يسهو فإذا ما سها هل يلزمه أن يسجد عن سجود السهو؟ أو أنه تابع للإمام ولا يلزمه، هذه فيها خلاف بين العلماء (١).
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَحْمِلُ الإِمَامُ مِنَ الأَرْكَانِ عَنِ المَأْمُومِ وَمَا لَا يَحْمِلُهُ (٢). وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا سَهَا أَنَّ المَأْمُومَ يَتْبَعُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ فِي سَهْوِهِ).
أي: أن الإمام إذا سها فإن المأموم يتبعه في سجود السهو وإن لم يتبعه في سهوه.
مثال ذلك: لو أن إمامًا قام إلى خامسة سهوًا فنبهه المأموم فقال: سبحان اللَّه! فالإمام سها والمأموم لم يسهُ (٣)، لكن إذا سجد الإمام يسجد
стр. 2487
المأموم تبعًا له، لأن الرسول ﷺ قال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ". "صحيح البخاري" (١).
وجاء في آخر الحديث: "وإذا سجَدَ فاسجُدُوا" (٢). وهذا عام يشمل جميع أنواع السجود؛ فيدخل في ذلك سجود السهو.
وحُجة العلماء الذين قالوا بأن المأموم لو سها خلف الإمام لا يسجد: هي قصة يعلى بن أمية الصحابي (٣)، عندما عطس رجل من القوم وهم يصلون فقال: "يرحمك اللَّه". تكلم في صلاته، وقلنا: إن الكلام في أول الأمر كان جائزًا، وكان الصحابة يسلمون على رسول اللَّه ﷺ وكان يرد عليهم، ولذلك يقول عبد اللَّه بن مسعود لرسول اللَّه: كنا نسلم عليك قبل أن نذهب إلى النجاشي فترد علينا السلام، فلما رجعنا من النجاشي
стр. 2488
سلمنا عليك فلم ترد علينا، فقال ﷺ : "إِنَّ فِي الصَّلَاة لَشُغُلًا". "صحيح البخاري" (١).
وجاء في أحاديث أُخرى ما يدل على منع الكلام في الصلاة، وهي كثيرة سبق أن تكلمنا عنها في مواضعها عند الكلام عن الكلام في الصلاة، والتفريق بين سهوه وعمده، وبين أن يكون لإصلاح الصلاة وبين أن يكون لغير إصلاحها، وسردنا الأدلة في ذلك وبينَّاها.
فيعلى بن أمية (٢) تكلم فقال: يرحمك اللَّه! فرماه القوم بأبصارهم فقال: ما شأنكم وا ثكل أمياه! ثم أخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني لكنني صمت، فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته دعاه فقال: -يعني يعلى بن أمية (٣) - بأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن من تعليمه فواللَّه ما كهرني، ولا شتمني، ولا ضربني ثم قال ﷺ له: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ"؛ أي: تسبيح اللَّه "وَالتَّكْبِيرُ"؛ أي: تكبير اللَّه "وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ". "صحيح مسلم" (٤).
وهذا في الصلاة، والصلاة كما عرفنا سابقًا أقوال وأفعال، تفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم.
فالشاهد هنا: أن الرسول ﷺ لم يأمر يعلى بن أمية (٥) بأن يسجد؛ لأنه تابعٌ، فدلَّ ذلك على أن المأموم لا يسجد.
وأما ما نُقل عن (مكحول) (٦): فهذا رأي له انفرد به عن جماهير العلماء، فيُعتبر رأيه ضعيفًا في هذه المسألة.
стр. 2489
هذا كله في الحالة الأولى التي يكون المأموم فيها وراء الإمام، ولم يكن قد فاته، الذي نسميه: غير المسبوق.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَسْجُدُ المَأْمُومُ إِذَا فَاتَهُ مَعَ الإِمَامِ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَعَلَى الإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ).
هذه مسألة متفرعة مما قبلها: فإذا سها المأموم، هل يسجد مع الإمام؟ فنفرض أن إنسانًا مسبوقًا سها إمامه وقد يكون السهو قبله أو بعده، فإذا كان قبله ففيه خلاف (١)، وفيما إذا كان معه ليس فيه خلاف، لكن المسبوق إذا سها إمامه وسجد الإمام، كما عرفنا فيما مضى بأن سجود السهو يكون قبل السلام وبعده، وبينَّا أن من العلماء من يرى أن مواضعه جميعًا قبل السلام، ومنهم من يرى أنها بعد السلام وأوردنا الأدلة في ذلك (٢)، وأن الرسول ﷺ سجد بعد السلام في مواضع ثلاثة، وفيما عدا ذلك سجد قبل السلام (٣)، وانتهينا إلى أن ما كان من زيادة فإنه يكون بعد السلام، وما كان من نقص فإنه يكون قبل السلام (٤).
إذن؛ هذا المسبوق إذا فرغ الإمام من صلاته فسجد للسهو، هل يسجد معه وهو بعدُ لم يتم صلاته؟ أو أنه يقوم فيتم ثم بعد ذلك يسجد؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء.
فمنهم من قال: يسجد مع الإمام ويكفيه ذلك.
стр. 2490
ومنهم من قال: يسجد بعد أن يقضي ما فاته من الصلاة: "وما فاتكم فأتموا" (١)، وفي رواية: "وما فاتكم فاقضوا" (٢).
فبعد أن يقضي ما فاته يسجد سجود السهو.
وبعضهم قال: يسجد مع الإمام اتباعًا للإمام، لكنه يسجد مرة أُخرى بعد الفراغ من صلاته قبل السلام (٣).
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَسْجُدُ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ).
هذا نُقل عن الإمام أحمد (٤)، وهو المشهور في مذهبه (٥)، ورُوي
стр. 2491
أيضًا عن بعض السلف من التابعين وغيرهم (١) أنه يسجد مع الإمام؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ". "صحيح البخاري" (٢).
وقد ورد في ذلك حديثٌ ضعيف أورده الدارقطني، نصٌّ في هذه المسألة "بأن من سبقه إمامه فإنه يسجد معه فيما إذا سها" (٣). لكن الحديث فيه كلام (٤).
