← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ القُنُوتُ مُطْلَقًا (١)، وَرُوِيَ عَنْهُ القُنُوتُ شَهْرًا (٢)، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ (٣)، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ). قَدَّمنا الكلامَ علَى هذَا، وَذكر الأحاديث الواردة، واختلاف الفُقَهاء في المسألة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: * قوله: (وأما صلاة الوتر على الراحلة). تَعرَّضنا في أوَّل مَسْألةٍ إلى بيان حكم الوتر، وانتهينا إلى أن الصَّحيح في أنه سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وَذَكرنا أدلة ذلك من السُّنَّة من أحاديث في "الصَّحيحين" وغيرهما. وقَدْ أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة، وهي من المسائل التي يستدل بها العلماء على عدم وجوب الوتر، وهي حُكْمُ صلاة الوتر على الراحلة، وقَدْ ثَبتَ أن الرسول ﷺ كان يصلي السنن على الراحلة في

стр. 2592

سَفَره، وقَدْ جاء عنه في حديثٍ متفقٍ عليه أنه ﵊ كان يوتر على راحلتِهِ، فعن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" (١). فقد ثبت عنه ﵊ أنه صلى الوتر على الراحلة، ولم يثبت عنه أنه صلى فريضةً من الفرائض على الراحلة، فيكون هذا وغيره من الأدلة دليلًا على صحة الوتر على الراحلة، وخالف في ذلك الحنفية، تفريعًا على قولهم بوجوب الوتر، إذ لو قالوا بجواز الوتر على الراحلة، لَكَان ذلك حجةً عليهم في أن الوتر ليس بواجبٍ؛ لأن الفرائضَ لا تُصلَّى على الراحلة (٢). * قوله: (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ (٣)). أَيْ: جمهور الأئمة عدا أبا حنيفة (٤). * قوله: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ أَعْنِي: "أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ" (٥)).

стр. 2593

وَهُوَ الحديثُ المُتَّفق عليه الذي أَشَرنا إليه في أول المسألة. وَفِي هذا أن الإنسانَ لا يقطع وتره في سفره، ومثله: ركعتا الفجر (١)، وثمَّ خلافٌ بين العلماء في حكم صلَاة ما عدا ذَلكَ من السنن. * قوله: (وَهُوَ مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضِ إِذْ كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (٢)، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَمَّا الحَنَفِيَّةُ، فَلمَّا كَانَ اتِّفَاقُهُمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ألَّا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَرَدُّوا الخَبَرَ بِالقِيَاسِ، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ (٣)). وَجْهُ القيَاس عندهم: أن الوترَ صلاة مفروضة، فلا تُصلَّى على

стр. 2594

الراحلة، كالصلاة المكتوبة؛ فإن المكتوبة لا تُصلَّى على الراحلة؛ لكونها واجبةً، فكذلك صلاة الوتر، فوجه الشبه بينهما الوجوب في الكل، وإن كانوا يرون أن وجوب الصلوات الخمس أعلى من وجوب الوتر. * قوله: (وَذَهَبَ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ المَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً (١)؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ"، خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ (٢)). هذه مسألةٌ لا تعتبر من المسائل الأصول، ومنهج المؤلف في كتابه

стр. 2595

دراسة المسائل الكبرى التي تقرب من القواعد الفقهية، وربما يكون بعضها قاعدةً، لكنه هنا عرض لهذه المسألة لأهميتها؛ فإن الإنسان قد يُصلي وتره أول الليل، ثم يقوم آخر الليل، فلا يريد أن تمضي عليه تلك الساعات والأوقات بلا صلاةٍ، فيريد أن يصلي، فقد اختلف العلماء في حكمه؛ فَمنهم مَنْ قال: يُضِيفُ إلى وتره السابق ركعةً، فيشفع ذلك الوتر، فيصير شفعًا، ثم بعد ذلك يَتَهجَّد ما شاء، ثم يعود مَرةً أُخرى فيوتر، وهو ما يعرف بنقض الوتر؛ لأنه نقض وتره الأول بأن شفعه بركعة، ثم عاد فصلى الوتر، ويرِد على هذا الحديث المعروف: "لا وِتْرَان في ليلةٍ" (١)؛ أي: أن رسول اللَّه ﷺ نَهَى أن يُصلى في الليلة الواحدة الوتر مرتين. فهذا حديث صريح، ولا اجتهاد مع النص، وقَدْ ذكرنا قبل ذلك أن بعض العلماء قال: لو صلى إنسان صلاة المغرب في بيته أو في جماعةٍ، ثمَّ دَخَل المسجد، فَوَجد الناس يصلُّون، فإنه يُصلِّيها معهم، ويشفعها برابعةٍ حتى لا يقع في حديث: "لَا وِتْرَانِ في ليلةٍ" (٢).

стр. 2596

وَدَفعنا ذلك بأن القصدَ من الحَديث الوتر المعروف، وليس في وتر الفرائض. وَلذَلك، ذَهَب أكثر العلماء إلى أن الإنسان لا يشفع الوتر بركعةٍ، وإنما يتهجد ما شاء، فيُصلِّي ركعتين ركعتين، وهذا جائزٌ له، وقد مرَّ بنا أن رسول اللَّه ﷺ صلى ركعتين وهو جالس بعد الوتر، فعن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كان يُصلِّي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثماني ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح (١). فلمَّا صلَّى رسول اللَّه ﷺ ركعتين وَهُوَ جالسٌ بعد الوتر، اعتبر العلماء ذلك دليلًا على أنه يجوز للإنسان أن يُصلِّي الشفع بعد الوتر، ولَيْسَت هذه من السُّنَن الثابتة؛ لأنه أيضًا جاء في تلك الأحاديث أنَّ الرَّسولَ ﷺ فَعلَ ذلك عندما أسنَّ، وأَخَذه اللَّحمُ (٢). وبَعْضُ النَّاس يَأْتِي، فيَعْتبر هذه سُنَّةً ثابتةً ومتعينةً، أن يُصلي الإنسان إذا فرغ من وتره ركعتين وهو جالس! وقَدْ أنكرَ الإمامُ النوويُّ على الذين يفعلون ذلك معتقدين سُنيَّة ذلك، وأنه لا بد منه، وبيَّن أنه جائزٌ، وليس بمسنونٍ (٣). * قوله: (وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ الوِتْرَ الأَوَّلَ بِأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَيُوتِرَ أُخْرَى بَعْدَ التَّنَفُّلِ شَفْعًا، وَهِيَ المَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا

стр. 2597

بِنَقْضِ الوِتْرِ (١)، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الوِتْرَ لَيْسَ يَنْقَلِبُ إِلَى النَّفْلِ بِتَشْفِيعِهِ). وعليه؛ الصورة الأولى التي ذكرناها وهو أن الإنسان لو صلَّى وتره في أول الليل وقام في آخره -وهو وقت فيه فضيلةٌ عظيمةٌ- فإنه يتهجد ما ييسر اللَّه له في ذلك. * قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَفُّلَ بِوَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنَ الشَّرْعِ، وَتَجْوِيزُ هَذَا وَلَا تَجْوِيزُهُ هُوَ سَبَبُ الخِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ رَاعَى مِنَ الوِتْرِ المَعْنَى المَعْقُولَ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّفْعِ، قَالَ: يَنْقَلِبُ شَفْعًا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ، وَمَنْ رَاعَى مِنْهُ المَعْنَى الشَّرْعِيَّ قَالَ: لَيْسَ يَنْقَلِبُ شَفْعًا؛ لِأَنَّ الشَّفْعَ نَفْل، وَالوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ). "والوِتْرُ سنةٌ مؤكدةٌ"، هذا هو الراجح، وهو يَقْصد على الرأي الآخر. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الثَّانِي: فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ) يَفْتتح المصنف ﵀ بابًا جديدًا مهمًّا، وهو الرَّكْعَتان قبل الفجر، وقَدْ جاءت فيها أحاديثُ كثيرةٌ عن رسول ﷺ بيَّن فيها فَضْلَها ومكانتها، ومما ورد عنه ﵊ في هذا المقام حديث عائشة أنها قالت: لم يكن رسول اللَّه ﷺ على شيءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر (٢).

стр. 2598

وثَبتَ عنه ﵊ أنه قال: "رَكْعَتَا الفَجْر خيرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رَواه مسلمٌ (١). وقال ﵊: "رَكْعَتَا الفَجْر أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رواه مسلم (٢). وَإنَّما كانت ركعتا الفجر خيرًا، وأحب إلى رسول اللَّه ﷺ من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا لا قيمةَ لهَا، وفي المقابل فضل عظيمٌ جدًّا في هاتين الركعتين. وَهَذا المقام يَسْتدعي منا أن نبين بإيجازٍ مكانة هذه الحياة عند اللَّه ، فنشير إلى بَعْض الأحاديث الواردة في هَذَا الشأن، ومنها: عن المُسْتورد بن شداد قال: إني لفي الرَّكْب مع رسول اللَّه ﷺ ، إذ أتى على سخلةٍ (٣) منبوذةٍ (٤)، قال: فقال: "أتَرَون هذه هانت على أهلها"، قال: قيل: يا رسول اللَّه، مِنْ هَوَانها ألْقَوها، أو كما قال، قال: "فَوَالذي نَفْسي بِيَدِهِ، للدُّنيا أهون على اللَّه من هَذِهِ على أهلها" (٥). فهَذِهِ السخلة كانت لها مكانةٌ كبيرةٌ عند أهلها، كانوا يَسْتفيدون منها، وَيتمتَّعون بشيءٍ مما تُنْتجه هذه السخلة، لكنها لما ماتت وتعفنت أصبحت غير صالحةٍ، ولم يعد في وُسْعهم أن يصبروا على رائحتها فأَلْقَوها، فتخلصوا منها، فقد صارت ميتةً محرمةً؛ كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ

стр. 2599

وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. فبَيَّن رَسُولُ اللَّه ﷺ أن الدُّنيا أهون عند اللَّه أو علَى اللَّه من هَوَان هذه السخلة عند أهلها، إذ الدُّنيا لا قيمة لها، ولذَلكَ جاءَ عن الرسول ﷺ أنه قال: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللَّه، وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا" (١). فَالدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ما استثنى رَسُولُ ﷺ إلا ذِكْر اللَّه؛ فذِكْرُ اللَّه تطمئنُّ به القلوب، وَحَياة الناس وَسَعادتهم إنما هي بذِكْرِ اللَّه : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. "ومَا وَالَاه"؛ أي: ما والَى ذكر اللَّه ، من تقوى اللَّه ، ونحوها. "أَوْ عالمًا أو متعلمًا"، فلا شك أن من أفضل ما يَشْتغل به المرء في هذه الحياة أن يكون عالمًا أو متعلمًا، فإنَّ مَنْ سلك طريقًا يلتمس به علمًا، سَهَّل اللَّه له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بَيْتٍ من بُيُوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه ويَتدَارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وَذَكَرهم اللَّه فيمن عنده (٢).

стр. 2600

وَاللَّهُ تَعالَى أثنَى على العلَماء في كتابه الكريم بقَوْله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقَوْله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقَوْله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]. وما أَجْملَ أن نرَى في هذا الوقت صورًا من هذه الصُّوَر من الإخوة الذين يتَردَّدون على الدروس في هذه المساجد، ليس هناك مَنْ يدفعهم بالقوة، وليس هناك غرضٌ من أغراض الدُّنيا يَقُودهم إليها، وربما يُؤجِّل الواحد منهم ما لَدَيه من ارتباطاتٍ مهمةٍ خشيةَ أن يَفُوتَه درس من الدروس. وَهَذه نعمةٌ من اللَّه ﷺ على طُلَّاب العلم، فخَيرٌ للمَرء أن يجلس في دَرْسٍ من الدروس حتى ولو استمع إلى آية، أو إلى حديثٍ من أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، أو ظفر من مجلسه هذا بأن حفظ أو عرف مسألةً واحدةً، فهذه نعمة عظيمة، وهي -بِلَا شكٍّ- خيرٌ من أن يَقْضي الإنسَان وقته في اللَّهو أو الخوض في أَحَاديث ربما يَترتَّب عليها إثمٌ عظيمٌ يلحقه في الدنيا، فيجد آثاره في الآخرة. ولما جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا عملته أحبني اللَّه، وأحبني الناس. . . (١). كل إنسانٍ يودُّ أن يكون محبوبًا عند اللَّه ، بل هذا هو مطلب وغاية كل مؤمن، وكذلك يود أن يكون محبوبًا عند الناس؛ لأن الناس إذا ذَكَروا المؤمن بالخير، فهَذِهِ -إن شاء اللَّه- علامة خير وسعادة لهذا

стр. 2601

المرء؛ لأنه - كما جَاءَ عن أنس بن مالكٍ قال: مر بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقال نبي اللَّه ﷺ : "وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، ومرَّ بجنازة، فأُثْني علَيها شرًّا، فقال نبي اللَّه ﷺ : "وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، قال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مرَّ بجنازة، فأثني عليها خيرًا، فقلتَ: "وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"، ومرَّ بجنازة، فأثني عليها شرًّا، فقلتَ: "وَجَبتْ، وَجَبتْ، وَجَبتْ"؟ فقال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أثنيتم عليه خيرًا، وَجَبتْ له الجنة، ومَنْ أثنيتم عليه شرًّا، وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض" (١). وعَنْ أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه، قال: خَطَبنا رسول اللَّه ﷺ بالنباوة (٢)، أو البناوة، قال: والنباوة من الطائف، قال: "يُوشك أَنْ تَعْرفوا أهل الجنَّة من أهل النار"، قالوا: بم ذاك يا رسول اللَّه؟ قال: "بالثَّناء الحَسَن، والثَّناء السَّيِّئ، أنتم شُهَداء اللَّه بعضكم على بعضٍ" (٣). وَهَذِهِ قاعدةٌ عظيمةٌ، وهي من جوامع كلمِهِ ﵊، فَإنَّ الرَّسول ﷺ لم يزد على أن أعطى الرجل درسًا في جملتين: "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". "ازهد في الدنيا يحبك اللَّه"؛ لأن الإنسان إذا زهد في الدنيا، فإنه سيتعلق بالآخرة، وإذا تعلق بالآخرة، فإنه سيسعى للعمل الصالح الذي يوصله إلى مرضاة اللَّه ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا

стр. 2602

لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨، ١٩]. فإذا زهدتَ في الدنيا، ستنصرف عن حطامها (١)، وستُقبل على اللَّه ، فلا تَشْغَلك زخارف (٢) الحياة الدنيا، واللَّه قد بيَّن مكانة هذه الحياة، فقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. ولَيْس معنى ذلك أن الإنسانَ يدع الدنيا، فكَمْ من أناسٍ من العلماء والصالحين وَفَّقَهم اللَّه ، وأعطاهم أموالًا طائلةً، فأنفقوها في أوجه البر والخير، فأنبتت لهم نباتًا حسنًا. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]. فَالزُّهد في الدُّنيا طمعٌ في الآخرة، وإذا زهد المرء في الدنيا، أعدَّ العدة للآخرة، وانشغل بها. ثم قال له ﵊: "وازهد فيما عندَ الناس، يحبُّك الناس"؛ لأنَّ الإنسانَ إذا تطلَّع إلى ما في أيدي الناس؛ قَلَّتْ قيمتُهُ، وَذَهبت كرامته. ولذلك، مَنْ يشتغل بالسؤال، يأتي يَوْم القيامة وليس في وجهه

стр. 2603

مُزْعة (١) لحمٍ (٢)، فإذا أعرض العبد عما في أيدي الناس، فاللَّه يُعوِّضه، ولا ينبغي أيضًا أن يركنَ العبد إلى الراحة والجلوس، فيضطر إلى ما في أيدي الناس، بل ليحاول أن يجمعَ ما يعيش به حياته، وينفق منه على أسرته، فإذا زهد العبد بما في أيدي النَّاس، فإن النَّاسَ سيحبونه، وينظرون إليه نظرةَ إعزازٍ (٣) وإجلالٍ وتكريمٍ، وأما إذا أخذت تلهث (٤) وراء الناس، وتَطْلب من هذا، وتَسْأل هذا، وتتقرَّب إلى هذا، فإنَّك بذلك تَضْعف قيمتك، ولا تكون محبوبًا لديهم. وهنا قضيةٌ أُخرى، وهي أن الحب كل الحب إنما هو في اللَّه ، فكَمْ من أناسٍ تحابوا (٥) على معصية اللَّه، فانتهى ذَلكَ إلى اخْتلَافٍ وشقاقٍ وتباعدٍ، وربما أعقبه أضرارٌ كثيرةٌ. وأما مَنْ تحابوا في اللَّه، فَاللَّهُ تَعالَى يقول يوم القيامة: "أَيْنَ المُتَحابون فيَّ" (٦)، فهؤلاء هم الذين سينالون السعادة، ولذلك قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أحبَّ للَّه، وأبغض للَّه، وعادى للَّه، فإنما تنال ولاية اللَّه بذلك" (٧).

стр. 2604

وقال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أحبَّ للَّه، وأبغضَ للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه، فَقَد استكمل الإيمان" (١). "مَنْ أحبَّ للَّه"؛ أي: مَنْ أحب إنسانًا لا يحبه إلا للَّه، وَفِي طَاعَة اللَّه . "وأبغض للَّه"؛ أي: لا لأنه خالفه في أمرٍ من الأمور، أو لم يحقق له مأربًا (٢) أو مطلبًا من مطالب الدنيا، أو لم يسايره (٣) في رغبته، أو يريد أن يخرج عن الطريق السوي، ويشفع له في أمرٍ غير صالحٍ فلا يفعل، إنما ينبغي أن يكون بُغْضُك في اللَّه ، إذا أبغضتَ أحدًا أن تبغضه للَّه ؛ لأنه يعصي اللَّه ؛ لأنه خرج على حدود اللَّه، خرج على أوامره وخالف طاعة اللَّه، وحينئذٍ، فقد كرهته للَّه، وكذلك إذا أعطيت أحدًا فلا تعطه طلبًا في مغانم الدنيا، ولا بقصد الرشوة أو التزلُّف (٤) إليه، أو تحصيل مصلحة، فقط أعط للَّه، وكذلك المنع للَّه؛ فإذا منعتَ أحدًا، فينبغي أن تمنعه للَّه؛ لأنك ترى أنَّ هذا لا يستحقُّ ذلك الأمر، وأن إلَّذي يستحقُّ ذلك هو غيره، فإذا كنتَ كَذَلك، استكملتَ الإيمان كَمَا قال رسول اللَّه ﷺ . وأحاديث رسول اللَّه ﷺ كثيرةٌ في الحب في اللَّه، وفيما يتعلَّق بالدنيا، لكننا أشرنا إشارة بسيطة لنتبين منها معنى حديث رسول اللَّه ﷺ : "رَكْعَتَا الفَجْر خَيرٌ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رَوَاه مسلمٌ (٥)، وفي لفظ: "رَكْعَتَا الفَجْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، رواه مسلمٌ (٦).

стр. 2605

فَالدُّنيا لا تزن عند اللَّه جناح بعوضةٍ، ولو كانت تزن عند اللَّه جناح بعوضةٍ، لَمَا سقى الكافر منها شربة ماءٍ (١). ولذلك، فقد هَوَّن اللَّه أَمْرَها؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. فليسَ إعطاءُ الدُّنيا علامةً على رضى اللَّه على المخلوق، ولا مَنْعها علامة السخط عليه، بل السعادة الحقيقية هي تقوى اللَّه تعالى. ولست أرى السعادة جمع مالٍ … ولكن التقيَّ هو السعيد (٢) وإنَّ من عباد اللَّه مَنْ لو أغناه اللَّه ، لكان الفقر خيرًا له، وإنَّ من عباد اللَّه مَنْ لو أفقره اللَّه، لَكان الغنى خيرًا له (٣). فَهذِهِ أمور يُقدِّرها اللَّه ، فَهُوَ الَّذي يهبُ ويمنعُ، هو الذي بيده خزائنُ كل شَيءٍ، فالناس كلُّهم جميعًا فُقَراء إليه، فالإنسان لا يدوم على

