← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

مُرَاد المؤلف: أنه لا يحتجُّ لمَالِكٍ بهذا؛ لأن مالكًا يرى أن مَنْ أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك؛ أَيْ: مَنْ فاتته من غير قدرةٍ، وأما تعمُّد الدخول في صلاة مسنونة -سواءً كانت ركعتي الفجر أو كانت تحية المسجد أو غيرها- فليس له الاشتغال بذلك عنده. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ رَكْعَتَي الفَجْرِ فِي المَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ تُقَامُ، فَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا أَنّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الأَثَرُ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ). وَفي كلَام المصنف ﵀ نظرٌ؛ لأن الحديث في "صحيح مسلم"، وهذا من عيوب هذا الكتاب أنه أحيانًا يقول: "لو صح"، مع أن الحديث عند مسلم وغيره، والحديث مُجمع على صحته، وهناك أحاديث أُخرى في "الصحيحين" تؤيده. * قولة (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ (١): هُوَ أَثَرٌ ثَابِتٌ - أَعْنِي قَوْلَهُ ﵊: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةَ"، وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ (٢)، وَإِجَازَةُ ذَلِكَ تُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) (٣). مُرَادُهُ: ما ذَكَرناه في المقدمة من أنَّ إجازة ذلك منقولٌ عن ابن مَسْعودٍ ﵁ أنه دَخَل والإمام يُصلِّي الصبحَ، فصلَّى ركعتين، وقد أَجَبنا عن ذلك بأنَّ هذا فعل صحابي، فلا يُعَارض به قول رسول اللَّه ﷺ ؛ إِذْ لا يقدم على قول رسول اللَّه قول أحدٍ من البشر كائنًا ما كان.

стр. 2627

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (وَالرَّابِعَةُ: فِي وَقْتِ قَضَائِهَا إِذَا فَاتَتْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ). هذ آخر المسائل التي سيبحثها المؤلف من أمهات المسائل فيما يتعلَّق بركعتي الفجر اللتين هما من السنن الرواتب. وَهُوَ لم يَعْرض للاضطجاع بعد الصلاة، وفيه كلامٌ للعُلَماء، وقد بينَّا أن أكثر العلماء يرى أن الإنسان إذا صلَّى فى بيته ركعتي الفجر، فإنه يضطجع؛ لأنَّ الرسول أمر بذلك، وسبق أن تكلَّمنا عن هذه المسألة (١). * قوله: (فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: يَقْضِيهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) (٢). هذه مسألة متفرعة عن السابقة، إذا قلنا بأنه إذا جاء إنسان وقد وَجَد أن الصلاة المفروضة قد أُقيمَت، ولم يكن قد صلى بَعْدُ ركعتي الفجر -وهما من السُّنن الرواتب التي وَرَد حض الرسول ﷺ عليهما، وترغيبه فيهما، والمسابقة إليهما، وأنهما خيرٌ من حُمْرِ النعم (٣) - وقلنا: ليس لك أن تُصلي وقد أقيمت الصلاة، فمتى يقضيهما؟ في هَذِهِ المَسْألة نزاعٌ بين العلماء، وقد بَحَثنا فيما مَضَى أحكام السُّنن، وبينَّا أن من العلماء مَنْ قَسَّمها إلى قسمين: • سنن ذات أسباب. • سنن غير ذات أسباب. وقالوا: إنَّ السُّنن ذوات الأسباب تُصلَّى في أي وقت -ولو كان وقت نَهْي- كتحية المَسْجد، وركعتي الفجر، وصلاة الكسوف،

стр. 2628

والاستسقاء، وغير ذلك من السُّنن، وهذا هو مذهب الشافعية، وبينا أن الأدلة تُعضِّده، ورجَّحناه (١). فالشافعيَّة يذهبون إلى أنه في هذه المسألة يُصلِّي ركعتي الفجر بعد الصلاة؛ لأنها من ذوات الأسباب. وأما مَنْ منع صلاتها بعد الفجر؛ فلأنه ثبت عن رسول اللَّه ﷺ في أحاديث منها - أحاديث متفقٌ عليها أنه قالى: "لَا صَلَاة بعد صَلَاة الصُّبْح حَتَّى تطلع الشَّمْس، وَلَا صَلَاة بعد صَلَاة العَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس"، وَأخرجه التِّرْمِذِيُّ (٢)، يعني: بعد الفريضة. فهذا نهيٌ، والنهي يقتضي الفساد (٣)، لكن استثنى العلماء من ذلك مَنْ نام عن فريضةٍ أو نسيها، فإنه يصليها في هذا الوقت، فهل تلحق به ركعتا الفجر؟ مِنَ العلماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد الصلاة، وهو قول الشافعية (٤)،

стр. 2629

وقد وَرَد في ذلك أحاديثُ بيَّن فيها رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ مَنْ فاتته ركعتا الفجر أنه يُصلِّيهما بعد الصبح (١). وَمِنَ العُلَماء مَنْ قال: يُصلِّيهما بعد طلوع الشمس (٢)؛ لأن الوقت بعد الطلوع ليس وقتَ نهيٍ. وقد قدَّم هذا الإمام أحمد ﵀، وَإِنْ كان الحنابلة يقولون: لو صلى بعد الصبح، فذلك جائز، لكن الأفضل عندهم خروجًا من الخلاف أن يصلي بعد طلوع الشمس (٣). * قوله: (وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ) (٤). والقَوْلُ بالقَضاء بعد صلاة الصُّبح هو مذهب الشافعي (٥). * قَوْله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) (٦).

