← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

والمسلمون، ولا تزال بحمد اللَّه، فالمسلمون يجتمعون على هذه الصلاة العظيمة، يجتمعون عليها وفيها ما فيها من العبادات؛ مِن تلاوة القرآن، وختم القرآن، ولا شك أن فيها فوائد وفضائل عظيمة. وما أحسن أن يجتمع المسلمون في بيتٍ من بيوت اللَّه على مثل هذه الصلاة، ولذلك رأينا -أيضًا- أن الرسول ﷺ قد قال: "عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ مِن بعدي؛ تَمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ" (١). فالخلفاء الراشدون ﵃ قد يُضيفون شيئًا، لكن بالنسبة للتراويح فقد فَعَلها رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّب فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الأَشْهُرِ) (٢).

стр. 2662

فيقصدُ بالقيام -كما ذكرنا- والقصد من ذلك: صلاة التراويح وما يتبعها من صلاة التهجد. * قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا (١) غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ") (٢). هذا حديثٌ متفقٌ عليه، فهو في "الصحيحين" وفي غيرهما من كثير من كتب السنن والمسانيد. * قوله: (وَأنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا: أَي أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟). هذه مسألة أُخرى: هل صلاة التراويح أفضل، أو الوتر، أو التهجد (٣) في الليل؟ وقد سبق لنا الحديث عن صلاة التراويح وفضلها، كما في حديثي عمر وعائشة ﵄، هذا وقد وردت كذلك نصوص كثيرة تُوَضِّح فضل الصلاة في آخر الليل، ومنها: عَنْ كُرَيْبٍ؛ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ "أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ خَالَتُهُ- فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ

стр. 2663

الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ" (١). ومنها أيضًا: عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: "كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ" (٢). ومنها كذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ " (٣). وهذا حديث عظيم جليل في فضل قيام آخر الليل، وهو أن يَطَّلع اللَّه على عبده حين ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يَليق بعظمته؛ فيجده مصليًا، فهذا أحرى أن يستجاب له. ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 2664

"مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُوم مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" (١). وأمَّا بخصوص ما ورد في فضل الوتر والحَثِّ عليه؛ فمن ذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ؛ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: "صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ" (٢). ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ؛ فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ القُرْآن" (٣). وقد اختلف أهل العلم في حكم الوتر على النحو التالي: الأحناف أوجبوا الوترَ (٤)، واستدلوا على ذلك بهذا الحديث: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَصْرَةَ حَدَّثَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ زَادَكمْ صَلَاةً، وَهِيَ الوِتْرُ؛ فَصَلُّوهَما فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الفَجْرِ"، قَالَ أَبُو تَمِيمِ: فَأَخَذَ بِيَدِي أَبُو ذَرٍّ، فَسَارَ فِي المَسْجِدِ إِلَى أَبِي بَصْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٥).

стр. 2665

المالكية (١) قالوا: إنَّها سنة مؤكدة، واستدلوا على مذهبهم بهذا الدليل: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" (٢). الشافعية (٣) قالوا: إنَّها سنة، واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ لم يُوجب أو يَفرض على أمته إلا الصلوات الخمس، كما جاء ذلك صريحًا في عدة أحاديث منها على سبيل المثال. ما رُوي عن طَلْحَةَ بْن عُبَيْد اللَّهِ، أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٤). فبَيَّن رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ المفروض من الصلوات هي الصلوات الخمس، فلو كانت صلاة الوتر واجبة لَبَيَّن ذلك رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

стр. 2666

الحنابلة (١) قالوا: إنَّها سنة مؤكدة، واستدلوا على مذهبهم بهذا الحديث عن أبي أيوب الأنصاري، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "الوتر حَقٌّ، فَمَن شاء فليوتر بخمس، ومَن شاء فليوتر بثلاث، ومَن شاء فليوتر بواحدة" (٢). هذه مسائل يختلف فيها العلماء، ولكلٍّ وجهته، فإنه جاء عن الرسول ﷺ أنَّ أفضل الصلوات بعد المكتوبة صلاة الليل (٣). ومرَّت بنا الأحاديث الكثيرة في فضيلة الوتر، وكذلك التي مَرَّت في فضيلة صلاة ركعتي الفجر، ومنها: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" (٤)، ومن هذه الأحاديث أيضًا: عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْر مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (٥). وقد رأينا ذلك من الأحاديث الكثيرة، والرسول ﷺ يُبَيِّن في كلِّ مقام ما يخصُّه. * قوله: (أَعْنِي: الَّتِي كَانَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَكِنَّ

стр. 2667

الجُمْهُورَ (١) عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ

стр. 2668

وَالسَّلَامُ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا المَكْتُوبَةَ") (١). لا شَكَّ أن السُّنن ما عدا ما نصَّ عليها في جماعة، كما في التراويح، وفي الكسوف، وفي الاستسقاء، كما سيأتي، وفي جُملة الصلوات التي تُؤَدَّى جماعة؛ لأن السُّنن منها ما تُؤدى جماعة، ومنها ما تُؤدى فُرادى - لا شك في أن الإنسان إذا أراد أن يُصلي فردًا فيما عدا الفرائض، فالأفضل له أن يُصلي في بيته، وقد بيَّن الرسول ﷺ العلة في ذلك في حديثٍ آخر عندما قال: "اجعَلوا مِن صَلَاتِكم في بيوتِكم، ولا تَتَّخِذوها قُبُورًا" (٢). لا تجعلوا البيوت كالقبور؛ لأن المقابر لا يُصلَّى فيها إنَّما يُصَلَّى فيها على الميت في حقِّ مَن لم يدرك الصلاة عليه، كما فعل ذلك

стр. 2669

رسول اللَّه ﷺ كما ورد ذلك في "الصَّحيحين"؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: "أَفَلَا كنْتُمْ آذَنْتُمُونِي! ". قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ! ". فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَة ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ" (١). لكن المقابر لا تُؤَدَّى فيها الصلوات، وقد ورد النهيُ عن ذلك وسبق الكلام عنه. وصلاة الرجل في بيته -ما عدا الفريضة- هي أفضل، ولذلك رأينا أن رسول اللَّه ﷺ فعل ذلك، وكذلك الصحابة والمسلمون إلى يومنا هذا؛ فأفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة (٢)، والحديث الذي في البخاري، وقد أوردناه قريبًا: "اجعَلوا مِن صلاتِكم في بيوتِكم، ولا تَتَّخِذوها قُبُورًا" (٣). "لَا تَتَّخِذوها قُبُورًا": لا تَهجروها؛ لأن الصلاة فيها ذِكر؛ تسبيح، وتحميد، وتكبير، فهي عبادةٌ للَّه ، ولا ينبغي أن يخلو بيتك من هذا الذكر ومن هذا التسبيح ومن طاعة اللَّه . * قوله: (وَلِقَوْلِ عُمَرَ فِيهَا: "وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ". وَاخْتَلَفُوا فِي المُخْتَارِ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ) (٤).

стр. 2670

وهذه مسألة أُخرى ذكر المؤلف فيها القولين المَشهورين: أنَّ التراويح تُصلى عشرينِ ركعة، ثم بعد ذلك تُتبع بثلاث ركعات هي الوتر؛ فيكون المجموع ثلاثًا وعشرين ركعة؛ عشرون ركعة بعشر تسليمات، ثم بعد ذلك الوتر (١). والإمام مالك له قولٌ آخر (٢): أنها تَبلغ ستًّا وثلاثين، وفي رواية أنه يُضاف إليها الوتر خمس ركعات، فيكون المجموع إحدى وأربعين (٣)،

стр. 2671

ووجهة مالك أنه قال: "إنَّه وَجد أهلَ المدينة على ذلك"، والمالكية يأخذون بأمرين: بعمل أهل المدينة (١)، وإجماع أهلها؛ لأنه حُجَّةٌ عندهم، وذلك مَحل نزاع، وهما مسألتان أُصُوليتان معروفتان (٢). لكننا نقول في هذا المقام: إنَّ عمر ﵁ عندما جَمع الناس كانوا يصلون عشرين ركعة، والرسول ﵊ قال: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي: أَبِي بَكْرِ وَعُمَرَ"، رواه الترمذي (٣)، وقال: "عَلَيْكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ" (٤). وعمر ﵁ عندما جمع الناس على هذه الصلاة -وفي هذا العدد لم يُذكر أو يُنقل أنَّه خالفه أحدٌ من الصحابة- فلا شَكَّ أن ما حصل في زمن عمر ﵁: إنما هو مُقَدَّمٌ على ما حصل بعده (٥).

