ثم سجد سجدتين للسهو"، وورد في بعض الأحاديث أنه: "تشهد مرة أُخرى ثم سلم" (١)، وفي بعضها أنه: "لم يتشهد" - والحديث متفق عليه (٢).
الحديث الثاني: حديث عمران بن الحصين أن رسول اللَّه ﷺ سلم من الثالثة في صلاة العصر (٣).
الحديث الثالث: حديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم على هذا التحري، ثم ليسجد سجدتين" (٤). وفي بعض الروايات: "بعد التسليم" (٥).
وجاءت أحاديث أُخرى أن رسول اللَّه ﷺ سجد قبل أن يُسلم من الصلاة، كما في حديث ابن بحينة (٦) وغيره.
فسجود السهو ثبت عن رسول اللَّه ﷺ .
والمسلم مطالب بأن يأتي إلى الصلاة وقد جرد نفسه من كل أمر من أمور الدنيا، مقبلًا على اللَّه ، مقبلًا على الآخرة، يبتغي بهذه الصلاة وجه اللَّه والدار الآخرة، لا يريد غير ذلك، يأتي مخلصًا صادقًا بعيدًا عن الرياء، بعيدًا عن حب الظهور، لا يُحسِّن صلاته؛ ليُقال فلانٌ
стр. 2417
يحسن صلاته، فإن هذا من الرياء، والرياء من الشرك الأصغر، فينبغي للمرء أن يتجنب مثل هذه الأمور وأن يخلص في عبادته.
واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ [الزمر: ١٤].
فينبغي للمرء أن يأتي صافي القلب مطمئن النفس، حتى لا يوسوس له الشيطان، ولا ينبغي أن ينشغل بأفكاره، لكن مهما كان الإنسان فهو بشر، قد تتوارد عليه خواطر، وقد تتوارد عليه أفكار، وقد تكون هناك غموم أو أمور تشغله، إما أنه مشغول بسبب مال أو ولد، أو مشغول بقضية حلت بالمسلمين، فالمسلم يهتم بأمور المسلمين، فهذا يشغل باله فيفكر في صلاته وقد ينسى وقد حصل هذا من رسول اللَّه ﷺ ، ومن الصحابة حتى نُقِلَ عن عُمر أنه قال: إنه أحيانا يُجهِّز الجيوش وهو في الصلاة (١).
لكن الحذر كل الحذر أن يتخذ الإنسان الصلاة مكانًا ليتذكر ما نسي، أو أن يفكر في أمور ليس فيها خير؛ يعني: في أمور لا يجوز أن يفكر فيها أصلًا، فلا ينبغي أن يجعل الصلاة ميدانًا لذلك، أمَّا أن يفكر في أمور الدنيا فهذا يحصل لكل إنسان.
[الفصل الثاني في معرفة مواضع سجود السهو]
قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:
(الفَصْلُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ).
стр. 2418
رسول اللَّه ﷺ سهى وهو بشر كما بينا سابقًا: "فقام من اثنتين ولم يجلس للتشهد الأول" فنجده ﷺ سجد قبل أن يُسَلِّم ثم سَلّم (١).
وثبت أيضًا عنه ﵊: "سلَّمَ من اثنتين ثم ذُكِّرَ ﵊ وتبين أنه قد نسي فعاد فأتى ﵊ بما بقي من الصلاة الرباعية، ثم إنه عليه -الصلاة والسلام- سجد أيضًا للسهو" (٢).
فهناك مواضع خمسة صَحّ فيها عن رسول اللَّه ﷺ أنه سجد في الصلاة للسهو، فهل نقتصر على هذه المواضع؟ أو نُعَدِّيها إلى غيرها؟
لا شك أننا نلحق بها غيرها مما يحتاج إلى سجود سهو.
والصلاة تقوم على أمرين: أفعال وأقوال.
وأفعال الصلاة منها ما هو من جنس الصلاة كما في الركوع والسجود والقيام، ومنها ما هو خارج عن الصلاة قد يفعلها المرء في صلاته كأن يتقدم وهو يصلي، أو يتحرك، أو يَحُك جزءًا من بدنه، أو يرفع شيئًا أو يضعه، أو يفتح بابًا أو يغلقه. . إلى غير ذلك، فهذه الأمور ليست من جنس الصلاة، ولكل شيء حكم يخصه.
وهناك أقوال تكون من صلب الصلاة كالتكبير، والسجود، والقراءة، وهناك أمور ليست من أقوال الصلاة كأن يتكلم الإنسان في صلاته.
لو أن إنسانًا قام من التشهد الأول ووقف قائمًا وشَرَعَ في قراءة الركعة الثالثة؛ لا يجوز له أن يرجع في هذه الحالة، وحتى لو استقر قائمًا قبل أن يشرع في القراءة، ولذلك يختلف العلماء، فبعضهم يرى: بطلان الصلاة، لكنه لو استمر قائمًا وانتهى؛ فإنه يسجد سجدتين للسهو وتصبح صلاته صحيحه.
стр. 2419
كذلك لو أنَّ إنسانًا جلس بعد الركعة الأولى فإن عليه أن يقوم، وحينئذ يكون قد أخطأ في صلاته وعليه أن يسجد للسهو وهكذا، والأمثلة كثيرة جدًّا.
* قوله: (فَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مَوْضِعُهُ أَبَدًا قَبْلَ السَّلَامِ، وَذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَهُ أَبَدًا بَعْدَ السَّلَامِ، وَفَرَّقَتِ المَالِكِيَّةُ، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانِ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ) (١).
اختلف العلماء في مسألة موضع السجود على أقوال:
القول الأول: وهو مذهب الشافعية ورواية للإمام أحمد وليست هي الرواية المشهورة.
وأدلتهم: أنَّ رسول اللَّه ﷺ سجد للسهو قبل أن يسلم كما في
стр. 2420
حديث عبد اللَّه بن بحينة المتفق عليه (١)، فإنَّ الرسول ﷺ قام من اثنتين ولم يجلس، أي: قام من التشهد الأول، وقام الناس أيضًا وراءه، ولذلك ينبغي أن يُتبَع الإمام إلا فيما يتعلق بالزيادة في الصلاة، كما لو قام إلى خامسة وتيقن المأموم ذلك؛ فليس له أن يتبعه في هذه الحالة.
والرسول اللَّه ﷺ قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلم يَدرِ أصلى ثلاثًا أمْ أربعًا؛ فليطرح الشِّك وليبن على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلاها خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماما لأربع كان ترغيمًا للشيطان (٢)).
فهذان الحديثان فيهما أنَّ الرسول ﷺ سجد للسهو قبل السلام، فاعتبر الشافعية أنَّ ذلك هو القدر الذي ينبغي الوقوف عنده ولا يتجاوزه، ثم عللوا ذلك بتعليل عقلي، فقالوا: ولأن أي خطأ أو سهوٍ يحصل في الصلاة إنما هو من شأنها، والذي يكون من شأن الصلاة ينبغي أن يكون داخل الصلاة لا خارجها، وداخل الصلاة إنما يكون قبل التسليم لا بعده، كما هو الحال في الجبرانات التي تحصل للحج فيما لو ارتكب الإنسان محظورًا (٣).
