عاد المؤلف ليُبين أنه ليس مراده أن الإنسان في الفرائض لا يأتي بسجود السهو، وإنما قصده يأتي بالواجب أولًا، ثم يسجد للسهو.
* قوله: (وَأَمَّا الفَرَائِضُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا إلا الإِتْيَانُ بِهَا، وَجَبْرُهَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ عَنْهَا مِمَّا لَا يُوجِبُ إِعَادَةَ الصَّلَاةِ بِأَسْرِهَا) (١).
سجود السهو إنما يحصل لنقص أو زيادة في الصلاة، فمن حصل منه خطأ في الصلاة غير مقصود يحتاج إلى جبر بسجود السهو.
فسجود السهو إنما شُرع ليجبر ذلك الخلل الذي يحصل في الصلاة، وفي هذا السجود تيسير على الناس، لأن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا ما نسي يجبر ما حصل من خلل في صلاته بهذا السجود (٢).
* قوله: (عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يُوجِبُ الإِعَادَةَ وَمَا يُوجِبُ القَضَاءَ - أَعْنِي: عَلَى مَنْ تَرَكَ بَعْضَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ).
علق فقال: "هكذا هذه العبارة من الأصول وفيها من الغموض ما لا يخفى".
ليس فيها غموض وإنما هذا عدم إدراك لمقصود المؤلف، والمؤلف على حق.
فقد تكلمنا سابقًا عن مسائل منها: لو أن إنسانًا ترك أربع سجدات في أربع ركعات فمن العلماء من قال تبطل صلاته.
فهنا سها ومع ذلك قالوا: تبطل الصلاة، وهي رواية للإمام أحمد (٣).
стр. 2452
ومنهم من قال: لا تبطل صلاته، فبعضهم يعتبر سجدة واحدة يصلح الذي فيها، ثم يأتي بعد ذلك بسجدات، وبعضهم يعتبر سجدتين، وبعضهم يرى أنه يسجد سجدات متوالية (١). وهذا تكلمنا عليه.
فكلام المؤلف في محله، فأحيانًا يوجد خلل في الصلاة يُفسدها؛ فلو أن إنسانًا انتقض وضوءه سهوًا تبطل صلاته لذلك.
وإذا اختل شرط من شروط صحة الصلاة؛ لأنه خرج منه إليه، وما تعمد ذلك، فصلاته تبطل مع أنه لم يتعمد ذلك، ولا يغني في ذلك سجود السهو (٢)؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا يقبل اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٣).
وقوله: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٤).
стр. 2453
إذن؛ هذا حصل معه خلل فى صلاته غير متعمد؛ فيجب عليه أن يستأنفها.
* قوله: (وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ فِي الفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ جَمِيعًا).
يقع فيما لو زاد الإنسان سُننًا أو زاد فرائض، فلو قام إلى خامسة يسجد، ولو زاد أيضًا في بعض السُّنن غير الواجبة يسجد، لكن ليس في كل السُّنن.
* قوله: (فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهَا).
أي: هذه أمور لا خلاف بين العلماء فيها، في أن يسجد الإنسان في المواضع التي شُرع فيها سجود السهو، وفي الأمور التي تتعلق بالواجبات -أخص بذلك الأركان- لا بد من الإتيان بها ثم السجود للسهو، هذه لا خلاف فيها.
* قوله: (وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا فَرْضٌ أَوْ لَيْسَ بِفَرْضٍ).
فمثلًا: الجلوس للتشهد الأول محل خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من يوجبه، وهي الرواية المشهورة عند الحنابلة، ومنهم من يرى أنه سُنَّة (١).
وكذلك تكبيرات الخفض والرفع فهي واجبة عند الحنابلة، وغير واجبة عند كثير من العلماء (٢).
وكذلك قول: (سبحان ربي العيظم) و (سبحان ربي الأعلى) واجب
стр. 2454
عند بعض العلماء، غير واجبٍ عند البعض؛ فهي ليست محل اتفاق بينهم (١).
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ لَيْسَ بِسُنَّةٍ).
كالنوافل.
* قوله: (وَفِيمَا هُوَ مِنْهَا سُنَّةٌ أَوْ رَغِيبَةٌ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ يُسْجَدُ لِتَرْكِ القُنُوتِ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَحَبٌّ) (٢).
стр. 2455
القنوت هو الدعاء، فهل يُشرع لكل صلاة، أم هو مقصور على صلاة الفجر؟
لا شك أنه مشروع إذا نزل بالمسلمين نازلة، والرسول ﷺ قنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان حتى نزل عليه قول اللَّه : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).
فالقنوت مشروع ولكن ليس على إطلاقه، فالمشهور أنه في صلاة الفجر، ولكن إذا نزل بالمسلمين نازلة، كمكروه أو هاجمهم عدو، ففي هذه الحالة يقنتون مطلقًا، لأنهم في أشد الحاجة إلى مثل هذا القنوت.
стр. 2456
فهذا القنوت محل خلاف بين العلماء: هل هو سُنَّة مؤكدة فلو تُرِكَ يُسجد له؟ أم ليس بسنة مؤكدة بل هو رغيبة فلا يسجد له؟
هذه مسائل سنأتي بالحديث عنها -إن شاء اللَّه- تفصيلًا في مواضعها (١).
* قوله: (وَيُسْجَدُ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ بَيْنَ مَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ أَوْ رَغِيبَةٌ) (٢).
