← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

والَّتي يُثَاب عليها صاحبها إذا فَعَلها، لكن الشريعة -كما قرَّرنا- شريعةٌ بُنيَتْ على اليسر، أنزلَها اللَّه على عباده سهلةً ميسورةً لا شطط (١) فيها، ولا حرج؛ فإن صليتَ خمسًا أو ثلاثًا أو اقتصرتَ على واحدةٍ، فإنك تحصل أجر الوتر، ركعة واحدة -لا تستغرق منك إلا دقائق معدودة- تنال عليها أجرًا عظيمًا كما عرفنا فيما مضى في الأحاديث التي وَرَدتْ في فضل الوتر. * قوله: (وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ" (٢)). أي: يوتر بسَبْعٍ في حديثٍ، وفي آخر بتسعٍ، وفي آخر بخمسٍ. * قوله: (وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ (٣) قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ).

стр. 2557

كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، فهذه سبعٌ، وستٍّ وثلاثٍ، هذه تسعٌ، وثمانٍ وثلاثٍ، إحدى عشرة، وعشرٍ وثلاثٍ، إنما هي ثلاث عشرة ركعة، وآخر كل ذلك هو الوتر. فهذا الحديث جاء مفصلًا لما في الأحافى يث الأخرى؛ فكأنه قال: يوتر بسَبْعٍ، ويوتر بتسعٍ، ولوتر بإحدى عشرة، ويوتر بثلاث عشرة ركعة، هذا هو المراد منه. * قوله: (وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ) (١). مَا كان يوتر بذلك، لكن ثبت عنه ﵊ أنه بين أن الوتر ركعة، وجاء في ذلك أحاديث صحيحة (٢). * قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ") (٣)، سيحتج المؤلف يهذا الحديث للحنفية؛ لأنهم يرون أن الوترَ ثلاثٌ بلا فصلٍ بين الثلاث بسلامٍ، وفي حديثٍ آخر: "الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب" (٤)، وَهَذَا اللفظ أوضح، يعني أن الوتر كوتر النهار، ووتر النهار هو المغرب. * قوله: (فَذَهَبَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ). عاد المؤلف ليبين أدلة الذين قالوا بأن الوتر ركعة، ومن قال بأنه

стр. 2558

ثلاثٌ تُفْصل بسلامٍ، ومن قال بأنه ثلاث لا يُفْصل بينها بسلام، والكلام يحتاج إلى مزيد تحرير؛ فالأئمة مالك والشافعي وأحمد يرون أن الوتر واحدة، لكنه يُسْبق بركعتين (١)، وهم متفقون من حيث الجملة على أنه إذا صلى ركعتين يُسلم، ثم يتبعها بركعة ثالثة هي الوتر. وأما أبو حنيفة، فقد انفرد، واستدل بحديث: "الوتر ثلاث كوتر النهار المغرب"، أي أن المغرب هي وتر النهار، فألحق أبو حنيفة بها الوترَ قياسًا (٢). ويشهد لقول أبي حنيفة حديث آخر لم يذكره المؤلف، وهو أن الرسول ﷺ ما كان يسلم في الوتر من ركعتين (٣)، ومفهوم هذا أنه يأتي بالثالثة ثم يُسلم. وهذان الحديثان وإن لم يكونا في "الصحيحين"، ولا في أحدهما، لكن إسنادهما جيد (٤). * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ ﵊: "فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (٥)). قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، يعني: اثنتين اثنتين "فإذا خشيتَ الصبح -وفي رواية: فإن خشيتَ أن يدركك الصبح- فأوتر بواحدةٍ، أو فصلِّ ركعةً" (٦)، هذا نصٌّ في أن الوتر يكون ركعةً.

стр. 2559

* قوله: (وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ" (١)). يشير إلى حديث عائشة الذي مرَّ بنا قبل قليل، وأشرنا إلى أن الرسول ﷺ كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدةٍ، وفي روايةٍ أُخرى أن صلاة رسول اللَّه ﷺ في الليل أنه كان يصلي عشرًا، ويوتر بركعة (٢). * قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا، وَقَصَرَ حُكْمَ الوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا البَابِ) (٣). مراد المؤلف أنه لا حجةَ للحنفية في الأحاديث التي مضت، لكن حُجته -فيما أشار إليه- بأن المغرب وتر النهار، وحديث آخر لم يذكره وهو أن الرسول ﷺ كما في حديث عائشة ما كان يُسلم من ركعتين، ومفهومه أنه يسلم من ثلاثةٍ. * قوله: (لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ) (٤). أي أنَّ الأدلة التي مضت ليس فيها دليلٌ يصلح أن يتمسك به الحنفية؛ لأن جميعها على الاختيار، أوتر ﵊ بخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ. . . إلى آخره، فالإنسان مخيز بينها، يفعل ما يشاء حَسَب طاقتهَ ونشاطهَ، المهم ألا يدعَ وتره حتى أنه -كما سيأتي- له أن يوتر قبل أن ينام إنْ خشي ألا يستيقظ، وله أن يوتر في وسط الليل، وله أن يوتر