القول الثاني: وهو قول الحنفية يقولون: بأنَّ سجود السهود دائمًا يكون بعد السلام، لأنَّ الرسول ﷺ سلّم من اثنتين ثم سأله ذو اليدين فقال له: يا رسول اللَّه أنسيتَ أم قصرتْ؟ فقال: "لم أنسَ ولم تقصرْ"، ثم إنه سأل أصحابه وكان منهم أبو بكر وعمر فأقروا ذا اليدين على ذلك فعاد رسول اللَّه ﷺ فصلى الركعتين اللتين سلَّم قبل تمامهما، ثم بعد ذلك جلس رسول اللَّه ﷺ للتشهد ثم سجد سجدتي السهو، ثم بعد ذلك سلَّم، وفي بعض الروايات: أنه جلس للتشهد مرة أُخرى. متفق عليه (٤).
стр. 2421
يقول الحنفية: هذا دليل على أن رسول اللَّه ﷺ سجد بعد السلام.
ويستدلون أيضا بحديث عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وإذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرَّ الصوابَ؛ فلْيُتِمَّ عليه" أي: إذا تحرى الصواب؛ فليتم على هذا الصواب. "ثم لِيسجدْ سجدتين"، وهذا حديث متفق عليه (١)، وفي رواية للبخاري: "بعد التسليم" (٢).
قالوا أيضًا: هذا دليل على أنَّ السجود يكون بعد التسليم (٣).
واستدلوا أيضًا بحديث آخر فيه كلام للعلماء (٤) وهو حديث ثوبان أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لكلِّ سهوٍ سجدتانِ بعد السَّلامِ" (٥).
القول الثالث: ومن العلماء من توسط في ذلك فقالوا: بالفرق بين أن يكون السجود لنقص في الصلاة؛ فيكون قبل السلام، أو يكون السجود لزيادة فيكون بعد السلام.
القول الرابع: ومن العلماء مَن سلك مسلكًا آخر فقال: كل موضع سجد فيه رسول اللَّه ﷺ بعد السلام فنسجد فيه بعد السلام، وهي ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: حين سلَّم من اثنتين ولم يتم الصلاة.
الموضع الثاني: حين سلَّم من ثلاث.
стр. 2422
الموضع الثالث: وفي التحري من الصلاة. وما عدا ذلك يكون السجود فيه مطلقًا قبل السلام، وهذا هو مذهب الحنابلة (١).
القول الخامس: ومن العلماء من قال: إن سلَّم لنقص في الصلاة؛ كان السجود قبل التسليم، وإن كان سهوه لزيادة في الصلاة كان بعد التسليم، وهذا هو مذهب الإمام مالك (٢) وهي رواية للإمام أحمد.
وهؤلاء الذين قالوا نقتصر على النص فيما جاء بعد السلام قالوا: لأنَّ الأصل أنَّ ما يحصل من خلل في الصلاة إنما تجبر بها وهذا يكون قبل الصلاة.
فكل ما لم يرد فيه نص نجعل السجود فيه قبل السلام.
القول السادس: ومنهم من اقتصر فقط على مواضع النص وقال: لا يسجد للسهو إلا في مواضع خمسة، وهذا هو مذهب أهل الظاهر (٣)، وأهل الظاهر -كما هو معلوم- يقفون عند ظواهر النصوص، ولا يأخذون بالقياس.
وهذا اتجاه خاطئ؛ لأن القياس معتبر شرعًا، والقصد بالقياس الذي يلتقي فيه المُشَبه بالمُشَبه به، أو المقيس بالمقيس عليه في علة تجمع بينهما، وهو ما يُعرَف بقياس العلة. وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسُّنّة تُثبت صحة القياس، وأنه أحد الأدلة الشرعية التي يُستدل بها في هذه الشريعة الإسلامية الخالدة.
стр. 2423
وهذا الاختلاف وقع؛ لوجود نصوص، فمنها مواضع سجد فيها الرسول ﷺ قبل السلام، وأُخرى سجد فيها بعد السلام، فمنهم من أخذ بهذا ومنهم من أخذ بهذا، ومنهم من توسط في ذلك فقال: نأخذ بالأدلة جميعًا ولا نعمل ببعضها ونترك البعض الآخر، فنجعل ما قبل السلام للنقص، وما بعد السلام للزيادة، ومنهم من قال: نأخذ بما بعد السلام فنقف عند مورد النص ولا نتجاوزه، وما قبل السلام نُلحق به غيره؛ لأن كل خلل في الصلاة إنما يكون من شأن الصلاة، وشأنها ينبغي أن يكون قبل التسليم منها، ومنهم من اقتصر على مورد النص فقط وهذا قول ضعيف وهذا مذهب أهل الظاهر.
فاختلاف العلماء في هذه المسألة، وغيرها من المسائل الكثيرة؛ إنما القصد منه هو الوصول إلى الحق، فهؤلاء الأئمة يجتهدون في أقوالهم، وكل غايتهم التي يريدون الوصول إليها هي بلوغ الحق من أقرب طريق وأهدى سبيل، فهم لا يريدون مخالفة رسول اللَّه ﷺ ، ولا يريدون الخروج عن الكتاب والسنة، وإنما غايتهم هو العمل بما في كتاب اللَّه وفي سنة رسول اللَّه ﷺ ، لكنهم يجتهدون في فهم النصوص وفي تأويلها، وهذا هو شأن العلماء الراسخين في العلم.
* قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ السَّلَامِ، فَمَا كَانَ مِنْ سُجُودٍ فِي غَيْرِ تِلْكَ المَوَاضِعِ، يَسْجُدُ لَهُ أَبَدًا قَبْلَ السَّلَامِ) (١).
قالوا: لأن ذلك من شأن الصلاة، وشأن الصلاة وما يَحصُل فيها من خلل إنما ينبغي أن يكون في داخلها قبل التسليم منها، هذا هو تعليلها وهو تعليل وجيه.
стр. 2424
* قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي المَوَاضِعِ الخَمْسَةِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَطْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فَرْضًا أَتَى بِهِ، وَاِنْ كَانَ نَدْبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ).
قالوا: لا يحتاج إلى أن نسجد للسهو، في غير هذه المواضع الخمسة، فإن تُرِكَ ركن أتي به، وإن تُرِكَ غير ركن فلا يحتاج إلى أن يأتي به، وإنما لا يُسجد للسهو في غير هذه المواضع (١).
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ ﵊ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ" (٢)).
الرسول ﷺ لم يجلس للتشهد الأول، وهذا يترتب عليه أمور مهمة، فلينبغي أن نلحظ ذلك في الصلاة، ولذلك عُني العلماء بهذا الحكم.
فلو أن إمامًا نسي أن يجلس للتشهد الأول، فالعلماء جعلوا لذلك أحوال ثلاثة.
الحال الأول: في أثناء القيام قبل أن يستتم قائمًا -يعني أن ينتصب- تذكر أنه لم يجلس؛ ففي هذه الحالة يعود. عند أكثر العلماء (٣).
стр. 2425
وهذا ورد فيه حديث وإن تكلم فيه البعض (١): "إن استتم قائمًا فلا يرجع، وإن لم يستتمَّ يعود" (٢).
وعند بعضهم: مجرد أن يقوم من الأرض لا يعود كما هو مذهب مالك (٣).
الحال الثاني: أن يتذكر بعد أن استتم قائمًا وقبل أن يشرع في القراءة، وفي هذه الحال اختلف فيها العلماء:
بعضهم قال: يعود (٤)، وبعضهم يقول: لا يعود، وبعضهم قال: لو عاد بطلت صلاته (٥)، وبعضهم قال: لا تبطل صلاته، والأولى أن
стр. 2426
لا يعود (١).
