← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. كانوا يتسارعون إلى فعل الخيرات، وإلى الاستجابة والنزول عند أحكام اللَّه وأحكام رسوله ﷺ . فإن على المؤمن في كل زمن من الأزمان وفي كل حال من الأحوال أن يكون هذا هو شأنه؛ لأن المؤمنين متى ما رجعوا إلى اللَّه فإن اللَّه سيكون معهم، فاللَّه تعالى مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، الذين ينصرون اللَّه بأن يجاهدوا في سبيله، بأن يصدقوا في أقوالهم وأفعالهم، ولن يتخلى اللَّه عنهم، فاللَّه تعالى لم يتخلَّ عن أصحاب بدر بل كان معهم وأمدهم بالملائكة ولمَّا حصل تقصير من بعض المؤمنين في غزوة أُحُدٍ أخذوا درسًا. ولمَّا غُرَّ بعض المؤمنين بكثرتهم يوم حنين ما نفعتهم الكثرة فرجعوا إلى اللَّه ﷺ . فينبغي للمؤمنين أن يكونوا مع اللَّه . * قوله: (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: "فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، وَيَتَشَهَّدْ وَيُسَلِّمْ" (١). وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ مَالِكٌ (٢) وَالبُخَارِيُّ (٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ، فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ"، وَفِي هَذَا المَعْنَى أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ

стр. 2522

بَعْدَهَا، وَيُسَلِّمْ" (١)، فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ (٢) مَذْهَبَ الجَمْعِ، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَالَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى المُعَارِضِ). مراده: أن مذهب الترجيح هو أن تأخذ بأدلة فتُقدمها على أدلة أُخرى، والآخذ بالأدلة وهو أن يقدم أدلته وتقديم الأدلة له عدة أسباب منها: - أن يرى أن أدلته أصح. - أو أنها أدلُّ على المدعَى من أدلة المخالف. . . أو غير ذلك من المرجحات والأسباب التي يذكرها صاحب القول. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَامَ (٣) تَأْوِيلَ المُعَارِضِ، وَصَرْفَهُ إِلَى الَّذِي رَجَّحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ). الجمهور: رجحوا جانب البناء على اليقين (٤)؛ أخذًا بحديث أبي سعيد: "إذا شَكَّ أحَدُكُمْ في صلاتِه فلَمْ يَدْرِ أصلَّى ثلاثًا أمْ أرْبَعًا؟ فلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، ولْيبنِ على ما اسْتَيْقَنَ، وليَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ. . . " (٥). قالوا: هذا نص في المدعَى؛ فهو يدل على البناء على اليقين وهو صريح في موضوع الشك فأخذوا به، وتأولوا حديث التحري بأن القصد

стр. 2523

منه أن يتحرى الصواب؛ أي: أن يتذكر أن الحق هو هذا، فيردون حديث ابن مسعود إلى حديث أبي سعيد (١). والآخرون يقولون -الذين قالوا بالتحري- في حديث أبي سعيد في أمر الشك: الشك قائمٌ فهو متردد بين الأمرين يبني على اليقين، لكن هناك شك فتحرى الصواب فغلب على ظنه أحد الجانبين فيعمل به، لكن في حالة تساوي الشك يحصل عنده وهمٌ حينئذ يبني على اليقين لأنه الأحوط (٢). * قوله: (فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ فِي بَعْضٍ، وَالتَّرْجِيحِ فِي بَعْضٍ مَعَ تَأْوِيلِ غَيْرِ المُرَجَّحِ، وَصَرْفِهِ إِلَى المُرَجَّحِ: فَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (٣)، فَإِنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَلَى الَّذِي لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ الشَّكُّ). قصد بقوله: "يستنكحه الشك"؛ أى: يخالطه الشك، لأن معنى: تناكحت الأشجار؛ أي: تعانقت وانضم بعضها إلى بعض أو اختلط بعضها ببعض، فمادة (نكح) إنما فيها معنى المخالطة (٤)، وهذا أمر معروف حتى في المصطلح الشرعي.

стр. 2524

* قوله: (وَحَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّكُّ، وَيَسْتَنْكِحُهُ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الجَمْعِ، وَتَأَوَّلَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِالتَّحَرِّي هُنَالِكَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى اليَقِينِ؛ فَأَثْبَتَ عَلَى مَذْهَبِهِ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا (١)). أي: ذاك على من لم يستنكحه الشك؛ أي: لم يخالطه، وهذا على من يستنكحه الشك؛ أي: يخالطه. هذا هو كما نبهت؛ أي: قصدهم بالتحري؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِه فليتحرى الصوابَ" (٢). فهنا نصَّ على الصواب؛ أي: يتحرى أن هذا هو الصواب، فإن أصابه عمل به، وإن ظل مترددًا بنى على اليقين، هكذا يتأول الجمهور هذا الدليل. وأما الذين قالوا بالتحري: فإنهم يجعلون التحري في معرفة الصواب درجة أعلى من الشك والشك دونها، فالشك ينزل عن تحري الصواب فيغلب على ظنك أن هذا هو الصواب ولا تتيقنه، وإنما غلب على ظنك، فهي درجة أعلى من درجة الشك، ولذلك قالوا: يبني على ما غلب عليه ظنه. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِهَا وَإِسْقَاطِ البَعْضِ وَهُوَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلِ المُرَجَّحِ عَلَيْهِ: فَأَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ إِنَّمَا هُوَ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الَّذِي عِنْدَهُ ظَنٌّ غَالِبٌ (٣)، وَأَسْقَطَ حُكْمَ حَدِيثِ

стр. 2525

أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ زِيَادَةٌ، وَالزِّيَادَةُ يَجِبُ قَبُولُهَا وَالأَخْذُ بِهَا، وَهَذَا أَيْضًا كأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الجَمْعِ (١)، وَأَمَّا الَّذِي رَجَّحَ بَعْضَهَا، وَأَسْقَطَ حُكْمَ البَعْضِ: فَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رَجَّحُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْقَطُوا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ أَضْعَفَ الأَقْوَالِ (٢)، فَهَذَا مَا رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا القِسْمِ مِنْ قِسْمَيْ كتَابِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ القَوْلُ فِي الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ). إذن؛ المؤلف في مصطلحه قسَّمَ الصلاة إلى قسمين: صلاة مفروضة: وسبق الكلام عنها كالصلوات الخمس وصلاة المسافر والجمعة. وصلاة غير مفروضة: وسيأتي الكلام عنها إن شاء اللَّه بعد هذا مباشرة. * قوله: (فَلْنَصِرْ بَعْدُ إِلَى القَوْلِ فِي القِسْمِ الثَّانِي). مراد المؤلف أن يقول: تم بحمد اللَّه الكلام عن أهم مسائل الصلوات المفروضة التي أسس عليها كتابه وبناه وهي أمهات المسائل وقواعدها؛ ولذلك هناك من يُعرِّف هذا الكتاب ويشير إليه بأنه كتاب في القواعد؛ لأنه أخذ أمهات المسائل وكبيراتها، وترك المسائل الجزئية إلا