стр. 2606

فقرٍ، وربما لا يدوم على غنًى أيضًا، بل الحياة تتقلب، تجد إنسانًا غنيًّا اليوم وتراه فقيرًا غدًا، والعكس. وقَدْ يكون الغَناء سببًا في اشتغال الإنسان عن الدنيا، ولذلك نجد أن اللَّه في سورة النور عندما ذكر صفات المؤمنين، ثم أعقبها بصفات الكافرين، يقول سبحانه في حديثه عن المساجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. ثم يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٣٩، ٤٠]. ويُذْكر أن أحدَ الرُّهبان الفرنسيين فيما مضى سمع هذه الآية -وكان يعرف اللغة- فسأل: هل ركب محمدٌ البحرَ؟ فقالوا: لا، فآمَنَ (١). فَهَذِهِ الطَّاعَاتُ التي وَضَعها اللَّه ، وجعلها موسمًا للخيرات، لنستبقي إليها، هي -بلا شَكٍّ- قربة إلى اللَّه ، وزهدُ المرء في الدنيا سيَجْعله ينصرف إلى طاعة اللَّه، وإذا انصرف إلى طاعة اللَّه ، وإلى عبادته، وأخلص العمل في ذلك، سينتهي به المقام إلى أن يَكُونَ محبوبًا عند اللَّه . وليست محبة اللَّه ورسوله ﷺ تُنَال باللتي واللتيا، وإنما ينبغي أن يعد لها العمل الصالح، ولذلك لما جاء جلٌ يسأل رسول اللَّه ﷺ عن الساعة -وهو يخطب الناسَ يوم الجمعة على المِنْبَرِ في المسجد النبوي- كَمَا في

стр. 2607

حَدِيثِ أنسٍ ﵁ أن رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن الساعة، فقال: متى السماعة؟ قال: "وماذا أعددتَ لها؟ ". قال: لا شيء، إلا أني أحب اللَّه ورسوله ﷺ ، فقال: "أنتَ مع من أحببتَ". قال أنسٌ: فما فرحنا بشيءٍ فرحنا بقول النبي ﷺ : "أنتَ مع مَنْ أحببت". قال أنسٌ: فأنا أحبُّ النَّبيَّ ﷺ ، وأبا بكر، وعُمَر، وأرجو أن أكونَ معهم بحبي إياهم وإنْ لَمْ أعمل بمثل أعمَالهم (١). إذا كنت تحب اللَّه ، وتحب رسوله ﷺ ، فاعلم كلَّ العلم، وَثِقْ كُلَّ الثقة بأنك ستظفر بمحبة اللَّه ، وبمحبة رسوله ﷺ ، فتنال السعادة في الآخرة في وقتٍ أنت أحوجُ ما تَكُونُ إلى ذلك، وأحوج ما تكون إلى حسنةٍ واحدةٍ ليرجح بها ميزانك في ذلك اليوم. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ سُنَّةٌ (٢)). رَكْعَتا الفجر من السنن الرواتب، وجاءت بذلك أحاديثُ كثيرةٌ عن الرسول ﷺ في السنن الرواتب، ومنها حديث عبد اللَّه بن عمر قال: "حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،

стр. 2608

وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح" (١). ولما أشاع رسول اللَّه ﷺ بين أصحابه فتح خيبر، اشرأبت (٢) أعناقهم إليه لعله أن يظفر بأن يكون هو القائد فى ذلك المكان، فالتفت رسول اللَّه ﷺ ، فلَمْ يجد عليًّا ﵁، فسأل عنه، فقيل له: إنه أرمد (أَيْ: أصَابه الرَّمد في عينيه)، فأُتِيَ به، فبصق في عينيه فشفي، فكان من وصيته ﷺ لعليٍّ ﵁: "واللَّه، لأَنْ يَهْدي اللَّه بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من حُمْر النَّعم" (٣). فلو أن العبدَ وفَّقه اللَّه تعالى، فرأى ضالًّا أو منحرفًا، فأخذ بيده ونَصَحه وَوَعظه برفقٍ دون شدةٍ أو عنفٍ، فَهَدَاه اللَّه على يَدَيه، كان له أجرٌ عظيمٌ؛ فمَنْ دلَّ على هدًى، فله مثل أجر فاعلِهِ من غير أن ينقصَ من أجورهم شيئًا (٤)، ويكون له خيرًا من حُمْرِ النعم أيضًا. وَيَنْبغي للمُؤْمن إذا دَعا إلى اللَّه أن يكونَ حليمًا، عالمًا بما يدعو

стр. 2609

إليه، رفيقًا بالناس، وهذا هو منهج رَسُول اللَّه ﷺ ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعالَى عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ويَقُولُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ويَتَجلَّى ذلك فِيهِ ﷺ لمَّا جاءه شابٌّ، فَقَال: يا رسول اللَّه، ائذن لي في الزنا! حتى هَمَّ به الصحابة، فماذا فعل رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "مَهْ"، فَقَال رسول اللَّه ﷺ : "أقروه ادن"، فدنا حتى جلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أتحبُّه لأُمِّك؟ "، قال: لا. قال: "وَكَذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبُّه لابنتك؟ "، قال: لا. قال: "وَكذلك الناس لا يُحبُّونه لبَنَاتهم، أتحبُّهُ لأُخْتك؟ "، قَالَ: لَا. قال: "وَكَذلك النَّاس لا يحبُّونه لأخواتهم، أتحبه لعمَّتك؟ ". قال: لا. قال: "وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم؟ أتحبه لخالتك؟ ". قال: لا. قال: "وَكذَلك الناس لا يحبونه لخالاتهم"، فَوَضع رَسُولُ اللَّه ﷺ يدَه على صدره، وقال: "اللَّهمَّ كفِّر ذنبَه، وطهِّر قلبَه، وحَصِّن فرجه" (١). وفي روايةٍ: "فَاكرَه لهم ما تكره لنفسك، وأحبَّ لهم ما تحب لنفسك"، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يطهر قلبي، فوضع النبي ﷺ يده على صدره فقال: "اللهمَّ اغفر ذنبَه، وطَهِّر قلبَه، وحَصِّن فرجه"، قال: فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيءٍ (٢). ولَوْ أنَّ الإنسان كلما هَمَّ أن يُقْدم على معصيةٍ، وضع نفسه موضع ذلك، لربما رجع وعاد، فقد عالج رَسُولُ اللَّه ﷺ الرجل بهذا الرفق وهذه الحكمة، فَكَره هذا الأمر، ونفذ وَعْظه الشَّريف ﷺ إلَى قَلْب الشَّابِّ، وأثَّر