стр. 2560

في آخره (١)، وَسَنتبيَّن أفضل هذه الأوقات. * قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊: "المَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ") (٢). المَغْربُ وترٌ؛ لأنه ثَلَاثُ رَكَعاتٍ، وأما باقي الصلوات: الظهر، والعصر، والعشاء، فتُصَلى شفعًا؛ وكذلك الفجر، لأنه ركعتان، بينما المغرب وترٌ، وسُمِّي وتر النهار، وقد مرَّ بنا اختلاف العلماء في حكم إعادة صلاة المغرب لمَنْ صلاها منفردًا، ثم أدرك جماعةً يصلُّون، أيصليها أو لا؟ فقال بعضهم: لا يعيدها (٣). وقال بَعْضهم: يعيدها (٤)، ولكن يشفعها

стр. 2561

بِرَابعةٍ؛ للحديث: "لا وِتْرَانِ في ليلةٍ"؛ لأنه لو صلاها ثلاثًا، ثم أعادها ثلاثًا، فكأنه أوترَ مرَّتين، وقد أَجَبنا عن ذلك قبل، وبينَّا أن المراد من حديث: "لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ" (١)، الوتر غير الواجب، وليس صلاة المغرب. * قَوْله: (فَإِنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا شُبِّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ، وَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، كَانَ المُشَبَّهُ بِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ). يَعْني مُرَاده أنَّ وترَ اللَّيل شُبِّه بالمغرب؛ لأنَّ المغربَ وتر النهار، ووَجْه الشبه بينهما أن كِلَيْهما وترٌ، ولمَّا كانت المغرب ليس فيها إلا تسليمٌ واحدٌ، فكذلك الوتر. * قَوْله: (وَلَمَّا شُبِّهَتِ المَغْرِبُ بِوِتْرِ صَلَاةِ النَّهَارِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثًا). كَانَ الأَوْلَى بالمؤلف إيراد الرِّواية الأخرى؛ لأنها أقرب وأوضح في بيان استدلال الحنفية. وقَدْ ذكَرنا قبل ذلك أن ممَّا يُؤْخذ على هذا الكتاب -مع أنَّ مؤلِّفه بذل جهدًا طيبًا، وابتعد عن التعصُّب، وفيه جهودٌ عظيمةٌ- النقص الحاصل

стр. 2562

من الجانب الحديثي، ولذلك لو جاء بحديث: "الوتر ثلاثٌ كوتر النهار المغرب" (١)، لكان هذا أَوْلَى، أو جاء بالحديث الآخر أن الرسول ﷺ ما كان يُسْلم من ركعتين في الوتر (٢). * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ فِي هَذَا البَابِ "بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُوتِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَثَرِ شَفْعٍ" (٣)). هذا مذهب الشافعي وأحمد أيضًا (٤)، ولذلك لا يصحُّ تفريق المؤلف بين الأئمة الثلاثة. * قوله: (فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الوِتْرِ، وَأَنَّ أَقَلَّ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ، فَالوِتْرُ عِنْدَهُ عَلَى الحَقِيقَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِد، وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ). مُرَاد المؤلِّف أن يقول: عند مَالِكٍ الوتر إما أن يكون ركعةً واحدةً بشرط أن يتقدَّمها ركعتان، يُسلِّم بعدهما، وإما أن يكون الوتر ثلاثًا، وَإنْ كان الظاهر من مذهبه كالشَّافعيِّ وأحمد أن الوترَ واحدةٌ في هذه الحالة، وأن ما يسبقها إنما هو شفعٌ يتقدمها (٥). * قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّ الوِتْرَ المَأْمُورَ بِهِ هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَفْعٍ وَوَتْرٍ، فَإِنَّهُ إِذَا زِيدَ عَلَى الشَّفْعِ وَتْرٌ، صَارَ الكُلُّ وَتْرًا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا المَذْهَبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ المُتَقَدِّمُ، فَإِنَّهُ سُمِّيَ الوِتْرُ فِيهِ العَدَدَ المُرَكَّبَ مَنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ (٦)).

стр. 2563

يَعْني: قَصْده الذي جاء في ثَلَاثٍ: مَنْ أحبَّ أن يوتر بخَمْسٍ فَلْيَفعل، ومَنْ أحبَّ أن يوتر بثَلَاثٍ، فَلْيَفعل؛ فسمَّاه وترًا. * قوله: (وَيَشْهَدُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الوَاحِدَةُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ يُوتَرُ لَهُ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى" (١)). هذا تتمَّة للحديث الماضي، وكان الأحْسَن أن يأتي به المؤلف؛ لأنه ربما لا ينتبه له القارئ في مثل هذه الحالة، وتتمة لحديث: "صَلاةُ اللَّيل متنى مثنى، فإذا خَشِيَ أحدُكُم الصُّبحَ، فَلْيُصَلِّ ركعةً تُوتِرُ له ما قَدْ صلَّى". "تُوتِرُ له"، أَيْ: تكون وترًا لما صلَّى. * قوله: (فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا القَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الوِتْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ عَدَدُ الوِتْر بِنَفْسِهِ، أَعْنِي: الغَيْر مُرَكَّب مِنَ الشَّفْعِ وَالوِتْرِ). يَعْني: يرَى أن الوترَ هو هَذِهِ الرَّكْعة؛ المُرَادَة بقَوْله: "تُوتِرُ له ما صلَّى". * قَوْله: (ذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ وِتْرٌ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَالحَقُّ فِي هَذَا: أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي صِفَةِ الوِتْرِ مِنَ الوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ في فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢)، وَالنَّظَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي: هَلْ مِنْ شَرْطِ الوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ مُنْفَصِلٌ؟). هذا كلامٌ جيدٌ من المؤلف؛ فهذه الأدلة لا تدلُّ على التحتُّم، وإنما الأمر بالخيار لمَنْ يوتر، وهذا يعود إلى نشاطِهِ وقدرتِهِ ومداومتِهِ، فربما