يُشير إلى ما ذكره في أول هذه المسألة من السُّنن والفرائض والرغائب، ونجد كثيرًا من العلماء لا يُفرقون بين السُّنَّة والرغيبة، فالرغيبة عندهم داخلة في السُّنن، إما أن تكون سُنة مؤكدة، وإما أن تكون نافلة من النوافل؛ ولذلك المالكية يختلفون في ركعتي الفجر هل هي سُنة، أم فضيلة، أم رغيبة؟ (٣).
* قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ سُجُودُ السَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ اليَسِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ، وإنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ) (٤).
إن الإنسان لو زاد شيئًا في الصلاة من غير جنسها، فأكثر العلماء
стр. 2457
لا يرون السجود، وعند مالك -كما ذكر المؤلف- يُشرع السجود (١).
* قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ السُّنَّةَ وَالرَّغِيبَةَ هِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ النَّدْبِ).
يقول: إن السُّنة والرغيبة هي من تقسيمات المندوب وليست من تقسيمات الواجب، فهي أعلى من النوافل ودون الواجبات (٢).
فهي من أقسام المندوب، والمندوب يدخل فيه المستحب، ويدخل فيه السُّنة، والفضيلة، ويدخل فيه الرغيبة، وبعضهم يقول: المندوب هو السُّنة وهو: ما يثاب الإنسان على فعله ولا يعاقب على تركه.
أما الواجب: هو ما يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه (٣).
стр. 2458
فلو أن إنسانًا ترك واجبًا، فإنه يُعاقب على تركه، ولو فعله فاللَّه تعالى يثيبه على هذا الفعل، أما لو فعل سُنة أو حتى نافلة؛ فهو يُثاب عليها بلا شك، وسيأتي مزيد الكلام -إن شاء اللَّه- على هذا.
ولو ترك تلكم السُّنة لما عوقب عليها، لما ذُكر في الحديث (المتفق عليه من قصة الرجل النجدي الذي سأل رسول اللَّه ﷺ عن الإسلام فذكر له الصلاة؛ فقوله: هل علي غيرها فقال: "لا، إلا أن تطوع" فقال: لا أزيد (١). وفي رواية: لا أزيد على هذا ولا أنقص. فلما ولى مدبرًا قال الرسول ﷺ : "أفلح إن صدق" (٢)، وفيه روايات عدة.
ولكن لماذا قال الرسول ﷺ : "أفلح إن صدق"؟ لأنه قال ذلك من قلبه، صادقًا موقنًا؛ فأدرك الرسول ﷺ صدقَ ذلك الرجل، وأنه جاء مقبلًا على اللَّه يريد الحق ولا يبغي سواه، ومع أنه قَصَر نفسه على الواجبات، قال له النبي: "أفلح إن صدق"، ولأن الرسول ﷺ لا يطلع على أمور الغيب قيَّد ذلك ووضع الشرط، فقال: "إن صدق".
* قوله: (وَإِنَّمَا تَخْتَلِفَانِ عِنْدَهُمْ بِالأَقَلِّ وَالأَكْثَرِ -أَعْنِي: فِي تَأْكِيدِ الأَمْرِ بِهَا- وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى قَرَائِنِ أَحْوَالِ تِلْكَ العِبَادَةِ؛ وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الجِنْسِ كَثِيرًا).
أي: يختلفون هل هذه سُنَّة أو رغيبة؟ هذا هو مراده.
* قوله: (حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَرَى أَنَّ فِي بَعْضِ السُّنَنِ مَا إِذَا تُرِكَتْ عَمْدًا إِنْ كَانَتْ فِعْلًا أَوْ فُعِلَتْ عَمْدًا إِنْ كَانَتْ تَرْكًا أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الوَاجِبِ).
стр. 2459
هذا عند بعض العلماء.
نعلم أنه جاء في الحديث الصحيح أن اللَّه تعالى يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، وبده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" (١)).
فاللَّه تعالى يقول: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه". فلا شك أن أداء الفرائض مما يحبه سبحان وتعالى، ويقول: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه"، فتقرب العبد إلى اللَّه بالنوافل يجلب له محبة اللَّه ، ولا شك أن كل مسلم غايته بل ويذوب قلبه في هذه الحياة علَّه أن يظفر بمحبة اللَّه ورضاه؛ حتى يكون من الذين ﵃ ورضوا عنه، هذه سعادة لا تدانيها سعادة.
وعلى ذلك ما دامت النوافل وما دامت السُّنن مما يجلب محبة اللَّه ويكون سببًا في تحقيقها ألا يحافظ عليها المسلم؟! وإذا ما هجر المسلم هذه السنن المؤكدة، وجفاها وأعرض عنها؛ فإنه بذلك وإن لم يكن قد ترك واجبًا من الواجبات لكنه عطَّل جانبًا من جوانب هذه الشريعة.
فلو أننا أخذنا مثلًا الوتر: -وسيأتي الكلام عنه في بابه إن شاء اللَّه- وليس بعيدًا، الذي قال فيه الرسول ﷺ : "الوتر حق على كل مسلم" (٢).
ويقول ﷺ : "الوتر حق، ومن لم يوتر فليس منا" (٣).
стр. 2460
ويقول أيضًا في الحديث المتفق عليه: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" (١).
ويقول: "إن اللَّه زاد لكم صلاة علي صلاتكم فحافظوا عليها ألا وهي الوتر" (٢). والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا.