стр. 2526

فيما ندر أو قلَّ، وقد يتطرق أحيانًا إلى بعض الجزئيات للحاجة إلى ذلك؛ فالمؤلف هنا يأخذ بأمهات المسائل. فقد يقول قائل: إذا أخذت ببعض أمهات المسائل معنى ذلك أنها جزء منها، وهي لا تمثل شطرًا كبيرًا في الفقه، وإنما هي تمثل نسبة معينة، فكيف أستطيع أن أعرف مسائل الفقه وأنا لم أدرس إلا أصوله؟ الجواب: بأن من عَرَفَ أصول المسائل سَهُلَ عليه معرفة فروعها، فإذا ما ضبطت الأصول وأمسكت بها؛ استطعت أن تخرِّج عليها بقية المسائل؛ لأن هذه الأصول إنما استُمِدت من النص، إما نُصَّ عليها أو أنها تلتقي مع مفهوم النص مفهومًا موافقًا؛ فبذلك تكون قد وقفت على أدلة وردت بها النصوص إما منطوقًا أو مفهومًا موافقًا. فإذا ما وجدت مسائل أُخرى متفرعة؛ فإنك تردها إلى هذه المسائل الكبرى ولذلك يقولون: "من أمسك بالأصول سهل عليه معرفة الفروع" (١). * قوله: (مِنَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ فُرُوضَ عَيْنٍ). الصلاة وإن انقسمت إلى قسمين: مفروضة وغير مفروضة؛ فكلها شرعية نسبة إلى هذه الشريعة، فعندما تُطلق الشريعة فهي لا تقتصر على الفقه، فالشريعة مرت بمصطلحات عدة، لكنها عندما تطلق فإنها تشمل جميع علوم الإسلام، فتشمل العقيدة الإسلامية، وتشمل علم الفقه، وعلم الأخلاق. هذه كلها تدخل فيها، ويدخل في ذلك أيضًا ما يتعلَّق بالسياسة الشرعية، وهي تمثل جانبًا من الفقه الإسلامي. ولذلك يذكر العلماء الذين استقصوا ما في الكتاب والسنة إلى أنَّ ما ورد فيهما يمكن تقسيمها من حيث الحكم إلى ثمانية أقسام، منها: ١ - أحكام متعلقة بالعقيدة. وهذا موضوعها (علم التوحيد).

стр. 2527

٢ - مسائل تتعلق بالعبادات. وموضوعها (علم الفقه). فالفقه أخذ أكبر شطرٍ مما يتعلَّق بعلومِ الشريعة، فأخذ ما يتعلَّق بالعبادات، وما يتعلَّق بالمعاملات، وما يتعلَّق بالعلاقات الدولية، وما يتعلَّق كذلك بنظام الحكم، وكذلك ما يتعلَّق بجميع الأحكام ذات السياسة كالأمر بالمعروف التي نعرفها بالحِسبة، ونظام الأسرة والقضاء، كل هذا يدخل في الفقه. ٣ - ما يتعلَّق (بعلم الأخلاق) كالعدل والشجاعة والكرم إلى غير ذلك فهذه موضوعها علم الأخلاق. لكن هذه العلوم كلها تدور في فلكٍ واحد وهو هذه الشريعة الإسلامية. والفقه كان يطلق في أول أمره إطلاقًا موازيًا للشريعة، كان في أول إطلاقه إنما كان معادلًا أو كان موافقًا للشريعة في جميع عموماته؛ ولذلك أبو حنيفة عندما كتب كتابه المعروف "الفقه الأكبر" كان في العقيدة لكنه سماه "الفقه الأكبر". ثم بعد ذلك اصطُلح إلى اصطلاح آخر في الفقه، إلى أن استقر الفقه على علم الفروع الذي ندرسه الآن في هذه الكُتب الذي تشمل (العبادات والمعاملات) وبعضهم يزيد في الأقسام فيقُسمه إلى عبادات، ومعاملات، وإلى أحكام أسرة، وإلى قضاء، وإلى علاقات دولية، وغير ذلك أحكام متعددة، ولا مُشاحة في الاصطلاح. هذه أيضًا ما تشمله هذه الشريعة، يدخل في ذلك: الأحكام الواجبة وغير الواجبة ما دام أن هذه الأحكام تسير في فلك هذه الشريعة ولا تخرج عن دائرتها ولا عن محورها؛ فهي كلها علوم شرعية؛ وهي كما ذكر المؤلف تنقسم إلى فرائض وإلى غير فرائض والفرائض تحدثنا عنها جُملة، وبقي الآن أن ننتقل وأن نشرع بإذن اللَّه تعالى في الباب الثاني المتعلق بالأحكام غير الواجبة ذات الصلة بالصلاة (١).

стр. 2528

(كِتَابُ الصَّلَاةِ الثَّانِي) بعض الفقهاء يضع كتابًا واحدًا للصلاة، ثم يُقسمه إلى عدة أبواب، وبعضهم -كما صنع المؤلف- يقسمه إلى كتابين: ١ - الكتاب الأول: في الصلوات المفروضة. ٢ - الكتاب الثاني: في غير المفروضة. وَكلُّها مصطلحاتٌ اصطلح عليها الفقهاء لا تؤثر، وإنما المقصود ترتيب مسائل الفقه، وتقريبها إلى الأذهان. * قوله: (وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنْهَا مَا هِيَ سُنَّةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نَفْلٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ). بعد أن فرغ من الكلام عن الصلوات المفروضة، شرع يتكلم عن غير المفروضة. وتنقسم غبر المفروضة إلى: • صلاة تُؤدى جماعة. • صلاة تُؤدى فرادى. الصلوات التي تُؤدى جماعةً: كصلاة الكسوف، والاستسقاء، والتراويح، وهذا في غير الواجبات، وثمَّ خلاف يأتي في بعض الصلوات كصلاة العيدين، هل هي واجبة أو سُنَّة؟

стр. 2529

والصلوات التي تؤدى فرادى تنقسم إلى قسمين: • سنن معينة: وهي ما جاءت الأحاديث بتعيينها بأنها سُنَّة من السنن؛ إما لمداومة الرسول ﷺ عليها، أو لحضه عليها، أو لطلبه فِعْلِها، ولكنها لا تصل إلى درجة الواجب، وسيأتي مناقشة ذلك في الكلام عن الوتر، وركعتي الفجر، والرواتب -على اخْتلَافٍ بين العلماء في عَدِّها- كما سيأتي. • سُنن مطلقة: يفعلها الإنسان. • موعظة في الاعتناء بالنوافل: لا شك أن اللَّه يَسَّر على عباده، ووضع لهم طريقًا يتنافسون فيه؛ ففرض فرائض، وألزم المؤمنين العمل بها، والوقوف عندها، وعدم تجاوزها، فلا يجوز لمُسْلمٍ أن يترك واجبًا من الواجبات، ثم إن اللَّه سنَّ سننًا لعباده، وجعل ذلكَ ميدانًا فسيحًا يَتسَابق فيه المتسابقون، ويَتنَافس فيه المتنافسون؛ فيَدْخل في عموم قول اللَّه : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقَوْله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فَهَذِهِ عباداتٌ لَيْست مفروضةً، لكنها تقربك إلى اللَّه ، وَتَزيد في حسناتك، وتحط من خطاياك، وبها أيضًا جَبْر لما قَدْ يحصل من خَلَلٍ في صلاتك المفروضة، فيَنْبغي للمؤمن أن يُعْنى بذلك، وقَدْ سبق أن أشار المؤلف إلى أن من العلماء من أثَّمَ الذين يُقَاطعون السنن عمومًا، بَلْ وَصَف الإمام أحمد تارك الوتر مطلقًا بأنه رجل سوء، لا تُقْبل شهادته (١)، مع أنه لا يوجبه، لكنه يرى أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون جافيًا، فيترك هذه السنن التي أعطاها اللَّه ، وجعلها له طريقًا يتزود فيه من الخيرات،