стр. 2564

يستمرُّ على ركعةٍ واحدةٍ، وربما يُصلي ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا، وكل ذلك ورد عن رسول اللَّه ﷺ والصحابة، ومَنْ بعدهم مِنَ السَّلَف (١). وقَدْ نُقِلَ عن ابن عُمَر أنه قال: كان وتر رسول اللَّه ﷺ ركعةً واحدةً (٢)، ونقل عن ابن عباس (٣)، فلا يَنْبغي أن نقلل هذه الصفة ولو بركعةٍ؛ فالأُمُورُ بمَقَاصدها (٤)، فقَدْ يوتر إنسانٌ بركعةٍ واحدةٍ يُخْلص فيها النية للَّه يخشع قلبه، فتَخْشع جوارحه، فَيَناله من الثَّواب العظيم أكثر من آخر، ربما يوتر بإحدى عشرة أو بثلاث عشرة، وقلبُهُ منصرفٌ منشغلٌ بأمور الدنيا، أما هذا فإنَّه قد اتجه بقلبه وحواسه إلى اللَّه . فرُبَّما يعمل الإنسان عملًا قليلًا يصحبه الإخلاص، فيرتفع به درجاتٍ كبيرةً، وقد يعمل أعمالًا كثيرةً جدًّا فيخالطها شيءٌ من الأمور التي

стр. 2565

لا تُحْمد، فلا ينفعه ذلك، ولا يَسْتفيد منه ذلك، وَإن استفاد، فَهُوَ شيءٌ قليلٌ. ثم يختم المؤلف ما ذكره بأن علينا أن نُمْعن (١) النظر، والفكر في هذه المسألة، وخلاصتها: هل يُشْترط أن يسبق الوتر شفعٌ أم لا؟ * قَوْله: (أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ، لِأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ خَرَّجَ: "أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الوِتْرِ، أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ" (٢)). وَجْهُ الدلَالة من هَذَا الحديث أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كان يَقُوم الليل فيتهجد، يحيي لَيْله بالصلاة والعبادة، فكان إذا وَصَل إلى الوتر، أيقظ عائشة، ولم يكن يوقظها قبل ذلك، فَدلَّ ذلك على أن الوترَ هو الركعة الأخيرة. * قَوْله: (وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلَى وِتْرِهَا شَفْعًا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ يَجْلِسُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) (٣). انْتقَل المؤلف إلى نوعٍ آخَرَ من الوتر، وهو أن رسول ﷺ كان يُصلِّي تسعًا، وهذه التاسعة هي الوتر، لكنه يجلس بعد ذلك فيُصلِّي ركعتين، والركعتان شفعٌ لا وتر، فدل على أنه يجوز أن يصلي أيضًا الشفع بعد الوتر.

стр. 2566

وقوله: "ثم يصلي ركعتين وهو جالس"، إنما كان بعد أن أَسنَّ رسول اللَّه ﷺ ، وكثر لحمُهُ، وفي هذا بيان مداومته ﷺ مع كبر سنِّه- على ما كان يعمله وقت قوته ونشاطه وشبابه. * قوله: (فَلَمَّا أَسَنَّ (١)، وَأَخَذَ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكعَاتٍ" (٢)، وَهَذَا الحَدِيثُ: الوِتْرُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّفْعِ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ). وَهُنَا مسألةٌ قَدْ يعرض لها المؤلف، وهي: لو أنَّ إنسانًا صلى وِتْرَه قبل أن ينامَ، ثم استيقظ، هل يصلي الوتر مرة ثانية -وهو ما يعرف عند الفقهاء بنقض الوتر- أو أنه يصلي شفعًا فقط؟ أو يصلي شفعًا ثم يوتر مرةً أُخرى؟ هذا كله فيه كلام، ولعل المؤلف يعرض له في آخر المسألة (٣). * قوله: (وَأَنَّ الوِتْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَمِنَ الحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . .). أُبيُّ بن كعبٍ، صحابيٌّ جليلٌ أثنى عليه رسول اللَّه ﷺ بقوله:

стр. 2567

"أقْضَاكم عليٌّ، وأَعْلَمكم بالحلال والحرام معاذٌ، وأقرؤكم أُبيٌّ" (١)، فكان أقرأ الصحابة، ولذلك لما أراد عمر ﵁ أن يجمع الصحابة في صلاة التراويح في رمضان، جمعهم على أُبيٍّ، وكان الناس كانوا يصلُّون أشتاتًا؛ جماعة هنا، وجماعة هنا، وبعضهم يصلي فرادى، فأراد عمر ﵁ أن يَجْمَعهم (٢). وَمعلومٌ أنَّ رسول اللَّه ﷺ صلى بالناس التراويح ثلاث ليالٍ، ثم امتنع خشيةَ أن تُفْرض عليهم، فعَنْ عُرْوة أن عائشةَ ﵂ أخبرته أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خرج ذات لَيْلةٍ من جوف الليل، فصلَّى في المسجد، فصلى رجالٌ بصلاتِهِ، فأصبح الناس، فتَحدَّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله حتى خَرَج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، فتَشهَّد، ثمَّ قال: "أمَّا بَعْد، فإنه لم يخف عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تُفْرض عليكم، فتعجزوا عنها" (٣). وهذا دليلٌ على شَفَقتِهِ ﵊ ورحمته بأمته، فهو