وجاء أيضًا في فضل ركعتي الفجر: أن الرسول ﷺ قال في الحديث التي روته عائشة: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٣).
ويقول ﷺ أيضًا: "إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير من حُمْرِ النعم" أي: الإبل "ألا وهما الركعتان قبل الفجر" (٤).
وأيضًا جاء في الحديث الآخر أن الرسول ﷺ لم يتركهما، "لم يكن أشد تعاهدًا على سنة من السنن منه على ركعتي الفجر" (٥).
هذه سُنن رغَّب الرسول ﷺ فيها، وحض على العمل بها، وأمر أيضًا ﷺ بأدائها والمحافظة عليها؛ فلا ينبغي على المسلم أن يفرط في ذلك.
ومن هنا نجد أن العلماء عندما تكلموا عن حكم الأذان منهم من قال: إنه فرض عين (٦)، ومنهم من قال: إنه فرض كفاية، ومنهم من قال:
стр. 2461
إنه سنة، وحتى الذين قالوا بأنه سنة قالوا: لو أن أهل بلدة من البلدان أطبقوا على تركه لقوتلوا عليه (١).
فمع أن السنن ليست واجبة؛ فلا ينبغي تعطيلها، ولا ينبغي الإخلال بها، واقتراف ما يعارضها، فينبغي للمسلم دائمًا أن يتقرب إلى اللَّه بالنوافل وبالسنن حتى تكون جبرًا لما قد ينقص من فرائضه وما يحصل فيها من خلل.
* قوله: (أَعْنِي: فِي تَعَلُّقِ الإِثْمِ بِهَا).
قصد بقوله هذا: لو أن إنسانًا أصرَّ على ترك السُّنَن فيُقال عنه هذا،
стр. 2462
حتى إن بعضهم -كما ذكر المؤلف- يوصم (١) بالفسق وبالإثم، لكن ليس فسقًا ولا إثمًا كإثم وفسق من ترك واجبًا.
ولذلك في شروط القاضي، يضيفون العلماء شروطًا للقاضي لا توجد في أي إنسان كغيره، في أدبه، وهيئته، وخروجه، وفي جلوسه، وتعامله مع الناس؛ أي: وضع العلماء له أدآبًا تخصه؛ لأنه يتولى منصبًا عظيمًا يحكم فيه بين الناس، وقد يكون حكمه بين الناس في الدماء، ربما تزهق نفوس بحكمه وتبقى نفوس.
فهو في هذا المقام مجتهد وله ثواب، والرسول ﷺ قسَّمَ القُضاة إلى أقسام: ومن بينهم: "قاض عرف الحق فحكم به فهو في الجنة" (٢).
فلو أن إنسانًا عرف الحق فحكم بخلافه؛ فهذا من القضاة الذين تهددهم رسول اللَّه ﷺ .
وهكذا طالب العلم مهما كان، الذي يعمل بعمله ويطبقه ويدعو الناس إليه؛ يثاب على ذلك، وطالب العلم الذي يَتعلم العلم ويعمل على خلافه ينطبق عليه قول اللَّه تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣].
* قوله: (وَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا لِأَصْحَابِ مَالِكٍ).
تعلمون المؤلف هنا إنما هو مالكي، ومعرفة المؤلف بفروع مذهب مالك أكثر من غيره؛ لأنه مالكي المذهب، ومعرفته بالمذاهب الأخرى قائمة على النقل عن غيره.
стр. 2463
ولا شك أن عمدته الأولى في النقل فيما يتعلَّق بمذاهب علماء الأمصار من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وهو في الأصل إنما هو شرح وتعليق على "موطأ الإمام مالك"؛ فابن عبد البر له كتابان "التمهيد" وهو أيضًا على "موطأ الإمام مالك" عُني فيه بالجانب الحديثي أكثر، و"الاستذكار" غلَّبَ فيه الجانب الفقهي، ومرجع المؤلف في هذا الكتاب منه.
ولذلك قال: "وقد عولت في نقل المذاهب لكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر"؛ ولذلك إنْ ذكر ابن عبد البر مذهب الإمام أحمد مثلًا ذكره، وإن تركه تركه وهكذا.
ومن أحسن المراجع بالنسبة للحديث بهذا الكتاب كتاب "نيل الأوطار" للإمام الشوكاني.
* قوله: (وَكَذَلِكَ تَجِدُهُمْ قَدِ اتَّفَقُوا مَا خَلَا أَهْلَ الظَّاهِرِ عَلَى أَنَّ تَارِكَ السُّنَنِ المُتَكَرِّرَةِ بِالجُمْلَةِ آثِمٌ (١)، مِثْلُ لَوْ تَرَكَ
стр. 2464
إِنْسَانٌ الوِتْرَ) (١).
الوتر واجب عند الحنفية (٢)، لكن الأدلة تدل على عدم وجوبه؛ بدليل أن الرسول ﷺ قوله: "خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد في اليوم والليلة" (٣). فحصرهن في خمس، وفي حديث الإسراء والمعراج في آخره: "هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، يقول اللَّه تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ " (٤). إذن هي خمس في عددها، خمسون في أجرها، فدل ذلك على أن ما عداها ليس بواجب.