стр. 2530

ويزداد فيه من القربات، ويتقرب به إلى اللَّه ، "ولا يَزَال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" (١). فعملك النوافل، ومحافظتك على السنن ينتهي بك إلى أن يحبك اللَّه، وَهُوَ مطلبٌ يَرُومه كل مسلمٍ، وَيسْعى إلى أن يظفر به؛ لأنه سعادة المؤمن، وفوزه، ونجاته، وَغَايته التي يريد أن ينتهي إليها. ولذَلكَ، في قصَّة الرجل الذي سأل رسول اللَّه ﷺ عندما كَانَ يخطب الناس يوم الجُمُعة، فقال: يا رسول اللَّه، متى الساعة؟ فلم يرد عليه في أول مرة حتى كررها، فلم يقل الرسول ﷺ له: إن الساعة في وقت كذا؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا اللَّه ، فهو الذي يُنزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، وفي مطلع الآية: (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وإنما أَرْشَده الرسول ﷺ إلى أمرٍ أهم من ذلك، فقال له: "ويحَكَ، ماذا أعددتَ لَها؟ "، قال: حب اللَّه، وحب رسوله. فَعَن أَنَسٍ ﵁ أن رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددتَ لها؟ ". قال: لا شيء، إلا أني أحب اللَّه ورسوله ﷺ ، فقال: "أنتَ مع من أحببت"، قال أنس: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي ﷺ : "أَنْتَ مع مَنْ أحببتَ" (٢). فَهَذا الرجلُ أعدَّ للسَّاعة حُبَّ اللَّه، وحُبَّ رسوله، فأجَابه الرسول ﷺ : "أنتَ مع مَنْ أحْبَبْتَ". وإعدادك محبة اللَّه ومحبة رسوله يَقْتضي منك العملَ؛ أن تتقرب إلى اللَّه بالحسنات، بالصالحات، وأن تبتعد عن الخطايا والزلات،

стр. 2531

فحُب اللَّه ورسوله لا يكون بالكلام، لا بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه بالقول والعمل بأن تقول قولًا حسنًا، وتعمل الصالحات ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وقوله: "أنتَ مع مَن أحْبَبْتَ"؛ لأنه لمس في الرجل الصدق. فَهَذِهِ عباداتٌ شَرَعها اللَّه لنا لتكون طريقًا يقربنا إليه ، ولتكون سببًا في محبَّة اللَّه، فهل هناك مسلمٌ لا يَرْغب أن ينال محبة اللَّه؛ وأن يحبه اللَّه ورسوله ؟ وإذَا كان كلُّ وَاحِدٍ يريد ذلك، فلا شك أن محبة اللَّه ومحبة رسوله تَقْتضي منك أن تعمل بكتابه قطب هذه الشريعة التي تدور حوله، وهذه السُّنة التي أنزلها اللَّه تعالى بيانًا لكتابه؛ تُبين مجملًا، أو تزيد عليه أحكامًا لم تُذْكر فيه، أو تأتي أحكامها على وَفْق ما في الكتاب، فَهُما الأصلان والمصدران العظيمان اللذان لا يضلُّ من تَمسَّك بهما، ولا يخسر، ولا يندم مَنْ وقف عندهما؛ فهما سعادةٌ لا تدانيها سعادة. * قوله: (وَكَانَتْ هَذِهِ الأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ). وقوله: "مِنْهَا ما هو سُنَّة. . . ". أَيْ: أنَّ ما سَنذكُرُه في هذا الباب هو السنن؛ وَإِنْ كان فيها ما يختلف العلماء فيها كصلاة العيدين، هل هي سُنَّة أو فرض كِفَايةٍ؟ (١). فبين ذلك حتى لا يحتار القارئ فيما سيورده المؤلف، وهذه السنن منها سُنن مؤكدة، ومنها سُنن غير مؤكدة، ومنها النوافل. ولا شك أن المرء كلما تقرب إلى اللَّه بعملٍ صالح عمومًا ليس الصلاة محسب، فاللَّه سيُجازيه الجزاء الأوفَى.

стр. 2532

قَالَ تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. فَلَا يقتصر العمل الصالح على الصلاة فحسب، بل يعمُّ، فيشمل الزكاة، والصدقات، فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (١)، ومنها: الصبر، وله منزلة عظيمة بأنواعه: أن تصبر على ما يصيبك من أذًى أو ألم ابتغاء مرضاة اللَّه (٢). فأنت إذا جاهدت في سبيل اللَّه، فقد بعتَ نفسك للهِ ، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. فأنت عندما تدخل خضم المعركة، تُقدم نَفْسَك رخيصةً، تبتغي الشهادة ورضوان اللَّه ، ولا تكون الشهادة إلا إذا قاتلت لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وأما مَنْ قاتل شجاعةً أو شهرةً أو عصبيةً، فهذا لا ينفعه (٣).

стр. 2533

وفي قصَّة الرجل الذي قاتل لا للإسلام، وإنما قاتل عصبيةً، وأخبر الرسول ﷺ أصحابه أنه في النار، ما قاتل لأَجْل الإسلام، إنما قاتل لأجل العصبية (١). فَلا شكَّ أن إصلاحَ العمَل هو المطلوب في هَذه الحيَاة؛ كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١، ٢]. ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ولم يقل: أكثر عملًا، فكَمْ من الناس مَنْ يُكْثر من الأعمال، وَلَكن له سَيئاتٌ كبيرةٌ تحبط أعماله؟! فقد يكون عملُهُ هذا الذي ظاهره الخير والفلاح، رياءً أو سمعةً، كله أو بحضه، والرياءُ محبطٌ للعمل، وقد يعمل الإنسان أعمالًا قليلةً، لكنه يعملها خالصةً لوجه اللَّه. وقَدْ ينفق نَفَقاتٍ قَليلةً، فيدخل ضمن السبعة الذين يظلُّهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظلُّه، "ورجل تصدَّق بصدقةٍ، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (٢)، فَهَذه النَّفقة -وَإِنْ كانت قليلةً- إلا أنها عظيمةٌ؛ قال رَسُولُ ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (٣). فلو قدمت قليلًا تبتغي به وجه اللَّه ، فكل من الحسنات ينتظرك؟ ماذا لو بنيت مسجدًا للَّه؟! في الحديث: "مَنْ بَنَى للَّهِ مَسْجِدًا ولو كمَفْحَصِ قَطاةٍ (٤)، بَنَى اللَّهُ له بيتًا في الجنة" (٥).

