← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

هناك قضية أُخرى وهي ألصق بهذه المسألة، وهي قضية التخفيف وهي القاعدة الثالثة من القواعد الخمس، والقواعد الخمس يسميها الفقهاء: القواعد الأساسية، وبعضهم يسميها: القواعد الفقهية الكبرى وهي: أ-[الأمور بمقاصدها] (١). ٢ - [اليقين لا يزول بالشك] (٢). ٣ - [المشقة تجحلب التيسير] (٣). ٤ - [الضرر يزال] (٤). ٥ - [العادة محكمة] (٥). وهنا قد يسأل سائل فيقول: هل للعادة تأثيرٌ في الشرع؟ الجواب: نعم، أحيانًا يُحتاج إلى العادة، وطلبةُ العلم الذين درسوا

стр. 282

أحكام الحيض وما يتعلق ببعض الصناعات، يجد أنَّ بعض الفقهاء كانوا يسألون النساء عن عادتهن. إذًا [العادة محكمة]، وهي تُسمَّى قاعدةُ العادة أو العرف، وهي قاعدة معروفة أصوليًّا وفقهيًّا. أما قاعدة [المشقة تجلب التيسير]، وهي قاعدة لها علاقة بالمسح على الخفين وما فيه من التخفيف. ولنا أن نسأل لماذا انتهى العلماء إلى وضع هذه القاعدة، ومن أين استنبطوها وكيف جاؤوا بها؟ استخلص العلماء هذه القاعدة من كتاب الله ومن السُّنة المطهرة، أي: من بعض نصوص القرآن ومن بعض نصوص السُّنة المطهَّرة، فالله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. والرسول ﵊: (ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا) (١). ومن هذه الأدلة من الكتاب والسُّنة استنبط العلماء هذه القاعدة وقالوا: [المشقة تجلب التيسير]. ما معنى هذا؟ هذه القاعدة تلتقي أيضًا مع قاعدة الحرج، ومعنى هذا: أنه إذا لحق الإنسان مشقةٌ في هذه الشريعة، فإن الشريعة الإسلامية تُخفِّف عنه، وليس أدلَّ على ذلك من قصة عمرو بن العاص ﵁ في غزوة ذات السلاسل عندما احتلم ليلتها فقام فتيمم فصلى بأصحابه، كان جنبًا فتيمم وكان الماء موجودًا بين يديه، ولكنه خشي من الضرر فقام فصلى بأصحابه متيممًا،

стр. 283

فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: "أفعلت ذلك يا عمرو"؟ فذكر الآية: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فسكت الرسول ﷺ وأقَّره على ذلك (١)، وهذا يعد إقرارًا منه ﵊. إذًا؛ [المشقة تجلب التيسير]، فكل أمر فيه مشقةٌ نجد أنَّ الشريعة تخفف فيه، فالسفر مظنة المشقة، فأُبيح للإنسان أن يقصر الصلاة، وأن يجمع بين الصلاتين، وكذلك خُفِّفَ عنه ما يتعلق بالجمعة وأحكام كثيرة جدًّا، ومن هنا انتهى العلماء إلى أن أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية إنما هي أمور سبعة (٢). الأمر الأول: السفر، والسبب الثاني: هو المرض، والسبب الثالث: هو الإكراه، والسبب الرابع: هو النسيان، والسبب الخامس: هو الجهل، والسبب السادس: هو العسر وعموم البلوى، والسبب السابع: هو النقص. قد يُشكل على -بعض الإخوة- ما معنى أن الشريعة تخفِّف بسبب النقص؟

стр. 284

في الحديث الصحيح الذي رُوِيَ عن طريق عليٍّ (١) وعائشة (٢) أن الرسول ﵊ قال: "رُفِعَ القلم عن ثلاثةٍ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ". بروايات متعددة فيها تقديمٌ وتأخير. من الثلاثة الذين خفف عنهم اثنان؛ وهما: المجنون والصغير، خُفِّف عنهما بمعنى: أنه وضع عنهما التكليف، والعلة في ذلك: وجود نقصٍ فيهما، فالمجنون ذهب عقله، فكيف يُنَزّل منزلة العاقل، والصغيرُ لم يصل سنَّ البلوغ الذي يُصبحُ فيه مكلَّفًا يُدرك ما يدركه الكبير. ولا يَرِدُ على هذا اعتراض قضية غير المرشد وما يتعلق بالحجر عليه، فإنه يحجر على الصغير وعلى السفيه أيضًا، والسفيه قد يكون كبيرًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، لكنَّ السفيه إنما هو سفيهٌ فيما يتعلق بالمال، وأعتقد أنَّ كل واحد منا في حياته مرَّ به من الناس من يسرف في إنفاق الأموال، فتجد الإنسان في سن الثلاثين والأربعين والخمسين وينفق كل الذي في جيبه سرفًا، وقد يكون هو وأولاده بحاجةٍ إلى هذا المال، لكنه تعود على الإسراف، وعلى هذا فالمسرف الذي يفرِّط في المال إنما يُحْجَرُ عليه ولا يمنعه كبر السن عن الحجر عليه، فإذا عاد إلى رُشده وعقله يُرفَعُ الحجر عليه، لكنَّ الصغير والمجنون رُفع عنهما التكليف، ولذلك لو كلِّف الصغير والمجنون لكان ذلك خلافَ حديثِ الرسول ﵊: "رُفع القلم عن

стр. 285

ثلاثة"، لأنَّ رفعَ القلم هو رفع التكليف، فلو كُلِّفَ لكان ذلك وضعًا للقلم عليهما، وهو خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ . * قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا تَحْدِيدُ المَحَلِّ: فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَيْضًا فُقَهَاءُ الأَمْصَارِ). المراد: هو المسح على الخفين، والخفُّ له أعلى وأسفل، وله جانبان، وله عقر، فيريد بالتحديد ما هو الموضع الذي يُمسح عليه؟ هذا هو المقصود. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الوَاجِبَ مِنْ ذَلِكَ مَسْحُ أَعْلَى الخُفِّ، وَإِنْ مَسَحَ البَاطِنَ -أَعْنِي أَسْفَلَ الخُفِّ- مُسْتَحَبٌّ، وَمَالِكٌ أَحَدُ مَنْ رَأَى هَذَا (١)، والشَّافِعِيُّ). يقصد بأعلى الخف الذي هو ظاهر القدم، ويقصد بباطنه الذي هو أسفل القدمين، فهناك من العلماء من يرى: الجَمَعَ بين الأمرين، ولكنهم يوجبون مسح أعلاه ويستحبون مسح أسفله. قوله: (وَمَالِكٌ أَحَدُ مَنْ رَأَى هَذَا وَالشَّافِعِيُّ) (٢) أي: مالكٌ والشافعي من العلماء الذين قالوا: بمسح أعلى الخفّ وجوبًا وباستحباب أسفله. لكن هناك تفصيلات كثيرة في المذاهب. فالمالكية عندهم: لو مَسَحَ اقتصر على أَعْلى الخفّ فبذلك قام بالواجب، فلا بدَّ من مسحِ أعلاه، فبذلك يلتقون مع غيرهم من الفقهاء،

стр. 286

ويُستحَبُّ إلى جانب مسح الأعلى وهو الواجب، أن يُمسح الأسفل. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١). والمالكية عمدتهم هو إمامهم، ولكنهم لا يتعصبون لرأيهم، والإمام مالك له عدة روايات في جواز المسح على الخفين، ويا ليت المالكية أخذوا بروايته التي تلتقي مع العلماء وردُّوا باقي الروايات التي نقلت عن الإمام مالك ﵀، ويقال: بأن الإمام مالكًا ﵀ له كتاب يعرف بكتاب: "السر" وقد ذكر فيه: أنّه يرى المسحَ على الخفين في الفتوى، وهو الصحيح عن الإمام مالك، وبذلك يلتقي مع كافة العلماء في جواز المسح على الخفين. إذًا هذا رأيٌ في داخل المذهب، ولما كان المؤلف مالكيًّا، نجد أنّه يذكر بعض الأقوال أو الروايات في المذهب، بل أحيانًا يذكر رأيًا لأحد المالكية وليس للإمام. وقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا) يعني: يوجب الجمع بين الأمرين، فالمسح هو بدل من الغَسل في الوضوء، والغَسل إنما يُعَمَّمُ به القدمان، وينبغي أن يشمل ذلك المسح. * قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ الظُّهُورِ فَقَطْ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ مَسْحَ البُطُوفي، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَدَاوُدَ (٣)، وَسُفْيَانَ (٤)، وَجَمَاعَةٍ).