لكن الحنفية يفرقون بين الواجب والفرض (٥)، فيقولون: إن الصلوات
стр. 2465
الخمس فرائض؛ يعني: فرض، والوتر إنما هو واجب، ويقولون: إن الفرض فيه معنى الحزِّ والقطع ففيه معنى القوة، وأما الواجب بمعنى الثابت المستقر فهو يأتي مرحلة دون الفرائض، وهذا الكلام غير مُسَلَّم، ونترك تفصيله -إن شاء اللَّه- وبيانه عندما نتكلم عن الوتر فيما بعد.
* قوله: (أَوْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ دَائِمًا لَكَانَ مُفَسَّقًا آثِمًا) (١).
هناك من يرى أن الاضطجاع (٢) بعد ركعتي الفجر واجب (٣)، وهذا
стр. 2466
حقيقة لا دليل عليه، وصَحَّ: "أن رسول اللَّه ﷺ بعد أن صلى ركعتي الفجر اضطجع" (١)، لكن هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن ركعتي الفجر ليستا بواجبتين فما البال بالاضطجاع بعدهما!
وعلى ذلك فليس كل ما قيل بوجوبه دون دليل واجبًا، ولا كل ما قيل بأنه ليس بواجب ولا دليل على ذلك أنه ليس بواجب.
стр. 2467
* قوله: (فَكَأَنَّ العِبَادَاتِ بِحَسَبِ هَذَا النَّظَرِ مِنهَا مَا هِيَ فَرْضٌ بِعَيْنِهَا وَجِنْسِهَا مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ سُنَّة بِعَيْنِهَا، فَرْضٌ بِجِنْسِهَا مِثْلُ: الوِتْرِ وَرَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ).
الصلوات فرض تجب وجوبًا عينيًّا؛ لأنها فرض عيني، وهو جنس الصلوات الخمس.
وجنس الصلاة من حيث العموم واجب، لكن يستثنى منها ما عدا الفرائض التي وجبت كالصلوات الخمس وصلاة الجمعة هذه واجبة فهي فرائض.
* قوله: (وَكذَلِكَ قَدْ تَكُونُ عِنْدَ بَعْضِهِمُ الرَّغَائِبُ رَغَائِبَ بِعَيْنِهَا، سُنَنًا بِجِنْسِهَا، مِثْلُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ إِيجَابِ السُّجُودِ لأَكْثَرَ مِنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَعْنِي: لِلسَّهْوِ عَنْهَا) (١).
دخل المؤلف إلى مصطلحات متعددة، وهو تعمق في مذهب مالك؛ ولذلك ربما يعرف أكثر في فروع مذهب مالك.
* قوله: (وَلَا تَكُونُ فِيمَا أَحْسَبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ سُنَّةً بِعَيْنِهَا وَجِنْسِهَا).
الواجبات: ما أوجبها اللَّه ، أو أوجبها رسوله ﷺ أو دلت النصوص على وجوبها.
أمَّا السُّنن: فليست واجبة، لكننا نقول: إن تعطيل السنن إنما هو جفاء، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون جافيًا، وبخاصة السُّنن التي ترفع درجات المرء، والتي تزيد ثوابه عندما يلقى اللَّه ، كما في الوتر، وكما في ركعتي الفجر، وصلاة الضحى، والسُّنن الرواتب عشر أو اثني عشر ركعة، وغير ذلك مما جاء فيه، وتحية المسجد مما لم يجب.
стр. 2468
* قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَالسُّنَنُ عِنْدَهُمْ هِيَ سُنَنٌ بِعَيْنِهَا، لِقَوْلِهِ ﵊ لِلأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ فُرُوضِ الإِسْلَامِ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ").
هذا أعرابي جاء إلى الرسول ﷺ من جهته فسأله عما افترضه اللَّه عليه في الإسلام، فبيَّن له الرسول ﷺ أركان الإسلام، فلما فرغَ من بيانه، قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا"؛ أي لا يجب عليك غيرها "إلا أن تطَّوع"؛ يعني: إن زدت على هذه فهناك تطوع؛ قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال الرسول ﷺ : "أفلح إن صدق". وهو حديث طويل متفق عليه (١).
أي: إن صدق في كلامه بأنه سيؤدي هذه الواجبات ويحافظ عليها؛ فسينال الفلاح والثواب من اللَّه ، وإن كان غير ذلك بأن قصر فسيلحقه النقص والإثم بقدر ما يقصر، وبحسب النوع الذي يقصر فيه.
* قوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ -يَعْنِي: الفَرَائِضَ-، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الحَدِيثُ).
معلوم أن كل ما فرضَ اللَّه علينا إنما هي أمور محدودة ميسرة مقدرة، تؤدَّى في زمن قصير من الأربع والعشرين ساعة التي نقضيها في كل يوم، فلماذا لا نتقرب إلى اللَّه ؟!
نحن في هذه الحياة إنما خُلِقنا لعبادة اللَّه : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 2469
فلقد خُلقنا في هذه الحياة لنعبد اللَّه ، ولننشر الفضيلة والعدل في الأرض، ولنعمرها بالعدل والسعادة وإقامة القسط بين الناس؛ لأن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة (١).
فلماذا لا نتقرب إلى اللَّه بهذه السنن التي منحنا اللَّه إياها، وأعطانا الفرصة لنجمع مزيدًا من الثواب، لنحصل على كثير من العطاء حتى ما إذا لقينا اللَّه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. يجدُ الإنسان هذه الأعمال الطيبة، هذه السنن التي أحيا ليله وقضى نهاره في عبادة اللَّه .