стр. 2568

يريد دائمًا بهم اليُسْرَ، ولا يريد بهم العسرَ؛ كما أخبرنا ﵎ في الآية الكريمة (١). * قوله: (. . . يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" (٢)). هذه مَسْألةٌ أُخرى، وهي ما يقرأ في الوتر. وَهَذا الحديثُ قد يكون حُجَّةً لمن يقول: الوتر ثلاث؛ لأنه جَاءَ في أحاديثَ صَحيحَةٍ أن الرسول ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وفي الثانية بسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثالثة بسورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وهذا عند الأئمة (٣)، وعند الشافعي يرى أنه في الركعة الثالثة يقرأ بسورة الإخلاص والمعوذتين (٤)، وقَدْ ورد ذلك أيضًا في حديثٍ صحيحٍ أنه قرأ في الثالثة مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ بالمعوذتين.

стр. 2569

* قوله: (وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَقَالَتْ "فِي الثَّالِثَةِ: بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ" (١)). وَبِهَذِهِ الرواية تمسَّك الشافعي، وبالرواية الأخرى تمسَّك الجمهور، وكلٌّ حسنٌ، فَإنْ قرأتَ بالأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فَذلك واردٌ عن رسول اللَّه ﷺ ، وإن زدتَ في الثالثة المعوذتين، فقد وَرَد، وإنْ قرأت بغير هذا فذلك جائزٌ؛ لأن الأمرَ مبنيٌّ على الأفضل والتوسعة، وليس على الإلزام. قَالَ المُصنِّف ﵀ رحمةً واسعةً: * قوله: (وَأَمَّا وَقْتُهُ: فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ (٢)).

стр. 2570

هَذِهِ مسألةٌ أُخرى، وهي وقت الوتر، وهو أمرٌ مهمٌّ جدًّا، وقد جاء التنبيه عليه، والتنصيص على أنَّه ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. جاءت عدة أحاديث عن رسول ﷺ منها: "إن اللَّه زادكم صلاةً -وفي بعض الروايات: إلى صلاتكم- فحافظوا عليها، وهي الوتر، وجعلها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" (١). ولا خلاف بين العلماء أنَّ مَنْ صلى الوترَ بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر الصادق، فقد أدَّى الوتر في وقتِهِ، وإنما الخلاف بينهما في الأفضلية. وَبيَّن الرَّسول ﷺ أنَّ الإنسان إذا نام أو خشي أن يدركه الفجر، فإنه يركع ركعتين، والأَحَاديثُ في ذلك كثيرةٌ. فوَقْتُ الوتر هو ما بعد صلاة العشاء وطلوع الفجر، والعلماء

стр. 2571

يتكلمون: هل هو بعد الصلاة مباشرة؟ أو بعد أن يصلي ركعتي سنة العشاء (١)؟ تعلمون أن السُّنن الرواتب: ركعتان أو أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر (٢)، وسيأتي الكلام عنها. فهل وقت الوتر يبدأ بعد صلاة العشاء مباشرةً، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق أو لا؟ وهل "إلى" الَّتي تفيد الغاية يخرج ما بعدها أو لا؟ هذا سيشير إليه المؤلف، وننبه عليه، وقد مرت معنا أمثلةٌ عندما قَرَأنا قول اللَّه وما فيه من أحكامٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. هل الغاية داخلة في المُغيَّى أو لا؟ فَجَماهير العلماء يَرَون دخول المرافق (٣)،

стр. 2572

وأن هناك أدلة من السُّنَّة تدل على ذلك (١)، وأن أبا هريرة كان إذا توضَّأ، أشرع في العضد، يعني: غسله (٢)، وتكلم العلماء عن حكم مَنْ قطعت يده من مفصل المرفق، وبَيَّنوا أن عليه أن يغسل الطرف الآخر، وأما إذا كانت من فوق المرفق، فإنه لا يَلْزمه غسله، وهذا مرتبطٌ بقَوَاعد فقهية (٣).

стр. 2573

• مسألةٌ: حكم مَنْ صلى الوتر قبل العشاء: أكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك -وَهُوَ الصحيح- وبعضهم يُفرِّق بين الناسي وغيره، وبعضهم يُجِيزُ ذَلكَ (١). وَهُنَاك عدَّة مَسَائل، اختلف الفُقَهاء فيها: مثل حُكْم صلَاة الوتر بعد

стр. 2574

طلوع الفجر، وقبل الصلاة، وعلى القول بالجَوَاز، هل تكون قضاءً أو أداءً؟ (١). وكذلك اختلفوا في حكم قضاء الوتر بعد صلاة الفجر، وحكم قضائه بعد طلوع الشمس إذا مضى وقتُهُ، وكذلك حكم قضائِهِ في الليلة التالية مع وترها (٢). لا خلاف بين العلماء -كما قدَّمنا- أن مَنْ صلى الوتر بعد صلاة العشاء إلى قبيل طلوع الفجر الصادق، فقد أدى الوتر في وقته (٣)، وإنما