стр. 2630

وَهَذا عند كَثِيرٍ من العلماء، وَمنهم أبو حنيفة (١) وأحمد (٢). * قَوْله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ لَهَا هَذَا الوَقْتَ غَيْرَ المُتَّسِعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لَهَا مُتَّسِعًا، فَقَالَ: يَقْضِيهَا مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ) (٣). يَعْني: بعض العلماء توسَّع فيها، فقال: يمتدُّ ذلك إلى قبيل وقت الزَّوال الذي هو وقت نهي، ثم يتوقَّف. * قوله: (وَلَا يَقْضِيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِالقَضَاءِ: وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ فِيهِ، وَالأَصْلُ فِي قَضَائِهَا صَلَاتُهُ لَهَا ﵊ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ) (٤). أَيْ: عندما نَام رَسُول ﷺ في غزاةٍ من الغَزَوات، وكانوا مجهدين - فَنَاموا في مكانٍ، فلَمْ يَسْتيقظوا إلا وَقَد طلعت الشَّمس، فأَمَرهم ﷺ أن يَرْتحلوا، ثمَّ أذن بلالٌ، فَنَزل رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فتوضأ فصلى ركعتي الفجر، ثم صلى ركعتي الغداة. . والحديث أخرجه مسلم (٥) عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله، حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: "اكْلَأْ لنَا اللَّيْلَ"، فَصَلى بلالٌ ما قدر له، وَنَام رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابه، فلمَّا تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه

стр. 2631

الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول اللَّه ﷺ أوَّلهم استيقاظًا، فَفَزع رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "أَيْ بلَال"، فقال بلال: أخذ بنَفْسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه- بنفسك، قال: "اقتادوا"، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول اللَّه ﷺ ، وأمر بلالًا فأقَام الصَّلاة، فصلَّى بهم الصُّبح، فلما قَضَى الصَّلاة قال: "مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ، فَلْيُصلِّها إذَا ذَكرهَا"، فَإنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، قَالَ يونس: وكان ابن شهاب يَقْرؤها: ﴿للذكرى﴾. فالرَّسول ﷺ ما تركهما مع أنه قد فات وقتهما، وهو وقت الفجر قبل صلاة الفريضة. قال المصنفُ ﵀ رحمة واسعة: (الباب الثَّالث في النَّوافِلِ) * قوله: (واختلفوا في النَّوافِلِ). يُقصد بالنَّوافِل (١): المُطْلَقة (٢)، وقد تكلم المؤلف عن السُّنن الرواتب وإن لم يَستقصها.

стр. 2632

وهي: ركعتان أو أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً مَنْ صَلَّاهُنَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ العَصْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ" (١). وعَنْ كَعْبٍ، قَالَ: "ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ مَنْ صَلَّاهَا فِي يَوْمٍ سِوَى المَكْتُوبَةِ دَخَلَ الجَنَّةَ، أَوْ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ؛ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الغَدَاةِ، وَرَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ" (٢). ولكن ثَمَّة خلاف بين الروايتين؛ ففي حديث أم حبيبة ﵂ ذكرت الركعتين قبل العصر: "وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ العَصْرِ"، أمَّا في حديث كعب فذكر ركعتين من الضحى: "وَرَكْعَتَانِ مِنَ الضُّحَى". والعُلماء يَختلفون فيما قبل الظهر؛ هل يقتصر على اثنتين أو أربع؟ وقد وردت في ذلك كله أحاديث؛ ومنها: حديث ابن عمر ﵄، قَالَ: "حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِب فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ" (٣).

стр. 2633

هذا بخصوص الرَّكعتين قبل الظهر (١)، وقد ورد في حديثي أم حبيبة وكعب ﵄ السَّابقين: الدليل على الركعات الأربع. فهذه السنن الرواتب (٢)، مما جاء التأكيد عليها، ووردت أحاديث

стр. 2634

تبين أهمية هذه الصلوات، ولا يعني أن يقف المسلم عندها، فله أن يتطوع بما شاء من النوافل. وقد ورد في هذا أحاديث عن رسول اللَّه ﷺ ؛ ومنها: ما ورد عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: "مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ" (١). ومنها كذلك: حديث مُعَاذَة: "أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَي؟ قَالَتْ: ارْبَعَ ركَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ" (٢). وأيضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ"، ثُمَّ قَالَ: "صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ"، ثم قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ"، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً" (٣). وعن أَبُي سَلَمَةَ: "أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ العَصْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا، أَوْ نَسِيَهُمَا؛ فَصَلَاهُمَا بَعْدَ العَصرِ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا" (٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: "يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ

стр. 2635

يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ". قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا -فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ- إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ" (١). مُتجَنِّبًا أوقات النهي (٢) التي نَهَى النبيَّ ﷺ عن الصَّلاة فيها. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ -مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ

стр. 2636

عِنْدِي عُمَرُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ" (١). ولأنَّ اللَّه تعالى أمر بالتزود من التقوى؛ فقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فالمسلم يَتزود من الأعمال الصالحة، والصلوات في مُقدمة الأعمال التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه؛ فريضة كانت أو سُنة، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، كما بَيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ" (٢). * قوله: (هَلْ تُثَنَّى، أو تُربَّع، أو تُثَلَّثُ؟). أي: في الكيفية التي تكون عليها النوافل، ومن المعلوم: أنَّ هناك صلاةً بالليل وأُخرى بالنهار؛ فهل صلاة الليل كصلاة النهار تُؤديان على صفةٍ واحدةٍ؟ أم أن صلاة النهار تختلف عن الليل، بحيث يمكن له أن يُسَلَّم المسلم بعد ركعتين أو ثلاث، أو أن له -أيضًا- أن يُسلم بعد أربع ركعات أو أكثر من ذلك، فهذا ما يريد المؤلف بيانه. وقد مَرَّ بنا حديثٌ متفقٌ عليه، وهو قوله ﵊: "صَلَاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى" (٣)، وفي لفظٍ آخر ليس في "الصَّحيحين"، ولكن صَحَّحه العلماء: "صَلَاةُ الليل وصلاة النَّهار مَثْنَى مَثْنَى" (٤).

стр. 2637

ومِن هنا اختلف العلماء: أيُّهما أفضل؟ وهو اختلاف تفضيل لا اختلاف إيجاب، كما يُوحي كلام المؤلف. ففضَّل بعضهم: "مَثْنَى مَثْنَى"، وهذا مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة. وَقَالَ مَالِكٌ (١): "فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: النَّافِلَةُ مَثْنَى مَثْنَى". وورد في كتب الشافعيَّة (٢): "مَنْ أَوْتَرَ أَوَّل اللَّيْلِ صَلَّى مَثْنى مَثْنى". وأما الحنابلة (٣): فقد ورد في كتبهم هذا القول: "وصلاة التطوع مثنى مثنى"، إلا أن الحنابلة استحبوا في الركعات قبل الظهر فيما لو صَلَّيت أربعًا أن تُصليها بتسليمةٍ واحدة (٤).

стр. 2638

ولك -أيضًا- أن تُصلي ركعتين ثم تُسَلِّم، ثم ركعتين وتُسلم، والأئمة الثلاثة رأيهم مُتَّحد في هذا. وذهب الحنفية (١): إلى القول بأنه يجوز للمصلي أن يثني أو يثلث أو يربع أو يسدس أو يثمن بتسليمة واحدة. وفَرَّق قوم بين صلاة الليل وصلاة النهار، فقالوا: "إن صلاة الليل مثنى مثنى وصلاة النهار أربع" (٢). وليس كل هذا على إطلاقه كما نقل المؤلف، بل في المذاهب تفصيل. فالشافعية تجد أنهم يُجيزون أن يُصلي المتطوع أربعًا ويُسَلِّم، أو ستًّا، أو ثماني، ولا يزيد عن ثمان، يعني: يُصلي ثمانِي ركعاتٍ ويُسَلِّم تسليمة واحدة (٣). ولكن هذا الذي نسبه للحنفية هو المشهور في مذهبهم؛ لذلك ذكره

стр. 2639

المؤلف، ثم ربما لم يطَّلع المؤلف على كل الجزئيات في المذاهب، وهذا شأن أي فقيه، يَصعب عليه أن يُلِمَّ بفروع كل مذهب، بل قد يكون الإنسان من المتعمقين في مذهب ولا يستطيع أن يُلِم بكل جزئيات وفروع مذهبه الذي درسه وعلَّمه وتمرَّس فيه. كما أن بعض العلماء يرى أن قول أبي حنيفة في صلاة الليل وليس في النهار (١)، ففي النهار؛ إمَّا أن يُصلي المتطوع أربعًا أو اثنتين يُسَلِّم منها، أو يصلي أربعًا أو ستًّا أو ثماني في الليل، وعلى كل حال ففي المذهب تفصيلات وخلافات فرعية. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ: هَلْ تُثَنَّى، أَوْ تُرَبَّعَ، أَوْ تُثَلَّثُ؟) (٢). هل تُثنى (يعني: يصلِّي المتطوع ركعتين اثنتين ويُسَلِّم)، أو تربع، (يعني يصلي أربع ركعات ويسلم)، أو تُثلث، (يعني: يصلي ثلاث ركعات ويسلم). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤): صَلَاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ). وهو قول أحمد (٥)، غير أنَّ الحنابلة خالفوهم في الركعات الأربع قبل الظهر، كما مَرَّ بك آنفًا.