فإذا قمت في جوف الليل فأوترت، وإذا حافظت على السنن الرواتب، وإذا ما أديت ما شرع عليك، وإذا صليت من النوافل ما يمكنك أن تؤديها، وإذا تطوعت للَّه في العبادات الأخرى كالصيام والحج والعمرة، وكذلك إذا تصدقت على المساكين والفقراء وأنفقت في أوجه البر، فدلَلْتَ محتاجًا، ونصحت ضالًّا فهداه اللَّه بك، هذه كلها من الأمور التي ينفعك اللَّه ، وترتفع بها درجاتك يوم القيامة عندما توزن الأعمال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
* قوله: (وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا البَابِ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ لِتَرْكِ الجلْسَةِ الوُسْطَى، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا هَلْ هِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ) (٢).
стр. 2470
هذه المسألة أجمع عليها العلماء (١)؛ لأنه ورد فيها نص عن رسول اللَّه ﷺ كما في حديث عبد اللَّه بن بحينة المتفق عليه: "أن الرسول ﷺ قام من اثنتين ولم يجلس، فقام الناس وراءه" (٢).
* قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الإِمَامُ إِذَا سُبِّحَ بِهِ إِلَيْهَا أَوْ لَيْسَ يَرْجِعُ؟ وَإِنْ رَجَعَ فَمَتَى يَرْجِعُ؟).
مراده: إذا سبَّحَ المأموم؛ أي سُبِّحَ بالإمام؛ أي: قيل سبحان اللَّه،
стр. 2471
كما جاء في الأحاديث الصحيحة قول رسول اللَّه ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه" (١). أي: إذا وجد خطأً من الإمام يقتضي التنبيه فليقل: سبحان اللَّه!
وجاء في حديث آخر أيضًا أن الرسول ﷺ قال: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء" (٢). فالرجال يسبحون، يقولون: سبحان اللَّه، والنساء يصفقن، أي: تضرب بكفها الأيمن على الأيسر. هذا هو معنى التسبيح.
فقد يتذكر الإنسان وهو في أول القيام، وقد يتذكر بعد أن استتمَّ قائمًا (٣)، وربما يتذكر إذا بدأ بالقراءة، وربما يتذكر بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.
فعند مالك: إذا تذكر وهو في أول قيامه يعود وإلا فلا (٤).
وعند الحنابلة (٥)، والشافعية (٦): لو تذكر وقد قام أو أثناء القيام كما
стр. 2472
عند مالك يرجع، لكن لو استتم قائمًا فيه خلاف عندهم والأولى ألا يرجع في المذهبين، والشافعية يتشددون أكثر ولا أريد الدخول بالتفصيل في المسائل الخلافية.
لكن لو شرع في الفاتحة لا يرجع عند جماهير العلماء.
ووُجد من العلماء -وهو قول ضعيف- من قال: يرجع ولو قرأ الفاتحة ما لم يركع؛ أي: يبدأ في الركعة الثانية راكعًا (١).
* قوله: (قَالَ الجُمْهُورُ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَوِ قَائِمًا) (٢).
بعضهم قال: يرجع ما لم يرتفع كليًّا؛ أي: يرفع أليتيه عن الأرض.
وبعضهم قال: ما لم يستتم قائمًا.
وبعضهم قال: ما لم يشرع في الفاتحة، وبعضهم بعدها، أي: بعد قراءتها (٣).
والذي ثبت عن الرسول ﷺ : أنه لم يرجع، فقام من اثنتين وقام الناس وراءه.
стр. 2473
أما لو تذكرت في أثناء القيام فعُد؛ لأنك لا تُسمَّى قائمًا وإنما أنت في الشروع في القيام، لكن متى ما استتممت قائمًا؛ أي: ثبَّت قائمًا فلا ينبغي لك أن ترجع؛ لأنك شرعت في ركن آخر (١).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ مَا لَمْ يَعْقِدِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَرْجِعُ إِنْ فَارَقَ الأَرْضَ قِيدَ شِبْرٍ (٣)، وَإِذَا رَجَعَ عِنْدَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ رُجُوعَهُ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ وَقَالَ قَوْمٌ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ).
الذين قالوا بالبطلان قالوا: لأنه ترك ركنًا فعاد إلى واجب أو سُنَّة (٤).
стр. 2474
[الفصل الرابع في صفة سجود السهو]
* قوله: (الفَصْلُ الرَّابعُ: وَأَمَّا صِفَةُ سُجُودِ السَّهْوِ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ).
سجود السهو: هو كالسجود للصلاة؛ أي تسجد فتقول: اللَّه أكبر، ثم تقول: اللَّه أكبر فتقوم فتجلس جلسة خفيفة ثم تقول: اللَّه أكبر فتسجد ثم ترفع.
والخلاف: هل تقتصر على التسليم أم لا بد من تشهد آخر؟ وهل هناك فرق بين أن يكون سجود السهو بعد السلام أو قبله؟
بعض العلماء يقول: إن كان قبل السلام لا يتشهد، وإن كان بعده وبعضهم يقول: لا يتشهد؛ يكتفي بتشهد الصلاة.
والأقوال في ذلك عدة، ذكرها المؤلف ليس كعادته أشار إلى كل الآراء في المسألة.
* قوله: (فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ حُكْمَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ إِذَا كَانَتْ بَعْدَ
стр. 2475
السَّلَامِ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِيهَا، وَيُسَلِّمَ مِنْهَا (١)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢).
واتفق أحمد (٣) مع مالك (٤): في إن كان سجود السهو بعد السلام يحتاج إلى أن يتشهد.