الحال الثالث: أن يذكر ذلك بعد أن شرع في القراءة. فليس له أن يعود في هذه الحالة (٢)؛ لأنه لو رجع لترك ركنًا قد شرع فيه وعاد إلى أمر ليس ركنًا وإنما هو واجب عند بعض العلماء، سُنة عند كثير منهم؛ فلننتبه لذلك غاية الانتباه.
وهناك قول ضعيف يرى فيه أن الإنسان وإن شرع في القراءة يعود، هذه أمور تتكرر وتحصل للإنسان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
• مسألة: إذا قام الإمام ولم يجلس للتشهد:
ومسألة أُخرى هامة: "قام ولم يجلس"، فعندما يقوم الإمام ولم يجلس للتشهد، ينبغي لك أن تتبع إمامك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إنما جُعِلَ الإمَامُ ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (٣)، وتركك لهذا لا يُفسد عليك صلاتك؛ حتى وإن قال بعض العلماء كالحنابلة بأنه واجب لا يرون أن تركه سهو يُبطل الصلاة؛ فيُجبر بسجود السهو.
стр. 2427
وهذه القضية حصلت لمعاوية ﵁ فإنه كان يُصلي بالناس فقام، فلما قام أخذ الناس يُسبحون وحصلت فلم يرجع، فلما انصرف من صلاته بيّن لهم أن رسول اللَّه ﷺ قد حصل منه ذلك، وأنه قام وأن الناس قاموا وراءه كما في حديث عبد اللَّه بن بحينة الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (أن الرسول ﷺ قام من اثنتين ولم يجلس) (١).
والأحكام التي يسهو فيها الإنسان كثيرة؛ ولذلك عقد العلماء لسجود السهو كتابًا مستقلًّا، أو بابا مستقلًّا بينوا فيه الأحكام التي تعرض للإنسان.
والجاهل لو يجهل هذا الحكم ربما يترك ركنًا من الأركان تفسد صلاته.
وربما يكون الذي تركه لا يحتاج إلى سجود سهو، كأن يجهر مثلًا في موضع إسرار أو يُسِر في موضع جهر، فهذا عند أكثر العلماء لا يقتضي سجود السهو، وعند البعض يُسجد له، لكنه لو تركه لا يؤثر.
كذلك لو تشهد مثلًا في القيام أو قرأ في الركوع أو في السجود.
فذلك لا يُسجد له، وبعض العلماء يرى أنه يسجد له، لأنك لو تركته لا يؤثر على صلاتك، لكنك لو نسيت شيئًا من هذه الأمور تعود إليه فربما تبطل ركنًا فتعود إلى غير ركن فلننتبه لهذه الأشياء.
* قوله: ("فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ").
لأنَّ الإنسان بعد أن يفرغ من التشهد يسجد كسجوده للصلاة، ثم يرفع ويجلس كما يجلس بين السجدتين، ثم يسجد مرة أُخرى، ثم يرفع رأسه، ثم يُسَلِّم عن يمينه وعن شماله، كما لو كان ذلك سلامًا من الصلاة يعني: للخروج من الصلاة، هذا هو سجود السهو.
стр. 2428
* قوله: (وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ المُتَقَدِّمِ، إِذْ سَلَّمَ مِن اثْنَتَيْنِ).
هذا الحديث رواه أبي هريرة ﵁ ورواه أيضًا صاحب القصة ذو اليدين، وسُمي ذي اليدين لأن في يديه طولًا، يعني: يداه ممتدتان، وقصته: أن رسول اللَّه ﷺ كان يُصلي بأصحابه إحدى صلاتي العشي، فسلم من اثنتين فلما انصرف هابه بعض الصحابة وكان فيهم أبو بكر وعمر، فقام ذو اليدين، جاء الحديث في روايات متعددة فقال: (يا رسول اللَّه أنسيت أم قُصِرت الصلاة؟).
فقال ﷺ : "ما نسيت وما قصرت"، ثم قام كما في حديث أبي هريرة الطويل: (على خشبة فوقف واضعا كفه الأيمن على كفه الأيسر، ثم التفت إلى بعض أصحابه فقال: "أصدق ذو اليدين؟ " قالوا: نعَم يا رسول اللَّه، فعاد فصلى الركعتين الباقيتين، ثم جلس للتشهد، ثم سلم، ثم سجد سجدتين للسهو ثم بعد ذلك سلم، وفي بعض الروايات: أنه جلس للتشهد مرة أُخرى (١).
والرسول بشر وقد نَسي، ربما انشغل بأمر من الأمور فنسي، ونسيان الرسول ﷺ تقرير أحكام لأمته، فالرسول ﷺ عندما نسي بيّن لنا الحكم في ذلك، وهو الذي نتلقى عنه الأحكام جميعًا.
وهناك أحكام كانت موجودة ثم نُسِخَت وأحكام تَجِدُّ، فالقبلة كانت إلى بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرًا، ثم بعد ذلك حولت إلى الكعبة قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤].
стр. 2429
وعن عائشةَ زوج النبيِّ ﷺ ؛ أنها قالت: "فُرِضَتِ الصلاةُ ركعتينِ ركعتين في الحضرِ والسفرِ. فأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ، وزِيدَ في صلاةِ الحضرِ" (١).
والصحابة لا يستغربون أن يحصل تغيير في حكم من الأحكام؛ لأنهم يعيشون مع رسول اللَّه ﷺ ، والقرءان ينزل والأحكام إنما تُبلغ إليهم من رسول اللَّه ﷺ .
وهذه القضايا التي تحصل على عهد الرسول ﷺ فيها فائدة للمسلمين، فكم من الوقائع التي وقعت نجد أن فيها فوائد عظيمة، ففي قصة الذي وقصته دابته في الحج فوقع فمات (٢)، العلماء استفادوا من ذلك كثيرًا من الأحكام منها: عدم تخمير رأس الميت؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا، وذكر حول ذلك عدة أحكام، وربما تشيع الفاحشة في المجتمع لكي تكون فيها دروس وعبر كما في قصة القذف (٣)، فهناك قذف وقع وهو بهتان وزور وكذب، واللَّه طَهّرَ من قُذِفَ وبيّنَ كذب الذين رموه بالقذف وأصبح ذلك في كتاب اللَّه.
لكنها أحكام أصبحت آيات تقرأ في كتاب اللَّه ، وأحكام شُرعت لنا، وقد حذرنا اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١].
وفيما حصل خير للذين رُموا لأنهم كسبوا أجرًا عظيمًا، لكن اللَّه بعد ذلك قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
стр. 2430
فلنحذر كل الحذر أن نخوض في أعراض المسلمين ونتكلم فيهم، وبخاصة إذا كان كلامنا لا يُبنى على حق، وأبواب النصحية مفتوحة، وواجب المسلم نحو أخيه المسلم أن يَصدُقَه النصيحة، وأن يدله على طريق الخير، وأن يسأل اللَّه له الهداية والتوفيق، وليس من حق أحد أن يحكم على أحد بأنه لا يهتدي، واللَّه قال في الحديث القدسي "من ذا الذي يتأله علي؟ "، وفي قصة الرجل الذي قال: "واللَّه لا يغفر لفلان" فغفر اللَّه لذلك الرجل وسخط على هذا (١).