стр. 2640

* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ ثَنَّى، أَوْ ثَلَّثَ، أَوْ رَبَّعَ، أَوْ سَدَّسَ، أَوْ ثَمَّنَ (١)، دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ النَّهَارِ؛ فَقَالُوا: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنى مَثْنَى، وَصَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ) (٢). والفريق الذي فَرَّق بين صلاة الليل وصلاة النهار، وقالوا: إن صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربعٌ، استندوا إلى الحديث المشهور المتفق عليه: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" (٣)، حيث إن له منطوقًا (٤) ومفهومًا (٥)؛ فمنطوقه: أنَّ صلاة الليل مثنى مثنى، فيكون مفهومه المخالف: أنَّ صلاة النهار غير ذلك، وإن كان (أَرْبَعٌ) مجرد مفهوم، إلا أنه ثَبَتَ -أيضًا- في حديث عائشة أن الرسول ﷺ صَلَّى أربعًا لا تسألوا عن حُسنهن وطُولهن؛ يُشير بذلك إلى الحديثِ المتفق عليه، وهو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً؛ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا" (٦). وأيضًا ورد في فضل الركعات قبل الظهر، وأنَّ مَن صَلَّى أربعًا يُسَلِّم فيهن تسليمة واحدة تُفتح لها أبواب السماء، فلعله أراد حديث أم

стр. 2641

حبيبة ﵂، ولكنه ورد بلفظ: "حَرَّم اللَّهُ لحمه على النار"، أو "حَرَّمه اللَّه على النار"، فعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا بَعْدَ الظُّهْرِ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" (١). ولذلك أخذ الحنابلة بذلك، فقالوا: يُصلي أربعًا قبل الظهر ولا يُسلم إلا بعد الرابعة منها؛ لأنه ورد في ذلك حديث يُبَيِّن فضله (٢). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا البَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً"). هذا الحديث مَرَّ بنا في مسائل الوتر: "صلاةُ الليلِ مَثْنَى مثنَى، فإذا خشِيَ أحدُكم. . . " (٣)، وفي رواية: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ أَنْ يُدْرِكَكَ الصُّبْحُ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ" (٤). * قوله: (تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى")؛ أي: تكون وترًا لما قد صلى، سواءٌ صلى أربعًا أو ستًا أو ثماني إلى آخره، كما مرّ بنا فيما مضى. * قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الجُمُعَةِ

стр. 2642

رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ") (١). وقد ذكرنا الدليل على هذا إلا ما يختص بركعتي الجمعة، والدليل عليهما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ" (٢). وورد -أيضًا- قبل الظهر أربعًا وبعد الجمعة أربعًا، وأمَّا بخصوص كونهن أربعًا بعد الجمعة فالدليل عليه: هو الحديث التالي عن أبي هريرة، قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَ الجُمُعَةِ أَرْبَعًا" (٣). * قوله: (فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ قَالَ: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى"). وهذا هو الأشهرُ، وظاهر النُّصوص يُؤيد ذلك أنَّ صلاة الليل والنهار متنى مثنى، لكن جاء -أيضًا- في رواية عند أبي داود (٤) وغيره من أصحاب السُّنن (٥): "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ مَثنَى"، وهي رواية صحيحة أيضًا (٦). * قوله: (وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ وَقَدْ وَصَفَتْ

стр. 2643

صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي") (١). وهذا مما اختص اللَّهُ به رسولَه، فهو نبي اللَّه والوحي يتنَزَّل عليه، واللَّه قد اختصه بكثيرٍ من الفضائل والمزايا التي لم يختص بها غيره، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء. * قوله: (وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا") (٢). والصحابة كانوا يَعْنون بيوم الجمعة، ويَتَسابقون إلى ذلك لفضائله؛ فمَن راح في الساعة الأولى فكأنَّما قَرَّب بَدَنة، ومَن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشًا، وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة بيضة، ثم بعد ذلك تُطوى الصحف إذا دخل الإمام؛ يُشير بذلك إلى الحديث الصَّحيح الذي روي عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" (٣). كما أنَّ الإنسان إذا دخل المسجد والإمام يَخطب فلا ينبغي له أن يجلس؛ لأن الرسول ﷺ قال لسُلَيكٍ: "صَلَّيْتَ؟ ". قال: لا، قال: "قُمْ

стр. 2644

فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (١). وذلك كما ورد في "الصَّحيحين" هكذا: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ" (٢). وفي رواية: "إِذَا دخل أحدُكم المَسجد والإمام يخطب فَلْيَرْكَع رَكْعَتَيْنِ، وليَتَجَوَّز فيهما" (٣)؛ أي: يُخففهما. فلا شك أن يوم الجمعة له مزايا عظيمة وفضائل جَمَّة: ومن هذه الفضائل؛ أنَّ اللَّه جعله هداية وفضلًا منه سبحانه، أو جعله أثرًا من آثار الهداية، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلَائِقِ" (٤). فلولا أنَّ اللَّه تعالى ادَّخر الجمعة لنا، لكان لنا يوم الإثنين، ولكن اللَّه أبى إلا أن يَجعلنا الأولين في مَقام عبادته، وإن تأخر زماننا بعدهم، وهذا مما يُدَلِّل على أنه إذا أراد اللَّه أن يُقدم متأخرًا أو يؤخر مقدمًا - فَعَل به هكذا (٥).