стр. 287

وفي الحقيقة أنّ هذا الرأيَ إن لم يكن أشهر الآراء في هذه المسألة فهو لا يَقِلّ شهرةً عن القول الأول: الذي قال به المالكية (١)، والشافعية (٢)، فالقول الأول: هو وجوب مسح أعلى الخف، وأنّ مسح أسفله مستحب. والقول الثاني: وهو الرأي الذي يقابل هذا القول بالنسبة للعلماء من حيث الكثرة هو قول الحنفية (٣) والحنابلة (٤) ومن معهم (٥)، وهم جمعٌ غفيرٌ من العلماء، يرون: الاقتصار على ظاهر الخف، أي: أن الواجب هو مسح أعلى الخف، ولا يُسْتَحبُّ مسحَ أسفله، وسنعرف أدلة كل فريق. * قوله: (وَشَذَّ أَشْهَبُ، فَقَالَ: إِنَّ الوَاجِبَ مَسْحُ البَاطِنِ، أَوِ الأَعْلَى أَيُّهُمَا مَسَحَ) (٦). قال أشهب: إنَّ الواجب مسحُ الأسفل ويُستحبُّ مسح أعلاه، وعلى كلا الأمرين هو يوجب مسح الأسفل، وهذا يعتبر رأيًا شاذًا، وأنّه لا وجهة له، لكنَّ الصحيحَ أنَّ له وجهةَ نَظَرٍ نُبيّنها إن شاء الله. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ لآثَارِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ،

стр. 288

وَتَشْبِيهُ المَسْحِ بِالغَسْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي ذَلِكَ أَثَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ). في الحقيقة أنّ المؤلف اقتصر فقط على المحل الذي يُمسح، هل هو أعلى الخف فنقتصر عليه أم أسفله؟ لكنّه لم يُبَينَ لنا كيفية المسح؟ من أين نبدأ وإلى أي حد ننتهي؟ وما هو الشيء الذي نمسح به؟ وهل ذلك متعينٌ باليد بمعنى الأصابع أو يجوز بالكف؟ وهل لو مَسحَ بخِرقَةٍ أو خَشَبةٍ أو مِنشَفةٍ أو غير ذلك هل يجوز أم لا؟ وهذه كلُّها مسائلُ كثيرةٌ جدًّا سنتعرض لها، لأنها ذاتُ أهميةٍ وصلةٍ بالناس، والذي ورد في الحديث أن الرسول ﵊ إنما مسح على ظاهر الخف (١)، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، واليسرى على خفه الأيسر، ثم بعد ذلك أقبل بهما إلى الساقين أي: إلى آخر محل الفرض، فبدأ من أطراف الأصابع حتى وصل إلى النهاية (٢)، والحديث فيه كلائم للعلماء، فبعضهم قال: هذا هو الأولى وهو السنَّة. ولو عكس وبدأ من قِبل الساقِ، أي: من أسفل الساق ووصل إلى الأصابع لجاز ذلك، هذا عند من يقول بالاقتصار على الأعلى (٣).

стр. 289

أما من يرى المسح على الأعلى والأسفل، كما نُقل عن الإمام مالك ورواه في الموطأ من طريق الزهري وأخذ به (١)، ونُقل عن عروة: أنه اقتصر على مسح أعلى الخف (٢)، وهو ممن تأثر بهم الإمام مالك ﵀ أنه مسح أعلى الخف وأسفله، فجعل إحدى يديه أعلى الخف، والأُخرى أسفله فمسحهما يعني: فمسح أعلى الخف وأسفله، ومالك يرى هذا ويرجِّحه وهو المذهب في هذه المسألة (٣). وهنا يكون سبب الخلاف أمرين: أولهما: الأحاديث والآثار التي وردت في ذلك. وثانيهما: قياس المسح على الغَسل. يعني: هل يقاس مسح الخفين على الغَسل أم لا؟ ولا ننسى أنَّ المسح على الخفين رخصةٌ، وأنه بدل، وأنَّ الأصل في ذلك هو غَسل القدمين، فهل يأخذ البدلُ صفة المُبْدل عنه، أو أنَّ ذلك يختلف؟ سيأتي الجواب على ذلك إن شاء الله.

стр. 290

* قوله: (أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَفِيهِ: "أَنَّهُ ﷺ مَسَحَ [أَعْلَى] (١) الخُفِّ وَبَاطِنَهُ" (٢)). والرواية المشهورة: (أنه مسح أعلى الخف وأسفله) أي: جمع بينهما. فهو ﵊ لم يمسح على الخفّ، إنَّما مسح أعلى الخفِ وباطنه، والأشهر في الروايات: (مسح أعلى الخف وأسفله). * قوله: (وَالآخَرُ حَدِيتُ عَلِيٍّ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ، لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ" (٣)). وهذا الحديث مما يتمسك به أهل الظاهر في قضية ردِّ القياس، وهي مسألة أصولية، فهم يرون: أنّ القياس مبنيٌّ على الرأي، ولا ينبغي أن تقرر به الأحكام، وهذا سبب ردّهم للقياس (٤).

стр. 291

وهنا ذكر المؤلف حديثين: الأول: (حَدِيثُ عَلِيٍّ: "لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ" (١)). لكنّه زاد، وقال: وقد رَأيتُ رسول الله ﷺ مسح على ظاهر خفيه. إذًا؛ هنا زال الإشكال، وقال: لو كان الدِّين بالرأي، فالذي يظهر للعقل أن الذي يتعرض للأوساخ والنجاسات هو أسفل الخفّ، أما أعلاه فهو مرتقٍ ومرتفعٌ، لكنّه مع ذلك بيَّن لنا أنَّ الدين لا يُؤخذ بالرأي، وإنما يؤخذ من كتاب الله ، وعن رسوله ﷺ في حياته وبعد مماته، ويؤخذ عن سنته الصحيحة الصريحة الثابتة (٢). إذًا فدل هذا على أنَّ المسح يكون أعلى الخفين، وهو حديثٌ صحيح (٣). والحديث الآخر: أنّه مَسَحَ أعلى الخف وأسفله، وهو حديث ضعيفٌ (٤). * قوله: (وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ). وهذه قضية أُخرى لم يتعرض لها المؤلف، وأحيانًا تأتي قضية الترجيحات عند العلماء، فنجد مثلًا: أنه نُقل عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وهو أحد الذين رووا أحاديث الخفين، في صحيح البخاري (٥)، ورُوِيَ عن