ليس لأحد أن يتأله في أحكامه على أحكام اللَّه .
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال ﷺ : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فلننتبه لمثل هذه الأمور، ولندرك غاية الإدراك حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فإنَّ للمسلم على أخيه المسلم عدة حقوق، لكن لو كان هذا الإنسان فاسقًا أو رجلًا يُسيء للدين فلا يمنع أن تُبين عيب هذا الإنسان وأن تكشف شره، لكن الإنسان إذا رتكب خطأ مستورًا فعليك أن تناصحه وأن تدله على طريق الخير اقتداء برسول اللَّه ﷺ فإنه كان يقول: "ما بال أقوام" والسلف ﵃ ربما تقع الواحد منهم عينه على خطأ فينصرفوا عنه، أو يرشدون ويدلون ويحاولون هداية الناس إلى طريق الخير.
стр. 2431
* قوله: (فَذَهَبَ الَّذِينَ جَوَّزُوا القِيَاسَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ -أَعْنِي: الَّذِينَ رَأَوْا تَعْدِيَةَ الحُكْمِ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا ﵊ إِلَى أَشْبَاهِهَا).
مراد المؤلف أن نُعَدِّي الحكم إلى أحكام أُخرى، ليس كما يقول أهل الظاهر من عدم القياس.
* قوله: (فِي هَذِهِ الآثَارِ الصَّحِيحَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ).
يقصد بالآثار الأحاديث الصحيحة؛ لأن هناك مصطلحًا عند المحدثين وهو: أنهم يطلقون الأثر على ما يُروى عن الصحابي أو يوقف عليه، والحديث ما يرفع إلى رسول اللَّه ﷺ وقد يطلق هذا على هذا والعكس، لكن مصطلح المؤلف أنه يُطلق على الحديث أنه أثر.
* قوله: (أَحَدُهَا: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الجَمْعِ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الجَمْعِ وَالتَّرْجِيحِ).
هناك منهج وضعه العلماء عندما وجدوا نصوصًا ظاهرها التعارض.
كالترجيح والنسخ والجمع، ولا شك أنَّ أسلم هذه الطرق وأولاها إنما هو طريق الجمع.
وطريق الجمع أن تأتي بالأدلة كلَّها فتحاول أن توفق بينها وتعمل بها جميعًا، ولا شك أن الذين قالوا بأن السجود يكون قبل السلام أو بعده جمعوا النصوص، وأن الذين قصروا السجود على ما قبل السلام رجحوا بعض النصوص التي وردت قبل السلام، والذين قصروه على ما قبل السلام رجحوا النصوص التي وردت بعد السلام.
والأولى هو الجمع بين جميع الأدلة، فإن ذلك أولى من أن نعمل بعضها ونترك البعض الآخر، فما بعد السلام نعمل بأحاديثه، وما قبل السلام نعمل بأحاديثه، وما لم يرد فيه نص فيُلحق بما قبل السلام لا ما بعده، فهذا أخذ بالجمع والترجيح معًا.
стр. 2432
* قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ الثَّابِتِ: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِكمْ صَلَّى، أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّاهَا خَامِسَةً، شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كانَتْ رَابِعَةً، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ" (١)، قَالُوا: فَفِيهِ السُّجُودُ لِلزّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةُ الوُقُوعِ خَامِسَةً).
هذه الرواية المشهورة لحديث أبي سعيد وسيكررها المؤلف بعد هذا، والشيطان يسعى ليفسد على الإنسان؛ لأنه لا يريد أن يرى المؤمن في سعادة وطاعة للَّه وانقياد وذل واتباع لطريق الهدى، لأنه ضل طريق الرشاد وسلك طريق الغواية، فيريد الناس كلهم يضلون، فالذي يضل يفرح الشيطان؛ لأنه أرضاه؛ ولأنه يسلك الضلال والغواية والمعاصي، أما الذي يتبع طريق الهداية ويتجنب المعاصي ويعمل بالطاعات فهذا يُرضي ربه ، فأي الطريقين أهدى؟ أي الطريقين أحق بالأمن؟
لا شك أن طاعة اللَّه هي المطلوبة وهي الواجبة، وأن طاعة الشيطان لا ينبغي، فعلى المؤمن أن يحذر ذلك غاية الحذر.
* قوله: (وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ (٢) ").
ابن شهاب الذي أشار إليه المؤلف بإيجاز: هو الإمام محمد بن
стр. 2433
مسلم الزهري واشتهر بين علماء الفقه والحديث بالإمام الزهري، وهو من جهابذة علم الحديث وله مكانة عظيمة فيه، وهو أحد التابعين الذين نهلوا من علم رسول اللَّه ﷺ فأخذه صافيًا نقيًا لم تشبه شائبة ولم تخالطه أكدار؛ لأن الصحابة أخذوه من مشكاة النبوة نقيًا غير كدر.
فهو تلقى عن الصحابة ﵃ في له مكانة عظيمة وله جهود عظيمة، وهو من مقدمة العلماء الذين اختارهم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ عندما أقدم على تدوين سُنّة رسول اللَّه ﷺ ، فالسُنّة لم تُكتَب في عهد الرسول ﵊، وما كُتِبَ من ذلك إنما هي شذرات يسيرة، كما جاء في الحديث الصحيح وهو قوله ﵊: "اكتبوا لأبي شاه".
وعمر بن الخطاب ﵁ كان ينزل القرءان في مواضعَ كثيرةٍ مؤيدًا لرأيه، وحين أراد أن يُقدم على كتابة أحاديث رسول اللَّه ﷺ تردد في ذلك وتوقف، والسبب الذي دفعه ودفع الصحابة ﵃ ألا يُقدموا على كتابة الحديث هو خوفهم أن يختلط الحديث بكتاب اللَّه .
فالصحابة ﵃ لم يكونوا عازفين عن كتابة الحديث ولا معرضين عنها، وإنما تركوا ذلك لأمر جلل وهام ألا وهو خشية اختلاط الحديث بكتاب اللَّه ، فلما تمت كتابة المصحف في زمن عثمان ﵁ ووزع المصحف على الأمصار، واطمأن العلماء لذلك، فلما جاء زمن عمر بن عبد العزيز ﵁ خشي أن تُنسى السُنّة وربما يموت الذين حفظوها في صدورهم، فأراد أن تدون أحاديث رسول اللَّه ﷺ في كتب مسطورة لتتلقاها الأمة، وقد يسر اللَّه في هذه الأمة من العلماء العاملين الذين عكفوا على دراسة وحفظ سُنة الرسول ﷺ وأفنوا فيها حياتهم ووقفوا أعمارهم في خدمة هذا الدين فعُنوا بها، فبيّنوا الحديث الصحيح من الضعيف وأبعدوا الموضوع عنها، وتتبعوا ذلك بكل عناية وتدقيق، ولا شكَّ أنَّ ما يُعرف بعلم السَنَد إنما هو مما اختص في هذه الأمة، كما أنها اختصت بما يُعرَف بعلم أصول الفقه.
стр. 2434
فهذه ميزة عظيمة وكرم من اللَّه أن وفّق المتقدمين من علماء هذه الأمة إلى أن دونوا سُنّة رسول اللَّه ﷺ فحُفِظَت في هذه الكتب ونقلت إلينا، ويسر اللَّه من أهل العلم والفضل من عُني بذلك غاية العناية.