لكن يستدل على ذلك بعموم الحديث: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ بهِ" إلى أن قال: "وإذا سجَدَ فاسجُدُوا". "صحيح البخاري".
وهنا قد سجد فينبغي أن يسجد معه، ثم بعد ذلك يقوم، فيأتي بما فاته من الصلاة، ثم يجلس للتشهد ويُسلم. هذا هو دليل الذين يرون أنه يسجد معه.
* قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَم بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالحَسَن وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥)، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ (٦).
وله رواية أُخرى (١): بأنه يسجد مع الإمام ثم يسجد مرة أُخرى، وهذه الرواية يلتقي فيها مع الإمام الشافعي.
وعلى ذلك: إذا لم يرد في المسألة نص صريح فإن الخلاف فيها يتشعب ويتعدد، وأما المسائل التي ترد فيها نصوص صريحة فمنها ما هو مُجمع عليه، ومنها ما يكون الخلاف فيها محدودًا جدًّا كما نرى، كأن يحصل خلاف بين الجمهور وغيره.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ أَيٌّ أَوْلَى وَأَخْلَقُ (٢): أَنْ يَتْبَعَهُ فِي السُّجُودِ مُصَاحِبًا لَهُ، أَوْ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَكَأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (٣)، وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مَوْضِعُهَا لِلْمَأْمُومِ هُوَ مَوْضِعُ السُّجُودِ، أَعْنِي: فِي آخِرِ الصَّلَاةِ؟ أَوْ مَوْضعُهَا هُوَ وَقْتُ سُجُودِ الإِمَامِ؟).
ولذلك بعض العلماء أخذ بالأحوط فقال: يسجد مع الإمام، ثم بعد ذلك يسجد في آخر الصلاة حتى يخرج من الخلاف ويحتاط في
стр. 2494
المسألة؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ صريح يحدد المكان الذي يسجد فيه المسبوق.
* قوله: (فَمَنْ آثَرَ مُقَارَنَةَ فِعْلِهِ لِفِعْلِ الإِمَامٍ عَلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَرَأَى ذَلِكَ شَرْطًا فِي الِاتِّبَاعِ -أَعْنِي: أَنْ يَكُون فِعْلُهُمَا وَاحِدًا حَقًّا- وقَالَ: يَسْجُدُ مَعَ الإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ (١)، وَمَنْ آثَرَ مَوْضِعَ السُّجُودِ، قَالَ: يُؤَخِّرُهَا إِلَى آخِرِ الصَّلَاةِ (٢)، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الأَمْرَيْنِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ السُّجُودَ مَرَّتَيْنِ (٣). وَهُوَ ضَعِيفٌ).
بقي مسألة أُخرى لم يعرض لها المؤلف ولعله عدَّها من الفروع، وهي: ما إذا حصل السهو للمأموم بعد انتهائه من صلاته؛ أي: أن المسبوق أدرك الإمام في جزء من الصلاة فإذا ما سلَّم الإمام قام المأموم ليأتي بما بقي من صلاته، فقد يسهو في هذه الحالة، فهل يلزمه أن يسجد للسهو أم لا؟
انقسم العلماء إلى قسمين:
فمنهم من قال: يسجد للسهو؛ لأن السجود إنما هو جبر للسهو في الصلاة وقد كان تابعًا للإمام فسجود الإمام جبر لما يحصل منه، وهنا قد انفرد عن إمامه فيلزمه أن يسجد للسهو ليكون ذلك تعويضًا وجبرًا لما
стр. 2495
حصل من نقصٍ أو زيادةٍ في صلاته (١).
ومنهم من قال: لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه لا يزال تابعًا للإمام؛ إذ أنه دخل الصلاة مع إمامه فيظل في هذه الحالة تابعًا له (٢).
والراجح: أنه لا شك أن الأحوط في ذلك أن يسجد للسهو.
[الفصل السادس بماذا ينبه المأموم الإمام الساهي]
* قوله: (الفَصْلُ السَّادِسُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُسَبَّحَ لَهُ) (٣).
стр. 2496
الإمام كما هو معلوم بشر ورسول اللَّه ﷺ قد سها في صلاته (١)، فما بالك بغيره! فالإمام قد يسهو لأنه قد يفكر في أمر من الأمور، وقد يشغله أمر من الأمور، فالذي ينبغي للمأمومين نحو إمامهم أن ينبهوه بقول: سبحان اللَّه!
فإن كان المصلون رجالًا قالوا: سبحان اللَّه! وإن كنَّ نساءً صفَّقْنَ؛ أي: تضرب بكفها الأيمن على كفها الأيسر (٢)، هذه هي السنة في ذلك، وقد وردت في ذلك عدة أحاديث عن الرسول ﷺ .
منها: أن الرسول ﷺ قال: "من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان اللَّه" (٣)، هذا أمر بالقول.
وفي الحديث الآخر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء" (٤).
وقد اختلف العلماء في ذلك:
فمنهم من قال: إن الرجال في حالة سهو الإمام يسبحون، والنساء يصفقن (٥).
ومنهم من قال: إن التسبيح مطلوب من الكل رجالًا كانوا أو نساءً (٦).
* قوله: (وَذَلِكَ لِلرَّجُلِ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ
стр. 2497
قَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيقِ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ) (١).
فهذا الحديث فيه إنكار بالنسبة للذين يصفقون في الصلاة، وهذا حديث متفق عليه؛ فالرسول ﷺ بيَّن ما يفعل في الصلاة ألا وهو التسبيح، وهو قول (سبحان اللَّه!)، بذلك يدرك الإمام أنه قد حصل منه شيء.
* قوله: (فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي النِّسَاءِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ التَّسْبِيحَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ).
لا يرى مالك فرقًا بين الرجال والنساء بالنسبة لتنبيه الإمام، إذا ناب الإمام شيء في صلاته فإن موقف الرجال والنساء هو قول: (سبحان اللَّه!) (٣).
لكن جماهير العلماء: يرون أن التنبيه من الرجال بقول: (سبحان اللَّه!)، ومن النساء إنما هو بالتصفيق (٤).