стр. 2645

ومن فضائله أيضًا: أن خصه اللَّه سبحان اللَّه تعالى بعظائم الأمور؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفيهِ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ" (١). قال النَّووي رحمه اللَّه تعالى: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ"، والمراد بذلك: خير يوم من أيام الأسبوع، وإنما قلنا هذا؛ لئلا يتعارض مع قول النبي ﷺ : "خير يوم طَلَعت عليه الشمسُ يوم عرفة"، فإن يوم عرفة أفضل باعتبار العام، وهذا أفضل باعتبار الأسبوع" (٢). ومن فضائله كذلك: الصَّلاة فيه؛ قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمْعَةُ إِلَى الجُمْعَةِ، كفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الكَبَائِر" (٣). ومن فضائله كذلك: أنَّ مَن مات فيه أو في ليلته وَقَاه اللَّه فتنة القبر؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ -أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ- إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ القَبْر" (٤).

стр. 2646

وفيه الساعة المعروفة وهي ساعة الإجابة التي يَستجيب اللَّه سبحانه فيها دُعاء مَن دعاه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : "فِي الجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ" (١). واختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة على عدة أقوال (٢)؛ أصحها قولان: القول الأول: مِن وقت جلوس الإمام إلى انتهاء الصلاة، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ" (٣). القول الثاني: آخر ساعة بعد العصر (٤)، فعن جابر بن عبد اللَّه عن رسولِ اللَّه ﷺ أنه قال: "يوم الجمعةِ اثنتا عشرة -يُريد ساعة- لا يُوجَدُ مسلم يسألُ اللَّهَ شيئًا إلا آتاه اللَّهُ إيَّاه، فالتمِسُوها آخرَ ساعةٍ بعد العصر" (٥).

стр. 2647

لكن الصحابة ﵃ كانوا يُكثرون من الصلاة يوم الجمعة، وإن كان هناك خلافٌ في الصلاة وقت الزوال (١) إلا أنه ورد حديثٌ في تخصيص يوم الجمعة، وجاء في الحديث: "إنَّ جَهنم تُسجر حين تَزول الشمس أو وقت الزوال إلا يَوم الجُمُعة" (٢)، وفي ذلك كلامٌ طويلٌ للعلماء، وتفصيل ذلك على هذا النحو، ذهب جمهور العلماء (٣) إلى أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس، واستدلوا على مذهبهم بهذه الأدلة: عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَة بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ" (٤).

стр. 2648

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ" (١). وذهب الحنابلة إلى جوازها قبل الزوال (٢)، فعَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ؟ قَالَ: "كَانَ يُصلِّي، ثُمَّ نَذْهَبُ إلى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا"، زَادَ عَبْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ: "حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ"، يَعْنِي: النَّوَاضِحَ (٣). وعَنْ سَهْلٍ، قَالَ: "كُنَّا نَفْرَحُ يَوْمَ الجُمُعَةِ". قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ، تُرْسِلُ إِلَى بُضَاعَةَ -قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: نَخْل بِالمَدِينَةِ- فَتَاخُذُ مِنْ أُصُولِ السَّلْقِ، فَتَطْرَحُهُ فِي قِدْرٍ، وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا، وَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إِلَيْنَا، فَنَفْرَحُ مِنْ أَجْلِهِ، وَمَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةِ" (٤). ووجه استدلالهم: أنَّ القيلولة (٥) والغداء لا يَكونا إلا قبل الزوال (٦)،

стр. 2649

ويمكن الجمع بين هذين القولين بأنَّ النبي ﷺ كان يُصَلِّي الجمعة بعد الزوال كثيرًا، وأحيانًا كان يُصليها قبله. لكن المعروف أن عمر ﵁ كانت تُوضع له الطَّنفسة (١) -يعني: السجادة- فإذا ما غَشِيَه الظل خرج وخطب الناس يوم الجمعة (٢). * قوله: (وَرَوَى الأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ. . .). يقصد الأسود النخعى، وهو -أيضًا- من التابعين، وهو مِمَّن أَخَذَ عن عائشة ﵂. * قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ. . . ") (٣). هذا الحديث سبق أن مَرَّ في الوتر. * قوله: ("فَلَمَّا أَسَنَّ (٤)، صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ (٥)، فَمَنْ أَخَذَ أَيْضًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، جَوَّزَ التَّنَفُّلَ بِالأَرْبَعِ وَالثَّلَاثِ دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ بِوَاحِدَةٍ (٦)، وَأَحْسَبُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا).