стр. 292

ابن عمر (١)، وعن بعض الصحابة، وعن بعض التابعين (٢)، المَسح أعلى الخفِّ وأسفله، ونُقل عن بعض الفقهاء (٣): أنّه يقتصر المسح على أعلى الخفِّ. إذًا لدينا الآن قولان: القول الأول: هو قول المالكية والشافعية (٤): وهو أنَّ الواجب هو مسح أعلى الخف، وأنه يضاف إلى ذلك مسح أسفله استحبابًا بالنسبة للأسفل. القول الثاني: قول الحنفية والحنابلة (٥): الذين يرون الاقتصار على أعلى الخف دون استحباب أسفله، وقوفًا عند هذا النص وعند غيره من الأحاديث، وإن كان بعضها لا تخلو من مقال في صفة مسح رسول الله ﷺ عندما وضع أصابعه، وفي أحاديث المغيرة وغيره إن الرسول ﷺ وضع يديه على أطراف الأصابع فمسح فقال الراوي: كأني انظر إلى أثر أصابم رسول الله ﷺ على الخفين (٦). إذًا حديث عليّ ﵁ نصٌّ صريحٌ في أنَّ المسح يقتصر على أعلى الخف، وهذا دليل لمن قال: بتجاوز ذلك إلى أسفل الخفّ. ثم يأتون إلى القياس فالذين يقولون بالتعميم يقولون: مسح الخف بدلٌ من الوضوء، والوضوء الذي هو غسل القدمين إنما يُعمَّم فيه ذلك.

стр. 293

وهذا يُعترض عليهم، بأنهم لا يرون: مسح العقبين ولا الطرفين، فهناك مواضع لا يمسح فيها في الخفين، بل إنّ الشافعية يرون (١): الواجب أن يُمسحَ على جزء أقل ما يُسمّى بمسح. ولكن ما هو القدر الذي يُمسح؟ والجواب: هذا محلُّ خلاف بين العلماء. إذًا الرأي الأول: وجوب المسح على أعلى الخف مع استحباب أسفله، ودليلهم هذا الحديث الضعيف. ويُضاف إلى ذلك قياس مسح الخفين على الوضوء من حيث التعميم. والاخرون استدلوا بحديث عليّ ﵁ وقالوا: هو حديث صحيح، وهو نصّ في المُدْعَى فينبغي الوقوف عنده. ثم يقولون: تلتقي الآراء في أنّ من مسح على بعض الخفّ أجزأه، ولا يَلزم القول بمسح جميعه، فالشافعية يرون (٢): أنّ المسح هو أقلُّ ما يطلق عليه مسح، يعني: لو مسح بعض أعلى الخفّ لكفاه هذا، والحنابلة لا يرون (٣): أن الواجب في ذلك مسح أكثره، والمالكية يرون (٤): تعميم مسح الأعلى، والحنفية (٥) يحدونه بثلاثة أصابع، وسبب ذلك عند الحنفية:

стр. 294

(أنَّ الرسول ﵊ مسح بأصابعه) (١)، ودليلهم: أنّ أقل الجمع ثلاثة. وهذه مسألة أُخرى مختلف فيها وهي ذات ارتباط وثيق، وهي تقوي مذهب الذين قالوا: بأن الاقتصار على الأعلى هو المطلوب؛ لأنهم متَّفقون جميعًا على أنَّ المسح لا يشمل جميع الخفّ وإنَّما بعضه، لكنَّ بعضهم يضيف إلى ذلك أسفل الخف استحبابًا، وبعضهم يقف عند هذا الحديث. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، حَمَلَ حَدِيثَ المُغِيرَةِ عَلَى الاسْتِحْبَابِ). وبعترض على هذا ويقال: كيف يُجمع بين حديثين؛ أحدهما: صححه العلماء، والآخر: ضعيفٌ، وحتى الذين يحتجون به يعترفون بضعفه، ويَدْعَمُون هذا بما نُقل عن بعض الصحابة وغيرهم أنه اقتصر على مسح الخف، ومنهم حديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي رواه لنا. * قوله: (وَحَدِيثَ عَلِيٍّ عَلَى الوُجُوبِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ حَسَنَةٌ). هذه طريقةٌ حسنة لو كان الحديث الثاني صحيحًا، لقلنا: هذا هو الأحوط، ولو قيل: بأن المسألة فيها خلافٌ، والأخذ بوجوب مسح أعلى الخف واستحباب مسح أسفله خروجٌ من الخلاف، هذا مخرجٌ يقول به بعض العلماء، لكَن بعضهم يقولون: لا، نحن نقف عند النص، فالحديث الذي صحّ هو مسحُ أعلى الخف، وأما مسح أسفله فلم يصحّ فيه شيء، فلماذا نقف عنده؟ أما ما ورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وغيره من الصحابة فقد نقل عنه هذا، ونقل عنه غيره أيضًا (٢).

стр. 295

* قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، أَخَذَ إِمَّا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَإِمَّا بِحَدِيثِ المُغِيرَةِ). وهذا ترجيح في غير موازنة، لأنك عندما تُرجِّح، فإنَّك تُرجِّح بين حديثين استويا من حيث الصحة والدلالة، وهذه الموازنة غير مستوية؛ لأنك تُرجح بين حديثين؛ أحدهما: صحيحٌ، والآخر: ضعيفٌ، فكيف يأتي الترجيح في مثل هذا المقام. * قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ المُغِيرَةِ عَلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَجَّحَهُ مِنْ قِبَلِ القِيَاسِ، أَعْنِي: قِيَاسَ المَسْحِ عَلَى الغَسْلِ). وهذا قياس مع الفارق؛ لأنَّنا لو قلنا بالقياس على الوضوء لقلنا: بمسح جميع الخف، فكيف نأخذ جزءًا ونقيسه عليه؟ وحين نقرأ في مذهب الشافعية نجد أنَّ الحنفية والحنابلة يحتجون عليهم فيقولون: لو كان في أسفل الخف نجاسة هل ترون مسحه؟ يقولون: لا. قالوا: لماذا؟ فيجيبون: هو عرضة لأن يكون في أسفل الخف نجاسة؛ لأنه معرض لذلك، فيقولون: إن كان فيه نجاسة فلا يُمسح عليه (١). * قوله: (وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيتَ عَلِيِّ رَجَّحَهُ مِنْ قِبَلِ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ، وَالأَسْعَدُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ هُوَ مَالِكٌ). ليست القضية قضية أنَّ حديث عليّ ﵁ مخالف للقياس، إنما هذا مسح، والمسح يختلف عن ذلك. ومن الأدلة العقلية عند الشافعية أنهم (٢): يقيسون المسح على الخفين

стр. 296

على مسح الرأس، فهم لا يرون مسح جميع الرأس، وإنما يحددونه بجزء يسير، ويقولون: السنّة هي: استيعاب مسح جميع الرأس، فينبغي أن نمسح أكثر أعلى الخف وأسفله. * فائدة: كلمة (الأَسْعَدُ) مبهمة، ولكن قد يأتي آخر ويقول: والأسعد في ذلك هم الذين وقفوا عند النص وهم الحنفية والحنابلة، لكننا نحن في هذا المقام نقول: لا شك أن المذهب الرابع الذي يظهر لنا رُجحَانه بكل تجرد هو المذهب الذي يقول: بالاقتصار على أعلى الخف. لكن إذا أراد الإنسان أن يحتاط مثلًا فليأخذ بمسح الأسفل، وليس كلُّ ما يَرِدُ عن بعض الصحابة، من وجهات نظر، وغير ذلك، ينبغي أن يُعمل به " لأنَّنا قد نجد من يخالفه، وقد يرد عن الصحابي في المسألة قولان، ولعلنا قد تحدثنا عن الموالاة، وقلنا: إن حجة الذين يقولون: بأن التفريق في الموالاة لا يُؤثَر في الوضوء، بمعنى: أنَّ الموالاة ليست واجبةً، والذين يقولون بذلك يستدلون: بأثر عبد الله بن عمر، عندما توضأ في السوق فَغَسل وجهه ويديه ومَسح رأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازة، ثم دخل المسجد فمضى وقت، فبعد أن جف وضوؤه مسح على خُفّيْه ثم صلى صلاة الجنازة (١)، والعلماء لهم تأويلان في هذا: * فمنهم من يقول: إن ابن عمر نَسِيَ لانشغاله بذاك الأمر. * ومنهم: من يحمل ذلك على العذر. وعندما نتحدث عما يتعلق بالخفّ المُخَرَّقِ، نرى أن الشريعة الإسلامية بنيت على التيسير، وهناك فرقٌ بين إنسانٍ يترك الموالاة تَساهلًا

