجُودُ السَّهْوِ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَفْعَالِ النَّاقِصَةِ وَاجِبٌ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، هَذَا فِي المَشْهُورِ). قد يرى البعض أن الإمام مالك قد خالف القاعدة المعروفة؛ لأن العلماء عندما يأتون إلى الأقوال والأفعال فالغالب أن الأقوال تُقدم، ومالك قدم الأفعال على الأقوال هنا، لأنَّ الرسول ﷺ قال: "صلُّوا كما رأيتُموني أصلِّي"، فأراد أن يُقتدى بصلاته فعلًا فجاء ذلك تأكيدًا للفعل أكثر.

стр. 2413

فقال الأفعال هي التي يجب فيها سجود السهو، أما الخلل في الأقوال فليس سجود السهو فيها واجبًا. على كل حال الأئمة لهم أقوال كثيرة نحن لا نريد أن نعرض لها الآن. والحنابلة عندهم رواية أنه سُنة وهي التي اتفقوا فيها مع الشافعية، والرأي المشهور عندهم: أن سجود السهو يجب فيما تبطل الصلاة بعمده، وما لا تبطل الصلاة بعمده فلا يجب له سجود السهو (١). فكأنهم فصّلوا كالمالكية لكنهم يختلفون في تقرير الحكم. * قوله: (وَعَنْهُ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لِلنُّقْصَانِ وَاجِبٌ، وَسُجُودُ الزِّيَادَةِ مَنْدُوبٌ) (٢). على كل حال لا ينبغي للإنسان إن حصل منه تقصير في صلاته أن يترك سجود السهو، وربما يتكرر السهو من الإنسان في الصلاة الواحدة، فهذه مسألة معروفة عند العلماء وقد أسسوا عليها قواعد فقهية: "إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا"، فلو أنك مثلًا دخلت المسجد وقد أقيمت

стр. 2414

الصلاة المفروضة، فليس هناك مجال أن تصلي تحية المسجد، فهذه الفريضة التي تؤديها تنوب عن تحية المسجد. كذلك أيضًا: لو أنك جئت ووجدت الإمام راكعًا فكبرت تكبيرة واحدة ناويًا بها تكبيرة الإحرام تدخل فيها تكبيرة الركوع، والمسائل في ذلك كثيرة جدًّا. أيضًا: لو أنَّ إنسانًا لزمته كفارات من جنس واحد، يعني: لو أن إنسانًا جامع في نهار رمضان مرات قبل أن يُكَّفر؛ فعليه كفارة واحدة. كذلك: لو أنَّ إنسانًا سهى في صلاته عدة مرات ولم يسجد؛ فيكفيه سجود واحد يعني: يسجد للسهو مرة واحدة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي حَمْلِ أَفْعَالِهِ ﵊ فِي ذَلِكَ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَحَمَلَ أَفْعَالَهُ ﵊ فِي السُّجُودِ عَلَى الوُجُوبِ، إِذْ كَانَ هُوَ الأَصْلُ عِنْدَهُمْ، إِذْ جَاءَ بَيَانًا لِوَاجِبٍ كَمَا قَالَ ﵊: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (١)). هذا حديث صحيح ثابت عن رسول اللَّه ﷺ ، ونُقِل عن بعض الصحابة أنه صلى بأصحابه فقال "أصلى بكم صلاة رسول اللَّه ﷺ " (٢)، ولما صلى أحد الصحابة خلف عمر بن عبد العزيز قال: "لقد أذكرنى هذا -يعني الشخص- صلاة رسول اللَّه ﷺ " (٣).