стр. 2672

* قوله: (فَاخْتَارَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَدَاوُدُ القِيَامَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً سِوَى الوِتْرِ). قال الأحناف (١): "ختم مرة يقع بقراءة عشر آيات في كل ركعة؛ لأن عدد ركعات التراويح في ثلاثين ليلة: ستة آلاف، وآيات القرآن ستة آلاف وشيء؛ فيكون في كل ركعة عشر آيات، والختم مرتين يقع بقراءة عشرين آية في كل ركعة، والختم ثلاث مرات يقع بقراءة ثلاثين آية في كل ركعة"، وهذا معناه أن التراويح عندهم عشرون ركعة. وقال الشافعية (٢): "مَذْهَبُنَا: أَنَّهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ غَيْرَ الوِتْر". وقال الحنابلة (٣): "قيام شهر رمضان: عشرون ركعة". وقال المالكية (٤): "التراويح فِي رَمَضَان: وَهِي عشرُون رَكْعَة بعد صَلَاة العشَاء؛ يُسَلِّم من كُلِّ رَكْعَتَيْنِ غير الشَّفع وَالوِتر". بذلك قال مالكٌ في أحد قوليه، هذا هو القول المشهور والمعروف عند العلماء عامَّة. * قوله: (وَذَكَرَ ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْسِنُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَالوِتْرَ ثَلَاثٌ) (٥). ابن القاسم أحدُ رواة الفقه المالكي، ومِن أخصِّ تلاميذ الإمام مالك، وروى عنه سحنون "المُدونة" فسَجَّلها؛ لأن ابن القاسم كان يقول:

стр. 2673

قال مالكٌ كذا، أحيانًا يسأل مالكًا، وأحيانًا يجيب هو، فجمع سحنون "المدونة" المعروفة، وهي مِن أشهر كتب المالكية، وهي بلا شك تَحوي كنزًا كبيرًا من الفقه، ومع أنها في الحقيقة تَختلف عن "المُغني" بالنسبة لنقل الأحاديث، لكنها -أيضًا- جمعت جُملةً من الأحاديث، وفيها -أيضًا- أقوالٌ رزينة، ويكفي أنها نُقلت في الغالب عن إمام دار الهجرة الإمام مالك ﵁. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَ: "كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَان عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً" (١). وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ" (٢). وَذَكَرَ ابْنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: "أَنَّهُ الأَمْرُ القَدِيمُ"، يَعْنِي: القِيَامَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً) (٣). ولكن العلماء تكلموا في طريق هذه الرواية، وقالوا: "إنَّه من طريق صالح مولى التوءمة، وهو غير معروف" (٤)، أمَّا القول الآخر الذي قال العلماء بأنها عشرون ركعة، فهذا أدلته معروفة ومشهورة، ولا تحتاج إلى بيان.

стр. 2674

والآثار الواردة في ذلك هي: عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: "كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً". قَالَ: "وَكَانُوا يَقْرَؤونَ بِالمِئِينِ، وَكَانُوا يَتَوَكَّؤُونَ عَلَى عِصِيِّهِمْ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ مِنْ شِدَّةِ القِيَامِ" (١). وعَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، ويُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ" (٢). قال المصنف ﵀ رحمة واسعة: (البَابُ السَّادِسُ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ) (٣) الكسوفُ يتعلَّق بالشَّمس والقمر، وهما آيتان من آيات اللَّه التي

стр. 2675

يُرسلها على عباده، ويتفضل بها، وهو القائل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥]. فاللَّه وَهَبَ لعباده هذه الشمس، وفيها الضياء الذي لا يستغني عنه إنسان ولا حيوان ولا نبات. ولو أن اللَّه جعل الليل سرمدًا (١)، فمن يأتينا بضياء؟ ولو جعل النهار سرمدًا، فمن يأتينا بليلٍ نَسكن فيه؟ فـ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. فالشمس والقمر نِعمتان مِن نعم اللَّه، إلى جانب كونهما آيتين من آياته، وهذه الآيات وغيرها يُرسلها اللَّه إنعامًا أو تخويفًا لعباده، فهي محل إنعامٍ وتكريمٍ من اللَّه ، ولكن قد يُخوِّف اللَّه عباده ببعض آياته إذا غفلوا عن ذكرِه ، وجَرفتهم الدنيا، وانصرفوا في الملذات وفي اللهو. فقد يحصل زلزال، وربما تكون ظُلمة، وربما تكون رياح شديدة صواعق، وربما حصل كسوفٌ أو خسوف، وبالنسبة لخسوف الشمس أو