стр. 2534

* قوله: (رَأَيْنَا أَنْ نُفْرِدَ القَوْلَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ بِالجُمْلَةِ عَشْرٌ: رَكْعَتَا الفَجْرِ. . .). أما ركعتا الفجر، فقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "رَكْعَتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها" (١). وهاتان الركعتان جاء النَّصُّ بتَخْفيفهما (٢)، فلا نحتاج إلا دَقَائق معدودة، وَمَعَ ذلك؛ فهي خيرٌ من الدنيا وما فيها، وفي روايةٍ أن رسول ﷺ قال: "ركْعتَا الفجرِ أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها" (٣)، ماذا تنفعك الدنيا لو جمعت أموالًا عظيمةً مع تفويت ذلك الخير؟! إِنْ جَمعت المالَ من طريق حلال، وأنفقتَه في أوجه البر، وأديت ما يجب عليك من زَكَاةٍ وغيرها، وزدت في الصدقات والنفقات، فإنك تُثَاب على ذلك؛ ذهب أهل الدثور بالأجور (٤). وَلَكن ماذا إذا لم يُوضِعِ المال في مصارفه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ

стр. 2535

بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦]. ويُخْبرنا تَعالَى عن قول قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص: ٧٨]. ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾: تعالٍ وتكبُّر وتجبُّر. كَمْ تمنى من قومه أن يكون على مثل حاله، وأن يجمع من المال ما جمع قارون! فلما خسف اللَّه به وبداره الأرض، أدركوا، وأفاقوا؛ وندموا على هذا؛ قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٢، ٨٣]. فلا شكَّ أدْ العاقبةَ لمَن اتَّقوا اللَّهَ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. فهؤلاء هُمُ الذين ينالون السعادة، ويفوزون في الدار الآخرة في يومٍ تبيضُّ فيه وجوهٌ، وتسود وجوهٌ؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]. فَلْنَتَسابق إلى فعل الخيرات، ولننتبه أنها لا تقتضي منا كثيرَ وقتٍ، كم نضيع من الأوقات في السعي وراء الدنيا؟ وفي أمورٍ لا تنفعنا (١)، كم نخوض في الحديث، وفي الكلام عن الخلق، وَفي التعرُّض لأمورٍ في المجالس نخرج منها بآثامٍ كثيرةٍ، ولو أنَّنا تقربنا إلى اللَّه بجزءٍ من هذا الوقت الذي أمضينا، لرفعنا اللَّه به درجاتٍ عُلَا.

стр. 2536

* قوله: (وَالوِتْرُ، وَالنَّفْلُ، وَرَكْعَتَا دُخُولِ المَسْجِدِ، وَالقِيَامُ فِي رَمَضَانَ، وَالكُسُوفُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَالعِيدَان، وَسُجُودُ القُرْآن؛ فَإِنَّهُ صَلَاةٌ). هذه كلها سيأتي الكلام -إن شاء اللَّه- حولها مفصلًا. ويُقْصد بسُجُود القرآن: سجود التلاوة؛ لأنه صلاةٌ؛ ففيه سجودٌ، والسجود من أخصِّ ما يتعلَّق بالصلاة. قَوْله: (فيَشْتَمِلُ هَذَا الكِتَابُ عَلَى عَشَرَةِ أَبْوَابٍ). فَفي هَذَا الكتاب أبواب عشرةٌ، ومع أن هذا الكتاب يُعْتبر موجزًا إلا أن مؤلفه أحيانًا يُوَفق؛ فيبسط القوله في بعض المسائل بسطًا دقيقًا مفصلًا قد لا تجده في غيره، كما سنرى في غالب مسائل الوتر، فإنه بسط القوله في جميعها ما عدا الحكم؛ فإنه سبق أن عرض له. * قوله: (وَالصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ نَذْكُرُهَا عَلَى حِدَةٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ المَيِّتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُونَهُ بِكِتَابِ الجَنَائِزِ). وإنَّما يذكرها على حدةٍ؛ لأن أحكام الميت تتعلق بما بعد الحياة، وَمَا بَعْد الحَياة يَبْدأ بما يحصل له في القَبْر والمَحشر والعرض والصراط، وغير ذلك، فإمَّا إلى الجنة -نسأل اللَّه أن نكون جميعًا من أولئك- وإما أن يكون إلى النار، وقد يُخلد فيها، وقد يبقى فيها فترةً فيخرج برحمة اللَّه . وهناك شفاعاتٌ لرسول اللَّه ﷺ يخرج في كلِّ مرةٍ منها جمعٌ من أهل النار (١).

стр. 2537

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الأَوَّلُ: القَوْلُ فِي الوِتْرِ) لعلَّ المُؤلِّف بدَأ بالوتر للاختلاف فيه بَيْن الوُجُوب وعدمه؛ فالكلام يتعلَّق بحكمه. ولأنَّ الكلام فيه متشعب -مع أنه ليس فيه إلا قولان- ولعله قدمه مع أنه عندما ذكره في المقدمة قدم عليه ركعتي الفجر، ولكن لما في بحث الوتر من تفصيلٍ في معرفة حكمه، ووقته، وصفته، وما فيه من قنوتٍ، وغيره من الأحكام المترتبة عليه، وما يتعلَّق بعدده أيضًا. وَالوِتْر بكَسْر الواو وفَتْحها (١)، وقَوْله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر: ٣] بفتح الواو. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الوِتْرِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، مِنْهَا فِي حُكْمِهِ،

стр. 2538

وَمِنْهَا فِي صِفَتِهِ، وَمِنْهَا فِي وَقْتِهِ، وَمِنْهَا فِي القُنُوتِ فِيهِ، وَمِنْهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. أَمَّا حُكْمُهُ: فقدم تَقَدَّم القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ بَيَانِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ). تَقدَّم الكلامُ فيه، وَلكنَّنا نحتاج إلى الإعادة، لا سيما وأنَّ كلامه كان شذرات غير مُفصَّلة - فلا مانعَ أن نُفصِّل القول فيه بعض التفصيل، لا سيما والكلام على حُكْمه يقتضي منا عرض جملةٍ من الأحاديث ينبغي أن يعنى بها المسلم. وَقَد انْقَسم العلماء في حكم الوتر إلى قسمين: • فريق يرون أنه سُنة مؤكدة، وهم الجمهور (١)، وصاحبا أبي حنيفة (٢)، فقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ عن رسول اللَّه ﷺ تحضُّ على الوتر، وتُرغِّب فيه، وتحثُّ الناس على القيام به، وفيها أن وقته في الليل ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. • وَذَهب أبو حنيفَةَ خلافًا لصاحبيه إلى أن الوتر واجب (٣)، وهذا

стр. 2539

يدلنا على أن للوتر مكانةً عظيمةً في الشريعة لدرجة الاختلاف في وجوبه. ولعل الذي دفع الإمام أبا حنيفة إلى القول بوجوبه ما ورد فيه من أحاديث كثيرة، وبعضها أيضًا جاء بصيغة الأمر، ومنها أن الرسول ﷺ قال: "الوتر حقٌّ، فمَنْ لم يوتر فليس منا"، أخرجه أحمد (١) وأبو داود (٢) من حديث عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه. ومعنى "حقٌّ": ثابت (٣)، والثابت هو المستقر (٤)، ولذلك يُقال عن الواجب في قول اللَّه : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ أي: سقطت واستقرت على الأرض، فأصبحت ثابتةً (٥). فقوله: "الوتر حقٌّ"؛ أي: ثابتٌ، والثابت هو الواجب (٦). ومن الأحاديث التي وردت مما يستدل بها مَنْ قال بوجوب الوتر حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الوترُ حقٌّ على كل مسلمٍ، مَنْ أحب أن يوتر بخمسٍ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاثٍ

стр. 2540

فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعل"، رواه الأربعة إلا الترمذي (١)، وصححه ابن حبان (٢)، ورجح النسائي وقفه (٣). وَمن الأَحَاديث الوَاردَة في ذلك أن الرسول ﷺ قال بصيغة الأمر: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" (٤). فقوله: "اجعلوا": أمر، والأمر يقتضي الوجوب (٥). وجاء أيضًا في حديث رابع أن الرسول ﷺ قال: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً، فحافظوا عليها، ألا وهي الوتر"، رواه الترمذي (٦). وَجَاء في حديثٍ آخر: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم، هي خيرٌ لَكم من حمر النعم، ألا وهي الوتر" (٧).