стр. 2498
والحنفية: معروف مذهبهم في هذه المسألة في قضية (سبحان اللَّه) (١)، وفي الإشارة (٢)، وفي غيرها (٣).
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: لِلرِّجَالِ التَّسْبِيحُ، وَللنِّسَاءِ التَّصْفِيقُ (٤). وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُم فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ"، فَمَنْ ذهَبَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ التَّصْفِيقَ هُوَ حُكْمُ النِّسَاءِ فِي السَّهْوِ -وَهُوَ الظَّاهِرُ- قَالَ: النِّسَاءُ يُصَفِّقْنَ وَلَا يُسَبِّحْنَ).
стр. 2499
قال الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وجماعه (٣): للرجال التسبيح وللنساء التصفيق.
بدأ المؤلف يورد دليلًا للمالكية وكان الأولى أن يستدل بغير هذا الدليل، لأنه لا يصلح دليلًا لهم (٤).
يريد المؤلف أن يقول: وإنما التصفيق للنساء -هذا لحجة المالكية-، ليس المراد من قول الرسول ﷺ : "وإنما التصفيق للنساء" أن النساء يصفقن، وإنما المراد أن يقول للرجال: سبحوا وإنما التصفيق مما تختص به النساء فليس من عادات الرجال أن يصفقوا، لكن الصحيح أن المالكية يُحتج لهم بالحديث الذي أشرنا إليه أولًا وهو قول الرسول ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه. . . " (٥).
ووجه الدلالة من هذا الحديث عند المالكية: أن هذا الحديث أشار فيه الرسول ﷺ إلى أن من نابه شيء في صلاته؛ أي: إذا حصل خلل منه؛ فإن المأموم ينبهه بقول: (سبحان اللَّه!).
قالوا: وهنا لم يُفرِّق الرسول ﷺ بين الرجال والنساء فدلَّ على
стр. 2500
التعميم بقول: (سبحان اللَّه!)، وهذا عام، قالوا ذاك يشمل الرجال والنساء (١).
فهذا أحسن أن يُستدل به للمالكية (٢)، لكن "وإنما التصفيق للنساء"، الاستدلال به كما ذكر المؤلف هو استدلال بعيد جدًّا "وإنما التصفيق للنساء"؛ أي: لم يكن المراد بذلك أن النساء يصفقن في حالة سهو الإمام، وإنما القصد منه أن التصفيق من عادات النساء (٣).
والمسألة في ذلك واضحة، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
فهذا هو قول الرسول ﷺ : "من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللَّه" (٤).
وفي حديث آخر: "فليُسبح الرجال وليُصفق النساء" (٥).
وفي حديث: "إذا نابكم في صلاتكم شيء فليسبح الرجال وليصفق النساء) ".
(فليسبح وليصفق): أمر؛ لأنه فعل مضارع اقترن بلام الأمر.
стр. 2501
والرسول ﷺ فسر القول في هذه المسألة وبيَّن أن هناك فرقًا بين الرجال وبين النساء في حالة تنبيه الإمام، وأن الرجال يُنبهون الإمام بقول: سبحان اللَّه، وأن النساء لا يرفعن أصواتهن ولا يتكلمن في ذلك، وإنما يصفقن فقط.
* قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ الذَّمَّ لِلتَّصْفِيقِ قَالَ: الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي التَّسْبِيحِ سَوَاءٌ) (١).
ابن رشد من علماء المالكية، ومن المنتسبين إلى المذهب، وهو في كتابه هذا يكتب عن المذاهب عمومًا، ولا يتعصب لمذهبه، فهو بهذا يميل إلى رأي جمهور العلماء؛ لأن رأى جمهور العلماء واضح الدلالة، دليله صريح جدًّا لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا ولا تصريفًا عن مدلوله، وواضح الدلالة على المُدَّعَى وهو أن الرجال يقولون: (سبحان اللَّه!) والنساء يصفقن، فلم يتعصب لمذهبه.
وهكذا يكون شأن كل طالب علم، فينبغي أن يسعى إلى الحق بغية الوصول إليه من أقرب طريق وأهداه، لا ينبغي أن يتعصب لمذهب ما؛ لأنه درس هذا المذهب أو أنه عرفه أو أنه عاش فيه.
فليس الحق محصورًا في قول عالم من العلماء، ولا في مذهب من المذاهب، ولا ينبغي دائمًا أن نتبع الرجال على أسمائهم ما دام هذا هو قول أبي حنيفة، أو أحمد، أو مالك، فلا بد أن نأخذ به، نحن نأخذ بالحق.
لكن ينبغي عندما نريد أن نأخذ بالحق أن نكون ممن يعرف الحق من غيره؛ أي: ممن يستطيع أن يوازن بين آراء العلماء، ويعرف أدلتهم، ووجه الدلالة منها، ويعرف الأحاديث الصحيحة، والراجح من المرجوح،
стр. 2502
والناسخ من المنسوخ؛ أي: تكون لديه الأدوات التي تمكِّنه من معرفة أن هذا هو القول راجح وهذا مرجوح، وأن هذا القول صحيح، وهذا ضعيف، وأن هذا القول أدلته قوية، وهذا أدلته ضعيفة، وأن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، وأن هذا دليله العقل وهكذا.
أريد أن انتهي إلى أن طالب العلم دائمًا ينبغي أن يكون مسعاه إلى الحق، فالحق ضالة المؤمن (١)، فليس لأنني درست مثلًا مذهب أحمد، وهذا درس مذهب الشافعي، وهذا مالك، وهذا أبي حنيفة؛ أتعصب للمذهب؛ لأن هؤلاء العلماء أخذوا هذا العلم من الكتاب والسُنة، فما جاؤوا به من عقولهم، وما اجتهدوا فيه من مسائل كلها أيضًا تدور في فلك الكتاب والسنة؛ فإما أن يأخذوا الحكم من الدليل نصًّا من كتاب اللَّه أو السنة، أو من مفهومهما الموافق، أو من مقاصد الشريعة، فدائمًا آراؤهم تدور حول الكتاب والسنة، وهم مع ذلك ليسوا معصومين من الخطأ.