стр. 2575

الخلاف بينهما في الأفضلية؛ هل الأفضل أن يصلِّي الوتر في أول الليل أو وسطه أو آخره؟ (١) نُقل عن أبي بكرٍ ﵁ أنه كان يصلي الوتر أول الليل، ونُقِلَ عن عمرَ أنه كان يُصلَيه آخره، وأن الرَّسُولَ ﷺ وصف كل واحدٍ منهما بصفةٍ، فوصف أبا بكرٍ بأنه أحزم، ووصف عمرَ بأن صلاته صلاة قوة (٢)، لكن المعروف أن الرسولَ ﷺ صلَّى في أوَّل الليل، وفي وسطه، وفي آخره، وأنه استقرَّ الأمر منه على الإيتار في السَّحَر؛ كَمَا في حديث عائشة (٣)، ولعل المؤلف يُشير إليه. * قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْهُ ﵊،

стр. 2576

وَمِنْ أَثْبَتِ مَا فِي ذَلِكَ: مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ العَوْفِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الوِتْرِ). أبو سَعِيدٍ هو الصَّحابيُّ الجليل أبو سَعِيدٍ الخدري. * قوله: (فَقَالَ: "الوِتْرُ قَبْلَ الصُّبْحِ" (١)، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الفَجْرِ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ، وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، وَبِالقَوْلِ الأَوَّلِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٣)). بينَّا أن وقت الوتر ما بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، لكن هل يُصلَّى بعد طلوع الفجر وقبل الصلاة؟ وإنْ صلى، فهَلْ يَكُون أداءً أو قضاءً؟ هذا ما سيبحثه المؤلف في هذه المسألة. فأبو يُوسُف ومحمد بن الحسن -وهُمَا صاحبا أبي حنيفة، من أئمَّة مذهبه- وكانا من تَلَاميذ حلقته، وأخذا عنه، ومُحمَّد بن الحسن هو الذي نشر مذهب الإمام أبي حنيفة، لكنهما يخالفان الإِمَامَ، وهكذا شأن العلماء متى ما ظهر الدليل تبعوه. * قوله: (وَبِالثَّانِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤) وَمَالِكٌ (٥) وَأَحْمَدُ (٦)، وَسَبَبُ

стр. 2577

اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالآثَارِ). يعني مراده أنه نقل عن الصحابة أنه صَلَّوا الوتر بعد الفجر يعني: بعد طلوع الفجر. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَلَّا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ لِحَدِيتِ أَبِي نَضْرَةَ المُتَقَدِّمِ (١)، وَحَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ العَدَوِيِّ فِي هَذَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ: "وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ" (٢)، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الأُصُولِ أَنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا (٣)). "إلى" للغاية، فهل ما بعدها يدخل فيما قبلها أو أنه حدٌّ فاصلٌ يفصل

стр. 2578

بين ما قبلها وبين ما بعدها؟ الجواب: كما ذكر المؤلف أن ما بعد "إلى" خارجٌ عما قبلها، لكن قد تأتي أدلةٌ تدخل ما بعدها فيما قبلها، فالأمر يحتاج إلى دليلٍ (١). * قوله: (إِذَا كانَتْ غَايَةً، وَأنَّ هَذَا وَإِنْ كانَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ، فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِهِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا). "دَليلُ الخطَاب"، هُوَ: مَفْهوم المخَالفة؛ فهناك مفهومان في علم الأصول: • مفهوم الموافقة، وهو الذي يلتقي مع النص، ويكون موافقًا للنص (٢). • مفهوم المخالفة، كقوله: "في الغنم السائمة الزكاة"، فمفهومه أن المعلوف لا زكاة فيه (٣).

стр. 2579

فهناك مفهوم موافق، ومفهوم مخالف، والاستدلالُ بمفهوم المخالفة فيه ضعفٌ، وقد قسمه العلماء أقسامًا: مفهوم الشرط، ومفهوم العدد. . . إلى غير ذلك، فبَعْضها موضع استدلال، وبعضها محل خلاف، وبعضها لا يُسلم الاستدلال به (١). * قوله: (مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]). قَدْ دلَّت أدلَّة السُّنَّة على دخول المرافق، فَيَجب على المسلم أن يغسل المرفقين، وهذه مسألةٌ سَبَق أن تكلمنا عنها في أحكام الوضوء. * قوله: (لَا خِلَافَ بَيْنَ العُلَمَاءِ أَنَّ مَا بَعْدَ الغَايَةِ بِخِلَافِ الغَايَةِ، وَأَمَّا العَمَلُ المُخَالِفُ فِي ذَلِكَ لِلأَثَرِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٢) وَابْنِ عَبَّاسٍ (٣) وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (٤) وَحُذَيْفَةَ (٥)

стр. 2580

وَأَبِي الدَّرْدَاءِ (١) وَعَائِشَةَ) (٢)). هَؤُلَاء سِتَّةٌ من الصَّحابة. * قوله: (أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ الفَجْرِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الإِجْمَاعِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ). هذه قاعدةٌ أصوليةٌ معروفةٌ لا يُنْسب إلى سَاكِتٍ قولٌ، أيْ: لا تلزمه بأمرٍ لم يتكلم به، هذا هو المعنى، وهي قاعدة أصولية معروفة ليست قاعدةً كبرى، هي قاعدة جزئية يذكرها العلماء (٣).