стр. 2415

وبذلك نتبين أن الصحابة صلوا كما كان رسول اللَّه ﷺ كان يصلي، وأنهم نقلوها للتابعين من بعدهم وهكذا، وصلوات رسول اللَّه ﷺ محفوظة في كتب مسطورة. * قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَحَمَلَ أَفْعَالَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ، وَأَخْرَجَهَا عَنِ الأَصْلِ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ السُّجُودُ عِنْدَ الجُمْهُورِ لَيْسَ يَنُوبُ عَنْ فَرْضٍ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْ نَدْبٍ، رَأَى أَنَّ البَدَلَ عَمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَيْسَ هُوَ بِوَاجِبٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَتَأَكَّدَتْ عِنْدَهُ الأفْعَالُ أَكْثَرَ مِنَ الأَقْوَالِ؛ لِكَوْنِهَا مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنَ الأَقْوَالِ). الإمام مالك يرى أن رسول اللَّه ﷺ قد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، فجاءت أفعاله تطبيقًا لذلك، ثم أيضًا يرى أن الأفعال في الصلاة أكثر من الأقوال وهذا أمر ثابت معروف. * قوله: (فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الأَفْعَالَ آكَدُ مِنَ الأَقْوَالِ، وَإِنْ كانَ لَيْسَ يَنُوبُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا عَمَّا كانَ مِنْهَا لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَتَفْرِيقُهُ أَيْضًا بَيْنَ سُجُودِ النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِيَكُونَ سُجُودُ النُّقْصَانِ شُرِعَ بَدَلًا مِمَّا سَقَطَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَسُجُودُ الزِّيَادَةِ كَأَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ لَا بَدَلٌ). لا شكَّ أنَّ سجود السهو إنما ثبت عن الذي لا ينطق عن الهوى، حصل ذلك لرسول اللَّه ﷺ في أحاديث خمسة نُقِلَت إلينا، بعضها سجد سجود السهو بعد التسليم: الحديث الأول: كما في قصة ذي اليدين: "عندما سلَّم رسول اللَّه ﷺ من اثنتين ثم عاد ﷺ فأتم الصلاة وجلس للتشهد، ثم سلَّم

стр. 2416

ثم سجد سجدتين للسهو"، وورد في بعض الأحاديث أنه: "تشهد مرة أُخرى ثم سلم" (١)، وفي بعضها أنه: "لم يتشهد" - والحديث متفق عليه (٢). الحديث الثاني: حديث عمران بن الحصين أن رسول اللَّه ﷺ سلم من الثالثة في صلاة العصر (٣). الحديث الثالث: حديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم على هذا التحري، ثم ليسجد سجدتين" (٤). وفي بعض الروايات: "بعد التسليم" (٥). وجاءت أحاديث أُخرى أن رسول اللَّه ﷺ سجد قبل أن يُسلم من الصلاة، كما في حديث ابن بحينة (٦) وغيره. فسجود السهو ثبت عن رسول اللَّه ﷺ . والمسلم مطالب بأن يأتي إلى الصلاة وقد جرد نفسه من كل أمر من أمور الدنيا، مقبلًا على اللَّه ، مقبلًا على الآخرة، يبتغي بهذه الصلاة وجه اللَّه والدار الآخرة، لا يريد غير ذلك، يأتي مخلصًا صادقًا بعيدًا عن الرياء، بعيدًا عن حب الظهور، لا يُحسِّن صلاته؛ ليُقال فلانٌ

стр. 2417

يحسن صلاته، فإن هذا من الرياء، والرياء من الشرك الأصغر، فينبغي للمرء أن يتجنب مثل هذه الأمور وأن يخلص في عبادته. واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ [الزمر: ١٤]. فينبغي للمرء أن يأتي صافي القلب مطمئن النفس، حتى لا يوسوس له الشيطان، ولا ينبغي أن ينشغل بأفكاره، لكن مهما كان الإنسان فهو بشر، قد تتوارد عليه خواطر، وقد تتوارد عليه أفكار، وقد تكون هناك غموم أو أمور تشغله، إما أنه مشغول بسبب مال أو ولد، أو مشغول بقضية حلت بالمسلمين، فالمسلم يهتم بأمور المسلمين، فهذا يشغل باله فيفكر في صلاته وقد ينسى وقد حصل هذا من رسول اللَّه ﷺ ، ومن الصحابة حتى نُقِلَ عن عُمر أنه قال: إنه أحيانا يُجهِّز الجيوش وهو في الصلاة (١). لكن الحذر كل الحذر أن يتخذ الإنسان الصلاة مكانًا ليتذكر ما نسي، أو أن يفكر في أمور ليس فيها خير؛ يعني: في أمور لا يجوز أن يفكر فيها أصلًا، فلا ينبغي أن يجعل الصلاة ميدانًا لذلك، أمَّا أن يفكر في أمور الدنيا فهذا يحصل لكل إنسان. [الفصل الثاني في معرفة مواضع سجود السهو] قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (الفَصْلُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ).