стр. 2676

القمر، يُطلق على كل واحدٍ منهما: الكسوف، فيقال: كسفت الشمس وكسف القمر، ويُقال أيضًا: خسفت الشمس وخسف القمر، وكل ذلك قد ورد في اللغة، وفي السُّنَّة. وجاء أيضًا ذكرهما معًا في أحاديث كثيرة عن رسول اللَّه ﷺ فإنه جاء ذِكر الكسوف والخسوف في عِدَّة أحاديث، كما في قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ"، رواه البخاري ومسلم (١). وفي حديثٍ آخر: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَان لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ"، رواه البخاري ومسلم (٢). لكننا نجد أنَّ القرآن أطلق الخسوف على القمر؛ لأنه هو الذي ورد في الآيات التي يقول اللَّه فيها: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ١ - ٨]. إذًا نصَّ اللَّه على خسوف القمر، والقمر والشمس قد يخسفان، وهما -أيضًا- مما يُخوَّف اللَّه بهما عباده، كما أنه قد يُخوفهم بآياتٍ أُخري؛ ليعودوا إلى اللَّه تائبين مُنيبين مستغفرين، فإذا ما عادوا إلى اللَّه ، فإن اللَّه تعالى يُزيل ما أصابهم من ألم، وما يصيبهم -أيضًا- مِن همٍّ وما ينزل بهم من هلعٍ أو خوف، واللَّه يرفع عنهم ذلك كله، وإنما القصد من ذلك: هو أن اللَّه يُذَكِّر عباده بنعمه. فإن عادوا إلى اللَّه ، فإن اللَّه سينصرهم ويُوفقهم؛ قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]،

стр. 2677

وقال : ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. إذًا، الشمس والقمر قد ينكسفان ويخسفان، وهذا قد حصل في زمن رسول اللَّه ﷺ ، وتأكد ذلك أكثر بالنسبة للشمس، والمؤلف هنا قد وَهِم -عفا اللَّه عنه- لأنه قال: "لم تَرِد أحاديث بالنسبة للقمر"، والصَّحيح: أنه وردت -أيضًا- أحاديث تدل على أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى لكسوف أو خسوف القمر. فقد يُطلق الكسوف أو الخسوف على الشمس وعلى القمر، على حَدٍّ سواء، ويطلق الخسوف على الإيمان أيضًا، فإذا ما حصل ذلك فإن الناس يفزعون إلى الصلاة. ولذلك نجد أن رسول اللَّه ﷺ عندما خسفت الشمس على زمن رسول اللَّه ﷺ فتكلم البعض، لأنه مات ابنُ رسول اللَّه ﷺ إبراهيم، قام رسول اللَّه ﷺ خطيبًا في الناس فقال: "إنَّ الشَّمسَ والقمَرَ آيتانِ مِن آياتِ اللَّه، لا يخسفانِ لِمَوتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادْعُوا اللَّهَ، وكبِّروا، وصَلُّوا، وتصَدَّقوا"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أمَّةَ مُحمَّدٍ، واللَّهِ ما من أحدٍ أغيَرُ من اللَّهِ أن يَزنِيَ عَبدُه، أو تَزنيَ أمَتُه"، ثم قال -أيضًا- رسول اللَّه ﷺ : "أمَّةَ مُحمَّدٍ، لو تَعلمونَ ما أعلَمُ لَضَحِكتُم قليلًا ولبكَيتُم كثيرًا" (١). حيث إن اللَّه قد أطلع نبيه على أشياء من أمور الغيب، ولذلك يعلم الرسول اللَّه مما عَلَّمه اللَّه، لا أنه يعلم الغيب فهو يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. فرسول اللَّه ﷺ لا يعلم إلا ما علّمه اللَّه ، مثلما ورد في حديث الإسراء، والمشاهد التي وقف عليها رسول اللَّه ﷺ في ذلك: فرأى أولئك الناس الذين يُعَذَّبون، ورأى من الآيات الشيء الكثير.

стр. 2678

ومن هذا يتبين أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، وآيات اللَّه كثيرة. وفي كلِّ شيء له آية … تدل على أنَّه الواحد فلو تدبر الإنسان في نفسه لوجد آيات كثيرة، لوجد العبر التي تكفيه أن يُدرك بأن اللَّه واحدٌ لا شريك له، كما يجد ذلك في مخلوقاته من جبالٍ وأوديةٍ وسهولٍ ومن حيوانٍ ومن نباتٍ، وعندما يرفع نظره إلى السماء في النجوم، في القمر، في الشمس، وعندما يخفض بنظره إلى الأرض فيرى الأنهار، والبحار؛ فهذه آيات من آيات اللَّه ، وهي خلق من خلقه، فاللَّه إنما خلقها نعمةً لعباده؛ خلقها وسَخَّرها لعباده، ليشكروه ، والشكر يقتضي منهم أن يحمدوه ، وأن يعترفوا له بصفات الكمال والجلال. * قوله: (اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سُنَّة، وَأَنَّهَا فِي جَمَاعَةٍ). صلاة الكسوف ليست من الواجبات، وإنما هي سُنةٌ من السُّنن (١).