وإذا كان الصحابة -وهم بلا شك أفضل من الأئمة- اختلفوا في مسائل فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ؛ لأنهم بشر (٢)، فما بالك بغيرهم؟!
لكن المؤمن دائمًا إذا عرف الحق فينبغي أن يرجع إليه، كما قال عمر ﵁ في خطابه إلى أبي موسى الأشعري وهو يوصيه في موطن القضاء: "الحقَّ الحقَّ! اعرف الأشباه، وقس الأمور برأيك، ولا يمنعنَّك
стр. 2503
أن تقضي قضاء اليوم أن ترى الحق في غيره فتعدل عنه" (١).
أي: إذا قضيت بأمر من الأمور فتبين أنك قد أخطأت، وأنت بشر فعُد إلى الحق وليس هذا عيبًا، لكن العيب كل العيب أن ترى الحق واضحًا ولا ترجع إليه، وإنما إذا عرفت أن هذا هو الحق وعدت إليه فهذا دليلٌ على عمق إدراكك وعلى بلوغك غاية الرشد، وأنك بذلك تريد الحق ولا تريد سواه.
* قوله: (وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا أَنْ تُقَاسَ المَرْأَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ).
يقول المؤلف: (ضعيف)، والمؤلف ربما ما وقف على الحديث الذي أوردنا الذي يُستدل به المالكية، لكن استدلال المالكية بحديث: "من نابه شيء. . . فليقل سبحان اللَّه" وهذا عام، مطلق قيده حديث: "فليسبح الرجال وليصفق النساء".
فالأول حديث عام وهذا حديث خاص (٢)، الأول مطلق قيده (٣) الحديث الآخر.
стр. 2504
والتخصيص موجود في هذه الشريعة، وأن المطلق يقيد (١)، وأن المقيد والخاص يقدمان على المطلق والعام، وهذا أمر يعرفه الذين درسوا علم أصول الفقه (٢).
* قوله: (وَالمَرْأَةُ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُ حُكْمُهَا فِي الصَّلَاةِ حُكْمَ الرَّجُلِ، وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ القِيَاسُ).
هناك من طلاب العلم من جمع المسائل التي تخالف فيها المرأة الرجل في مجلد، وربما يجمع أكثر من ذلك.
إذن؛ هناك مسائل كثيرة جدًّا تخالف فيها المرأة الرجل، فالمرأة لا تجاهد (٣)، وكذلك لا تجب عليها جمعة ولا جماعة (٤)، وكذلك شهادتها تختلف عن الرجل (٥)، وكذلك في أحكام المواريث، وهناك أحكام تتعلق بالصلاة وغيرها.
стр. 2505
فالمرأة لها أحكام تخصها لا توجد بالنسبة للرجل من العِدة (١) وغيرها، فهناك أحكام تختص بها المرأة عن الرجل، وأمور خُففت بالنسبة لها؛ فالمرأة مثلًا تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فالمرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة (٢)؛ لأن الصلاة تتكرر وتكثر بها المشقة فراعتها الشريعة، لكنها تقضي الصوم؛ لأنه مرة في السنة، شهر واحد، لكن الرجل إذا أجنب فإنه في هذه الحالة لا تسقط عنه الصلاة وإنما يجب عليه أن يُصلي ولو لم يجد ماءً يتيمم وهكذا.
[السجود الذي يكون للشك]
* قوله: (وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ الَّذِي هُوَ لِمَوْضِعِ الشَّكِّ).
ذكر المؤلف في مبدأ حديثه عن السهو أنه سيتحدث عن أمور ثلاثة؛ لأن السهو يدور فيها:
- إما زيادةٌ في الصلاة.
- أو نقصٌ فيها.
стр. 2506
- أو شك فيها.
وكل ما مضى سابقًا إنما هو فيما يتعلَّق بالزيادة أو النقص في الصلاة.
والآن ما يتعلَّق بالشك في الصلاة؛ لأن الإنسان يسهو فقد يزيد في صلاته وقد ينقص فيها، فقد يسلَّم قبل تمام الصلاة وقد يقوم إلى خامسة، وقد يقوم من صلاة تتكون من ركعتين إلى ثالثة، ومن ثلاث إلى رابعة وهكذا.
لكن الكلام هنا فيمن شك في صلاته، فماذا يفعل؟
الرسول ﷺ بيَّن لنا ما يتعلَّق بالوضوء، عندما سُئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال ﷺ : "لا ينصَرفْ حتى يسمَعَ صوتًا أو يجِدَ رِيحًا" (١).
ونحن تكلمنا كثيرًا عما يطرأ للإنسان من شك في الصلاة، وهذا إنما يحصل بسبب الشيطان الذي يسره دائمًا ألا يكون المؤمن على حالة تُرضي ربه؛ فهو دائمًا يريد أن يغويه كما غُوي هو، لكن اللَّه منعه من ذلك، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣].
وهذا أمر لا يُنكره إنسان؛ كل منا قد يتردد في صلاته، فقد ينسى، وقد يتطرق إليه الشك، فكل واحد منا مُعرَّض لذلك؛ الرسول ﷺ بيَّن ذلك في الحديث الصحيح المتفق عليه (٢): "إن أحدكم إذا قام فصلى جاءه الشيطان فلبَّس عليه" أي: أن الشيطان لبَّس عليه في صلاته "فلم يدرِ كم صلى"، فلما أدخل عليه الشيطان الشك تردد في صلاته، والمخرج من ذلك بيَّنه الرسول ﷺ في نفس هذا الحديث بقوله: "فإذا وجد ذلك أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين".
стр. 2507
* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كمْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ).
اختلف العلماء في ذلك فمن قال: يبني على اليقين، لأن اليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة فقهية معروفة من القواعد الكبرى: "اليقين لا يزول بالشك" (١).
وهى مبنية على جملة من الأدلة، منها:
- الحديث الصحيح المتفق عليه الذي أشرت إليه قبل قليل أن الرسول ﷺ سُئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قوله: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢).