стр. 2418

رسول اللَّه ﷺ سهى وهو بشر كما بينا سابقًا: "فقام من اثنتين ولم يجلس للتشهد الأول" فنجده ﷺ سجد قبل أن يُسَلِّم ثم سَلّم (١). وثبت أيضًا عنه ﵊: "سلَّمَ من اثنتين ثم ذُكِّرَ ﵊ وتبين أنه قد نسي فعاد فأتى ﵊ بما بقي من الصلاة الرباعية، ثم إنه عليه -الصلاة والسلام- سجد أيضًا للسهو" (٢). فهناك مواضع خمسة صَحّ فيها عن رسول اللَّه ﷺ أنه سجد في الصلاة للسهو، فهل نقتصر على هذه المواضع؟ أو نُعَدِّيها إلى غيرها؟ لا شك أننا نلحق بها غيرها مما يحتاج إلى سجود سهو. والصلاة تقوم على أمرين: أفعال وأقوال. وأفعال الصلاة منها ما هو من جنس الصلاة كما في الركوع والسجود والقيام، ومنها ما هو خارج عن الصلاة قد يفعلها المرء في صلاته كأن يتقدم وهو يصلي، أو يتحرك، أو يَحُك جزءًا من بدنه، أو يرفع شيئًا أو يضعه، أو يفتح بابًا أو يغلقه. . إلى غير ذلك، فهذه الأمور ليست من جنس الصلاة، ولكل شيء حكم يخصه. وهناك أقوال تكون من صلب الصلاة كالتكبير، والسجود، والقراءة، وهناك أمور ليست من أقوال الصلاة كأن يتكلم الإنسان في صلاته. لو أن إنسانًا قام من التشهد الأول ووقف قائمًا وشَرَعَ في قراءة الركعة الثالثة؛ لا يجوز له أن يرجع في هذه الحالة، وحتى لو استقر قائمًا قبل أن يشرع في القراءة، ولذلك يختلف العلماء، فبعضهم يرى: بطلان الصلاة، لكنه لو استمر قائمًا وانتهى؛ فإنه يسجد سجدتين للسهو وتصبح صلاته صحيحه.

стр. 2419

كذلك لو أنَّ إنسانًا جلس بعد الركعة الأولى فإن عليه أن يقوم، وحينئذ يكون قد أخطأ في صلاته وعليه أن يسجد للسهو وهكذا، والأمثلة كثيرة جدًّا. * قوله: (فَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مَوْضِعُهُ أَبَدًا قَبْلَ السَّلَامِ، وَذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَهُ أَبَدًا بَعْدَ السَّلَامِ، وَفَرَّقَتِ المَالِكِيَّةُ، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ) (١). اختلف العلماء في مسألة موضع السجود على أقوال: القول الأول: وهو مذهب الشافعية ورواية للإمام أحمد وليست هي الرواية المشهورة. وأدلتهم: أنَّ رسول اللَّه ﷺ سجد للسهو قبل أن يسلم كما في

стр. 2420

حديث عبد اللَّه بن بحينة المتفق عليه (١)، فإنَّ الرسول ﷺ قام من اثنتين ولم يجلس، أي: قام من التشهد الأول، وقام الناس أيضًا وراءه، ولذلك ينبغي أن يُتبَع الإمام إلا فيما يتعلق بالزيادة في الصلاة، كما لو قام إلى خامسة وتيقن المأموم ذلك؛ فليس له أن يتبعه في هذه الحالة. والرسول اللَّه ﷺ قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلم يَدرِ أصلى ثلاثًا أمْ أربعًا؛ فليطرح الشِّك وليبن على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلاها خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كان ترغيمًا للشيطان (٢)). فهذان الحديثان فيهما أنَّ الرسول ﷺ سجد للسهو قبل السلام، فاعتبر الشافعية أنَّ ذلك هو القدر الذي ينبغي الوقوف عنده ولا يتجاوزه، ثم عللوا ذلك بتعليل عقلي، فقالوا: ولأن أي خطأ أو سهوٍ يحصل في الصلاة إنما هو من شأنها، والذي يكون من شأن الصلاة ينبغي أن يكون داخل الصلاة لا خارجها، وداخل الصلاة إنما يكون قبل التسليم لا بعده، كما هو الحال في الجبرانات التي تحصل للحج فيما لو ارتكب الإنسان محظورًا (٣). القول الثاني: وهو قول الحنفية يقولون: بأنَّ سجود السهود دائمًا يكون بعد السلام، لأنَّ الرسول ﷺ سلّم من اثنتين ثم سأله ذو اليدين فقال له: يا رسول اللَّه أنسيتَ أم قصرتْ؟ فقال: "لم أنسَ ولم تقصرْ"، ثم إنه سأل أصحابه وكان منهم أبو بكر وعمر فأقروا ذا اليدين على ذلك فعاد رسول اللَّه ﷺ فصلى الركعتين اللتين سلَّم قبل تمامهما، ثم بعد ذلك جلس رسول اللَّه ﷺ للتشهد ثم سجد سجدتي السهو، ثم بعد ذلك سلَّم، وفي بعض الروايات: أنه جلس للتشهد مرة أُخرى. متفق عليه (٤).
следующие страницы →