стр. 2650

الحقيقة: أنه نَقل هذا عن عمر، وأنه صَلَّى ركعة واحدة (١) ولا يمكن أن يفعل ذلك إلا وقد تَلَقَّاه عن الرسول ﷺ ، وعليه يُمكن القول: إنه قول مرجوح (٢) مثلًا، لا أنه شاذ، كما قال المصنف ﵀، ورضي اللَّه عن عمر. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:

стр. 2651

(الْبَابُ الرَّابعُ فِي رَكْعَتَي دُخُولِ الْمَسْجِدِ) * قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَي دُخُولِ الْمَسْحِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ (١)، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهَا (٢). وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَينِ" (٣) مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. فَمَنْ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى

стр. 2652

الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يَنْقُلُ الْحُكْمَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ وَاجَبَتانِ. وَمَنِ انْقَدَحَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِ الْأَوَامِرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ فِي الْأَوَامِرِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْوُجُوبِ (فَإِنَّ هَذَا قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ) قَالَ: الرَّكْعَتَانِ غَيرُ وَاجِبَتَينِ. لَكِنَّ الْجُمْهُورَ إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى حَمْلِ الأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ لِمَكَانِ التَّعَارُضِ الَّذِي بَينَهُ وَبَينَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا أَوْ بِنَصَّهَا أَنْ لَا صَلَاةَ مَفْرُوضَةً إِلَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلُ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ حُمِلَ الْأَمْرُ هَاهُنَا عَلَى الْوُجُوبِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَفُرُوضَاتُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا أَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا مُطْلَقًا، كَالْأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. وَلِلْفُقَهَاءِ أَنَّ تَقْيِيدَ وَجُوبِهَا بِالْمَكَانِ شَبِيهُ بتقييد وَجُوبِهَا بِالزَّمَانِ. وَلِأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالزَّمَانُ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ). إذا دخل المصلي مسجدًا فإنه يسن له أن يصلي ركعتين بنية تحية المسجد، وله أن يزيد ما شاء بهذه النية باتفاق الشافعية والحنابلة. والحنفية قالوا: تحية المسجد ركعتان، أو أربع وهي أفضل من الاثنتين؛ ولا يزيد على ذلك بنية تحية المسجد. والمالكية قالوا: تحية المسجد ركعتان بدون زيادة. وقال المالكية: إن تحية المسجد مندوبة ندبًا أكيدًا على الراجح. وبعضهم يقول: إنها سنة. والأمر في ذلك سهل.

стр. 2653

وقالوا: هذا الأمر من رسول اللَّه ﷺ أمر ندب، لا أمر وجوب، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ للأعرابي حين ذكر الخمس صلوات، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوع". ويشترط لتحية المسجد شروط: أحدها: أن يدخل المسجد في غير الأوقات التي نهي عن صلاة النفل فيها، كوقت طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر. ولا يشترط أن يقصد المكث في المسجد؛ فلو دخل المسجد بنية المرور منه إلى جهة أُخرى، فإن تحية المسجد تطلب منه عند ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية فقالوا: لا تطلب تحية المسجد إلا ممن دخل المسجد قاصدًا الجلوس فيه، أما من قصد مجرد المرور به فإن تحية المسجد لا تطلب منه. ثانيها: أن يدخل المسجد وهو متوضئ، فلو دخل المسجد وهو محدث، فإن تحية المسجد لا تطلب منه باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية، فقالوا: إذا دخل محدثًا، وأمكنه التطهر في زمن قريب فإنها تطلب منه، وإلا فلا تطلب. ثالثها: ألا يصادف دخوله إقامة صلاة الجماعة، فإذا دخل ووجد الإمام يصلي بجماعة فإنه لا يصلي تحية المسجد باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف المالكية، فقالوا: إن صادف دخوله إقامة الصلاة للإمام الراتب، فإن تحية المسجد لا تطلب منه، أما إن صادف دخوله صلاة جماعة بإمام غير راتب فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد. رابعها: ألا يدخل المسجد عقب خروج الخطيب للخطبة يوم الجمعة والعيدين ونحوهما، فإن دخل في ذلك الوقت فلا يصليها عند المالكية، والحنفية، أما الشافعية والحنابلة فقالوا: إذا دخل المسجد والإمام فوق المنبر سن له أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس بركعتين خفيفتين ولا يزيد عليهما، فإن جلس لا يقوم لأدائهما.