- ومنها الحديث الذي سيأتي بعد حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن" (٣).
فالإنسان إذا شك في صلاته فلا ينبغي أن يطرح اليقين، فلو أن إنسانًا توضأ للظهر متيقنًا أنه تطهَّر لكن جاءه الشيطان فوسوس عليه بقوله: (وضوؤك انتقض) وهو متيقن تمامًا أنه توضأ وضوءه للصلاة فشك هل انتقض وضوؤه أم لم ينتقض؟
الجواب: أنه يبقى على طهارته؛ لأن الأصل أنه متطهر وعدم طهارته شك.
ولذلك قال العلماء: من تيقن الطهارة وشك في الحدث؛ فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
стр. 2508
وجماهير العلماء (١) متفقون على ذلك إلا المالكية (٢)، لهم رواية يقولون فيها: "الشك في الشرط مانع من تحقق المشروط"، فإذا شككت فعليك أن ترفع الشك فتتوضأ (٣).
وعكس ذلك: لو كنت متيقنًا أنك لم تتوضأ ثم شككت هل توضأت؟ تبني على اليقين أنك لم تتوضأ، هذا هو معنى القاعدة المعروفة: "اليقين لا يزول بالشك". وهي متعلقة بموضوعنا هذا.
وعلى هذا؛ فالإنسان إذا شك في صلاته فأقوال العلماء كلها نجمعها في أقوال ثلاثة:
стр. 2509
فمنهم من قال -وهو مذهب مالك (١)، والشافعي (٢) -: يبني على اليقين، فإذا شككت في صلاتك بأن كنت في صلاة الظهر فشككت هل هذه الركعة التي قمت إليها هي الثالثة أم الرابعة؟ تبني على اليقين، والبناء على اليقين إنما هو الأخذ بالأقل، بأن تعتبرها ثلاثًا ثم تأتي بالرابعة.
ومثلًا: إذا كنت في صلاة المغرب وقمت للثالثة فشككت هل هي الثانية أم الثالثة فاجعلها الثانية، هذا هو البناء على اليقين. هذا قول أكثر الفقهاء.
ومذهب بعض السلف قال: لا أثر للتردد والشك هنا، يسجد للسهو ولا يضره (٣).
ومنهم من فصَّل القول في هذه المسألة فقال: فرق بين الشك وبين التردد؛ أي: أنك إذا صليت ثلاثًا، ثم دخلك الشك هل كانت اثنتين؟ في هذه الحالة أنت تبني على اليقين، أما لو أن الأمر تساوى عندك، بمعنى لو أنك مثلًا صليت ثلاثًا وقمت إلى الثالثة وشككت هل هي الثانية أو الثالثة، أنت ترى أنها هي الثالثة لكن دخلك الشك، هنا لا تعتد بالشك في هذه الحالة؛ لأنك تحريت (٤) وكان الأرجح عندك أنها الثالثة؛ فهنا لا
стр. 2510
اعتبار للشك وتجعلها ثالثة، لكن لو تساوى عندك الأمران أو الطرفان وهو الذي يعرف بالوهم (١)، ففي هذه الحالة يجب أن تبني على اليقين فتأخذ بالأقل ثم تقوم فتتم. وهذا هو مذهب أحمد (٢).
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يَبْنِي عَلَى اليَقِينِ وَهُوَ الأَقَلُّ، وَلَا يُجْزِيهِ التَّحَرِّي وَيَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ (٤)، وَدَاوُدَ (٥)).
ومعنى قوله: "يبني على اليقين": أنك لو كنت مثلًا في صلاة العشاء
стр. 2511
وقمت إلى رابعة ودخلك الشك؛ أي: ترددت هل هذه الرابعة أم الثالثة؟ تجعلها الثالثة؛ لأن هذا هو اليقين وتأتي بالرابعة فإنه جاء في الحديث الصحيح وهو حديث أبي سعيد الخدري أن الرسول ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن" (١).
فالرسول ﷺ أمرك بطرح الشك وإلغائه ولا تعتد به "فليطرح الشك"، لكن طرح الشك ليس معناه أن تبني على ما شككت فيه، وذلك بمعنى هل هي الثالثة أم الرابعة فتجعلها الرابعة؟ القصد هنا أن تطرح الشك من نفسك وتبني على ما تبرأ به ذمتك ألا وهو الأقل.
قال: "فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كلان صلاها خمسًا شفعن له صلاته" كانت شافعة له "إن كان صلاها أربعًا كان ترغيمًا للشيطان" (٢)؛ أي: إذلالًا ودحرًا وردعًا له (٣)؛ لأنه لبَّس (٤) عليك في صلاتك، فكان ينبغي في هذا المقام أن تكون هنا أذليته؛ لأنك أخذت بما هو أحوط لك في دينك فلم يجد مدخلًا عليك في هذا المقام، وهذا تيسير من اللَّه على عباده.
هذا هو الحديث الذي تمسك به أكثر الفقهاء فقالوا: يبني على اليقين.
أما الحنابلة في رواية أخري، وهي المشهورة: أنه يتحرى (٥)، وهم
стр. 2512
أيضًا استدلوا بحديث عبد اللَّه بن مسعود أن الرسول ﷺ قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين" (١). أي: يتم على الذي تحرى، فإذا تحرى ثلاثًا فهي ثلاثًا، وإذا تحري أربعًا فهي أربعًا.
وفي بعض الروايات: "وهو جالس بعد التسليم" (٢). ففي "صحيح البخاري": "بعد التسليم" (٣).
وهناك من قال: يكتفي بسجود السهو (٤). والصحيح أن هذا قول ضعيف.
ويجزيه التحري؛ أي: إذا شككت هل هي ثالثة أم رابعة؟ فتحريت فغلب على ظنك أنها رابعة، فهي الرابعة، هذا هو مذهب أحمد، فحينئذ تجعلها رابعة ثم تسجد للسهو، وعند الجمهور تطرح الشك وتأخذ بالأقل وهو اليقين فتجعلها ثالثة وتأتي بالرابعة احتياطًا.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) (٥).