стр. 297

أو عبثًا، وبين إنسان يترك الموالاة لانشغاله بأمرٍ هامٍّ كالوضوء، وقد فصلنا الكلام في ذلك. والأسعد في أي أمرٍ من الأمور هو من يقف عند النصوص، وكلُّ الأئمة ﵏ ورضي عنهم- يقع بينهم اختلافٌ في مسائلَ كثيرة، ولكن يحرصون أشد الحرص في أنّهم يقفون عند النصوص، فقد يظهر لهذا دليلٌ ولا يظهر للآخر، ويتبين لهذا دليل ومفهوم، ما لم يتبين للآخر. والصحابة -رضوان الله عليهم-، قد اختلف بعضهم في حكم المسحِ على الخفين، وقد فهم بعضهم وهم قلة: أنّ آيةَ المائدة كانت ناسخةَ للمسح على الخفين، فأُشكل ذلك عليهم، ومنهم ابن عباس ﵁ (١)، ثم لمّا تبين لهم ذلك الأمر وقفوا عنده ورجعوا إلى الحق، وسنتعرض لسبب اختلاف الصحابة -رضوان الله عليهم- فيما يتعلق بتوقيت المسح، يَمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن والمقيم يومٌ وليلة، فنجد أن المالكية (٢) ينفردون في هذه المسألة عن الأئمة الأربعة (٣)، ولهم أدلةٌ عن الصحابة وآثارٌ، والجمهور لهم أدلةٌ وآثارٌ. ولذلك نقول: الأَوْلى في هذه المسألة هو الوقوف عند النصوص،

стр. 298

وهذا هو الذي يَتَرجَّحُ عندنا، وهو قول القائلين: بالاقتصار على أعلى الخف، لأنّ الحديث الذي ورد في ذلك هو حديث عليّ ﵁. وأما دعوى أولئك في حديث عليٍّ ﵁: أنه لو كان الدِّين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، أنه ليس القصد من ذلك تعيُّن مسح الأعلى، وإنما المراد من ذلك أنه لو كان الدِّين بالرأي … ، ولكن ما كان الدِّين بالرأي، فينبغي كذلك أن نمسح الأمرين، وهناك تعليلات كثيرة للعلماء، لكن على العموم هذا نصٌّ صريح؛ لأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ عندما روى الحديث قال: لو كان الدِّين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولم يتوقف عند هذا بل قال: وقد رأيت رسول اللّه مسح على ظاهر الخف. إذًا بَيَّن أنّ النبيَّ ﷺ في المَسح اقتصر على ظاهر الخف ولم يتعرض لباطنه. > قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ الاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ البَاطِنِ فَقَطْ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً). قوله: (لَا أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً) والحقيقة أنّ لهم حُجَّتين: الحجة الأولى: قالوا: أنّ الواجب هو مسح جزء من الخف. ونرى: أن المتعين هنا إنما هو مسح أسفله؛ لأنه هو الذي يُعرف بالأذى، فعكسوا مفهوم حديث عليّ ﵁. الحُجَّة الثانية: قالوا: إن في هذا مجازاةٌ للفرض فوقفوا عنده، وهذا تعليلٌ ضعيفٌ. قوله: (لِأَنَّهُ لَا هَذَا الأَثَرَ اتَّبَعَ، وَلَا هَذَا القِيَاسَ اسْتَعْمَلَ، أَعْنِي: قِيَاسَ المَسْحِ عَلَى الغَسْلِ). مسح الخف: هو أن يضع الإنسان يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم يبدأ من أطراف الأصابع فيمسح إلى أن

стр. 299

ينتهي إلى محل الفرض، هذا هو الرأي المشهور وهذه هي السُّنة، ولو عكس ذلك وبدأ من جهة الساق ومسح، فهذا جائز عند عامة العلماء. ومن الناحية الأُخرى: لو مسح بغير اليد مثلًا بأصبعٍ - واحد، أو بخرقة، أو بخشبة، أو بغير ذلك، هل يجوز؟ والجواب: من العلماء من يُجيز ذلك وهم كثر، وخاصةً الشافعية (١)، والحنابلة (٢) على تفصيل عندهم في ذلك، هذا ما يتعلقُ بالمسح. قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ). أولًا: ما هما الجوربان؟ لم يتعرض المؤلف للحديث عن المسح على الجرموقين، والجُرْمُوق: هو الخفّ الذي يُلبس على الخف (٣)، وقد اصطلح الفقهاء على تسميته خفًّا، والصحيح عند كثير الفقهاء أنهم اصطلحوا عليه لكونه يُلبس على الخف الآخر، وهناك من يقول: هو الجرموق المنعَّل وغير ذلك. الجورب كما يقول العلماء: هو ما يصنع من صوفٍ أو قُطْنٍ أو كَتَّان (٤)، ولكن إذا صنع من خِرَقٍ رقيقِةٍ فهذا يرده بعض العلماء

стр. 300

ولا يعتبره، وبعض العلماء يَعتَدُّ به، ومن العلماء الذين حقَّقوا في هذه المسائل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فله كلام طيب فيما يتعلق بالخفين في كتابه الفتاوى (١). والجورب يختلف عن الخفِّ؛ لأنَّه يمتد إلى جزءٍ كبير من الساق، وانتشر ذلك في العهد الإسلامي وخاصةً في بلاد الشام فقد كانوا يلبسون الجوارب كثيرًا؛ لأنها تقيهم من شدة البرد. والجورب يشترط العلماء فيه شرطين إلى جنب الطهارة، الأول: أن يكون صفيقًا، أي: سميكًا لا يشف، ولا يُرى العضو من ورائه (٢)، والثاني: يمكن متابعة المشي فيه، بمعنى أن الإنسان لا يمسكه ويربطه بنفسه وإنما هو يبقى ثابتًا في نفسه (٣).

стр. 301

قوله: (وَأَمَّا نَوْعُ مَحَلِّ المَسْحِ فَإِنَّ الفُقَهَاءَ القَائِلِينَ بِالمَسْحِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي المَسْحِ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَمِمَّنْ مَنَعَ ذَلِكَ: مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَة) (٣). نجد هنا أنَّ المالكية والشافعية بجميع آرائهم ينضمون إلى بقية العلماء في جواز المسح على الجوربين، وهذه المسائل يحتاج المقام منا أن ندقق فيها جيدًا. وهنا الخف يُلبس على طَهارة، وإذا لُبس خُفٌّ على خُفٍّ وكان بعد الحاجة أو قبل الحاجة، وإذا لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّمًا على خُفٍّ صحيحٍ، هذه مسائل كثيرة جدًّا تعرض لها العلماء. ولكن من مزايا هذا الكتاب أنّه ينتقى المسائلَ الأمهات، ليكون الدارس لها عنده القدرة أن يَبني عليها، ويُلْحِق الفروع بهذه الأصول. فالأصلُ في الجورب أنّه إذا أُطلق لا يَشمل المُنعَّل، لكنه قد يُنعل.