стр. 2476
فلو أن إنسانًا مثلًا سَلَّم من ذلك يعود؛ لكنه يأتي بالرابعة ثم بعد ذلك يجلس للتشهد ويُسلم، ثم يقوم فيسجد للسهو سجدتين، فهل يحتاج إلى أن يجلس للتشهد ثم يسلم أو لا؟ بعضهم يقول: لا بُد من التشهد، وهذا هو الذي ذكر عن أبي حنيفة ومالك وأحمد (١).
* قوله: (لِأَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَهُ بَعْدَ السَّلَامِ (٢)، وَإِذَا كانَتْ قَبْلَ السَّلَامِ أَنْ يَتَشَهَّدَ لَهَا فَقَطْ) (٣).
أما عند أحمد: في المعروف عنه أنه قبل السلام يُسلِّم فقط، ويُكتفى بتشهد الصلاة، وهي أيضًا رواية للإمام مالك (٤).
стр. 2477
* قوله: (وَأَنَّ السَّلَامَ مِنَ الصَّلَاةِ هُوَ سَلَامٌ مِنْهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِذْ كَانَ السُّجُودُ كلُّهُ عِنْدَهُ قَبْلَ السَّلَامِ) (١).
يرى الشافعي: أن السجود قبل السلام، ولذلك الجواب "إذ كان".
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ لِلَّتِي قَبْلَ السَّلَامِ (٢)، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ) (٣).
هذه الرواية يوافق فيها الحنابلةُ المالكيةَ: أن التشهد بعد السلام وقبله لا (٤)، وليس القصد التشهد للصلاة، بل التشهد بعد سجدتين السهو).
وهذا هو الأولى قبل السلام، وكذلك بعد السلام (٥)؛ لأن الأحاديث الصحيحة التي ثبتت لم يتشهد فيها الرسول ﷺ ، وإنما جاء في رواية عند
стр. 2478
أبي داود (١)، وعند الترمذي (٢)، والحاكم (٣)، وفيها مقال لبعض العلماء هي التي فيها أن الرسول ﷺ تشهد (٤).
ولذلك أخذ بها بعض العلماء (٥): إما لأنها صحت عندهم هذه الرواية، أو لأنه يرى أنها أحوط.
وبعضهم قال: الذي جاء في الأحاديث الصحيحة أن الإنسان لا يتشهد، سواء كان قبل السلام أو بعده، وإنما يكتفي بتشهده للصلاة (٦).
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: أَمَّا السَّلَامُ مِنَ الَّتِي بَعْدَ السَّلَامِ فَثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) (٧).
стр. 2479
"قال أبو عمر" هو يوسف ابن عبد البر الذي تكثر الإشارة إليه في هذا الكتاب.
"أما السلام من التي بعد السلام" نعم ثبت في عدة أحاديث، قبل السلام وبعده (١).
* قوله: (وَأَمَّا التَّشَهُّدُ، فَلَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ ثَابِتٍ) (٢).
يري ابن عبد البر: أن الزيادة لم تصح؛ أي: في التشهد بعد سجدتي السهو؛ هذا مراد المؤلف.
* قوله: (وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -أَعْنِي: مِنْ "أَنَّهُ ﵊ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ" (٣) -، وَتَشْبِيهُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بِالسَّجْدَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَمَنْ شَبَّهَهَا بِهَا لَمْ يُوجِبْ لَهَا التَّشَهُّدَ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَتْ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ، فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا تَشَهُّدَ فِيهَا، وَلَا تَسْلِيمَ، وَبِهِ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالحَسَنُ، وَعَطَاءٌ) (٤).
стр. 2480
هذا ابن المنذر أحد الأئمة الذين عنوا بسُنَّة رسول اللَّه ﷺ وبالفقه الإسلامي، وله مؤلفات كثيرة "الأوسط" و"الإجماع" و"الإشراف على مذاهب العلماء" وغير ذلك، وهو من العلماء الذين يُعَول (١) عليهم في نقل الإجماع وفي مسائل الخلاف.
وابن المنذر أيضًا عمدة لكثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعده في النقل عنه.
ويقصد بأنس بن مالك الصحابي الجليل، والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وهما من التابعين.
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ مُقَابِلَ هَذَا وَهُوَ أَنَّ فِيهَا تَشَهُّدًا وَتَسْلِيمًا).
وقد عرف مذهب مالك في ذلك وأحمد فيما بعد السلام (٢).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا تَشَهُّدٌ فَقَطْ بِدُونِ تَسْلِيمٍ. وَبِهِ قَالَ الحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ) (٣).
وهذه أيضًا رواية لمالك (٤)، والحكم، وحمَّاد والنَّخعي من التابعين؛ والمقصود بحماد هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة (٥)، والنخعي هو إبراهيم النخعي شيخ حماد بن أبي سليمان التابعي (٦).
* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ مُقَابِلَ هَذَا وَهُوَ: أَنَّ فِيهَا تَسْلِيمًا، وَلَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ) (٧).
стр. 2481
ابن سيرين التابعي الجليل المعروف.
* قوله: (وَالقَوْلُ الخَامِسُ: إِنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ) (١).
عطاء بن أبي رباح إذن له رواية أُخرى.
* قوله: (وَالسَّادِسُ: قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أنَّهُ إِنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ تَشَهَّدَ، وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَتَشَهَّدْ، وَهُوَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ نَحْنُ عَنْ مَالِكٍ) (٢).