стр. 2541

وَفِي بعض الروايات: "وَجَعَلها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" (١). وَجَاء أيضًا في حديث عليِّ بن أبي طَالِبٍ أن الرَّسول ﷺ قال: "يا أَهْلَ القرآن أوتروا، فإنَّ اللَّه وترٌ يحبُّ الوتر"، رواه الترمذي (٢). وَجَاء أيضًا في حديثٍ آخر من حديث عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم في كل ركعتين ويوتر بواحدة (٣). والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا في فضل الوتر، لكننا أخذنا جُملةً منها، ولعل المؤلف يأتي بأدلة لم نعرض لها. فقالوا: هذه الأدلة وغيرها بعضها جاء بصيغة الأمر، وبعضها جاء بصيغة التأكيد، وهي دالةٌ على وجوب الوتر، أما كافة العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وهو أيضًا رأي أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، وهو رأي العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، فرأوا أن الوترَ ليس بِوَاجبٍ (٤). وَالأدلَّة في ذلك كثيرةٌ جدًّا، فنَخْتار نماذجَ منها: الدليل الأول: من هذه الأدلة ما جاء في قصة الأعرابي الذي جاء إلى رسول اللَّه ﷺ يسأله عن الإسلام إلى أن قال: يا رسول اللَّه، ماذا فَرَض اللَّه عليَّ من الصلوات؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "خَمْس صلواتٍ في

стр. 2542

اليوم والليلة"، فرد الرجل فقال: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق، هل عليَّ من غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تتطوع"، فقال الرجل: واللَّه، لا أَزيد على هذا، ولا أنقص، فَقَال رسول اللَّه ﷺ : "أَفْلحَ إنْ صدَق" (١). وُجُوهُ الدلَالة من هذا الحديث: هذا الحديث حقيقة لو حللنا ألفاظه، لَوَجدنا فيه عدة أدلة: أولًا: أن الرجلَ سأل فقال: ماذا فرض اللَّه عليَّ من الصلوات؟ فهو قَدْ سألَ عن المفروض لا غير، فجاء جَوابُ الرَّسول ﷺ : خمس صلوات، فدلَّ على أن المفروضَ خمسٌ، وإذا كانت المفروضة خمسًا، فهي الواجبة، وما عداها فليسر بواجبةٍ، هذا هو الدليل الأول من الحديث. . وهو مفهومٌ واضحٌ لا شك. ثانيًا: قَوْل الرجل: هل عَليَّ غيرها؟ قال: "لا"، دليل آخر؛ هو كالتأكيد للأول؛ كأنه قال: هل يجب عليَّ غيرها؟ قال: "لا". ثالثًا: قوله ﵊: "إلا أن تطوع"، دليل ثالث، فقد دلَّ على أن ما زاد عن الخمس تطوعٌ، وليس بواجب. رابعًا: من قول الرجل: "واللَّه، لا أزيد على هذا، ولا أنقص"، هو سأل عن عدة أشياء، منها: الزكاة والصيام، لكن كلامنا إنَّما هو عن الصلاة؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ لَمْ ينكر عليه قوله هذا، بل قال: "أفلح إن صدق"، فقَدْ أثبت الرسول ﷺ له الفلاح، لكنَّه قيده بالصدق، مع أنه يريد ألا يزيد على هذه الأمور المذكورة -ومنها خمس صلوات- فدلَّ ذلك على أن الوتر ليس بواجبٍ؛ لأنه لو كان واجبًا لبيَّنه الرسول ﷺ ، لا سيَّما والرجل أعرابي جاء أشعث من قِبَلِ نجدٍ يسأل عن أحكام الإسلام، من أشدِّ الناس حاجةً إلى بيان الحكم، والقاعدة أن "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز" (٢).

стр. 2543

فلو كان الوتر واجبًا لبيَّنه الرسول ﷺ ؛ فلمَّا لم يبينه، دلَّ على عدم وجوبه. الدليل الثاني: حديث عبادة بن الصامت، وهو حديثٌ مخرج في "الصحيحين"، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال: "خَمْسُ صَلَواتٍ كتَبهنَّ اللَّه على العباد في اليوم والليلة، مَنْ حافظ عليهنَّ، كَان له عهدٌ عند اللَّه أن يدخله الجنة، ومَنْ لم يحافظ عليهنَّ، لم بكن له عهدٌ عند اللَّه، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غَفَر له" (١). فَمَنْ حَافظ على الصلوات الخمس، كان له عهدٌ عند اللَّه -واللَّه لا يخلف الميعاد- أن يدخله الجنة بشرط أن يكونَ قد أثبت الشهادتين، وحافظ على بقية أركان الإسلام، فإذا كان له عهدٌ عند اللَّه أن يدخله الجنة، دلَّ ذلك على أن الوتر ليس بواجب، لأنه لو كان واجبًا، لبيَّن في هذا المقام أيضًا، هذا هو الدليل الثاني. الدليل الثالث: وَهُوَ من أقوى الأدلة -والأدلة كلها قوية- لكن هذا الدليل فيه مَيْزةٌ، وهو حديث بَعْث رسول اللَّه ﷺ معاذًا إلى اليمن، عندما أرسله إلى اليمن وأوصاه ﵊، فقال: "إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب. . . " (٢).

стр. 2544

فقه الدعوة إلى اللَّه: هَذَا الحديث له صلةٌ بالطريق الأمثل الذي ينبغي أن يسلكه الداعية في الدعوة إلى اللَّه، هذا صحابي جليل أرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْثه إلى اليمن، وأهل اليمن أهل كثاب، وأهل الكتاب عندهم علمٌ، وفرقٌ بين أن تُجادل عالمًا وبين أن تُجادل جاهلًا، وفرق أيضًا بين أن تجادل عالمًا يريد الوصول إلى الحق، وبين أن تُجادل من عنده علمٌ، ولكنه يريد إحقاق الباطل، ودحض الحق، فهذا أيضًا له أسلوب، فالأحوال تختلف، فالرَّسُولُ ﷺ قال: "إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب، فَلْيكُنْ أوَّل ما تَدْعوهم إليه شهادة أَنْ لا إله إلا اللَّه. . . "، وفي هذا ردٌّ على الذين يتكلمون الآن عن الدعوة، ويَرَون أن الداعية ينبغي عليه أن يجمع المسلمين، ولا ينبغي أن يمضي أوقاتًا في العقيدة. لا شك أن العقيدة هي الأساس، والرسول ﷺ مكث في بَعْثته ثلاثةً وعشرين عامًا: ثلاث عشرة سنة -وهي الأكثر- قَضَاها بمكة ينافح عن عقيدة التوحيد، ويدعو إليها، وَيُحَارب الشرك، يريد أن يُثبِّت العقيدة في نفوس الناس، ثم بعد ذلك بدأت الأحكام، فقوله: "فَلْيكُنْ أوَّل ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه"، هو الأصل الأصيل الذي ينبغي أن تُبنى عليه كل الأعمال، فإذا صحت هذه العقيدة وثبتت، فلتشرع في العبادات، "فَإِنْ هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم -أَو: افْتَرض عليهم- خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقَدْ ذَهب ليبين الواجبات والأركان؛ لأنه بعد ذلك ذكر الزكاة، ثم قال: "وإيَّاك وَكَرائم أموالهم. . . "، إلى أن قال: ". . . واتقِ دعوة المظلوم، فإنَّه ليس بينها وبين اللَّه حجاب". وهذا حديث عظيم لو أردنا أن نقفَ على مَعَانيه، وندرس جزئياته لاحتجنا إلى مجالسَ مُتَعدِّدةٍ. الشَّاهدُ من هَذَا الحديث أنه قال: "إن اللَّه قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة. . . "، ولم يذكر الوتر، وإنما كان هذا الحديث