стр. 302

وتحقيق مذهب المالكية أنهم لا يرون المسح على الجوربين إلّا في حالةٍ واحدة وهي: إذا كان الجورب مُنعلًا أي: أسفله من الجلد، وإلّا فلا يجوز المسح عليه، وبذلك يلتقون مع الشافعية في روايتهم الأخرى. وتحقيق مذهب الشافعية -ليس كما قال المؤلف- أن يربطهم مع مذهب المالكية، فهذا كلام غير مُسَلمٌ به، بل فيه نظر. فالصحيح في مذهب الشافعية أن الجورب يجوز المسح عليه، إذا كان صفيقًا -يعني متينًا لا يشف البدن- يمكن متابعة المشي فيه (١). فبعض الشُّرّاب يكون سميكًا، كالشُّرّاب الذي من صوفٍ أو غيره، فيدخل في حكم الجورب، لأنَّه على شكله، إذا كان ماسكًا لا ينزل وأنت ترتديه أي: ماسكًا في محله مستقرًّا، فإذا انطبق هذا عليه، وأمكن متابعة المشي عليه، وبالتأكيد أنّه لا يمشى فيه وحده، فإما يلبس مع جزمة، أو مع حذاء، أو غير ذلك. وهم بذلك يلتقون مع الحنابلة في مذهبهم (٢)، والحنابلة يشترطون أن يكون الخف طاهرًا (٣)، فلا يجوز أن يمسح على خف من جلد كلبٍ أو

стр. 303

جلد خنزير، وإذا كان من جلد ميتةٍ ودُبغ فلهم فيه رأي، وإن لم يدبغ ففيه رأي آخر (١)، وهذا من المسائل الجزئية. وهناك شروط مستقرة ينقلها لنا العلماء مسألةً مسألةً، فمن مسائل المسح على الخفين هاتان المسألتان؛ أولًا: الخفّ ينبغي أن يكون ساترًا للفرض، وهذا محل اتفاق بين العلماء؛ لأنه إذا لم يستر الفرض، فكيف يُمسح عليه؟ (٢). قوله: (وَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (٣)، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) (٤). هذا رأيُ كثيرٍ من العُلماء؛ لأنَّ المسحَ على الجوربين ثبت عنْ تسعةٍ من الصحابة، كما ذكر ذلك ابن المنذر في كتبه المعتبرة (٥)، إلى جانب الحديث الذي سيذكره المؤلف، وسيأتي أنَّ الرسول ﷺ مسح على الجوربين والنعلين (٦)، ومن هؤلاء علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن

стр. 304

مسعود ﵁ الذي كان يقول: ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيما نزلت، ولو أعلم أنَّ أحدًا أعلم مني بكتاب اللّه تصل إليه أكباد الإبل لركبتها إليه (١). ونُقل كذلك عن البراء (٢) وعن عبد الله بن عمر ﵄ (٣)، وعبد الله بن عمر من أكثر الصحابة متابعةً لآثار الرسول- ﵊ واقتفائه وتتبع هديه، ونُقل ذلك عن سهل بن سعد (٤)، وعمار (٥)، وبلال (٦)، وعن أبي أمامة (٧) ﵃، ونُقل عن تسعة من الصحابة أنّهم مسحوا على الجوربين، وعددٍ كبير من التابعين (٨)، وهذا مذهب

стр. 305

الإمام أحمد ﵀ (١). والمؤلف لم يتعرض له كما ذكرت، وَبنَى كتابه على رواية المذاهب على كتاب: "الاستذكار" لابن عبد البر، ولا يُفهم من هذا أنّ ابنَ عبد البرِّ كان لا يرى أنَّ الإمام أحمد ﵀ من الفقهاء؛ لأنّه لم يذكره في كتابه: "الانتقاء"، ولكن حين ننظر في كتابه: "الاستذكار"، نجد أنه كثيرًا ما يذكر رأي الإمام أحمد ﵀ ويعده من الفقهاء وليس من المحدثين فقط، وكذلك المؤلف هو متابع له. هذا هو قول: إسحاق (٢) وابن المنذر (٣)، إلى جانب أنه قول: الإمام أحمد، وكذلك قول: صاحبا أبي حنيفة رَحِمهُما اللهُ (٤)، ورأيهما كرأي الإمام أحمد ﵀ في المسح على الجوربين. وبالتحقيق في قول أبي حنيفة ﵀ أن له روايتان: الرواية الأولى: بالمنع مطلقًا (٥).

стр. 306

والرواية الثانية: أنّه أجاز المسح على الجوربين (١). وقد ثبت أنّ أبا حنيفة ﵀ تحيَّر زمنًا في المسح على الخفين، فلمَّا تجمعتْ لديه الأدلَّة وتكاثرت ونُقلتْ النصوص واستقرت عنده، وأصَبَحَ منَ الأمور الظَّاهرة البيِّنة المستفيضةِ المشتهرةِ قال: ما قلت بالمسح على الخُفَّين إلا عندما صار عندي كضوء النهار (٢)، وفي رواية: أضوأ من الشمس. قوله: (وَمِمَّنْ مَنَعَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ)، وقد حققنا قول الشافعي، وبينَّا أنَّ أبا حنيفة له قولان المشهور منهما عنه أنّه قال: بالمنع وَأَخَذَه المؤلف، ولكن نُقِل عنه أنّه رجع عن ذلك، وقال: بالإباحة، وهو قول صاحبيه (٣). قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي صِحَّةِ الآثَارِ الوَارِدَةِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ) (٤). بعض العلماء يقف عند هذا ويقول: المسح على الجوربين والنعلين، يقصد أنّهما مجتمعان، لكي يفهم الذين قالوا: بعدم جواز المسح على الجوربين، يقولون: في الحديث (أنّه مسح على الجوربين والنعلين) بمعنى: أنهما مجتمعان، ونحن لا نعارض المسح على الجورب المنعل.

стр. 307

قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ أيضًا فِي: هَلْ يُقَاسُ عَلَى الخُفِّ غَيْرُهُ، أَمْ هِيَ عِبَادَةٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَلَا يُتَعَدَّى بِهَا مَحَلُّهَا؟ فَمَنْ لَمْ يَصحَّ عِنْدَهُ الحَدِيثُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَلَمْ يَرَ القِيَاسَ عَلَى الخُفِّ، قَصَرَ المَسْحَ عَلَيْهِ، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ الأَثَرُ، أَوْ جَوَّزَ القِيَاسَ عَلَى الخُفِّ، أَجَازَ المَسْحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ، وَهَذَا الأثَرُ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ (أَعْنِي البُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَلتَرَدُّدِ الجَوْرَبَيْنِ المُجَلَّدَيْنِ بَيْنَ الخُفِّ وَالجَوْرَبِ غَيْرِ المُجَلَّدِ عَنْ مَالِكٍ فِي المَسْحِ عَلَيْهِمَا رِوَايَتَان؛ إِحْدَاهُمَا: بِالمَنْعِ، وَالأُخْرَى: بِالجَوَازِ). هذا أيضًا هو قول الشافعية، لأن الشافعية لهم قول واحدٌ في هذه المسألة وهو: الجواز (٢)، وهذا لا خلاف فيه، إلّا الرواية التي أشار إليها عند المالكية، أما عند عامة العلماء، فإنه يجوز المسح على الجورب المنعَّل؛ لأنَّ السبب في ذلك قول الذين منعوا المسح على الجوربين يقولون: إن الحديث في سنده مقال. والذين مسحوا وجوّزوا ذلك صححوا الحديث، وممن صححه الترمذي (٣)، وسيذكر المؤلف أمرًا آخر وهو قضية أنّه ساتر أم لا. ومن العلماء من أجاز المسح على الخِرَقِ، بمعنى: لوْ لَفَّ الإنسان على رجليه خِرَقًا وثبتت على قدميه وسترت محل الفرض، ويُسَمُّونها:

стр. 308

باللفَائفِ والخِرَق جاز ذلك (١)، ومن العلماء من يمنع ذلك (٢). وبعضهم ممن تعمق في هذه المسائل ودقَّق في روح الشريعة الإسلامية، وَتَبَّين له أنّ الغرض من المسح على الخفين هو الرخصة، وَما شُرِعَت الرخصة إلّا لسبب، وهو الحاجة الموجودةُ عند الناس، فالقصد هو: التخفيف على الناس والتيسير، وما دام محل الفرض قد غطي واستقر فلماذا يُمْنَعُ المسح. قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا صِفَةُ الخُفِّ). المؤلف أراد أن يُبيِّن الأحاديث الكثيرة التى ثبتت عن الرسول ﵊:

стр. 309

- إما عن طريق الأمر. - أو عن طريق الترخيص. - أو عن طريق فعلِهِ ﵊ أنَّه مسح، وكذلك الآثار الموقوفة على الصحابة- رضوان الله عليهم- كلُّها ذكرت الخفين وأطلقت. فهل ورد فيها صفةٌ معينَّة للخفّ، كأن يكون خفًّا سليمًا، أو جديدًا، أو ليس به خرق، ولا فيه فتق، ولا شقٌّ، وإن كان فيه شقٌّ ويمكن ضمه فهل يتجاوز عنه؟ وإن كان فيه شقٌّ فهل هناك فرقٌ بين القليل وبين الفاحش. أمَّا الأحاديث فقد جاءت بالمسح على الخفين وسكتت، ولم تبين، وكذلك الرسول ﵊ لما سئل في الحج ما يلبس المحرم، بيّن أنه لا يلبس القُمُصَ ولا العمائمَ ولا السراويلاتِ ولا الخفافَ ولا البرانسَ، ثم قال: "فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين" (١). هناك من العلماءِ من يقول: بأن الخفّ إذا أُطلق ينصرف إلى العهد، لكننَّا نقول: والمعهود هو الخفّ السليم، هكذا بعضهم يُعلَل، لكننا نعود وننقد هذا الرأي ونقول: ولكن المسح على الخفين إنما هو رخصة، والرخصة بُنِيَتْ على التيسير، والتيسير يقتضي ألا يكون الأمر كذلك، بل إننا نجد أنَّ من الثياب ما يكون فيها خرقٌ يسيرٌ، وفيها شق، وقد كانوا يتسامحون في مثل ذلك. قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ المَسْحِ عَلَى الخُفِّ الصَّحِيحِ) (٢).

стр. 310

يُقصَد بالخفِّ الصحيح: الذي لا توجد فيه خروقٌ، ولا شقوقٌ في أي جهةٍ من جهاته. واعلمْ أنَّ الذين منعوا المسح على الخفّ المخرَّق يقولون: إذا تخرّق الخفّ ظهرت بعض أجزاء القدم، فيوجد لدينا في هذا المقام أصلٌ وبدلٌ، هذا الذي ظهر من القدم فرضُه الغسل، والذي هو مغطّى فرضُه المسح، فكأننا في هذا المقام نجمع بين الأصل والبدل وهذا لا يجوز، وهذه هي أقوى حجة للذين منعوا المسح على الخفِّ المخرَّق، هذا تعليلهم، وهو غير مُسلَّم؛ لأنَّ الخفَّ لا يُمسح جميعُه حتى يقال هذا الكلام. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المُخَرَّقِ). وسترى -أيها القارئ- في دراستنا لهذا الكتاب أننا لا ننظر إلى المذهب ولا إلى صاحبه، ولكننا دائمًا ندور مع النصوص أينما ذهبت، فمتى ما وجدنا أنَّ النَّص صحيح وصريح أخذنا به، وقد لا نجدُ نصًّا في المسألة، لكنَّنا نجد أنَّ رأي هذا المذهب يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية وسماحتها وعدالتها، ومع رفع الحرج فيها، تجد أننا نميل إليه، وستجدون أننا نتجه إلى مذهب المالكية والحنفية في هذه المسألة، وإن كنَّا نأخذ على الحنفية أنَّهم حدَّدوا ذلك، لكننا سنأخذ بهذا الرأي في قضية التجاوز في الخرق اليسير. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (١): يَمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا كانَ الخَرْقُ يَسِيرًا). لا شكَّ أن هذا القول قول بديعٌ، وأنه يلتقي مع روح الشريعة الإسلامية، وما فيها من سماحةٍ وتيسيرٍ، وهذا القول قال به الإمام مالك

стр. 311

بعد أن فكَّر فيه ودرسه وطبَّقه على أصول هذه الشريعة، بل سترون أننا سنحتجُّ على الشافعية والحنابلة بأن أصول مذهبهم ينبغي أن تلتقي مع هذا القول، وأرجو لو فصَّلنا القول في هذه المسألة، فهي مسألة جوهرية ومهمة، ولها علاقةٌ وثيقةٌ بربط هذه الأقوال بروحِ الشَّريعةِ الإسلاميةِ. > قوله: (وَحَدَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا يَكُونُ الظَّاهِرُ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصَابعَ) (١). هنا يأتي المأخذ على مذهب أبي حنيفة أنه حدَّد ذلك، دالا فهو على القول بالتجاوز عن اليسير مع الإمام مالكٍ، ولكنَّه حدَّده بما يكون الظاهر منه أقلَّ من ثلاثة أصابع؛ على أساس أنه ورد المسح بالأصابع، وكما ذكرنا أن المسح بخمسة أصابع، وأنَّ أقلَّ الجمع يطلق على ثلاثةٍ، فدار كلامُ أبي حنيفة حول هذه المسألة، وهذا التعريف. > قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ بِجَوَازِ المَسْحِ عَلَى الخُفِّ المُنْخَرِقِ مَا دَامَ يُسَمَّى خُفًّا، وَإِنْ تَفَاحَشَ خَرْقُهُ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ) (٢). قالوا بجواز المسح مطلقًا، فهذا الخف إذا تشقق من عدة جوانب وبقي ماسكًا للخف، نرجع إلى الأصل في لغة العرب، فهل يُسمّى هذا الخف خفّا أو لا يسمى؟ فإن كان العرب لا يسمونه خفًّا انتهى الأمر، وإن كان لا يزال اسم الخُفِّ يُطلق عليه فينبغي أن نمسَحَ عليه، لأنَّ الرسول ﵊ مسح على الخفَّين، ورخَّص في المسح عليهما، ولم يمنعْ من المسح على الخفِّ المخرَّقِّ.