وهي رواية أيضًا عن مالك.
* قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ثَبَتَ: "أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ فِيهَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ"، وَفِي ثُبُوتِ تَشَهُّدِهِ فِيهَا نَظَرٌ) (٣).
تفصيل ذلك: تقول: (اللَّه أكبر) ثم تسجد، ثم ترفع فتقول: (اللَّه أكبر) ثم تقول: (اللَّه أكبر) ثم تسجد، ثم تقول: (اللَّه أكبر) فترفع، هذه أربع تكبيرات وثبتت في الأحاديث الصحيحة وفيها سجدتان.
стр. 2482
[الفصل الخامس في معرفة من يجب عليه سجود السهو]
* قوله: (الفَصْلُ الخَامِسُ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِنْ سُنَّةِ المُنْفَرِدِ وَالإِمَامِ).
دخل المؤلف في مبحث جديد، بعد أن تكلم عن مسائل عِدة، وفصلنا القول فيها فيما يتعلَّق بأحكامها، فأراد أن يتكلم عن المصلِّي.
والمصلون ينقسمون إلى أقسام: فهناك إمام، وهناك مأموم، وهناك منفرد.
فالإمام: هو الذي جُعِل ليؤتم به، وهو الذي قال فيه الرسول ﷺ في الحديث: "إنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَ بهِ". "صحيح البخاري" (١).
فالذي يتقدم الناس في الصلاة يُسمى إمامًا، والذين خلفه يُسمَّون مأمومين، والذي يُصلي وحده يُسمى منفردًا.
ومعلوم أن المأموم يتبع الإمام في كثير من الأمور، وأن الإمام يحمل عنه بعض الأشياء، كالقراءة والسترة أيضًا (٢)، وهناك أمور لا يحملها الإمام عن المأموم (٣).
وسجود الإمام يتطلب من المأموم أن يسجد.
стр. 2483
وهناك خلاف: فيما لو سبق الإمام المأموم فحصل خطأ قبل أن يأتي هل يتابعه؟
والجواب: نعم.
ومتى يسجد المأموم فيما إذا سبقه الإمام، هل يسجد مع إمامه مع أنه سيقوم فيأتي بما فاته، أو يؤخر ذلك إلى آخر الصلاة؟
هذا كله تكلم عنه العلماء (١).
وقوله: "اتَّفَقُوا. . . " هذا لا شك فيه؛ فإن الرسول ﷺ سجد وهو إمام وسجد الناس وراءه (٢).
وكذلك يسجد المنفرد أيضًا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المَأْمُومِ يَسْهُو وَرَاءَ الإِمَامِ هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟).
إذا سها الإمام: فإن سهوه يسري (٣) إلى المأموم، بمعنى يسهو الإمام فيسجد المأموم تبعًا له.
والمنفرد إذا سها فإنه يسجد.
لكن لو أن المأمومَ نفسه سها ولم يسهُ الإمام: فهل يسجد المأموم أم لا يسجد؟ هذا الذي يُريد المؤلف أن يتكلم عنه، يريد أن يقول: لا خلاف في أن الإمام إذا سها يسجد فيما يتطلب الأمر فيه السجود، وكذلك المأموم خلفه، لكن المأموم نفسه لو سها وراء الإمام هل يسجد أو لا؟
стр. 2484
* قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ السَّهْوَ) (١).
أي: أن الخلل الذي يحصل من المأموم يحمله عنه الإمام، لكن ليس هذا على إطلاقه؛ لأنه قد ينتقض وضوؤه، فقد يحدث بأن يخرج منه أو يسمع صوتًا، ففي هذه الحالة ينتقض وضوؤه فلا يحمل الإمام عنه الخطأ (٢)، وإنما فيما يحمله عنه الإمام.
стр. 2485
وما يحمله الإمام عن المأموم مسائل معروفة منها: القراءة كما ذكرنا فيما مضى، وليست أيضًا محل اتفاق، فالشافعية يوجبون قراءة الفاتحة في كل أحوال الصلوات سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية (١)، وسواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، ويُخالفهم كثيرٌ من العلماء بالنسبة للمأموم خلف الإمام، وبعضهم لا يرى القراءة خلف الإمام، وبعضهم يرى القراءة في حالة السرية دون الجهرية، وبعضهم يرى القراءة في سجدات الإمام، وكل ذلك سبق أن بينَّاه تفصيلًا (٢).
* قوله: (وَشَذَّ مَكْحُولٌ، فَأَلْزَمَهُ السُّجُودَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) (٣).
هذا الكلام الذي يتكلم عنه الإمام فيما إذا سها المأموم وراء إمامه، لكن قد ينتهي الإمام ويكون المأموم مسبوقًا؛ لأن المأموم لا يخلو: إما أن يكون مسبوقًا أو غير مسبوق.
فإن كان غير مسبوق: بمعنى دخل مع الإمام في الصلاة؛ فالإمام يحمل عنه ما يتطلب سجود السهو في هذه الحالة، فلا يسجد سجودًا مستقلًّا.
الصورة الثمانية: أن ينتهي الإمام من صلاته فيقوم المأموم ليتم وقد
стр. 2486
يسهو فإذا ما سها هل يلزمه أن يسجد عن سجود السهو؟ أو أنه تابع للإمام ولا يلزمه، هذه فيها خلاف بين العلماء (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَحْمِلُ الإِمَامُ مِنَ الأَرْكَانِ عَنِ المَأْمُومِ وَمَا لَا يَحْمِلُهُ (٢). وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا سَهَا أَنَّ المَأْمُومَ يَتْبَعُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فِي سَهْوِهِ).