الذي دفعنا إلى الحديث عن السنة وتدوينها هو أنه مرَّ بنا ذكر محمد بن شهاب الزهري وهو ممن ينبغي أن نوفيه قدره، ولو أردنا أن نتكلم عن حياته لطال، لكن هذه إلمامة بسيطة فقط، نُشير فيها إلي مكانة هذا الرجل.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ ذِي اليَدَيْنِ فَقَالَ: السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَاحْتَجُّوا لِتَرْجِيحِ هَذَا الحَدِيثِ بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَدْ عَارَضَ حَدِيثَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "أَنَّهُ ﵊ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ").
حديث ضعيف، ولكن هناك أحاديث صحيحة في السجود بعد السلام كحديث ذي اليدين وحديث ابن المسعود في التحري وهو متفق عليه، وبعد التسليم جاءت أحاديث في صحيح البخاري، لكن هذا لا يمنع أن يكون هناك سجود قبل السلام وسجود بعده كما بيّنا.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَيْسَ مِثْلَهُ فِي النَّقْلِ فَيُعَارَضُ بِهِ (١)).
يريد أنَّ حديث المغيرة بن شعبة ليس مثل حديث ابن بحينة المتفق عليه في النقل، فلا تأتي بحديث فيه مقال فتوازن بينه وبين حديث متفق عليه في البخاري ومسلم وغيرهما، فلا يمكن أن تأتي بحديث بلغ الغاية في الصحة فتحاول أن تعارضه بحديث ضعيف، هناك فرق كبير، والموازنة هنا غير صحيحة وغير تامة.
стр. 2435
وأبو عمر هو: ابن عبد البر الإمام الأندلسي الجميل، صاحب كتاب الاستذكار، وكتاب التمهيد، وهما كتابان جليلان، شرح فيهما كتاب الموطأ للإمام مالك، وهو من علماء الحديث والفقه، وله إسهامات عظيمة في خدمة هذا الدين، وله كتب قيمة ومفيدة.
* قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّابتِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا، وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ (١) ").
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، ولذلك نُقِل تردُّد القول فيها عن الإمام أحمد: أنه إذا قام الإمام إلى الخامسة هل يسجد قبل السلام أو بعده؟
لأنه جاء أنه سجد بعد السلام، وجاء أيضًا خلاف ذلك أو السكوت عن ذلك (٢).
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ لَا تَتَنَاقَضُ).
وهذا هو القول الرشيد والصحيح، فينبغي أن نعمل بجميع الأدلة.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ السُّجُودَ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ فِي الزِّيَادَةِ، وَالسُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ فِي النُّقْصَانِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّجُودِ فِي سَائِرِ المَوَاضِعِ كَمَا هُوَ فِي هَذَا المَوْضِعِ، قَالُوا: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الأَحَادِيثِ عَلَى التَّعَارُضِ).
هذه الرواية في مذهب أحمد، لكنَّ الرواية المشهورة عن الإمام
стр. 2436
أحمد أنه يسجد بعد السلام فيما سجد فيه رسول اللَّه ﷺ ، وما عدا ذلك يسجد فيه قبل السلام، سواء ورد فيه نص أو لم يرد (١) لأن ذلك من شأن الصلاة فينبغي أن يكون قبل التسليم والخروج منها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ وَالتَّرْجِيحِ، فَقَالَ: يَسْجُدُ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ تِلْكَ المَوَاضِعِ، وَأَمَّا المَوَاضِعُ الَّتِي لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَالحُكْمُ فِيهَا: السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَكَأَنَّهُ قَاسَ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا ﵊ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَأَبْقَى سُجُودَ المَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا عَلَى مَا سَجَدَ فِيهَا، فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَبْقَى حُكْمَ هَذِهِ المَوَاضِعِ عَلَى مَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهَا مُتَغَايِرَةَ الأَحْكَامِ هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ، وَرَفْعٌ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ مَفْهُومِهَا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَدَّى مَفْهُومَ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ المَسْكُوتَ عَنْهُ، فَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ التَّرْجِيحِ - أَعْنِي: أَنَّهُ قَاسَ عَلَى السُّجُودِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَقِسْ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ).
هذا هو مذهب الإمام مالك، قال: نعمل بكل الأحاديث التي جاءت قبل السلام وبعده، لكن في الحالة التي لم يرد فيها نصٌّ نرجح ما قبل السلام لأنه الأصل؛ لأن الصلاة تنتهي بالخروج منها بالتسليم، فينبغي أنْ يكون يكون السجود قبل السلام لا بعده فما لم يرد فيه نص (٢).
وهذا القياس مقبول وسليم؛ لأنك إذا أردت أن تقيس فينبغي أن تقيس على ما هو داخل الصلاة، أما ما هو خارج الصلاة فقد يَرِدُ عليه
стр. 2437
اعتراض؛ لأن الذي خارج الصلاة يجب أن تقتصر فيه على النص، أما الذي داخل الصلاة فهو خلل فيها، فينبغي أن يُعالج داخل الصلاة لا خارجها، إلا إذا ورد نص في ذلك فنقف عنده ونقول: (سمعنا وأطعنا).
والإمام أحمد قد عمل بالنص فيما بعد السلام، وعمل بالنص في السجود قبل السلام فيما ورد فيه، لكنه أيضًا استخدم القياس في الأمور التي لم يرد فيها نص، فألحق المسكوت عنه بالمنطوق لوجود علة تجمع بينهما، يعني: عَدَّا الحكم على غيره.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ هَذِهِ الأَفْعَالِ حُكْمًا خَارِجًا عَنْهَا، وَقَصَرَ حُكْمَهَا عَلَى أَنْفُسِهَا، وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَاقْتَصَرُوا بِالسُّجُودِ عَلَى هَذِهِ المَوَاضِع فَقَطْ).
أهل الظاهر لا يعملون بالقياس، ولذلك عطلوا كثيرًا من الأحكام وقالوا: لم يرد فيها نص، ويرون أن القياس إنما خروج عن الشرع ومخالفة للنصوص.
لكن حين نتأمل سنجد هناك أمورًا لم ينص عليها هي أولى بالحكم مما نص عليه، فاللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣].
فنُهِيَّ عن التأفيف بالنسبة للوالدين وعن النهر، لكن هناك أمور أكبر من ذلك كالضرب والسب والشتم. إذًا في هذا نقف عند النصوص أم نقيس، والأمثلة في ذلك كثيرة جدًّا!
ويستدلون بقول علي: "لو كان الدين بالرأي لكان المسح بالخف أولى من المسح من أعلاه (١).
نعم قصد علي ﵁ أنَّ الأمور التي ورد فيها النص لا ينبغي أن
стр. 2438
نخالف النص فنعمل بالقياس، لكن ما لم ينص عليه نحن نلحقه بما فيه ورد فيه نص، والرسول ﷺ نفسه قد قاس وهو قدوة هذه الأمة، فعندما جاءه رجل وأخبره أن زوجته ولدت غلامًا يُخالف لونه لون أمه وأبيه، كما في الحديث (أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ جاءهُ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ امرأتي ولدتْ غلامًا أسود، فقال: "هل لك من إبلٍ؟ ". قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ ". قال: حمرٌ، قال: "هل فيها من أورقٍ؟ ". قال: نعم، قال: "فأنى كان ذلك؟ ". قال: أراه عِرقٌ نزعَه، قال: "فلعل ابنَك هذا نزعهُ عِرقٌ" (١).