стр. 2545

من أقوى الأدلة، لأنه كان في آخر حياة رسول اللَّه ﷺ عندما بعث معاذًا إلى اليمن، فكان هذا الحديث متأخرًا، وهو دالٌّ على أن الوتر لم يكن واجبًا. الدليل الرابع: من الأدلَّة التي يستدلُّ بها جمهور العلماء على أن الوترَ ليس بِوَاجِبٍ أن الرَّسولَ أيضًا كان يُصلِّي على راحلته -على بعيره- وقد ثبت ذلك في "الصحيحين" (١)، فلو كان الوتر واجبًا، لَمَا صلَّى الرسول ﷺ علَى الراحلة. الدليل الخامس: وهو حديث الإسراء، وقد قَدَّمنا الكلام عليه، عندما فُرِضَتِ الصلوات في أول أمرها خمسين صلاة، فظلَّ رَسُول اللَّه ﷺ يَتَردد بين ربِّه وبين موسى، كلما عاد ومرَّ بموسى قال: "ارْجِعْ إلَى ربِّك، فاسأله التخفيفَ، فإنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك، فيرجع إلى ربه إلى أن وَصَلت إلى خمسٍ، فقال: إني استحييت من ربي، فقال اللَّه : هي خمسٌ، وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ" (٢). فقد فرضها اللَّه خمسًا، فهي في عددها خمسٌ، وفي أجرها خمسون صلاةً، وهذا فضلٌ من اللَّه ، إِذْ ضاعف ثواب العاملين؛ يُصلُّون خمسَ صَلَواتٍ، ويَنَالون أجرَ خَمْسينَ.

стр. 2546

وَمَفادُهُ أنَّها خمسٌ لا يُزَاد عليها، فلو كان الوتر واجبًا لبيَّنه الرسول ﷺ . الجَوابُ على أدلَّة الذين قالوا بالوجوب: من أقوى أدلتهم حديث: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم، فحافظوا عليها، وهي الوتر" (١). ويُجَاب عن هذا بأن أبا حنيفة نفسه لا يرى وُجُوب ركعتي الفجر (٢)، وقَدْ ورد فيهما حديث صحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه زادكم صلاةً إلى صلاتكم هي خيرٌ من حمر النعم، ألا وهي الركعتان قبل صلاة الفجر" (٣)، فما الفرق بينهما؟ ويُمْكننا أن نُوفِّق بين الأدلة فنقول: جَميعُ الأدلة التي استدلَّ بها أبو حنيفة محمولةٌ على أهمية الوتر وفضيلته، وتأكيد سُنيَّته، وأنه يَنْبغي للمسلم أن يحافظ عليه لا أن يُقَال بأنه واجبٌ. وهل الأفضل الإيتار أول الليل أو آخره؟ الصحيح أن الأفضل هو آخره إلا أن تخشى أن تنام، فإنك تُصلِّي أوَّل الليل؛ لأنَّ الرسولَ ﷺ بيَّن ذلك، إن خشيت الصبح -يعني: أن تنام- فأوتر (٤)، وَآخِرُ الليل له مزيةٌ، إِذْ هو وقت النزول الإلهي، فاللَّه يَنْزل في هذا الوقت ويَقُولُ: هَلْ من تَائِب فأتوب عليه، جاء في الحديث: "ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل

стр. 2547

الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" (١). فهذه منحةٌ عظيمةٌ من اللَّه، فإذا وُفِّق العبد بأن قام في هذا الوقت، وسأل اللَّه بقلبٍ صادقٍ، قَامَ خاشعًا مؤمنًا خاضعًا ذليلًا مطرحًا بين يدي اللَّه يرجو رحمته، ويخشى عقابه، لا يخشى إلا اللَّه، ولا يرجو إلا إياه، فاللَّه لن يُخيِّبه، ولن يردَّ رجَاءه، بل سيُكَافئه على ذلك العمل، ويُعْطيه الجَزَاء الأَوْفَى. هَذَا مقامٌ يَنْرْل فيه ربنا ، ونزولُهُ تَعَالَى على ما يليق بجلاله وعظمته، وليس كما يدَّعي المُدَّعون من الذين يُحرفون صفات اللَّه ، وينفونها فيتأولونها بغير ظواهرها، بل هو نزول حقيقي لا نعرف كيفيَّته، كما قال الإمام مالك ﵀ في الاستواء: "الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ" (٢). فنحن نؤمن بأنَّ اللَّه ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ إذ أخبرنا عن ذلك مَنْ لا ينطق عن الهوى، وقد زكاه اللَّه ، وبيَّن صدقه، واختاره لتبليغ رسالته إلى الناس كافة، فاختاره على العالمين جميعًا، فَهُوَ رسول اللَّه إلى خلقه، هو الذي بلَّغ دين اللَّه إلى هذه الأمة، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].

стр. 2548

فَهذَا النُّزولُ الإلهيُّ فرصةٌ عظيمةٌ لا شكَّ، فَإِنْ وفَّق اللَّهُ المؤمنَ أن يقوم في هذا الوقت، فيَرْفع يديه إلى السماء صَادقًا مخبتًا مخلصًا للَّه ، فهنيئًا له، فإنَّ اللَّهَ تَعالَى هيَّأ لنا كُلَّ أسباب الرشاد، والخير والفلاح، فَهلَّا تَسَابقنا إلى ذلك؟ هلَّا سَعَينا إلى جنةٍ عَرْضها السَّماوات والأرض أُعدَّت للذين آمنوا، هلَّا سَارَعنا إلى مغفرةٍ من اللَّه ورضوان كما أمرنا ربُّنا، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. هَذَا هو جزاء الصالحين، هذا هو جزاء الصادقين، هذا هو جزاء المحسنين، الذين آمنوا باللَّه ورسوله، وَصَدقوا ما في كتاب اللَّه، وكتاب رسوله، هذا هو جزاؤهم، وهو جزاءٌ عظيم كبيرٌ بالنسبة لما يقدمه المرء في هذه الحياة من عمل، لكن اللَّه كريمٌ، يُضاعف للمرء الحسنات إلى سبعمائة ضعف. وها قَدْ رأينا ما في الوتر من فوائد عظيمة، وهكذا كل عبادة من العبادات، ولعلنا نقف على فضائل بعضها. فَهَذَا كَرمٌ من اللَّه ، وَفضلٌ منه، وَهَكذا رأينا عناية العلماء بالوتر، واهتمامهم به حتى إنَ بَعْضهم ذهب إلى وجوبه؛ لكثرة الأحاديث التي وَرَدتْ فيه، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُحَافظ عليه، وكان يُوصي أصحابه ﵃ أيضًا بالمحافظة عليه (١)، وكان بعضهم يُوصي بعضًا به. وكان رَسُولُ اللَّه ﷺ يقوم فيُحْيي لَيْلَه، ويصلي حتى تتفطر قدماه (٢).