стр. 2610

فيه، ولم يكن وعظًا مجردًا بمنزلة السياط تنفض الغبار عنه، وربما تؤلمه قليلًا، ثمَّ يزول أثرها، وربما أثَّرت في الجسم، لكنه إذا ابتعد نَسِيَ. وَالمَواعظُ قد تُؤثِّر فِي بعض الناس؛ فَيُوفقهم اللَّه للخير، فتجد أن الكلمات الطيبة تَنْفذ إلى قلوبهم، فتَسْتقر بها، ثم تثبت فيها، فيظهر أَثرُهَا في تصرُّفاتهم وأعمَالهم، وقَدْ تؤثر في بعضهم تأثيرًا قليلًا، ثم تذهب، وبعض الناس لا تؤثر فيهم. وفي قصة الرجل الذي بَالَ أيضًا في المسجد، بيان انتفاعه بكلمات رسول اللَّه ﷺ ، فَعَنْ أبي هريرة أن أعرابيًّا دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالسٌ، فصلَّى. قال ابن عبدة: ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي ﷺ : "لقد تَحجَّرت واسعًا"، ثمَّ لم يلبث أَنْ بالَ في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فَنهَاهم النَّبيُّ ﷺ وقال: "إنَّما بُعِثْتم مُيسِّرين، ولَمْ تُبْعَثوا مُعسِّرين، صبُّوا عليه سجلًّا من مَاءٍ"، أو قال: "ذَنوبًا من مَاءٍ" (١). وهَذِهِ الأمورُ مُدوَّنةٌ للعبد يجدها في كِتَابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، أفعال الخير -وفي مقدمتها إخلاص العبادة للَّه وتَعْليم الجاهل، وتقويم المعوج (٢) إلى طريق الخير والاستقامة، هي السعادة كل السعادة، وليست السَّعَادة والراحة في الانتقام والتشهير بالمؤمن. لم يُعْرف عن رسول اللَّه ﷺ أنه قابل إنسانًا بأَمْرٍ من الأُمُور يكرهه، فعَنْ أنس بن مَالِكٍ، عَنْ رسول اللَّه ﷺ أنه كان عنده رجلٌ به أثر صُفرةٍ، قال: وَكَان رَسُولُ اللَّه ﷺ لا يَكَاد يواجه أحدًا بشَيْءٍ يكرهه، فلما قام قال للقوم: "لَوْ قُلْتم له يدع هذه الصُّفْرة" (٣).

стр. 2611

* قوله: (لِمُعَاهَدَتِهِ ﵊ عَلَى فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِتَرْغِيبِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ (١)). أَشَار المؤلِّف إلى حديث عائشة أن رَسُولَ ﷺ لَمْ يكن في شَيْءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر (٢)، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: أسرع منه إلى ركعتي الفجر (٣). وَفِي حَدِيثٍ آخَر: "ولو طردتكم الخيل" (٤)، لَكن في إسناده كلام. وقَوْله: "لمُعَاهدته. . . "، يُشير به إلى واقعة نوم رَسُول اللَّه ﷺ وأصحابه في غَزْوةٍ من الغزوات عن صلاة الفجر، عن أبي هريرة، قال: عرسنا مع نبي اللَّه ﷺ ، فلَمْ نَسْتيقظ حتى طَلَعت الشمس، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "ليأخذ كل رجلٍ برأس راحلتِهِ، فإنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشيطان"، قال: فَفَعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سَجْدتين، وقال يعقوب: ثم صلَّى سجدتين، ثم أُقيمَت الصلاة، فصلى الغداة (٥). * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ، إِحْدَاهَا: فِي المُسْتَحَبِّ مِنَ القِرَاءَةِ فِيهِمَا).

стр. 2612

مراد المؤلف: أنه يجوز له أن يَقْرأ بما شاء، لكن هل يُسْتَحب لركعتي الفجر قراءة مخصوصة؟ * قَوْله: (فَعِنْدَ مَالِكٍ المُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمّ القُرْآنِ مَعَ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَوْقِيفَ فِيهِمَا فِي القِرَاءَةِ يُسْتَحَبُّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا المَرْءُ حِزْبَهُ مِنَ اللَّيْلِ (٣)). وَعندَ الحَنَابلة يقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية بسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٤)، وقال به بعض الشافعية (٥)، وقد ثَبتَ فيه حديثان صحيحان، أحدهما: عن ابن عمر قال: "رَمَقتُ النَّبيَّ ﷺ شهرًا، فَكَان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٦)، وورد أيضًا من ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ

стр. 2613

وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]. فَعَنْ سعيد بن يسار أنَّ ابن عباس أخْبَره أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ قِرَاءَتِهِ ﵊ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ). وَهُوَ ثابتٌ عنه ﷺ ، ولذلك استحب العلماء أن يخفف الإنسان ركعتي الفجر. ويتعلَّق بهذه المسألة مسائل لم يتكلم عنها المؤلف، منها مسألة حكم الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر: وقَدْ ورد فيه أن رسول ﷺ اضطجع على يمينه، وقال: "إذَا صلَّى أحدُكُم ركعتي الفجر، فليضطجع على يمينه" (٢). وَمَعَ ذلك، فَقَد اختلفَ فيها العلماء، فنُقِلَ عن الإمام مالكٍ أنه أنكر ذلك (٣)،

стр. 2614

واستحبَّه الإمام أحمد في روايةٍ (١)، وقَالَ في روايةٍ أُخرى: ليس من السُّنة (٢). وروى أيضًا عن بعض الصحابة أنه لا يرى ذلك (٣)، ونسب إلى ابن حزم من الظاهرية أنه أوجب ذلك (٤). لَكن صحَّ أنَّ رَسُولَ ﷺ كان يضطجع، وقَدْ قَالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. * قَوْله: (عَلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ قَالَتْ: "حَتَّى أَنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ القُرْآنِ أَمْ لَا؟ " (٥)). يعني أنَّه من مبالغتِهِ ﷺ في تخفيفها اشتبه على عائشة، وتَسَاءلت: أكَانَ يقرأ فيها أم لا؟

стр. 2615

وَيَتفرَّع عنها مسألةٌ أُخرى، وَهي: حكم الجهر فيها؛ فيه خلافٌ (١). وَحديثُ عائشة دليلٌ على أنه لا يجهر، وقد يتعرَّض المؤلف لهذه المسألة. * قوله: (فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ: "أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ " (٢)). وَالحَديث خرَّجه مسلمٌ أيضًا، ولم يتفرَّد به أبو داود، وإذا كان في مسلم، فهو حديث صحيح لا يحتاج أن نبحث في سنده بخلاف ما لو كان في أبي داود دون مسلم؛ فإذا كان في مسلم؛ قالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب (٣)، فَحَديثُ عَائِشَةَ مجملٌ ليس صريحًا في أنه لا يقرأ بغير أُمِّ القرآن، وإنما فيه كأنِّي أقول: أَقرَأ بأم القرآن أو لا؛ لأن الرسول ﵊ كان يخفف في ذلك، فربما كان يُسْرع في قراءته. وأما الحديث الذي خرجه مسلم وحديث قراءته ﷺ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فهما صريحان مُبينان لحديث عائشة، ولا تعارض بين الأحاديث في هذا. * قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ حَدِيثِ عَائِشَةَ، اخْتَارَ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ فَقَطْ (٤)، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الحَدِيثِ الثَّانِي، اخْتَارَ أُمَّ القُرْآنِ، وَسُورَةً