стр. 2513
وقول أبي حنيفة ضعَّفه عامة العلماء؛ لأنه لا مستند له من الدليل (١).
يريد أن يقول: أنَّ الذي نُسب لأبي حنيفة: إن كان هذا الشك في أول الصلاة فسدت صلاته، فهو يحتاج إلي أن يستأنفها واللَّه يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
* قوله: (وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، تَحَرَّى وَعَمِلَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ (٢). وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِذَا شَكَّ لَا رُجُوعٌ إِلَى يَقِينٍ، وَلَا تَحَرٍّ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ فَقَطْ إِذَا شَكَّ) (٣).
لم يشر إلى مذهب أحمد، ومذهبه يجمع بين الآراء؛ فلقد أشار إلى الفرق الثلاثة لكنه لم يشر إليه، وأحمد له رواية مع مالك والشافعي أيضًا؛ فممكن أن يكون معهم ويقال هذا رأي أحمد، لكن روايته المشهورة في المذهب أن يتحرى كما ذكرنا (٤).
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ).
هناك أدلة ظاهرها التعارض، فهناك حديث يأمر بالتحري، وآخر يأمر أن يقطع الشك باليقين وأن نترك الشك ونأخذ باليقين، واليقين هنا هو
стр. 2514
الأقل؛ أي: نعتبر الأقل ونلغي الركعة التي فيها شك، ونأتي ببديل عنها.
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا البَابِ ثَلَاثَةَ آثَارٍ، أَحَدُهَا: حَدِيثٌ بالبِنَاءِ عَلَى اليَقِينِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى. . .) (١).
قصد بالآثار الأدلة؛ لأن من الأحاديث التي سيذكرها وسماها آثارًا أحاديث متفقًا عليها، لكن هذا مصطلح له (٢).
هذا الحديث سبق أن أورده المؤلف بلفظ آخر، فلقد أورده هنا باللفظ المشهور.
* قوله: (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان (٣)؛ لأن الشك يحصل فيما يستقبل من صلاة الإنسان، والرسول ﷺ يُعلِّم أصحابه ويرشدهم، وتعليمه إنما هو تعليم للأمة عمومًا، فالرسول ﷺ إذا خاطب أصحابه فإنه يخاطب الناص جميعًا، لكن أولئك يعيشون بين ظهرانيه فكان حريصًا ﷺ عليهم، وإنما نصوص الكتاب والسنة للأمة المحمدية جميعًا، إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا، الذي وصل إلينا غضًّا (٤) طريًّا لم تَشُبْه شائبة (٥) كما أُنزل على رسول اللَّه ﷺ .
стр. 2515
وهذه السنة الصحيحة التي تناقلها العلماء جيلًا بعد جيل ودوَّنوها في كتب مسطورة ونقَّحوها (١) وهذَّبوها (٢) ودافعوا عنها وذبُّوا (٣) عنها من ضلالات المضلين وتحريفات المحرفين، حفظها العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-، هذه هي الشريعة الإسلامية الخالدة، وما يحصل من اجتهادٍ فهو لا يبعد عما في هذه الشريعة؛ لأن أصوله موجودة في كتاب اللَّه وفي سُنة رسوله ﷺ .
فمعنى قوله: "إذا شك أحدكم في صلاته"؛ أي: أن الإنسان يشك، ولا يمكن أن يمر أي إنسان منا إلا وقد حصل له ذلك؛ لأنه عرضة لذلك.
ثم بيَّن الرسول ﷺ ذلك بيانًا شافيًا لا يتطرق إليه شك، "فلم يدرِ كم صلى ثلاثًا أم أربعًا" (٤)، فالرسول ﷺ بيَّن ذلك عن طريق المثال، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣].
فنجد أن كتاب اللَّه يُكثر من ذكر الأمثال، ومن ذكر القصص لما فيها من العبرة؛ ولأن الأمثال تستقر في الأذهان، وترسخ في النفوس، وتثبت في القلوب؛ ولذلك نجد أن اللَّه يحكي لنا كثيرًا من قصص السابقين؛ كقصة أهل الكهف، وقصة يوسف ﵇ مع إخوته، وكذلك قصص كثيرة في كتاب اللَّه ، ويُكثر اللَّه من ضرب الأمثال
стр. 2516
التي في سورة النور مثلًا وفي سورة الكهف وغيرها، وكذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ يُكثر أيضًا من ضرب الأمثلة ومن ذكر الشواهد، بل إننا نجد أحيانًا أن في كتاب اللَّه وسُنة رسوله ﷺ بعض الأحكام التي كانت تنزل إما إجابةً لسؤال، أو فتوى لمستفتٍ: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] .. . إلى غير ذلك.
والرسول ﷺ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه إنَّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا، فنتوضأ بماء البحر، إذ يقول ﷺ : "هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ ميتتُهُ" (١).
إذن؛ هذه الأمثلة وهذا القصص وهذه الشواهد إنما قصد فيها التقريب للناس، والرسول ﷺ بعد أن قال: "إذا شَكَّ أحدُكُم في صَلاتِهِ، فلم يَدري كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، فليَطرحِ الشَّكَّ" (٢)؛ لأن هذا من وساوس الشيطان يريد أن يُفسد عليه صلاته، وأن يلبِّس عليه الأمر، فعليه ألا يمكِّنه من ذلك "فليأخذ باليقين" واليقين هو الأقل.
البناء إنما يكون على اليقين والذي يستيقنه هو أنه صلى ركعتين مثلًا لا ثلاثة فيأخذ باليقين ويدع عنه الشك، وأقل ما في ذلك أنه أحوط لك في دينك، "فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن".
ثم زاد الرسول ﷺ ذلك بيانًا وتفصيلًا بقوله: "ثُم لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ".
ثم بيَّن الرسول ﷺ العلة في ذلك فقال: "فإن كان صلى خمسًا؛ شفعت له هذه الخامسة صلاته" (٣). أي: ينتهي من صلاته وهو مطمئن
стр. 2517
النفس مرتاح البال؛ لأن الشك الذي كان يتردد في ذهنه ويخالج نفسه (١) ويستولي على جوارحه قد زال.