стр. 2549

* قوله: (وَأَمَّا صِفَتُهُ: فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ اسْتَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (٢)، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ). فأبو حنيفةَ يرَى أن الثلاثةَ متصلة وترٌ، لا يفصل بينها بسلام، بل يصلي ثلاث ركعات ثم يجلس للتشهد، ويسلم في آخرها، والجمهور (٣) (وهم الأئمة الثلاثة) يَرَون أنه يصلي ثلاثًا، لكنه يسلَم من ركعتين، ثم يوتر بواحدةٍ، هذا هو مذهب الجمهور، وَهُوَ الَّذي نسبه إلى الشافعي، لكن الأئمة الثلاثة يرون أنه يَنْبغي أن يتقدم الوتر ركعتان هما شفعٌ في صلاته، هذا هو تحرير قولهم. ثمَّ بعد ذلك يختلفون: هل الوتر نفسه هو ركعة واحدة؛ أي: جميع الوتر ركعة واحدة؟ أو هو ثلاث ركعات أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة وهو نهايته؟ فيه خِلَافٌ بسبب الأَحَاديث التي وردت في ذلك؛ فإن من الأحاديث

стр. 2550

ما يدلُّ على أن الوترَ ركعةٌ، ومنها ما يدل على أنه يوتر بأكثر من ركعة؛ كثلاثٍ أو خمسٍ أو سبعٍ أو إحدى عشرة، وكل ذلك جاء عن الرسول ﷺ ، وفعله الصحابة. تنبيه: وإنْ الأَوْلَى أن يضع المؤلف الأقوال الأربعة في قولين، وهو إِنْ لَمْ يذكر الإمام أحمد، فهو مع الشافعيِّ ومَالِكٍ. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ) (١). فِي هَذِهِ المسألة تفصيلٌ في مذهبي الشافعية والحنابلة، فالشافعية يقولون: أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وأكمله ثلاث (٢). ونُقِلَ عَنْ أحمد روايتان؛ الرواية الأولى: أن الوتر ركعة. . والرواية الأخرى: أن أقله ركعة، وأنه يَنْتهي عند إحدى عشرة ركعة (٣)، وقَدْ جاء ذلك في الحديث الصحيح في حديث عائشة أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة؛ أي: يوتر بالركعة الحادية عشرة، وكان يُسلِّم من كل رَكْعَتَين (٤).

стр. 2551

وَجَاء أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أوتر بسَبْعٍ، جلس في السادسه، ولم يُسلِّم، ثم سلَّم من السابعة (١)، وأنه أوتر بثَمَانٍ جلَس في السابعة، وسلم من الثامنة، وأنه ﵊ أوتر بتسع، وسلم من التاسعة (٢)، وأنه أوتر بإحدى عشرة (٣)، صلَّى تسعًا في بعض الروايات، ثم أنه ﵊ جلس، ثم بعد ذلك صلَّى ركعتين شفعًا وسلَّم (٤)، هذا كله ورد مع أحاديث كثيرة في هذه المسألة. وفي ظني أن هذه المسألة من أحسن ما بحثه المؤلف؛ لأنه فصَّلها على خلاف عادته.

стр. 2552

* قوله: (وَلكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (١). . .). أي أن هذه الأقوال التي نسبها إلى الأئمة ليست مما انفردوا به، وإنما تبعوا في ذلك سلفًا من الصحابة والتابعين. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً" (٢)). وَعَائشَة من أَعْلَم الصَّحابة برسول اللَّه ﷺ ، لأنها لعيش مَعَه وتُلَازمه، وقَدْ كان رسول ﷺ كما جاء في حديث عائشة يَقُوم من الليل ويصلي -وكانت معترضة بين يديه اعتراض الجنازة- فإذا سجد غمزها، وإذا قام بَسَطت رِجْلَيها، وكان يوتر في ذلك (٣)، والمؤلف أشار إلى هذا الحديث وإنْ لم يذكر أوَّله.

стр. 2553

* قوله: (أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) (١)، إذًا رسول اللَّه ﷺ كان يصلى من الليل إحدى عشرة ركعة، وَمَعَ ذلك كان يوتر في الركعة الأخيرة. * قوله: (يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ)، يَعْني: يوتر في آخرها، يعني: يُصلِّي ركعتين، ويُسلِّم ثم ركعتين ويسلم إلى أن ينتهي إلى العاشرة، فيسلم خمس مرات، ثم بعد ذلك يختمها بركعة واحدة يوتر فيها، وَسَيأتِي الكَلَامُ في القنوت في الوتر، وكلام العلماء فيه (٢)، وهل هو عامٌّ أو خاصٌّ برمضان، أو بآخر رمضان؟ وهل يَقْنت في صلاة الفجر أو لا يقنت؟ وهل يقنت في السنة كلها؟ وكلُّه ممَّا اختلف العلماء فيه. * قَوْله: (وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (٣)، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا" (٤)). كلُّ هَذِهِ الأحاديث التي أوردها المؤلف صحيحةٌ، ولا نَحْتاج إلى أن نقف عندها، وآخرها أنه ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، وسيأتي الكلام بعد ذلك -إِنْ شَاء اللَّه- فيما يتعلَّق بصَلاة التراويح في رمضان في بابٍ

стр. 2554

مستقلٍّ، لكن كلامنا هنا يختصُّ الوتر وحده، ولا يتناول السنن الرواتب التي سيأتي أيضًا الكلام عنها إن شاء اللَّه. وينبغي أن نتنبه هنا؛ كيف كان رسول اللَّه ﷺ يحيي ليله؟ فقَدْ صلى في أول الليل، وفي وسطه، وفي آخره حتى كان آخر أمره ﵊ أنه كان يصلي في السَّحَر كما جاء في حديث عائشة ﵂ (١) مع أنه قد غفر اللَّه له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، وكان ﵊ يُكْثر من الصَّلاة في الليل تعبدًا للَّه ، واعترافًا بنعمِهِ العظيمة عليه، فَكَانَ يُقَال له: ألا تَرْفق بنفسك؛ فعَنْ عَائشَةَ ﵂ أنَّ نبيَّ اللَّه ﷺ كان يَقُومُ من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول اللَّه، وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلَا أحبُّ أنْ أكونَ عبدًا شكورًا" (٢). أي أن اللَّه قَدْ أنعم عليَّ بهذه النعم، وفي مُقدِّمتها أنه اختاره اللَّه لرسالته، وكان الوحي ينزل عليه، وكذلك فَضَّله اللَّه على سائر الأنبياء، وَجَعل أُمَّته خيرَ الأممِ، وفضائلُهُ ﵊ كثيرةٌ يَصعب حصرها وتعدادها؛ فإنَّ ذلك معروفٌ في شمائله ﵊ (٣).