فهذا هو القياس، واللَّه تعالى يقول في كتابه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
والاعتبار إنما هو المقايسة، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل القياس فالأدلة كلها تثبت القياس، وعمر بن الخطاب ﵁ نزل القرءان مؤيدًا لرأيه عندما كتب كتابه العظيم في القضاء إلى أبي موسى الأشعري قال له: اعرف الأمور والأشباه وقِس الأمور برأيك (٢).
ورسول اللَّه ﷺ عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: "إن عرضَ لك قضاءٌ فبِمَ تحكمُ؟ " قال: أحكمُ بكتابِ اللَّهِ، قال: "فإن لم تجدْ"، قال: فسنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "فإن لم تجدْ"، قال: أجتهدُ رأيي ولا آلو، فضربه ﷺ في صدرِه وقال: "الحمدُ للَّهِ الذي وفَّق رسولَ رسولِ اللَّهِ لما يرضِي رسولَ اللَّهِ" (٣).
ونحن في هذا الزمان كم من المسائل جدت، وكم من الوقائع وقعت، وكم من الأحداث حصلت، فنحن بحاجة إلى أن نلحقها بغيرها،
стр. 2439
ولو قلنا: إن باب القياس والإلحاق مردود وممنوع لما استطعنا بذلك أن نورد حلًا لهذه الأمور، مع أن هذه شريعة خالدة جاءت لتبقى صالحة لكل زمان ومكان، وليُحكَم بها إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، حتى إن نزل عيسى ابن مريم ﵇ فإنه سيحكم بهذه الشريعة.
فالشريعة فيها حل لكل مشكلة، وجوابٌ عن كل معضلة، فمهما تعددت المسائل وتنوعت الوقائع والحوادث فإن شريعة الإسلام تستوعب ذلك كله، وإن وجد تقصير أو نقص فليس من شريعة اللَّه إنما من الذين ينتسبون إلى الشريعة، فينبغي أن نُبينها حق البيان، وأن نُعرِّف الناس بها، وواجبنا عظيم في هذا المقام.
* قوله: (وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَجَاءَ نَظَر مُخْتَلِطًا مِنْ نَظَرِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَنَظَرِ أَهْلِ القِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اقْتَصَرَ بِالسُّجُودِ -كَمَا قُلْنَا- بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى المَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الأَثَرُ، وَلَمْ يُعَدِّهُ، وَعَدَّى السُّجُودَ الَّذِي وَرَدَ فِي المَوَاضِعِ الَّتِي قَبْلَ السَّلَامِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَدِلَّةٌ يُرَجِّحُ بِهَا مَذْهَبَهُ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، أَعْنِي: لأَصْحَابِ القِيَاسِ).
المؤلف يريد أن يقول: هذه هي آراء العلماء وهذه هي أدلتهم قد بيناها جملة، ونحن قد فصّلناها وأضفنا إليها أدلة أُخرى.
ولكل واحد منهم أدلة قياسية وهي ما يعرف بالأدلة العقلية يكوِّن فيها مذهبه ويسنده ويعضده، لكن لا شك أن الحق في ذلك إنما العمل بسُنّة - رسول اللَّه ﷺ ، فما ورد فيه نص نقف عنده ولا ينبغي أن نتجاوزه.
* قوله: (وَلَيْسَ قَصْدُنَا فِي هَذَا الكِتَابِ فِي الأَكْثَرِ ذِكْرَ الخِلَافِ الَّذِي يُوجِبُهُ القِيَاسُ).
مُراد المؤلف: وإن كنا نُعرِّج في كثير من الأحيان وفي غالبها على الأدلة العقلية، إلا أن غايتنا في الأصل في الكتاب إنما هو العناية بالأدلة النقلية؛ لأنه رَسَم منهجًا يسير عليه في كتابه ألا وهو: دراسة المسائل التي
стр. 2440
نطقت بها النصوص، أو ما كانت قريبة من النصوص، ويقصد بذلك ما يُعرَف بمفهوم الموافقة.
* قوله: (كَمَا لَيْسَ قَصْدُنَا ذِكْرَ المَسَائِلِ المَسْكُوتِ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ إِلَّا فِي الأَقَلَ).
يريد المؤلف أن مجال الفقه مجال واسعٌ وفروعه متعددة ومسائله الجزئية منتثرة، وأنه يصعب الإلمام بها وجمعُها في كتاب كهذا الكتاب، لكنه قد يحتاج أحيانًا إلى أن يذكر فرعًا من الفروع، وقد نبهنا على كثير من ذلك، ولهذا نبه على هذا في هذه المسألة حتى لا يؤخذ عليه أنه التزم منهجًا فخرمه وخرج عنه.
لكنّ نطاق البحث أحيانًا يحتاج أن يخرج الإنسان عن موضوعه؛ لأن بعض المسائل الكبرى قد لا تتبين إلا بمعرفة جزئياتها، ولذلك نحن نجد أن ضبط الفروع إنما يقوم بمعرفة الأصول، لكنَّ بيان الأصول يحتاج إلى تطبيقات وتفريعات حتى تعرف بها قواعد ومسائل أمهاتها.
* قوله: (وَذَلِكَ إِمَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْهُورَةٌ وَأَصْلٌ لِغَيْرِهَا، وَإِمَّا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَثِيرَةُ الوُقُوعِ).
المسائل المشهورة الكبرى تكون على صورتين:
الصورة الأولى: مسائل مشهورة في ذاتها كمسألة النية -كما مرت- وما يتعلَّق ببعض أحكام الصلاة، وكذلك مباحث في الطهارة.
الصورة الثانية: أو مسائل أصول يتفرع عنها مسائل فرعية، كالمسائل المتفرعة من مسألة النية.
* قوله: (وَالمَوَاضِعُ الخَمْسَةُ الَّتِي سَهَا فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ).
بعد أن ذكر المؤلف هذا المبحث بشيء من التفصيل أراد أن يذكرنا بأنَّ المواضع التي سها فيها رسول اللَّه ﷺ هي خمسة، وسيذكر أدلة سجوده ﷺ .
стр. 2441
* قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ).
هو حديث متفق عليه، الرسول ﷺ "قام من التشهد الأول ولم يجلس" (١)، ومن هنا فَرّعَ العلماء على هذه المسألة مسائل كثيرة، منها: لو قام المصلي من التشهد أو لو أنه لم يتشهد، إلى غير ذلك من المسائل الجزئية ذات العلاقة، واعتبروا أن الأصل في ذلك حديث ابن بحينة.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ).
جاء عن طريق ذي اليدين وعن طريق أبي هريرة وغيرهما، وقد جاء بروايات متعددة بعضها في "الصحيحين" (٢).
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ صَلَّى خَمْسًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَالبُخَارِيُّ) (٣).
كان ﷺ ساهيًا، لكن ليس للإنسان أن يتعمد الزيادة في الصلاة؛ لأنه لو تعمد زيادة ركن في الصلاة لأبطل عليه صلاته؛ لأن سجود السهو إنما شُرع للزيادة في الصلاة أو للنقص منها، والزيادة تختلف، فهناك زيادة تبطل بها الصلاة وزيادة لا تبطل بها الصلاة، وهناك نقص تبطل به الصلاة إذا تُعمد، ونقص لا تبطل به الصلاة.