أي: أن الإمام إذا سها فإن المأموم يتبعه في سجود السهو وإن لم يتبعه في سهوه.
مثال ذلك: لو أن إمامًا قام إلى خامسة سهوًا فنبهه المأموم فقال: سبحان اللَّه! فالإمام سها والمأموم لم يسهُ (٣)، لكن إذا سجد الإمام يسجد
стр. 2487
المأموم تبعًا له، لأن الرسول ﷺ قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ". "صحيح البخاري" (١).
وجاء في آخر الحديث: "وإذا سجَدَ فاسجُدُوا" (٢). وهذا عام يشمل جميع أنواع السجود؛ فيدخل في ذلك سجود السهو.
وحُجة العلماء الذين قالوا بأن المأموم لو سها خلف الإمام لا يسجد: هي قصة يعلى بن أمية الصحابي (٣)، عندما عطس رجل من القوم وهم يصلون فقال: "يرحمك اللَّه". تكلم في صلاته، وقلنا: إن الكلام في أول الأمر كان جائزًا، وكان الصحابة يسلمون على رسول اللَّه ﷺ وكان يرد عليهم، ولذلك يقول عبد اللَّه بن مسعود لرسول اللَّه: كنا نسلم عليك قبل أن نذهب إلى النجاشي فترد علينا السلام، فلما رجعنا من النجاشي
стр. 2488
سلمنا عليك فلم ترد علينا، فقال ﷺ : "إِنَّ فِي الصَّلَاة لَشُغُلًا". "صحيح البخاري" (١).
وجاء في أحاديث أُخرى ما يدل على منع الكلام في الصلاة، وهي كثيرة سبق أن تكلمنا عنها في مواضعها عند الكلام عن الكلام في الصلاة، والتفريق بين سهوه وعمده، وبين أن يكون لإصلاح الصلاة وبين أن يكون لغير إصلاحها، وسردنا الأدلة في ذلك وبينَّاها.
فيعلى بن أمية (٢) تكلم فقال: يرحمك اللَّه! فرماه القوم بأبصارهم فقال: ما شأنكم وا ثكل أمياه! ثم أخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني لكنني صمت، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته دعاه فقال: -يعني يعلى بن أمية (٣) - بأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن من تعليمه فواللَّه ما كهرني، ولا شتمني، ولا ضربني ثم قال ﷺ له: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ"؛ أي: تسبيح اللَّه "وَالتَّكْبِيرُ"؛ أي: تكبير اللَّه "وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ". "صحيح مسلم" (٤).
وهذا في الصلاة، والصلاة كما عرفنا سابقًا أقوال وأفعال، تفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم.
فالشاهد هنا: أن الرسول ﷺ لم يأمر يعلى بن أمية (٥) بأن يسجد؛ لأنه تابعٌ، فدلَّ ذلك على أن المأموم لا يسجد.
وأما ما نُقل عن (مكحول) (٦): فهذا رأي له انفرد به عن جماهير العلماء، فيُعتبر رأيه ضعيفًا في هذه المسألة.
стр. 2489
هذا كله في الحالة الأولى التي يكون المأموم فيها وراء الإمام، ولم يكن قد فاته، الذي نسميه: غير المسبوق.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَسْجُدُ المَأْمُومُ إِذَا فَاتَهُ مَعَ الإِمَامِ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَعَلَى الإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ).
هذه مسألة متفرعة مما قبلها: فإذا سها المأموم، هل يسجد مع الإمام؟ فنفرض أن إنسانًا مسبوقًا سها إمامه وقد يكون السهو قبله أو بعده، فإذا كان قبله ففيه خلاف (١)، وفيما إذا كان معه ليس فيه خلاف، لكن المسبوق إذا سها إمامه وسجد الإمام، كما عرفنا فيما مضى بأن سجود السهو يكون قبل السلام وبعده، وبينَّا أن من العلماء من يرى أن مواضعه جميعًا قبل السلام، ومنهم من يرى أنها بعد السلام وأوردنا الأدلة في ذلك (٢)، وأن الرسول ﷺ سجد بعد السلام في مواضع ثلاثة، وفيما عدا ذلك سجد قبل السلام (٣)، وانتهينا إلى أن ما كان من زيادة فإنه يكون بعد السلام، وما كان من نقص فإنه يكون قبل السلام (٤).
إذن؛ هذا المسبوق إذا فرغ الإمام من صلاته فسجد للسهو، هل يسجد معه وهو بعدُ لم يتم صلاته؟ أو أنه يقوم فيتم ثم بعد ذلك يسجد؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء.
فمنهم من قال: يسجد مع الإمام ويكفيه ذلك.
стр. 2490
ومنهم من قال: يسجد بعد أن يقضي ما فاته من الصلاة: "وما فاتكم فأتموا" (١)، وفي رواية: "وما فاتكم فاقضوا" (٢).
فبعد أن يقضي ما فاته يسجد سجود السهو.
وبعضهم قال: يسجد مع الإمام اتباعًا للإمام، لكنه يسجد مرة أُخرى بعد الفراغ من صلاته قبل السلام (٣).
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ).
هذا نُقل عن الإمام أحمد (٤)، وهو المشهور في مذهبه (٥)، ورُوي