стр. 2654

وإذا لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو غيره، فإنه يندب له أن يقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، أربع مرات، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال الحنابلة: لا يندب له أن يقول ذلك. هذا؛ وينوب عن تحية المسجد مطلق صلاة يصليها ذات ركوع وسجود عند دخوله، فمن صلى فائتة كانت عليه بدخوله المسجد فإن تحية المسجد تؤدى بها ضمنًا، بشرط أن ينويها، وقال الحنفية والشافعية: يحصل له ثوابها إن لم ينوها، أما إذا نوى عدم صلاة تحية المسجد فإنها تسقط عنه، ولا يحصل له ثوابها. * قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ جَاءَ الْمَسْجِد وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ، هَلْ يَرْكَعُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ (٣). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: عُمُوم مُعَارَضَة قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ". وَقَوْلُهُ ﵊: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ" (٤) فَهَا هُنَا عُمُومَانِ وَخُصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الزَّمَانِ، وَالَاخَرُ: فِي الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَامٌّ فِي الزَّمَانِ، خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ خَاصٌّ فِي الزَّمَان عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ،

стр. 2655

فَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الصَّلَاةِ مِنْ عَامِّهَا رَأَى الرُّكُوعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الزَّمَانِ مِنْ عَامِّهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ. وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعَارُضِ إِذَا وَقَعَ فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ لَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ الْأَمْرِ الثَّابِتُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ). ركعتا الفجر اختُلف فيهما، فقيل فيهما: إنهما من الرغائب، وقيل: إنهما من السنن المؤكدة، وليس في الشريعة بعد الصلوات الخمس آكد من الوتر وركعتي الفجر، وقد يكون الترغيب في الشيء الواجب، لكن الفقهاء أوقفوا هذا اللفظ على ما تأكد من المندوب إليه. إذا دخل المسجد، بعد أن صلى ركعتي الفجر في بيته، فهل يركعهما في المسجد؟ اختلف قول مالك فيه، وظاهر الحديث يقتضي الركوع. وقيل: إن الخلاف في هذا من جهة معارضة هذا الحديث للحديث الذي رووه من قوله ﵇: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر"، وهذا أضعف من المسألة السابقة، لأنه يحتاج في هذا إلى إثبات صحة هذا الحديث حتى يقع التعارض، فإن الحديثين الأولين في المسألة الأولى صحيحان، وبعد التجاوز عن هذه المطالبة وتقدير تسليم صحته يعود الأمر إلى ما ذكرناه من تعارض أمرين، يصير كل واحد منهما عامًّا من وجه وخاصًّا من وجه، وقد ذكرناه. وإذا دخل مجتازًا فهل يؤمر بالركوع؟ خفف ذلك مالك، وعندي: أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة، فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فالنهي يتناول جلوسًا قبل الركوع، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا لم يفعل المنهي، وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر توجه بركوع قبل الجلوس، فإذا انتفيا معًا لم يخالف الأمر.

стр. 2656

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (البَابُ الخَامِسُ: فِي قِيَامِ رَمَضَانَ) القصد بقيام رمضان: صلاة التراويح (١)، وجاء في الأحاديث الصَّحيحة: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢)، رواه البخاري ومسلم. و"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّم مِن ذَنبِه" (٣)، رواه البخاري. ولو أردنا أن نتكلم عن فضيلة رمضان، وما ورد فيه من الأحاديث الصحيحة، وأن اللَّه خصَّ بابًا في الجَنَّة اسمه الرَّيَّان (٤) لا يدخله إلا الصائمون؛ لطال الحديث، وأراد بذلك أن يُشير إلى الحديث المتفق عليه بلفظ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الجَنَّةَ-: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الصَّدَقَةِ

стр. 2657

دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ"، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ" (١). لكن ما نريد أن نتكلم عنه هنا يتعلَّق بُسنةٍ من السُنن المؤكدة، ألا وهي صلاة التراويح، فصلاة التراويح التي تُقام في رمضان، هل فَعَلَها رسول اللَّه ﷺ ، أو أن الذي فعلها عمر ﵁؟ (٢). لا شك أنه جاء في أحاديث أن رسول اللَّه ﷺ خرج ذات ليلة في رمضان فصلى صلاته برجال، ثم خرج في الليلة الثانية فصلى وراءه أناس أكثر. وجاء في حديث عائشة (٣): فلما كانت الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج رسول اللَّه ﷺ على الناس، فلما كان من اليوم التالي قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "قد رأيتم ما عملتم ولم أخرج عليكم؛ لأني خشيت أن تُفرض عليكم" (٤).

стр. 2658

نعم، قد صَحَّ ذلك عن رسول اللَّه ﷺ ؛ فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ" (١). فرسول اللَّه ﷺ لم يخرج على الناس لمَّا رأى إقبالهم والتزامهم وحرصهم على أن يُصلوا وراءه صلاة التراويح؛ خشية أن تُفرض عليهم تلك الصلاة، وشفقة رسول اللَّه ﷺ ورحمته بأمته معلومة. ولقد أثبت اللَّه له ذلك وزكَّاه مبيِّنا ما فيه من الرحمة؛ فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فرسول اللَّه ﷺ برأفته ورحمته وشفقته بأمته خشي أن تُفرض عليهم تلك الصلاة، وربما لا يستطيعون القيام بها، وقد سُئل رسول اللَّه ﷺ عن مسائل فقال: "لو قلت: نَعَم؛ لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم"، كما مرَّ بنا مثل ذلك في الحج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَحُجُّوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (٢). إذًا الرسول ﷺ تركها، لكنَّ عمر ﵁ ثبت أنه خرج ذات ليلة