стр. 2616

قَصِيرَةً (١)، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، قَالَ: يَقْرَأُ فِيهِمَا مَا أَحَبَّ (٢)). وَنَحْن نَقُولُ: لا تتعيَّن وجوبًا، لكن صَحَّ عن الرسول ﷺ أنه قَرَأ فِيهِمَا بِهَاتَين السُّورَتين، فيستحبُّ ذلك، وَأيضًا جاء عنه ﵊ أنه قَرَأ بآية ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦] (٣). قَالَ المُصنِّف رحمه اللَّه تعالى: (وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ القِرَاءَةِ المُسْتَحَبَّةِ فِيهِمَا، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥) وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ المُسْتَحَبَّ فِيهِمَا هُوَ الجَهْرُ). هذه مسألةٌ اختلَف فيها العلماء، هل يجهر أو لا؟ فجمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد) (٦) على أنه لا يجهر في هذه؛ لأنها ليست محل جهرٍ.

стр. 2617

* قوله: (وَخَيَّرَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الإِسْرَارِ وَالجَهْرِ (١)، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: تَعَارُضُ مَفْهُومِ الآثَارِ). وفيما ذَكَره ﵀ نظرٌ، فليس هناك تعارضٌ في الأحاديث الَّتي سيَذْكرها، وإنَّما هو حَديثٌ مُجْمَلٌ جَاءت أحاديثُ مفصلة فبَيَّنته؛ يعني أن الرسول كان يوجز، ويُخفِّف في ركعتي الفجر، ويقرأ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ في الركعة الأولى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الركعة الثانية. قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمَ (٢) المَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ: أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا سِرًّا، وَلَوْلَا ذلِكَ لَمْ تَشُكَّ عَائِشَةُ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ القُرْآن أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٣) أَنَّ قِرَاءَتَهُ ﵊ فِيهِمَا كَانَتْ جَهْرًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَلِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا، فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأَثَرَيْنِ قَالَ: إِمَّا بِاخْتِيَارِ الجَهْرِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِمَّا بِاخْتِيَارِ الإِسْرَارِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ) (٤).

стр. 2618

قَالَ اللَّهُ تَعالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. فَرُبَّما كَانَ أَبو هُرَيرةَ قريبًا من رَسُول ﷺ ، فيَسْمع ما يقرأ؛ لأنه لو سمع آيةً واحدةً من السورة، لأدرك أنه يقرأ بها، كما لو جاء أحدٌ إلى جوار مصلٍّ يرفع صوته قليلًا؛ فإنه يسمعه، ولو لم يكن يجهر؛ فهذا ليس نصًّا صريحًا في أن رسول اللَّه ﷺ جهر بذلك؛ ولم يُنْقل عنه ﵊ أنه كان يجهر بها بخلاف غير ركعتي الفجر مما ورد أنه كان يجهر- ﷺ "آمين"، فقد ثَبتَ أنَّ رسولَ ﷺ كان إذا قال: " ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ "، قال: "آمين"، ورَفَع بها صوته (١)، فهذا ممَّا تناقَله الصحابة ﵃. وأمَّا حديث أبي هريرة فمحتملٌ، فنرجع إلى الأصل، والأصلُ أنَّ هذه الصلوات لا يُجْهر فيها بالقراءة، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو أقْرَبُ في نظري. * قوله: (وَالثَّالِثَةُ). يَعْني: المسألة الثالثة من المسائل المتعلقة بصلاة الفجر. * قَوْله: (فِي الَّذِي لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وَأَدْرَكَ الإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ دَخَلَ المَسْجِدَ لِيَصِلِّيَهُمَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَرْكعْهُمَا فِي المَسْجِدِ وَالإِمَامُ يُصَلِّي الفَرْضَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلِ المَسْجِدَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَفُوتَهُ الإِمَامُ بِرَكْعَةٍ، فَلْيَرْكَعْهمَا خَارجَ

стр. 2619

المَسْجِدِ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ (١)، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) مَالِكًا فِي الفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ أَوْ لَا يَدْخُلَهُ). هذه مسألة مهمة جدًّا لنا، فكثيرًا ما يدخل بعض الناس المسجد -والإمام قَدْ شرع في صلاة الفجر- فيأخذ ناحيةً من نواحي المسجد، فيصلي ركعتي الفجر، والرسول ﷺ قال: "إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم (٣). وَقَد اختلفَ العلماء في ذلك، فمنهم مَنْ قال: إِنْ أدرك الإِمَامَ وقَدْ شرع، فإنه يُصلِّي خارج المسجد -في السَّاحة خارج المسجد مثلًا- يخففها شريطة ألَّا تفوته ركعة. وقال بعضهم: شريطة أن يُدْرك ركعةً. وقال بعضهم: ليسَ لَه ذلك (٤)؛ ففي الحديث: "إذَا أُقيمَت الصَّلاة،

стр. 2620

فلا صلاة إلا المكتوبة" (١)، وقَدْ قَالَ تَعالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١]. وقَدْ قال رسول ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ" (٢)، فنَحْن مأمورون بطاعة رَسُول اللَّه ﷺ في قوله: "إذا أُقِيمَتِ الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة"، رواه مسلم (٣)، وهذا مما نستطيعه. ولم يُعْرف عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا ينشغلون بذلك، فكيف يشغل الواحد نفسه بسُنَّة، ويترك فريضةً، وللأسف هذه مسألةٌ كَثُرَ فِعْلُها عند كَثِيرٍ من المسلمين، وبخاصة الذين يأخذون بمذهب أبي حنيفة. وَخُلَاصة مذهب الإمام مَالِكٍ أن الإنسان إنْ دخل المسجد، فليس له أن يشتغل بغير الفريضة التي أُقيمَت الصلاة من أجلها؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرناه، لكن إن كان خارج المسجد، فله ذلك عند مَالِكٍ شريطة ألا تفوتَه ركعة. * قوله: (وَخَالَفَهُ فِي الحَدِّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: يَرْكَعُهُمَا خَارِجَ المَسْجِدِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ مَعَ الإِمَامِ). وهو مَذْهب الحَنابلَة أيضًا (٤).