стр. 312

> قوله: (وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ فِي مُقَدَّمِ الخُفِّ خَرْقٌ يَظْهَرُ مِنْهُ القَدَمُ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ عَنْهُ) (١). الشافعي وأحمد (٢) مذهبهما متقاربٌ في هذه المسألة، وهو أنهما يريان: عدم جواز المسح على الخفِّ المخرَّق، وأقوى دليل لهم في ذلك: هو أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولا يجمع بين الأصل وبين الفرع. قالوا: فالأصل هو الغسل، وغير الأصل الذي هو البدل إنما هو المسح، فيقولون: إذا وُجد مثلًا ظهور بعض القدم فهذا الظاهر يجب أن يُغسل، والمستتر يمسح، فكأننا بذلك نجمع بين الأمرين. إذًا ينبغي أن نخلع الخف وأن نغسل القدم ويزولَ المسح هنا لتعذره، أو لزوال سببِهِ، وهو عدمُ استتارُ القدم. > قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِي انْتِقَالِ الفَرْضِ

стр. 313

مِنَ الغَسْلِ إِلَى المَسْحِ هَلْ هُوَ لِمَوْضِعِ السِّتْرِ (أَعْنِي سِتْرَ خُفِّ القَدَمَيْنِ)، أَمْ هُوَ لِمَوْضِعِ المَشَقَّةِ فِي نَوْعِ الخُفَّيْنِ؟). سبب اختلاف الفقهاء في ذلك: هل المسح على الخفِّ وضع لستر القدم الذي يستره الخفان، لأن القدم لا يُستر إلا إذ! كان الخفان سليمين، أما إذا كان الخفان غيرَ سليمين فلا يستتر، فهل المقصود هنا هو قضية أنه جاز المسح ورُخّص تخفيفًا لأنَّنا سترنا القدم، أو أنَّ العلة أكبر من ذلك وأسمى وأبعد، ألا وهو التخفيف على الناس، وإذا كانت القضيةُ قضيةَ التَّخفيف فلا ينبغي أن يفرّق بين خف فيه خرق يسير وبين خفٍّ صحيح؛ لأنَّ القصدَ هو التيسير على الناس والتسامح؛ لأنَّ هذه الشريعة فيها سماحةٌ ويسرٌ، وهذا يلتقي مع أهداف وأصول هذه الشريعة. قوله: (فَمَنْ رَآهُ لِمَوْضِعِ السِّتْرِ لَمْ يُجِزِ المَسْحَ عَلَى الخُفِّ المُنْخَرِقِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا انْكَشَفَ مِنَ القَدَمِ شَيْءٌ، انْتَقَلَ فَرْضُهَا مِنَ المَسْحِ إِلَى الغَسْلِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ المَشَقَّةُ، لَمْ يَعْتَبِرِ الخَرْقَ مَا دَامَ يُسَمَّى خُفًّا). ولذلك ذُكر عن بعض العلماء أنهم قالوا: وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار تخلو من خروق؟ فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يضربون في الأرض، فمنهم من كان يجاهد لقتال الأعداء، ومنهم من كان يشتغل في أرضه، ومنهم من كان يجاهد للدعوةٍ في سبيل الله، وإما لخدمة هذا الدين، ولا شكَّ أنَّ هذه الخفاف تمرُّ بالحجارة والصخور والطرق الوعرة وغير الوعرة، وبالشوك وغير ذلك، ويندر أن تسلم هذه الخفاف، وقد عرفنا ما كان من أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، وما هو حال كثير منهم من قلة المال، ولكن كانت لديهم العزيمة التي استقرت في نفوسهم واستنارت بها بصيرتهم، ولا شكَّ أنَّ الله قد وهبهم الإخلاص، ذلكم النور العظيم الذي إذا أُلقي في قلب عبد مسلم فأنار له طريق الخير والرشاد، وهكذا

стр. 314

كان الصحابة رضوان الله عليهم في نفس هذا المنهج، إذًا لم تكن أمور الدنيا تشغلهم كثيرًا. ولهذا نجد أنَّ الذين قالوا بجواز المسح على الخفّ المخرَّق إنَّما أخذوا ذلك من لبّ هذه الشريعة وأصولها. وقد بيَّنا سابقًا: أنَّ أصولَ المذهبين -الشافعي والحنبلي- عندما يُدقّق فيهما نجد أنها يلتقيان في الحقيقة مع قول المالكية والحنفية، لأنَّ هذين المذهبين بُنِيا على التيسير والتخفيف. قوله: (وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الخَرْقِ الكَثِيرِ وَاليَسِيرِ، فَاسْتِحْسَانٌ وَرَفْعٌ لِلْحَرَجِ). هذه قضيةٌ أُخرى: وهي الفرق بين الخرق اليسير والكثير، وفي العادة أنَّ العلماء يقولون: اليسير يُتسامح به، فالنجاسات مثلًا مع أهميتها ووجوب التنزُّه منها والتأكيد على ذلك، نجد أنَّ هناك ما يُعفى عنه من قليل النجاسات، كذلك فيما يتعلق بستر العورة قد يبدو من عورة الإنسان شيءٌ قليل فيُعفى عنه، إلى غير ذلك ممَّا تعمُّ به البلوى كما ذكرنا. قوله: (وَقَالَ الثَّوْرِيُّ (١): كَانَتْ خِفَافُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا تَسْلَمُ مِنَ الخُرُوقِ كَخِفَافِ النَّاسِ). هذا كلامٌ صحيح، والإمام الثوري: هو إمام من كبار الأئمة، يقول: إنَّ خفاف المهاجرين والأنصار من الصحابة ﵃، لا تخلو من الخروق؛ لأنَّهم يقطعون الفيافي والقفار، ويركبون السَّهل والوعر، ويشتغلون في الأسواق وفي المزارع، إلى غير ذلك من الأمور، فمن يضمن أن تكون خفافهم سليمةً، لا سيما وأنَّ الإنسان يُسافر ولا يوجد معه ما يستطيع أن يرقع به ذلك الخفّ في الغالب، إذًا هذه أمور لا تسلم، ولكن قلنا: الرأي الوسط هو أن يُعفى عن اليسير دون الكثير.

стр. 315

قوله: (فَلَوْ كانَ فِي ذَلِكَ حَظْرٌ لَوَرَدَ وَنُقِلَ عَنْهُمْ). الذين يقولون بالتيسير، يقولون: لو كانَ المسح على الخفّ المخرَّق لا يجوز لبيَّنه الرسول- ﵊؛ لأنَّ تأخيرَ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، لكنَّ النبي ﷺ لم يبيِّنه وأطلق الأحاديث، فدلَّ ذلك على أنه أمرٌ معفوٌّ عنه، وهو قول يلتقي مع أصول هذه الشريعةِ وقواعدِها. قوله: (قُلْتُ: هَذ المَسْأَلَةُ هِيَ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، فَلَوْ كَانَ فِيهَا حُكْمٌ مَعَ عُمُومِ الابْتِلَاءِ بِهِ لَبَيَّنَهُ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]). هذه من التعليقات الجيّدة التي يذكرها ابن رشد ﵀، يقول: هذا أمرٌ تعمُّ به البلوى، فالناس يلبسون الخفاف، ويكثر لبسها في الشتاء، فلو كان هناك حظرٌ أو منعٌ لبُيّن في هذا المقام، لكنه سُكِتَ عنه، فينبغي أن يُطلق الأمر في ذلك. وليس هناك شكّ في ذلك؛ لأنَّ الرسول ﵊ هو المأمور بالبيان، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والرسول ﵊ أطلق فلماذا نقيده ونضيق على الناس ونحرجهم. قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَأَمَّا التَّوْقِيتُ). توقيتُ مدَّة المسح على الخفين. يقصد بالتوقيت: هل للمسح على الخفين وقتٌ محدَّدٌ، وهل يختلف في ذلك المسافر عن الحاضر أو لا؟ للعلماءِ قولين في ذلك: - فمنهم من يُطلق ويقول: لا قيدَ في ذلك، ولهم أدلَّة.