стр. 2659

فوجد الناس متفرقين في المسجد -يعني أوزاعًا متفرقين- كما جاء في الأثر: "الرجل يُصلي وحده، والرجل يُصلي وراءه الرهط (جماعة)، فقال لمن معه: لو جمعنا الناس على رجلٍ واحد! فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب" (١). فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَظَابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصلِّي الرَّجُلُ؛ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: "إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ! "، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: "نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ"، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" (٢). وأُبى بن كعب قد شَهِد له رسول اللَّه ﷺ بأنه أقرأُ الصحابة، فقال: "أقرؤكم أُبَيٌّ، وأقضاكم عَلِيٌّ، وأعلمُكم بالحلال والحرام معاذٌ، وأفرضُكم زيدٌ"، يعني زيد بن ثابت. أراد بذلك حديث أَنَسٍ، أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَلكُلِّ أمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ" (٣).

стр. 2660

فأعطى كل واحد من الصحابة -رضي اللَّه عليهم جميعًا- صفةً اختص بها، فأُبَيٌّ كان معروفًا بقراءته، فجمع عمر ﵁ الناس على أُبيٍّ، فكان يُصلي بهم. ويُقال: إنَّه خرج ذات ليلة فرأى الناس مجتمعين، فقال: "نِعمت البدعة" (١). وما فعله عمر ﵁ ليست من البدع، أو من الأمور التي أضافها وهي غير محمودة، بل هي من الأمور التي أصبحت سُننًا محمودة، مع أن رسول اللَّه ﷺ فعل ذلك قبله. إذًا، التراويح سُنَّة (٢)؛ سنَّها رسولُ اللَّه ﷺ وفَعَلَها الصحابةُ

стр. 2661

والمسلمون، ولا تزال بحمد اللَّه، فالمسلمون يجتمعون على هذه الصلاة العظيمة، يجتمعون عليها وفيها ما فيها من العبادات؛ مِن تلاوة القرآن، وختم القرآن، ولا شك أن فيها فوائد وفضائل عظيمة. وما أحسن أن يجتمع المسلمون في بيتٍ من بيوت اللَّه على مثل هذه الصلاة، ولذلك رأينا -أيضًا- أن الرسول ﷺ قد قال: "عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن بعدي؛ تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ" (١). فالخلفاء الراشدون ﵃ قد يُضيفون شيئًا، لكن بالنسبة للتراويح فقد فَعَلها رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّب فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الأَشْهُرِ) (٢).

стр. 2662

فيقصدُ بالقيام -كما ذكرنا- والقصد من ذلك: صلاة التراويح وما يتبعها من صلاة التهجد. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا (١) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") (٢). هذا حديثٌ متفقٌ عليه، فهو في "الصحيحين" وفي غيرهما من كثير من كتب السنن والمسانيد. * قوله: (وَأنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا: أَي أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟). هذه مسألة أُخرى: هل صلاة التراويح أفضل، أو الوتر، أو التهجد (٣) في الليل؟ وقد سبق لنا الحديث عن صلاة التراويح وفضلها، كما في حديثي عمر وعائشة ﵄، هذا وقد وردت كذلك نصوص كثيرة تُوَضِّح فضل الصلاة في آخر الليل، ومنها: عَنْ كُرَيْبٍ؛ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ

стр. 2663

الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ" (١). ومنها أيضًا: عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: "كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ" (٢). ومنها كذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ " (٣). وهذا حديث عظيم جليل في فضل قيام آخر الليل، وهو أن يَطَّلع اللَّه على عبده حين ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يَليق بعظمته؛ فيجده مصليًا، فهذا أحرى أن يستجاب له. ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 2664

"مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُوم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" (١). وأمَّا بخصوص ما ورد في فضل الوتر والحَثِّ عليه؛ فمن ذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ؛ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: "صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ" (٢). ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ؛ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآن" (٣). وقد اختلف أهل العلم في حكم الوتر على النحو التالي: الأحناف أوجبوا الوترَ (٤)، واستدلوا على ذلك بهذا الحديث: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ زَادَكمْ صَلَاةً، وَهِيَ الوِتْرُ؛ فَصَلُّوهَما فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ"، قَالَ أَبُو تَمِيمِ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ، فَسَارَ فِي المَسْجِدِ إِلَى أَبِي بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٥).

стр. 2665

المالكية (١) قالوا: إنَّها سنة مؤكدة، واستدلوا على مذهبهم بهذا الدليل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" (٢). الشافعية (٣) قالوا: إنَّها سنة، واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ لم يُوجب أو يَفرض على أمته إلا الصلوات الخمس، كما جاء ذلك صريحًا في عدة أحاديث منها على سبيل المثال. ما رُوي عن طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ، أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٤). فبَيَّن رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ المفروض من الصلوات هي الصلوات الخمس، فلو كانت صلاة الوتر واجبة لَبَيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
следующие страницы →