فالنقص يُجبَر بالإتيان به إن كان ركنًا، ثم يسجد للسهو، والزيادة إذا تذكر الإنسان وكان في خامسة فإنه يلزمه أن يعود ويجلس، ثم هناك تفصيل إن لم يكن تشهد، فيتشهد ويصلي عليه وهكذا.
стр. 2442
* قوله: (وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ).
جاء ذلك في بعض الروايات في صلاة العصر (١).
* قوله: (وَالخَامِسُ: السُّجُودُ عَنِ الشَّكِّ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ).
حديث الشك: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتمامًا لأربع كان ترغيمًا للشيطان" (٢).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا: لِمَاذَا يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ؟ فَقِيلَ: يَجِبُ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَهُوَ الأَشْهَرُ، وَقِيلَ: لِلسَّهْوِ نَفْسِهِ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالشَّافِعِيُّ).
لم يكن هناك اتفاق على أنَّ سجود السهو واجب، فهناك من العلماء من يوجبه، ومنهم من يرى أنه سُنّة (٣)، ومنهم من يُفصِّل القول في ذلك، فيقول: إن كان سجود السهو لفعل أو قول لو فُعِل عمدًا لبطلت به الصلاة فإنه يجب سجود السهو في هذه الحالة، وإلا فلا (٤)، فليس الكلام على ما ذكره المؤلف إطلاقًا.
سجود السهو ليس للسهو نفسه كما ذكر المؤلف وإنما هو لأحد أمرين: إما لزيادة في الصلاة أو نقص فيها، فمتى زاد الإنسان في صلاته
стр. 2443
أو نقص فيها فإنه يسجد وليست كل زيادة يُسجد فيها، فهناك أعمال ليست من الصلاة ولا من جنسها كالحركة أو التقدم أو أن يفعل الإنسان بعض الأفعال في الصلاة التي لا تبطلها، كذلك بعض الأقوال كالكلام إذا تكلم الإنسان متعمدًا أفسد صلاته، وهناك خلاف إن كان الكلام لمصلحة الصلاة، لكن لو تكلم سهوًا فإنه يسجد للسهو وهذا أيضًا قول لبعض العلماء، كذلك لو سلّم في غير وقت التسليم فهناك قول أنه تبطل به الصلاة إن تعمده المصلي، وإن كان غير متعمد فإنه يسجد للسهو كما فعل ذلك رسول اللَّه ﷺ سلم من اثنتين وتكلم وعندما قيل له قال: "أصدق ذو اليدين؟ " (١).
[الفصل الثالث في معرفة الأقوال والأفعال التي يسجد لها]
قال المصنف ﵀ اللَّه تعالى:
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا الأَقْوَالُ وَالأَفْعَالُ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا).
يُقَسِّم المؤلف ما يُسجد للسهو له إلى قسمين؛ لأن الصلاة تقوم على أمرين:
- إما أفعال.
- وإما أقوال.
فالركوع، والسجود، والقيام، والجلوس بين السجدتين، والجلوس للتشهد الأول والأخير. . . إلى آخره. كل هذه أفعال.
أما الأقوال: كقراءة الفاتحة، وقول: (اللَّه أكبر)، وكذلك قول: (سمع اللَّه لمن حمده)، و (ربنا ولك الحمد) و (رب اغفر لي) بين
стр. 2444
السجدتين، و (سبحان ربي العظيم) في الركوع ثلاثًا، و (سبحان ربي الأعلى) في السجود. . . وهكذا.
وهذه الأقوال منها ما هو ركن، ومنها ما هو واجب، ومنها ما هو مختلَف فيه.
فقول: (اللَّه أكبر) في الركوع وفي السجود محل خلاف بين العلماء (١)، والركوع ركن وكذلك السجود (٢)، لكن قول: (اللَّه أكبر) في كُلِّ خفض ورفع هل هو واجب أم ليس بواجب؟ فيه كلام للعلماء (٣).
وأيضًا قول: (سبحان ربي العظيم)، (وسبحان ربي الأعلى)، و (سمع اللَّه لمن حمده)، و (ربنا ولك الحمد) هل هذا واجب أم سُنَّة؟ وعلى هذا لم يكن هناك اتفاق بين العلماء على هذه المسائل (٤)، ومن هنا اختلفوا في سجود السهو.
واعلم أنَّ الأفعال في الصلاة؛ كالقيام من التشهد الأول، أو الجلوس في مكان لا يُجلَس فيه؛ فلو نسي فجلس بعد الركعة الأولى، أو الثالثة، وكذلك أيضًا القعود في مكان لا يُشرع فيه القعود، أو القيام في مكان يُشرَع فيه الجلوس؛ هذه أفعال من جنس الصلاة، فلو أن إنسانًا تعمَّد ترك واجب فإنه تبطل صلاته، وإن حصل منه سهوًا فإنه يأتي به إن كان من الواجبات ويسجد للسهو، وبعضها لا يلزم أن يأتي به كما في جلوس التشهد الأول أو لو نسي التشهد نفسه (٥).
стр. 2445
وهناك أفعال ليست من جنس الصلاة، كالحركة التي تحصل من المصلي، كمن تقدَّم خطوات، أو لو فعل بعض الأفعال بمعنى أخذ شيئًا، أو نَاوَل شيئًا وغير ذلك، هذه الأمور القليل منها لا يُبطِل الصلاة، والكثير منها فيه تفصيل في حد ما هو الذي يُبطل الصلاة.
وقد ثبت أن الرسول ﷺ تقدم وفتح الباب (١)، وحمل أُمامة (٢)، وكان الحسن والحسين ينزلان ويصعدان على ظهره ﷺ (٣)، وكانت عائشة تعترض بين يديه ﷺ اعتراض الجنازة (٤)، فهذه أمور لا تبطل الصلاة، فهل يُشرَع لها سجود السهو؟
الصحيح: أنه لا يُشرَع، لكن وجِدَ من العلماء من قال يُسجَد لها (٥).
أما من الأقوال فمنها: ما تبطُل الصلاة بعمده كما لو تكلم في الصلاة (٦)، لكن لو تكلم ساهيًا يختلف العلماء فيه على أن كلام الساهي
стр. 2446
لا يبطل الصلاة ويشرع له سجود السهو (١)، كذلك لو سلَّم الإنسان في غير موضع السلام، فإن كان متعمدًا بطلت صلاته وإن كان ناسيًا فإنه يسجد للسهو وهكذا (٢).
* قوله: (فَإِنَّ القَائِلِينَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِكُلِّ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي الصَّلَاةِ عَنْ طَرِيقِ السَّهْوِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ يَكُونُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ (٣)
ذكر المؤلف سُننًا وفرائض ورغائب، وهذه الرغائب اشتهر بها المذهب (المالكي)، والأصوليون يذكرون الأحكام الخمسة (الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه)، ويُدخلون تحت المندوب أصنافًا عدة: فيدخلون السُّنَّة، والمُستَحب، والفضيلة، والرغيبة، والرغيبة تُجمَعُ على رغائب، وهذه كلها تندرج تحت المندوب (١).
فهل هناك فرق بين السُّنَّة والرغيبة؟
عند بعض العلماء لا فرق بينهما؛ لأن المالكية يجعلون الرغيبة مرحلة دون السُّنَّة.
فهم يرون أن السُّنَّة هي: ما فعلها الرسول ﷺ وداوم عليها، وطلب فعلها من غير إيجاب (٢).