стр. 2621

* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ فَلَا يَرْكَعُهُمَا أَصْلًا، لَا دَاخِلَ المَسْجِدِ، وَلَا خَارِجَهُ (١)، وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا جَوَّزُوا رُكُوعَهُمَا فِي المَسْجِدِ وَالإِمَامُ يُصَلِّي (٢)، وَهُوَ شَاذٌّ). وَهَذا الَّذي وَسَمه بالشذوذ يفعله بعض المسلمين اليوم، فالصَّلاةُ قد أُقيمَت، وَتَراه يُصلِّي في مَكَانٍ في المسجد، وَيَرى أن صلاتَه إنْ لم تسبقها ركعتا الفجر، فَهي ناقصةٌ، وهذا خطأٌ؛ لأن الرسولَ ﷺ فاتته ركعتا الفجر، وَقَضَاهما ﵊ (٣)، ولم يَذْهبا بذَهاب وَقْتهما، ولذلك إذَا دَخَل الإنسان -وقَدْ أُقيمَت الصلاة- فليس له أن يشتغلَ بغير الفريضة، لَا تَشْغل نفسك بغير الصلاة التي أَوْجَبها اللَّه وَإِنْ كانت هذه الصلاة التي شغلتَ نفسك بها هي الصلاة التي قال الرَّسولُ ﷺ عنها بأنها "خيرٌ من الدنيا وما فيها" (٤)؛ لأن الذي قال ذلك هو الذي قال لك: "إذا"، و"إذا" ظرفٌ لما يُسْتقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط (٥)، ولذلك جاء الجواب مقترنًا بالفعل: "إذا أقيمَت الصلاة، فلا صَلَاة إلا المكتوبة". وقوله: "فَلَا"، "لَا" نافية للجنس (٦)، و"صلاة" نكرة، والنكرة

стр. 2622

جاءت في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي كالنكرة في سياق النفي تَعمُّ (١). "إذا أُقيمَت الصَّلاة، فَلَا": فاغ وَقَعت في جواب "إذا"، فـ "لا" هنا نافية. "صلاة": نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمُّ، وهذه مسألةٌ مسلمةٌ عند النحويين والأصوليين (٢). فلَا تَنْشغل بأيِّ صَلَاةٍ من الصلوات غير هَذ الصلاة إلا لو كنت نسيت صَلَاة مفروضة، فَإنَّك في هذه الحالة إما تُصلِّي الصلاة السابقة، ثمَّ بعد ذلك تُدْرك الإمام فيها، ولك أن تَدْخل مع الإمام، وتَنْوي بصَلَاتك مع الإمام الصلاة التي فَاتَتك، ثمَّ بعد ذلك تقوم وتصلي هذه الصلاة التي شغلت نفسك مع الإمام بغيرها، وقد مرت علينا هذه المسألة. وَسواءٌ كنت خارج المسجد أو داخله، فعليك متى سمعت الإقامة

стр. 2623

الإتيان إليها، وعليك السكينة، فما أدركتَ فصلِّ، وما فاتك فأتمَّ، كما قال رسول ﷺ : "فما أدركتم فَصلُّوا، وما فَاتَكم فأتمُّوا" (١). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ" (٢)، فَمَنْ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، لَمْ يُجِزْ صَلَاةَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ المَكْتُوبَةُ، لَا خَارِجَ المَسْجِدِ، وَلَا دَاخِلَهُ (٣)، وَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى المَسْجِدِ، فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ خَارجَ المَسْجِدِ مَا لَمْ تَفُتْهُ الفَرِيضَةُ، أَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْهَا جُزْءٌ) (٤). هذا التَّعليل الذي يَذْكره المؤلِّف لا أرى حَاجةً له؛ لأن الأدلة في هذه المسألة صريحةٌ صَحيحةٌ، فلا تحتمل تأويلًا، بل العموم الذي فيها يَشْمل جميعَ الصلوات. * قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ العُمُومِ، فَالعِلَّةُ عِنْدَهُ فِي النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ الِاشْتِغَالُ بِالنَّفْلِ عَنِ الفَرِيضَةِ). أي: يعللون بأنها فريضة، فلا يُشْتغل عنها بالنافلة؛ فإنه عدولٌ عن الأفضل إلى المفضول، فاشتغل بما هو أنفع لك وأفضل حتى تُدْرك فضل الجماعة وثوابها. * قوله: (وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى المَسْجِدِ، فَالعِلَّةُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ

стр. 2624

تَكُونَ صَلَاتَانِ مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الإِمَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ قَوْمٌ الإِقَامَةَ، فَقَامُوا يُصَلُّونَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَصَلَاتَانِ مَعًا؟ "، قَالَ: وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالرَّكعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ (١)). هَذَا جاء عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ خَرَج حين أُقيمَت صلاة الصبح، فرأى ناسًا يصلُّون ركعتي الفجر، فقال: "أصَلاتان معًا؟! " (٢)، أي: أتؤدى نوافل وفرائض في وقتٍ واحدٍ؟! وفي الحديث: "يوشك أحدكم أن يُصلي الصبح أربعًا" (٣). * قوله: (وَإنَّمَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي القَدْرِ الَّذِي يُرَاعَى مِنْ فَوَاتِ صَلَاةِ الفَرِيضَةِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي القَدْرِ الَّذِي بِهِ يَفُوتُ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ لِلْمُشْتَغِلِ بِرَكْعَتَيِ الفَجْرِ، إِذ كَانَ فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ). يَعْني أن الحنفية والمالكية من حيث الجملة يتفقون على أنه لو أُقيمت الصلاة -وهو خارج المسجد- أنه يكيل صلاته، لكن المالكية قيدوا ذلك بألا تفوته الركعة الأولى (٤)، والحنفية توسَّعوا أكثر، فقالوا: له أن يصلي طالما كان يدرك الركعة الأخيرة (٥).

стр. 2625

والعلة عند الفريقين: إدراك صلاة الجماعة، وهذا أمرٌ لا شك فيه؛ إذ لا موازنةَ بين صلاةٍ مكتوبةٍ وبين صلاةٍ غير مكتوبةٍ. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّة بِفَوَاتِ رَكْعَةٍ مِنْهَا يَفُوتُة فَضْلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا لَمْ لَفُتْهُ رَكْعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ المَفْرُوضَةِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُدْرِكُ الفَضْلَ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، أَيْ: قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا") (١). الحَديثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي هذَا الحديث في إثبات إدراك الجماعة بإدراك ركعةٍ، لكنه لا يدلُّ على أن المُصلِّي إذا جاء -وقَدْ أُقيمَت الصَّلاة- أنه يشتغل بها، وإنما هذا تخفيف من اللَّه، وتيسيرٌ في هذه الشريعة، إذ جعلت إدراك ركعةٍ واحدةٍ إدراك للجماعة، وهذا دليلٌ عامٌ، وحديثنا خاص: "إذا أُقيمَت الصلاة، فلا صَلَاة إلَّا المكتوبة"، رَواه مسلمٌ وغيرُهُ (٢). فَحديث مسلم نصٌّ في المسألة محل الخلاف، فلا ينبغي أن نَتْرك هذا النص لتعليلٍ من التعليلات، وأمَّا إذا أدرك المصلي أقل من ركعةٍ، فقد اختلفوا في إدراكه بذلك. * قوله: (وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ فِي تَارِكِ ذَلِكَ قَصْدًا أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْهَا، وَمَالِكٌ إِنَّمَا يَحْمِلُ هَذَا الحَدِيثَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- عَلَى مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ قَصْدٍ لِفَوَاتِهَا (٣)، وَلِذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ، فَقَدْ فَاتَهُ فَضْلُهَا).