стр. 2581

* قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى الإِجْمَاعِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَوْلٌ فِي المَسْأَلَةِ). مرادُهُ أن بعضَ العلماء إذا تكلَّم عن مثل هذه المسألة قال: إذا اتفق الصَّحابة على رأيٍ ولم يُعْرف لهم مخالفٌ، كان إجماعًا (١). فهؤلاء ستة من الصحابة فعلوا ذلك، ولم يقل أحدٌ منهم قولًا، وإنما نُقِلَ عنهم الفعل، فهل يُنْسب إلى هذا الساكت قولٌ (٢)؟ بمعنى أن يُقال: إن ذلك من السُّنة، أو لا يُقَال ذلك، وإنما ذلك فعلٌ لهم؟ الصَّحيح أنَّ ذلكَ دليلٌ على الجواز. لكن هل فعلوا ذلك أداءً في وقته، فيكون أداءً، أو فعلوه بعد وقته، فيكون قضاءً بعد وقته لخروج وقت الوتر؟ فمع هذا الاحتمال لا يكون ذلك دليلًا على أن ما بين طلوع الفجر إلى إقامة الصلاة أو إلى ما قبل إقامة الصلاة وقتٌ ممتدٌّ للوتر. * قوله: (وَأَمَّا هَذِهِ المَسْأَلَةُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَأَيُّ خِلَافٍ أَعْظَمُ مِنْ خِلَافِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الأَحَادِيثَ - أَعْنِي: خِلَافَهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا صَلَاةَ الوِتْرِ بَعْدَ الفَجْرِ).

стр. 2582

مُرَاد المؤلف أن يقول: الأدلة التي وردت حددت ذلك بطلوع الفجر، فكيف يُقَال بأن هؤلاء الستة فعلوا ذلك ولا مخالفَ لهم، فيكون قولهم حُجة أو إجماعًا، لأن غيرهم من الصحابة سكتوا، فلا ينبغي أن تنْسب إلى ساكتٍ قولًا، وتجعل هذا السكوت دليلًا على أنه موافقٌ للآخرين. * قَوْله: (وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ لَيْسَ مُخَالِفًا الآثَار الوَارِدَة فِي ذَلِكَ (أَعْنِي: فِي إِجَازَتِهِمُ الوِتْرَ بَعْدَ الفَجْرِ)، بَلْ إِجَازَتُهُمْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ القَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الأَدَاءِ). مَعْلومٌ أنَّ رسول اللَّه ﷺ لما نَام عن صلاة الفجر هو وأصحابه، قَامَ من الوادي الذي نَاموا فيه، وانتقلوا إلى مكانٍ آخَرَ، فأذن بلال وصلى رسول اللَّه ﷺ ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي صلاة الفجر، فقد تبين بذلك أنه قضى ركعتي الفجر (١). وجاء أيضًا أن الرسولَ ﷺ صلى بعد العصر؛ فعن أم سلمة قالت: صلى النبي ﷺ بعد العصر ركعتين، وقال: "شغلني نَاسٌ من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر" (٢)، والمَسْألةُ فيها

стр. 2583

خلافٌ (١)؛ لأنَّ ما بَعْد العصر وقت نَهْي الرسول ﷺ عن الصلاة فيه، فقال: "لا صَلاةَ بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصُّبح حتى تَطْلع الشمس" (٢).

стр. 2584

ومع ذلك صلى، وقصة عبد اللَّه بن عباس وكذلك عبد الرحمن بن أزهر، والمسور بن مخرمة، عندما أرسلوا كريبًا إلى عائشة وسألها عن قولها أن الرسول ﷺ ما ترك الركعتين قبل الفجر في بيتها قط (١)، أنه ما ترك ذلك سفرًا ولا حضرًا، سألوها عن ذلك فأحالتهم إلى أم سلمة، وأم سلمة كانت قد سألت رسول اللَّه ﷺ فأجابها بما ذكرت لكم بأنها كانت قضاءً وليس أداءً. * قوله: (وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ خِلَافَ؟ الآثَارِ لَوْ جَعَلُوا صَلَاتَهُ بَعْدَ الفَجْرِ مِنْ بَابِ الأَدَاءِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الخِلَافُ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ القَضَاءُ فِي العِبَادَةِ المُؤَقَّتَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا؟ -أَعْنِي: غَيْرَ أَمْرِ الأَدَاءِ- وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِهِمْ أَلْيَقُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ هَذَا المَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُمْ أُبْصِرُوا يَقْضُونَ الوِتْرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا -أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتَ الوِتْرِ مِنْ بَعْدِ العِشَاءِ الآخِرَةِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ- (٢)، فَلَيْسَ يجِبُ لِمَكَانِ هَذَا أَنْ يُظَنَّ بِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ هَذَا المَذْهَبَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أُبْصِرَ يُصَلِّي الوِتْرَ بَعْدَ الفَجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ صِفَةَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ المُنْذِرِ فِي وَقْتِ الوِتْرِ عَنِ النَّاسِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ) (٣).

стр. 2585

ابْنُ المُنْذر هو إمامٌ جليلٌ محققٌ، ممن عُني بنقل آراء العلماء من الأئمة وغيرهم، والاستدلال عليها، وله كتبٌ معروفةٌ في الإجماع وغيره، وسيتكرر ذكره معنا (١). * قوله: (مِنْهَا: القَوْلَانِ المَشْهُورَانِ اللَّذَانِ ذَكرْتُهُمَا) (٢). القَوْلَان المشهوران، أحدهما: أنه يمتدُّ إلى طلوع الفجر. والثَّانِي: أنه يمتدُّ إلى صلاة الصبح. * قوله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُصَلِّي الوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ (٣)). أي: يُصلِّي الوتر وإنْ كان صلى فريضة الصبح. * قوله: (وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ). وهذه الصورة قضاء. * قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالأَوْزَاعِيُّ (٤) وَالخَامِسُ: أَنَّهُ يُوتِرُ مِنَ اللَّيْلَةِ القَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (٥)). يعني أنه يؤجل ذلك إلى الليلة الآتية.