وإن كانت هذه الركعة التي صلاها هي فعلًا الرابعة، ففي ذلك ردعٌ وترغيمٌ للشيطان عدو الإنسان.
فالرسول ﷺ يبين لأمته ما فيه خيرهم، وما فيه صلاحهم، وما فيه سعادتهم؛ فلو أن المسلمين التزموا هذه السنة العظيمة، سنة رسول اللَّه ﷺ لعاشوا في سعادة وفي خير وطمأنينة واستقرار وأمن وفي رغد (٢) من العيش.
قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
فلا شك أن مَن يسلك طريق الرشاد وطريق الهداية أن نهايته الخير والفلاح والسعادة في الدارين.
أما من يسلك طريق الغواية ويسير في طريق الضلالات ويرتكب المعاصي ويخرج على دين اللَّه، وأشرُّ من ذلك من يحارب اللَّه والمؤمنين ومن يجعل مع اللَّه شريكًا له في عبادته، وفي دعائه، أو في ذبحٍ، أو في توكلٍ، أو في نذرٍ، ومن لا يستطيع أن يُقدم لك نفعًا ولا ضرًا، هذا أخطر من أولئك، وهؤلاء إن لم يتوبوا ويعودوا إلى اللَّه -وأبواب التوبة مفتوحة-؛ فإنهم سيجدون جزاء ذلك في جهنم وبئس المصير.
стр. 2518
* قوله: (. . . أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كان صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ"، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١).
حتى وإن كانت هذه خامسة وزائدة على الصلاة، لا تفسد عليك صلاتك؛ لأنك عندما أقدمت عليها؛ أردت الاطمئنان، وأردت ألا يحصل خلل في صلاتك، وألا يحصل نقص في صلاتك فتفسد عليك، لكنك لو تعمدت هذه الخامسة فقد أبطلت صلاتك؛ لأن الزيادة في الصلاة كالنقص فيها، فليس لك أن تزيد في شرع اللَّه ولا أن تنقص، وليس للمسلم أن يغلو في دين اللَّه فيزيد فيه، دين اللَّه وسطٌ فلا إفراط ولا تفريط، هذه شريعة وسط وهذه الأمة هي أمة الوسطية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
* قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ") (٢).
النبي ﷺ يضع لنا منهجًا قويمًا، يريد أن يرشدنا إلى طريق الحق، وإلى طريق الصلاح، ولا شك أن من أجلِّ عبادات المؤمن بعد الشهادتين إنما هي هذه الصلاة العظيمة؛ التي كان رسول اللَّه ﷺ إذا حزبه (٣) أمرٌ فإنما يذهب إلى الصلاة لتطمئن نفسه ويرتاح فؤاده (٤)، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥، ٤٦].
стр. 2519
فالصلاة فيها سعادة المؤمن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفيها فلاح المؤمن؛ فينبغي للمؤمن أن يتأثر بهذه الصلاة، بمعنى أن ينعكس ذلك على سلوكه داخل المسجد وخارجه؛ لأنه ينبغي أن يكون أمينًا في كل أعماله، فما دمت تُصلي للَّه استجابةً لدعوته ونزولًا عند أحكامه فينبغي لك أيضًا أن تعمل بكل أحكام اللَّه التي أمرك بأن تقوم بأدائها وأن تبتعد عما نهاك اللَّه عنه من المحرمات والمنهيات، هذا هو شأن المؤمنين.
فإن المؤمنين إذا دعوا إلى اللَّه ورسوله ليحكم بينهم ما يترددون بل يقولون: (سمعنا وأطعنا!) وهذا شأن المؤمنين، وهكذا كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ .
فإننا نجد أن من أحكام الشريعه الإسلامية من لم يُشرَّع جملة واحدة؛ إنما نزلت هذه الشريعة في أمة مشركة، قد تضلعت في كثير من الأمور (١)، وانغمسوا في الشركيات، فجاء الرسول ﷺ ليُنقِّي نفوسهم، وليستلهم من سخائم (٢) الشرك والوثنية إلى دين اللَّه ، فدعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وظل معهم في ذلك سنين عديدة.
ونجد أيضًا أن بعض الأحكام لم تنزل دفعة واحدة بالنسبة للتحريم، فإنه بالنسبة للخمر مثلًا نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
فمن الصحابة من تركها، لأنهم قالوا: لا حاجة لنا بما فيه إثم.
ثم جاءت آية أُخرى وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]. فقالوا: نبتعد عما يؤثر علينا في صلاتنا، وهذه المرحلة الثانية.
стр. 2520
ثم جاءت آية المائدة التي حسمت كل شيء: قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. فقال المؤمنون: "انتهينا انتهينا" (١).
إذن؛ المؤمنون الذين كانوا مع رسول اللَّه ﷺ هم موصوفون بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
هؤلاء هم المؤمنون حقًّا الذين إذا دعوا إلى اللَّه ورسوله يقولون: (سمعنا وأطعنا!).
ولذلك يقول اللَّه: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ ويقول العلماء: إن قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ أبلغ من قول: (انتهوا!)؛ لأن فيه استفهامًا، والقصد من ذلك تأكيد هذا الحكم وترسيخه في نفوس المؤمنين بأن يقلعوا عنه (٢).
ولما كان المؤمنون سريعي الاستجابة لأوامر اللَّه ولأوامر رسول اللَّه ﷺ وهم يدركون معنى قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 2521
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. كانوا يتسارعون إلى فعل الخيرات، وإلى الاستجابة والنزول عند أحكام اللَّه وأحكام رسوله ﷺ .
فإن على المؤمن في كل زمن من الأزمان وفي كل حال من الأحوال أن يكون هذا هو شأنه؛ لأن المؤمنين متى ما رجعوا إلى اللَّه فإن اللَّه سيكون معهم، فاللَّه تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، الذين ينصرون اللَّه بأن يجاهدوا في سبيله، بأن يصدقوا في أقوالهم وأفعالهم، ولن يتخلى اللَّه عنهم، فاللَّه تعالى لم يتخلَّ عن أصحاب بدر بل كان معهم وأمدهم بالملائكة ولمَّا حصل تقصير من بعض المؤمنين في غزوة أُحُدٍ أخذوا درسًا.