стр. 2626

مُرَاد المؤلف: أنه لا يحتجُّ لمَالِكٍ بهذا؛ لأن مالكًا يرى أن مَنْ أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك؛ أَيْ: مَنْ فاتته من غير قدرةٍ، وأما تعمُّد الدخول في صلاة مسنونة -سواءً كانت ركعتي الفجر أو كانت تحية المسجد أو غيرها- فليس له الاشتغال بذلك عنده. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ رَكْعَتَي الفَجْرِ فِي المَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ تُقَامُ، فَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا أَنّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الأَثَرُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ). وَفي كلَام المصنف ﵀ نظرٌ؛ لأن الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا من عيوب هذا الكتاب أنه أحيانًا يقول: "لو صح"، مع أن الحديث عند مسلم وغيره، والحديث مُجمع على صحته، وهناك أحاديث أُخرى في "الصحيحين" تؤيده. * قولة (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ (١): هُوَ أَثَرٌ ثَابِتٌ - أَعْنِي قَوْلَهُ ﵊: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ"، وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ (٢)، وَإِجَازَةُ ذَلِكَ تُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) (٣). مُرَادُهُ: ما ذَكَرناه في المقدمة من أنَّ إجازة ذلك منقولٌ عن ابن مَسْعودٍ ﵁ أنه دَخَل والإمام يُصلِّي الصبحَ، فصلَّى ركعتين، وقد أَجَبنا عن ذلك بأنَّ هذا فعل صحابي، فلا يُعَارض به قول رسول اللَّه ﷺ ؛ إِذْ لا يقدم على قول رسول اللَّه قول أحدٍ من البشر كائنًا ما كان.

стр. 2627

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَالرَّابِعَةُ: فِي وَقْتِ قَضَائِهَا إِذَا فَاتَتْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ). هذ آخر المسائل التي سيبحثها المؤلف من أمهات المسائل فيما يتعلَّق بركعتي الفجر اللتين هما من السنن الرواتب. وَهُوَ لم يَعْرض للاضطجاع بعد الصلاة، وفيه كلامٌ للعُلَماء، وقد بينَّا أن أكثر العلماء يرى أن الإنسان إذا صلَّى فى بيته ركعتي الفجر، فإنه يضطجع؛ لأنَّ الرسول أمر بذلك، وسبق أن تكلَّمنا عن هذه المسألة (١). * قوله: (فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: يَقْضِيهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) (٢). هذه مسألة متفرعة عن السابقة، إذا قلنا بأنه إذا جاء إنسان وقد وَجَد أن الصلاة المفروضة قد أُقيمَت، ولم يكن قد صلى بَعْدُ ركعتي الفجر -وهما من السُّنن الرواتب التي وَرَد حض الرسول ﷺ عليهما، وترغيبه فيهما، والمسابقة إليهما، وأنهما خيرٌ من حُمْرِ النعم (٣) - وقلنا: ليس لك أن تُصلي وقد أقيمت الصلاة، فمتى يقضيهما؟ في هَذِهِ المَسْألة نزاعٌ بين العلماء، وقد بَحَثنا فيما مَضَى أحكام السُّنن، وبينَّا أن من العلماء مَنْ قَسَّمها إلى قسمين: • سنن ذات أسباب. • سنن غير ذات أسباب. وقالوا: إنَّ السُّنن ذوات الأسباب تُصلَّى في أي وقت -ولو كان وقت نَهْي- كتحية المَسْجد، وركعتي الفجر، وصلاة الكسوف،

стр. 2628

والاستسقاء، وغير ذلك من السُّنن، وهذا هو مذهب الشافعية، وبينا أن الأدلة تُعضِّده، ورجَّحناه (١). فالشافعيَّة يذهبون إلى أنه في هذه المسألة يُصلِّي ركعتي الفجر بعد الصلاة؛ لأنها من ذوات الأسباب. وأما مَنْ منع صلاتها بعد الفجر؛ فلأنه ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في أحاديث منها - أحاديث متفقٌ عليها أنه قالى: "لَا صَلَاة بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد صَلَاة العَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس"، وَأخرجه التِّرْمِذِيُّ (٢)، يعني: بعد الفريضة. فهذا نهيٌ، والنهي يقتضي الفساد (٣)، لكن استثنى العلماء من ذلك مَنْ نام عن فريضةٍ أو نسيها، فإنه يصليها في هذا الوقت، فهل تلحق به ركعتا الفجر؟ مِنَ العلماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد الصلاة، وهو قول الشافعية (٤)،

стр. 2629

وقد وَرَد في ذلك أحاديثُ بيَّن فيها رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ مَنْ فاتته ركعتا الفجر أنه يُصلِّيهما بعد الصبح (١). وَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد طلوع الشمس (٢)؛ لأن الوقت بعد الطلوع ليس وقتَ نهيٍ. وقد قدَّم هذا الإمام أحمد ﵀، وَإِنْ كان الحنابلة يقولون: لو صلى بعد الصبح، فذلك جائز، لكن الأفضل عندهم خروجًا من الخلاف أن يصلي بعد طلوع الشمس (٣). * قوله: (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ) (٤). والقَوْلُ بالقَضاء بعد صلاة الصُّبح هو مذهب الشافعي (٥). * قَوْله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) (٦).

стр. 2630

وَهَذا عند كَثِيرٍ من العلماء، وَمنهم أبو حنيفة (١) وأحمد (٢). * قَوْله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ لَهَا هَذَا الوَقْتَ غَيْرَ المُتَّسِعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لَهَا مُتَّسِعًا، فَقَالَ: يَقْضِيهَا مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ) (٣). يَعْني: بعض العلماء توسَّع فيها، فقال: يمتدُّ ذلك إلى قبيل وقت الزَّوال الذي هو وقت نهي، ثم يتوقَّف. * قوله: (وَلَا يَقْضِيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِالقَضَاءِ: وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ فِيهِ، وَالأَصْلُ فِي قَضَائِهَا صَلَاتُهُ لَهَا ﵊ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ) (٤). أَيْ: عندما نَام رَسُول ﷺ في غزاةٍ من الغَزَوات، وكانوا مجهدين - فَنَاموا في مكانٍ، فلَمْ يَسْتيقظوا إلا وَقَد طلعت الشَّمس، فأَمَرهم ﷺ أن يَرْتحلوا، ثمَّ أذن بلالٌ، فَنَزل رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فتوضأ فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى ركعتي الغداة. . والحديث أخرجه مسلم (٥) عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: "اكْلَأْ لنَا اللَّيْلَ"، فَصَلى بلالٌ ما قدر له، وَنَام رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابه، فلمَّا تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه
следующие страницы →