стр. 2586

* قوله: (وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا سَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الفَرْضِ). هذا فَهْمٌ للمؤلف لسبب اختلافهم في ذلك، وهو مدى قربه وبُعْده من الواجب؛ فمَنْ رأى أن الوترَ واجبٌ، رأى جواز القضاء، ومَنْ رآه بعيدًا عن الوجوب؛ فإمَّا أن يَقْتصرَ على ما بعد الصبح، أو ما بعد طلوع الشمس، ومَنْ توسَّع في ذلك، رأى أنه يقضي ولَوْ في الليلة الآتية. * قوله: (فَمَنْ رَآهُ أَقْرَبَ، أَوْجَبَ القَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ المُخْتَصِّ بِهِ، وَمَنْ رَآهُ أَبْعَدَ، أَوْجَبَ القَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ، وَمَنْ رَآهُ سُنَّةً كَسَائِرِ السُّنَنِ، ضَعُفَ عِنْدَهُ القَضَاءُ، إِذِ القَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الوَاجِبَاتِ). ويستدلُّ لهذا بحديث: "مَنْ نام عن صلاةٍ أو نسيها، فَلْيُصلِّها متى ذكرها" (١). دل الحديث على أن مَنْ نام عن فريضةٍ أو نسيها، فإنه يصليها متى ذَكَرها، حتَّى وإنْ كان وَقْتُ ذِكْرِهِ لها وقتَ نهيٍ، ومن العلماء من يرى دخول غير الفريضة في عمومه، فجعله دليلًا على قضاء السنن الراتبة، والوتر، ونحو ذلك (٢). * قَوله: (وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ العِيدِ (٣) لِمَنْ فَاتَتْهُ). وَالَّذي يظهر لي أن مَأْخَذهم ليس هو مسألةَ القرب والبعد؛ لأنَّ

стр. 2587

الرسول ﷺ كما أشرنا قبل قليل- قضى سنة الفجر لمَّا نام عن صلاة الفجر، ثم أتبعها بقضاء فريضة الفجر (١)، وَمَع أنَّ العلماء متفقون على أن ركعتي الفجر ليمست بواجبة؛ فما قال أحدٌ بوجوبها (٢) وهو مما يحتج به على الحنفية في دعوى وجوب الوتر، وأما قضاء صلاة العيد ففيها خلافٌ ندعُهُ إلى موضعه إن شاء اللَّه. * قوله: (وَيَنْبَغِي أَلَّا يُفَرِّقَ فِي هَذَا بَيْنَ النَّدْبِ وَالوَاجِبِ -أَعْنِي: أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ القَضَاءَ فِي الوَاجِبِ يَكُونُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ). مراد المؤلف أن يقول: مَنْ يعتقد أن القضاء لا يكون إلا بأمر جديد يخصه ويدل على وجوب القضاء، فينبغي أن يجعل ذلك في السنن أيضًا، فلا يفرق بين واجبٍ وغير واجبٍ بالنسبة للقضاء، وقد مرَّ علينا أن رسول اللَّه ﷺ قَضَى بعضَ السنن في غير وقتها (٣). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي القُنُوتِ فِيهِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ (٤)، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ (٥)، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ

стр. 2588

قَوْلَيْهِ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ (١)، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ (٢)، وَقَوْمٌ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ (٣)). سبق لنا بحث مسألة: القنوت في صلاة الفجر سواء للإمام أو المأموم أو المنفرد. ويبقى حكم القنوت في الوتر، فَمِنَ العلماء مَنْ رأى أن القنوت في الوتر في كل العام، يعني: الإنسان يقنت في الوتر مطلقًا (٤)، ومنهم مَنْ رأى أن ذلك خاصٌّ برمضان، ومنهم مَنْ قيده بآخره (٥)، ومنهم مَنْ رأى أنه لا يقنت المصلي مطلقًا (٦).

стр. 2589

وقَدْ قدمنا أن الشافعية انفردوا من بين الأئمة بالقول بالقنوت في صلاة الصبح، وأن الرسولَ ﷺ كان يقنت، ثم نَهَى عن ذلك (١)، لكنه لم يزل يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا كما مَرَّ في حديث أَنَسٍ ﵁ (٢). وَقَدْ كَانَ رسولُ اللَّه ﷺ يقنت، فيدعو لقَوْمِ، ويدعو على آخرين؛ جَاءَ في "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هُرَيرة ﵁: أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ، قَنتَ بعد الركوع، فربما قال بعد قوله: سمع اللَّه لمن حمده: "اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وَطْأَتك على مُضَر، واجعلها سنين كسني يوسف"، يَجْهر بذلك، وَكَانَ يقول في بعض صلاتِهِ في صلاة الفجر: "اللَّهمَّ الْعَن فلانًا وفلانًا"، لأحياء من العرب حتى أنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية (٣). وفي "الصحيحين" أيضًا عن أنس بن مالك: قنت رسول اللَّه ﷺ شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول: "عصية عصت اللَّه ورسوله" (٤) (٥). ثم بعد ذلك تَرَك رسول اللَّه ﷺ القنوتَ إلا في صلاة الصبح؛ فعن