والرغيبة هي: ما فعلها رسول اللَّه ﷺ وداوم عليها في النوافل؛ فهي منزلة دون السُّنَّة (٣).
وعندما يقول المؤلف: إن سجود السهو إنما يجب في السُّنن دون الفرائض، لعله يقصد بالفرائض هنا الأركان، وليس مراده هنا بأن سجود السهو لا يلزم في الأركان، أو في الواجبات، فليس كلامه على إطلاقه، بل مراده، أن سجود السهو لا يُغني من ترك ركنٍ من الأركان، أي: لا يغنيك لو تركت ركنًا من الأركان، بل يلزمك أن تأتي بالركن، ثم بعد ذلك تسجد له، هذا هو مراده. أما لو ترك سُنَّة، فإنك تكتفي بسجود السهو، لكن لو تركت ركعة، أو تكبيرة الإحرام، أو قراءة الفاتحة، ففي
стр. 2449
هذه الحالة لا بد من الإتيان بالركن ثم بعد ذلك تسجد للسهو (١).
* قوله: (فَالرَّغَائِبُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ فِيهَا -أَعْنِي: إِذَا سَهَا عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ- مَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ رَغِيبَةٍ وَاحِدَةٍ).
فالرغائب عندهم لا شيء فيها؛ لأنها دون السُّنَن (٢).
فالإنسان إذا ركع يقول: (سبحان ربي العظيم) ثلاثًا على الأقل، وإذا سجد يقول: (سبحان ربي الأعلى) ثلاثًا على الأقل أيضًا، وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن كان إمامًا قال: (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد)، وإن كان مأمومًا قال: (ربنا ولك الحمد)، وإن كان مُنفردًا هناك خلاف هل يجمع بينهما، أو يكتفي بقول (ربنا ولك الحمد)، أو (سمع اللَّه لمن حمده) (٣).
هذه أقوال وهي أيضا ليست من الواجبات عند كثير من العلماء، فلو أن إنسانًا مثلًا وضع بعض هذه الأقوال في غير موضعها وهي ليست أركانًا، كما لو أن إنسانًا في حالة القيام نسي وتشهد أو قرأ في الركوع، مع أن الرسول ﷺ يقول: "ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن" أي: فحري (٤) "أن يستجاب لكم" (٥).
стр. 2450
فلو قرأ في ركوعه أو في سجوده لا تبطل صلاته، ولكن هل يلزمه سجود السهو؟ اختلف العلماء في ذلك (١).
فهناك جزئيات كثيرة، لو أردنا أن نتتبعها لطال بنا المقام.
أما لو تركت ركنًا فيلزمك أن تأتي به.
* قوله: (مِثْلُ مَا يَرَى مَالِكٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سُجُودٌ مِنْ نِسْيَانِ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَجِبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) (٢).
стр. 2451
عاد المؤلف ليُبين أنه ليس مراده أن الإنسان في الفرائض لا يأتي بسجود السهو، وإنما قصده يأتي بالواجب أولًا، ثم يسجد للسهو.
* قوله: (وَأَمَّا الفَرَائِضُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا إلا الإِتْيَانُ بِهَا، وَجَبْرُهَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ عَنْهَا مِمَّا لَا يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ بِأَسْرِهَا) (١).
سجود السهو إنما يحصل لنقص أو زيادة في الصلاة، فمن حصل منه خطأ في الصلاة غير مقصود يحتاج إلى جبر بسجود السهو.
فسجود السهو إنما شُرع ليجبر ذلك الخلل الذي يحصل في الصلاة، وفي هذا السجود تيسير على الناس، لأن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا ما نسي يجبر ما حصل من خلل في صلاته بهذا السجود (٢).
* قوله: (عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يُوجِبُ الإِعَادَةَ وَمَا يُوجِبُ القَضَاءَ - أَعْنِي: عَلَى مَنْ تَرَكَ بَعْضَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ).
علق فقال: "هكذا هذه العبارة من الأصول وفيها من الغموض ما لا يخفى".
ليس فيها غموض وإنما هذا عدم إدراك لمقصود المؤلف، والمؤلف على حق.
فقد تكلمنا سابقًا عن مسائل منها: لو أن إنسانًا ترك أربع سجدات في أربع ركعات فمن العلماء من قال تبطل صلاته.
فهنا سها ومع ذلك قالوا: تبطل الصلاة، وهي رواية للإمام أحمد (٣).
стр. 2452
ومنهم من قال: لا تبطل صلاته، فبعضهم يعتبر سجدة واحدة يصلح الذي فيها، ثم يأتي بعد ذلك بسجدات، وبعضهم يعتبر سجدتين، وبعضهم يرى أنه يسجد سجدات متوالية (١). وهذا تكلمنا عليه.
فكلام المؤلف في محله، فأحيانًا يوجد خلل في الصلاة يُفسدها؛ فلو أن إنسانًا انتقض وضوءه سهوًا تبطل صلاته لذلك.
وإذا اختل شرط من شروط صحة الصلاة؛ لأنه خرج منه إليه، وما تعمد ذلك، فصلاته تبطل مع أنه لم يتعمد ذلك، ولا يغني في ذلك سجود السهو (٢)؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٣).
وقوله: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٤).
стр. 2453
إذن؛ هذا حصل معه خلل فى صلاته غير متعمد؛ فيجب عليه أن يستأنفها.
* قوله: (وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ فِي الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَمِيعًا).
يقع فيما لو زاد الإنسان سُننًا أو زاد فرائض، فلو قام إلى خامسة يسجد، ولو زاد أيضًا في بعض السُّنن غير الواجبة يسجد، لكن ليس في كل السُّنن.
* قوله: (فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهَا).
أي: هذه أمور لا خلاف بين العلماء فيها، في أن يسجد الإنسان في المواضع التي شُرع فيها سجود السهو، وفي الأمور التي تتعلق بالواجبات -أخص بذلك الأركان- لا بد من الإتيان بها ثم السجود للسهو، هذه لا خلاف فيها.
* قوله: (وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا فَرْضٌ أَوْ لَيْسَ بِفَرْضٍ).
فمثلًا: الجلوس للتشهد الأول محل خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من يوجبه، وهي الرواية المشهورة عند الحنابلة، ومنهم من يرى أنه سُنَّة (١).
وكذلك تكبيرات الخفض والرفع فهي واجبة عند الحنابلة، وغير واجبة عند كثير من العلماء (٢).
وكذلك قول: (سبحان ربي العيظم) و (سبحان ربي الأعلى) واجب
стр. 2454
عند بعض العلماء، غير واجبٍ عند البعض؛ فهي ليست محل اتفاق بينهم (١).
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ).
كالنوافل.
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ رَغِيبَةٌ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ يُسْجَدُ لِتَرْكِ القُنُوتِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَحَبٌّ) (٢).
стр. 2455
القنوت هو الدعاء، فهل يُشرع لكل صلاة، أم هو مقصور على صلاة الفجر؟
لا شك أنه مشروع إذا نزل بالمسلمين نازلة، والرسول ﷺ قنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان حتى نزل عليه قول اللَّه : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
فالقنوت مشروع ولكن ليس على إطلاقه، فالمشهور أنه في صلاة الفجر، ولكن إذا نزل بالمسلمين نازلة، كمكروه أو هاجمهم عدو، ففي هذه الحالة يقنتون مطلقًا، لأنهم في أشد الحاجة إلى مثل هذا القنوت.