стр. 2555

فكان أكثر الناس عبادةً للَّه، وأكثرهم طاعةً له ، وهكذا ينبغي أن يكون كل مسلمٍ، فلا ينبغي أن يقصرَ نفسه على الفرائض، وإنما يتقرب إلى اللَّه بنوَافل الطاعات التي فتح اللَّه له فيها المجال، لينافسَ ويسابقَ، فيزداد أجرًا وثوابًا في هذه الدنيا، ليلقى ذلك أمامه في الآخرة. * قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصارِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "الوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ" (١)). تقدم أن هذا الحديث من الأدلة التي احتجَّ بها الحنفية على وجوب الوتر. * وقوله: ". . . ومَنْ أحب أن يوتر بخمسٍ فليفعل، ومَنْ أحب أن يوتر بثلاثٍ فليفعل، ومَنْ أحبَّ أن يوتر بواحدةٍ فَليَفْعل". دلَّ على أنه ليس هناك قدرٌ محددٌ، وإنما المرء بالخيار في ذلك، لكن كُلَّما زادت الصلاة، ازداد الثواب، فإذا ضاق بك الوقت، وَخَشيت أن يُدْركك الفجر، فاقتصر على وَاحِدَةٍ كما جاء أيضًا في الأحاديث الصحيحة، فَعَنْ عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: إنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، كيف صلاة الليل؟ فال: "مَثْنى مَثْنى، فإذا خِفْتَ الصُّبح، فأوتر بوَاحِدَةٍ" (٢). وَسَيَأْتِي الكلام عن وقتط الوتر، وأنه يمتدُّ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، والفجر إذا أطُلق، فهو الفجر الصادق؛ لأنه الذي تَتَرتَّب عليه الأحكام. الوترُ حقٌّ، وَالحقُّ هو الثَّابت (٣)، وهو من الأمور ذات الفضل،

стр. 2556

والَّتي يُثَاب عليها صاحبها إذا فَعَلها، لكن الشريعة -كما قرَّرنا- شريعةٌ بُنيَتْ على اليسر، أنزلَها اللَّه على عباده سهلةً ميسورةً لا شطط (١) فيها، ولا حرج؛ فإن صليتَ خمسًا أو ثلاثًا أو اقتصرتَ على واحدةٍ، فإنك تحصل أجر الوتر، ركعة واحدة -لا تستغرق منك إلا دقائق معدودة- تنال عليها أجرًا عظيمًا كما عرفنا فيما مضى في الأحاديث التي وَرَدتْ في فضل الوتر. * قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ" (٢)). أي: يوتر بسَبْعٍ في حديثٍ، وفي آخر بتسعٍ، وفي آخر بخمسٍ. * قوله: (وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ (٣) قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ).

стр. 2557

كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، فهذه سبعٌ، وستٍّ وثلاثٍ، هذه تسعٌ، وثمانٍ وثلاثٍ، إحدى عشرة، وعشرٍ وثلاثٍ، إنما هي ثلاث عشرة ركعة، وآخر كل ذلك هو الوتر. فهذا الحديث جاء مفصلًا لما في الأحافى يث الأخرى؛ فكأنه قال: يوتر بسَبْعٍ، ويوتر بتسعٍ، ولوتر بإحدى عشرة، ويوتر بثلاث عشرة ركعة، هذا هو المراد منه. * قوله: (وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) (١). مَا كان يوتر بذلك، لكن ثبت عنه ﵊ أنه بين أن الوتر ركعة، وجاء في ذلك أحاديث صحيحة (٢). * قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ") (٣)، سيحتج المؤلف يهذا الحديث للحنفية؛ لأنهم يرون أن الوترَ ثلاثٌ بلا فصلٍ بين الثلاث بسلامٍ، وفي حديثٍ آخر: "الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب" (٤)، وَهَذَا اللفظ أوضح، يعني أن الوتر كوتر النهار، ووتر النهار هو المغرب. * قوله: (فَذَهَبَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ). عاد المؤلف ليبين أدلة الذين قالوا بأن الوتر ركعة، ومن قال بأنه

стр. 2558

ثلاثٌ تُفْصل بسلامٍ، ومن قال بأنه ثلاث لا يُفْصل بينها بسلام، والكلام يحتاج إلى مزيد تحرير؛ فالأئمة مالك والشافعي وأحمد يرون أن الوتر واحدة، لكنه يُسْبق بركعتين (١)، وهم متفقون من حيث الجملة على أنه إذا صلى ركعتين يُسلم، ثم يتبعها بركعة ثالثة هي الوتر. وأما أبو حنيفة، فقد انفرد، واستدل بحديث: "الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب"، أي أن المغرب هي وتر النهار، فألحق أبو حنيفة بها الوترَ قياسًا (٢). ويشهد لقول أبي حنيفة حديث آخر لم يذكره المؤلف، وهو أن الرسول ﷺ ما كان يسلم في الوتر من ركعتين (٣)، ومفهوم هذا أنه يأتي بالثالثة ثم يُسلم. وهذان الحديثان وإن لم يكونا في "الصحيحين"، ولا في أحدهما، لكن إسنادهما جيد (٤). * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ ﵊: "فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (٥)). قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، يعني: اثنتين اثنتين "فإذا خشيتَ الصبح -وفي رواية: فإن خشيتَ أن يدركك الصبح- فأوتر بواحدةٍ، أو فصلِّ ركعةً" (٦)، هذا نصٌّ في أن الوتر يكون ركعةً.

стр. 2559

* قوله: (وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ" (١)). يشير إلى حديث عائشة الذي مرَّ بنا قبل قليل، وأشرنا إلى أن الرسول ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدةٍ، وفي روايةٍ أُخرى أن صلاة رسول اللَّه ﷺ في الليل أنه كان يصلي عشرًا، ويوتر بركعة (٢). * قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا، وَقَصَرَ حُكْمَ الوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا البَابِ) (٣). مراد المؤلف أنه لا حجةَ للحنفية في الأحاديث التي مضت، لكن حُجته -فيما أشار إليه- بأن المغرب وتر النهار، وحديث آخر لم يذكره وهو أن الرسول ﷺ كما في حديث عائشة ما كان يُسلم من ركعتين، ومفهومه أنه يسلم من ثلاثةٍ. * قوله: (لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ) (٤). أي أنَّ الأدلة التي مضت ليس فيها دليلٌ يصلح أن يتمسك به الحنفية؛ لأن جميعها على الاختيار، أوتر ﵊ بخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ. . . إلى آخره، فالإنسان مخيز بينها، يفعل ما يشاء حَسَب طاقتهَ ونشاطهَ، المهم ألا يدعَ وتره حتى أنه -كما سيأتي- له أن يوتر قبل أن ينام إنْ خشي ألا يستيقظ، وله أن يوتر في وسط الليل، وله أن يوتر

стр. 2560

في آخره (١)، وَسَنتبيَّن أفضل هذه الأوقات. * قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ") (٢). المَغْربُ وترٌ؛ لأنه ثَلَاثُ رَكَعاتٍ، وأما باقي الصلوات: الظهر، والعصر، والعشاء، فتُصَلى شفعًا؛ وكذلك الفجر، لأنه ركعتان، بينما المغرب وترٌ، وسُمِّي وتر النهار، وقد مرَّ بنا اختلاف العلماء في حكم إعادة صلاة المغرب لمَنْ صلاها منفردًا، ثم أدرك جماعةً يصلُّون، أيصليها أو لا؟ فقال بعضهم: لا يعيدها (٣). وقال بَعْضهم: يعيدها (٤)، ولكن يشفعها
следующие страницы →