стр. 2590

أنس بن مالك قال: "ما زَالَ رسولُ اللَّه ﷺ يَقْنت في الفجر حتى فارق الدنيا" (١). وبهذا الحديث وغيره تمسَّك الشافعية من حيث الجملة في القنوت، وقد مرَّ بنا مُفَصلًا ومُبينًا في صلاة الصبح. وأما الوتر، فمن العلماء من قال: يقنت في كل السنة، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، وعنه رواية أُخرى بموافقة الشافعي (٤)، وبعض العلماء، ومنهم مَنْ قال: لا يقنت، ومنهم من خصَّ القنوت بالوتر في رمضان أو فِي بعضه (٥). • وَللعُلَماء كَلامٌ في كيفيَّة القنوت: سرًّا أو جهرًا، وَهَذا هو الظاهر، وحكم رفع اليدين فيه (٦).

стр. 2591

* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ القُنُوتُ مُطْلَقًا (١)، وَرُوِيَ عَنْهُ القُنُوتُ شَهْرًا (٢)، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ (٣)، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ). قَدَّمنا الكلامَ علَى هذَا، وَذكر الأحاديث الواردة، واختلاف الفُقَهاء في المسألة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: * قوله: (وأما صلاة الوتر على الراحلة). تَعرَّضنا في أوَّل مَسْألةٍ إلى بيان حكم الوتر، وانتهينا إلى أن الصَّحيح في أنه سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وَذَكرنا أدلة ذلك من السُّنَّة من أحاديث في "الصَّحيحين" وغيرهما. وقَدْ أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة، وهي من المسائل التي يستدل بها العلماء على عدم وجوب الوتر، وهي حُكْمُ صلاة الوتر على الراحلة، وقَدْ ثَبتَ أن الرسول ﷺ كان يصلي السنن على الراحلة في

стр. 2592

سَفَره، وقَدْ جاء عنه في حديثٍ متفقٍ عليه أنه ﵊ كان يوتر على راحلتِهِ، فعن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (١). فقد ثبت عنه ﵊ أنه صلى الوتر على الراحلة، ولم يثبت عنه أنه صلى فريضةً من الفرائض على الراحلة، فيكون هذا وغيره من الأدلة دليلًا على صحة الوتر على الراحلة، وخالف في ذلك الحنفية، تفريعًا على قولهم بوجوب الوتر، إذ لو قالوا بجواز الوتر على الراحلة، لَكَان ذلك حجةً عليهم في أن الوتر ليس بواجبٍ؛ لأن الفرائضَ لا تُصلَّى على الراحلة (٢). * قوله: (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ (٣)). أَيْ: جمهور الأئمة عدا أبا حنيفة (٤). * قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ أَعْنِي: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ" (٥)).

стр. 2593

وَهُوَ الحديثُ المُتَّفق عليه الذي أَشَرنا إليه في أول المسألة. وَفِي هذا أن الإنسانَ لا يقطع وتره في سفره، ومثله: ركعتا الفجر (١)، وثمَّ خلافٌ بين العلماء في حكم صلَاة ما عدا ذَلكَ من السنن. * قوله: (وَهُوَ مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضِ إِذْ كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (٢)، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ، فَلمَّا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ألَّا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَرَدُّوا الخَبَرَ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ (٣)). وَجْهُ القيَاس عندهم: أن الوترَ صلاة مفروضة، فلا تُصلَّى على

стр. 2594

الراحلة، كالصلاة المكتوبة؛ فإن المكتوبة لا تُصلَّى على الراحلة؛ لكونها واجبةً، فكذلك صلاة الوتر، فوجه الشبه بينهما الوجوب في الكل، وإن كانوا يرون أن وجوب الصلوات الخمس أعلى من وجوب الوتر. * قوله: (وَذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ المَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً (١)؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ"، خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ (٢)). هذه مسألةٌ لا تعتبر من المسائل الأصول، ومنهج المؤلف في كتابه

стр. 2595

دراسة المسائل الكبرى التي تقرب من القواعد الفقهية، وربما يكون بعضها قاعدةً، لكنه هنا عرض لهذه المسألة لأهميتها؛ فإن الإنسان قد يُصلي وتره أول الليل، ثم يقوم آخر الليل، فلا يريد أن تمضي عليه تلك الساعات والأوقات بلا صلاةٍ، فيريد أن يصلي، فقد اختلف العلماء في حكمه؛ فَمنهم مَنْ قال: يُضِيفُ إلى وتره السابق ركعةً، فيشفع ذلك الوتر، فيصير شفعًا، ثم بعد ذلك يَتَهجَّد ما شاء، ثم يعود مَرةً أُخرى فيوتر، وهو ما يعرف بنقض الوتر؛ لأنه نقض وتره الأول بأن شفعه بركعة، ثم عاد فصلى الوتر، ويرِد على هذا الحديث المعروف: "لا وِتْرَان في ليلةٍ" (١)؛ أي: أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى أن يُصلى في الليلة الواحدة الوتر مرتين. فهذا حديث صريح، ولا اجتهاد مع النص، وقَدْ ذكرنا قبل ذلك أن بعض العلماء قال: لو صلى إنسان صلاة المغرب في بيته أو في جماعةٍ، ثمَّ دَخَل المسجد، فَوَجد الناس يصلُّون، فإنه يُصلِّيها معهم، ويشفعها برابعةٍ حتى لا يقع في حديث: "لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ" (٢).
следующие страницы →