ولمَّا غُرَّ بعض المؤمنين بكثرتهم يوم حنين ما نفعتهم الكثرة فرجعوا إلى اللَّه ﷺ .
فينبغي للمؤمنين أن يكونوا مع اللَّه .
* قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: "فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَيَتَشَهَّدْ وَيُسَلِّمْ" (١). وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ مَالِكٌ (٢) وَالبُخَارِيُّ (٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ"، وَفِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ
стр. 2522
بَعْدَهَا، وَيُسَلِّمْ" (١)، فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ (٢) مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى المُعَارِضِ).
مراده: أن مذهب الترجيح هو أن تأخذ بأدلة فتُقدمها على أدلة أُخرى، والآخذ بالأدلة وهو أن يقدم أدلته وتقديم الأدلة له عدة أسباب منها:
- أن يرى أن أدلته أصح.
- أو أنها أدلُّ على المدعَى من أدلة المخالف. . .
أو غير ذلك من المرجحات والأسباب التي يذكرها صاحب القول.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَامَ (٣) تَأْوِيلَ المُعَارِضِ، وَصَرْفَهُ إِلَى الَّذِي رَجَّحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ).
الجمهور: رجحوا جانب البناء على اليقين (٤)؛ أخذًا بحديث أبي سعيد: "إذا شَكَّ أحَدُكُمْ في صلاتِه فلَمْ يَدْرِ أصلَّى ثلاثًا أمْ أرْبَعًا؟ فلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، ولْيبنِ على ما اسْتَيْقَنَ، وليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ. . . " (٥).
قالوا: هذا نص في المدعَى؛ فهو يدل على البناء على اليقين وهو صريح في موضوع الشك فأخذوا به، وتأولوا حديث التحري بأن القصد
стр. 2523
منه أن يتحرى الصواب؛ أي: أن يتذكر أن الحق هو هذا، فيردون حديث ابن مسعود إلى حديث أبي سعيد (١).
والآخرون يقولون -الذين قالوا بالتحري- في حديث أبي سعيد في أمر الشك: الشك قائمٌ فهو متردد بين الأمرين يبني على اليقين، لكن هناك شك فتحرى الصواب فغلب على ظنه أحد الجانبين فيعمل به، لكن في حالة تساوي الشك يحصل عنده وهمٌ حينئذ يبني على اليقين لأنه الأحوط (٢).
* قوله: (فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فِي بَعْضٍ، وَالتَّرْجِيحِ فِي بَعْضٍ مَعَ تَأْوِيلِ غَيْرِ المُرَجَّحِ، وَصَرْفِهِ إِلَى المُرَجَّحِ: فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (٣)، فَإِنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَلَى الَّذِي لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ الشَّكُّ).
قصد بقوله: "يستنكحه الشك"؛ أى: يخالطه الشك، لأن معنى: تناكحت الأشجار؛ أي: تعانقت وانضم بعضها إلى بعض أو اختلط بعضها ببعض، فمادة (نكح) إنما فيها معنى المخالطة (٤)، وهذا أمر معروف حتى في المصطلح الشرعي.
стр. 2524
* قوله: (وَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّكُّ، وَيَسْتَنْكِحُهُ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الجَمْعِ، وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالتَّحَرِّي هُنَالِكَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اليَقِينِ؛ فَأَثْبَتَ عَلَى مَذْهَبِهِ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا (١)).
أي: ذاك على من لم يستنكحه الشك؛ أي: لم يخالطه، وهذا على من يستنكحه الشك؛ أي: يخالطه. هذا هو كما نبهت؛ أي: قصدهم بالتحري؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرى الصوابَ" (٢). فهنا نصَّ على الصواب؛ أي: يتحرى أن هذا هو الصواب، فإن أصابه عمل به، وإن ظل مترددًا بنى على اليقين، هكذا يتأول الجمهور هذا الدليل.
وأما الذين قالوا بالتحري: فإنهم يجعلون التحري في معرفة الصواب درجة أعلى من الشك والشك دونها، فالشك ينزل عن تحري الصواب فيغلب على ظنك أن هذا هو الصواب ولا تتيقنه، وإنما غلب على ظنك، فهي درجة أعلى من درجة الشك، ولذلك قالوا: يبني على ما غلب عليه ظنه.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَإِسْقَاطِ البَعْضِ وَهُوَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلِ المُرَجَّحِ عَلَيْهِ: فَأَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّمَا هُوَ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الَّذِي عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ (٣)، وَأَسْقَطَ حُكْمَ حَدِيثِ
стр. 2525
أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ زِيَادَةٌ، وَالزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالأَخْذُ بِهَا، وَهَذَا أَيْضًا كأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ (١)، وَأَمَّا الَّذِي رَجَّحَ بَعْضَهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ: فَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَجَّحُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْقَطُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَضْعَفَ الأَقْوَالِ (٢)، فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا القِسْمِ مِنْ قِسْمَيْ كتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ القَوْلُ فِي الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ).
إذن؛ المؤلف في مصطلحه قسَّمَ الصلاة إلى قسمين:
صلاة مفروضة: وسبق الكلام عنها كالصلوات الخمس وصلاة المسافر والجمعة.
وصلاة غير مفروضة: وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه بعد هذا مباشرة.
* قوله: (فَلْنَصِرْ بَعْدُ إِلَى القَوْلِ فِي القِسْمِ الثَّانِي).
مراد المؤلف أن يقول: تم بحمد اللَّه الكلام عن أهم مسائل الصلوات المفروضة التي أسس عليها كتابه وبناه وهي أمهات المسائل وقواعدها؛ ولذلك هناك من يُعرِّف هذا الكتاب ويشير إليه بأنه كتاب في القواعد؛ لأنه أخذ أمهات المسائل وكبيراتها، وترك المسائل الجزئية إلا