стр. 316

- وهناك آخرون يقولون: بل إنَّ ذلك مقيدٌ، وهو يختلفُ من الحاضر إلى المسافر؛ لأنه لمَّا كانت حالةُ المسافر تستدعي التخفيف أكثر خُفّف عنه في ذلك، وأعطيَ مسافةً أكثر، ولما كانت حالة الحاضر تقتضي أن يكون التخفيف أقل كان الذى قُدِّر له أقل من المسافر. قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَرَأَى مَالِكٌ) (١). المؤلف لأنَّه مالكيُّ المذهب عادةً يبدأ بمذهب مالك، ولا ضير في هذا، ولكن قد جرت عادة الفقهاء أنهم يقدِّمون الأئمةَ حسب الترتيب الزمني، فعادةً يُذكر أبو حنيفة ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد، وهذا لا ضير فيه بأننا نقدم هؤلاء حسب الزمن، فهذا أولهم، ثم يليه الإمام مالك، وهكذا. قوله: (أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَأَنَّ لَابِسَ الخُفَّيْنِ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَنْزِعْهُمَا أَوْ تُصِبْهُ جَنَابَةٌ). المؤلف أجمل القول ولم يفصِّل، لأنَّ الكتاب مجملٌ، وإلا فمذهب مالك فيه أقوال ثلاثة، وإن كانَ أشهرها وأصحُّها عندهم هو القول الذي ذكر: أنه لا توقيت في المسح على الخفين، أي: أنَّ المسح على الخفين مُطلقٌ، فمتى ما لبس الإنسان خفيه على طهارة وظلَّا في قدميه، فإنه يمسح عليهما إلى ما شاء الله، سواءٌ كان حاضرًا أو مسافرًا، هذا هو الرأي المشهور، وهو الذي وقف عنده المؤلف وذكره. القول الثاني: أنَّ المسح على الخفين مؤقتٌ، وبهذه الرواية انضم إلى عامة العلماء. القول الثالث: التفريق بين الحاضر والمسافر، فهو مؤقتٌ في حقِّ

стр. 317

الحاضر دودن المسافر؛ لأنَّ المسافرَ يحتاجُ إلى التَّخفيف أكثر من الحاضر، ولذلك أُطْلِقَ في حقِّهِ. قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مُؤَقَّتٌ). وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد (٣)، ونُقل ذلك عن عددٍ من الصحابة؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبو زيد الأنصاري، هؤلاء الخمسة من الصحابة نُقِلَ عنهم أنهم قالوا بالتوقيت (٤)، وسيأتي من أدلة المالكية ومن معهم إلى أنَّ عمر ﵁ قال: بعدم التوقيت، وبذلك يتبيَّن أن لمالكٍ رأيين أو قولين في المسألة، ثم ننظر أي القولين ينبغي أن يؤخذ به. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ). قد يُفهم من هذا أنَّ الذي ورد في ذلك ثلاثةُ أحاديث، مع أنَّ بعض العلماء ومنهم الإمام الطحاوي وابن حزم ذكرا أنَّ الأحاديث التي وردت في التحديد وصلت إلى حد التواتر، يعني قالوا: بتنوُّع طرقها وتعددها بلغت درجت التواتر، فليست القضية كما ذكر ثلاثة أحاديث، وإنما هي

стр. 318

أحاديثٌ كثيرةٌ، وحتى الذين قالوا: بأنَّ المسحَ غير مؤقت أدلتهم أكثر مما ذكر المؤلف، فليست أدلة ثلاثة فقط، لكن قد يكون هذا هو الذي وقف عليه المؤلف، أو ربما هو أراد أن يقتصر على هذه الأحاديث، لكنَّ مفهوم كلامه يفهم منه أن الذي ورد في المسألة هي الأحاديث الثلاثة فقط، والأمر على خلاف ذلك. قوله: (أَحَدُهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ "، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ" (١)). هذا الحديث هو دليل للذين يقولون بالتوقيت. قوله: (وَالثَّانِي: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَأَمْسَحُ عَلَى الخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَثَلَاثَةً؟ قَالَ: نَعَمْ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ: امْسَحْ مَا بَدَا لَكَ"، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ) (٢). هذا هو الدليل الثاني للذين يقولون بعدم التوقيت؛ لأنه قال: "امْسَحْ مَا بَدَا لَكَ"، وهذا دليلٌ يقابل الحديث الأول. قوله: (الثَّالِثُ: حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: "كُنَّا فِي سَفَرٍ، فَأُمِرْنَا أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ نَوْمٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ" (٣)). وهذا الحديث حجة للذين قالوا بالتوقيت.

стр. 319

ومن الأدلة التي يستدل بها القائلون بعدم التوقيت حديث أنس ﵁، وفيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقوله: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلْيَمْسَحْ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَا يَخْلَعْهُمَا إِنْ شَاءَ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ" (١)؛ أي: لا تخلع إلا من جنابة. قالوا: وهو نصٌّ في عدم التوقيت؛ لأنَّ الرسول- ﵊ بعد أن قال: وليمسحْ على خفَّيه، قال: ثم إنْ شاء أن لَّا يخلعهما إلا من جنابة فليفعل. وهذا الحديثُ؛ - أعني: حديثَ أنسٍ - حديث ضعيف. وهذه الأدلة قد أجملها المؤلِّف، وإلا فهي كثيرةٌ جدًّا، وقد استقصاها الطحاوي في كتابه: "شرح معاني الآثار"، وابنُ حزمِ في كِتابه: "المحلَّى بالآثار"، وكذلك الذي حقق وخرَّج أحاديث "بداية المَجتهد" ذكر منها أدلةً كثيرةً. قوله: (قُلْتُ: أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ، فَصَحِيحٌ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ). حديث عليّ الذي رخّص فيه الرسول- ﵊ المسح على الخفين للمسافر أن يمسحَ ثلاثة أيَّام ولياليهن، وللمقيم أن يمسح يومًا وليلةً، وهو حديثٌ صحيح لَا نزاع ولا إشكال فيه، فقد خرّجه مسلم وغيره، وبعض أصحاب السنن. قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ، فَقَالَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَائِمٌ، وَيذَلِكَ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَارَضَ بِهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ). حديث أُبَيّ بن عمارة حديثٌ ضعيف، وفي هذا الحديث عدَّةُ عللِ، ولذلك ضعَّفَه العلماء.

стр. 320

ومع ذلك فإنَّ هذا الحديثَ هو أقوى أدلَّتهم؛ لأنه قال: "امسح ما بدا لك". قالوا: السائل في هذا المقام سأل عن المسح، ولم يسأل عن التوقيت، فقالوا: هذا أشبه ما يكون بقول الرسول- ﵊: "الصعيد الطيِّبُ وضوء المسلم، وإن لم يجد الماءَ عشر سنين"، فهل معنى هذا أنَّ الإنسان إذا تيمَّم يستمر على تيمُّمه عشر سنين إذا لم يجد الماء؟ أو أنَّ القصد أنه يكرر ذلك؟ قالوا: القصد أنَّه يكرر المسح. قيل: فكذلك القصد هنا: امسح ما شئت؛ يعني: في كل مرة. قوله: (وَأَمَّا حَدِيتُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ البُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّحَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَأَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ (٢)، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ مُعَارِضٌ بِدَلِيلِ الخِطَابِ لِحَدِيثِ أُبَيٍّ كَحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ صَفْوَانَ وَحَدِيثَ عَلِيٍّ خَرَجَا مَخْرَجَ السُّؤَالِ عَنِ التَّوْقِيتِ، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ نَصٌّ فِي تَرْكِ التَّوْقِيتِ، لَكِنَّ حَدِيتَ أُبَيٍّ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ). حديث صفوان: "أمرنا رسول الله … "، وهو حديثٌ إسناده صحيحٌ أو حسنٌ. ومن الذين صحَّحُوا هذا الحديث من الأئمة -كما ذكر المؤلف- الإمام الترمذيُّ وغيره، فهناك من العلماء الذين كتبوا في تصحيح الأحاديث
следующие страницы →