стр. 2679

ولذلك يقول بعض العلماء باستحباب الاغتسال لها (١)؛ كاغتسال الجمعة، وهي سُنة؛ لأن رسول اللَّه ﷺ فعلها، وفعلها فى جماعة (٢)، وفعلها المسلمون في زمن رسول اللَّه ﷺ حين صلوا وراءه، كما جاء في حديث عائشة عندما كسفت الشمس، حيث خرج رسول اللَّه ﷺ يُصلِّي؛ فصف الناس وراءه (٣). واختلف العلماء في صفتها (٤)، كما سيأتي؛ فَمِن العلماء مَن يرى أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وركوعان، وكذلك سجودان وقراءتان، بحيث يقوم الإمام فيفتتح الصلاة، كما هو معلوم بأن يُكبر التكبيرة المعروفة، ثم يتعوذ ويقرأ بسورة طويلة في الركعة الأولى؛ كالبقرة؛ لأنه جاء عن الرسول ﷺ أنه قرأ نحو ذلك (٥)، ثم يطيل القراءة، ثم بعد ذلك يَركع ويطيل في ركوعه، ثم يرفع مرةً أُخرى، ويقرأ قراءة طويلة دون

стр. 2680

الأولى، ثم يركع ثم يرفع ثم بعد ذلك يسجد فيطيل في السجود، ثم يرفع ويسجد، ثم يقوم للركعة الثانية ويفعل فيها كما فعل في الأولى إلا أنه أقل، فعَنْ أَسْمَاءَ بنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى اللَّه عنها-: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ" (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَأَطَالَ القِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القِيَامَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، تُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوع الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ" (٢). ومن العلماء (٣) مَن يرى أنها تُصلى كسائر الصلوات التي تُؤدى

стр. 2681

ركعتين (١)؛ كالجمعة، وكالعيدين، وكالاستسقاء. وقد وردت أحاديث مشهورة في "الصَّحيحين" وفي غيرهما على الصفة التي ذكرناها، وهي التي أخذ بها جمهور العلماء، كما سيذكر المؤلف ذلك. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا، وَفِي صِفَةِ القِرَاءَةِ فِيهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا، وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كُسُوفُ القَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟). يبحث المؤلف هنا عدة مسائل: مثل صفة صلاة الكسوف (٢)، وهذه صفة أُخرى لصلاة الكسوف؛

стр. 2682

فعن عائشة قالت: "كُسِفَتِ الشمسُ على عهدِ النبيِّ ﷺ ؛ فقامَ النبي ﷺ قيامًا شديدًا؛ يقومُ بالناس، ثم يركعُ، ثم يقومُ، ثم يركعُ، ثم يقومُ، ثم يركعُ، فركع ركعتين؛ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركعاتٍ، يَركعُ الثالثةَ ثم يسجد، حتى إن رجالًا يومئذ ليُغشى عليهم مما قامَ بهم، حتى إن سِجَالَ الماء لَتُصَبُّ عليهم يقول إذا ركع: اللَّهُ أكبرُ، وإذا رفع: سَمِع اللَّه لمن حمده، حتى تجلَّت الشمسُ" (١). وصفة القراءة فيها طولًا وقِصرًا (٢)، أما عن القراءة، فقد وردت

стр. 2683

النصوص بطول القراءة بما يُقارب قراءة سورة البقرة؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أنه قَال: "انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَصلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. . . " (١). وقت أدائها وهي مِن ذوات الأسباب، على أن للإمام الشافعي مذهبًا راجحًا (٢)، وهو أقرب الأقوال إلى الأدلة: أنَّ السُّنن ذوات الأسباب تُصلى في أيِّ وقتٍ كان. ولكن العلماء يَختلفون (٣) فيما لو اجتمعت صلاتان أيهما يُقَدَّم؟ الواجبة باعتبارها وَجَبت علينا، أم هذه مراعاة للفوات؟

стр. 2684

نظرًا؛ لأن صلاة الكسوف أو الخسوف لا تُقضى، فهي تصلى إلى أن تنجلي الشمس أو القمر، وإن انجلت الشمس أو القمر والناس في الركعة الأولى فإنهم يأتون بالثانية، وربما خَفَّفوا، ومع ذلك فلو فاتت الإنسان فإنه لا يَقضيها؛ لأنها إنما شُرِعت لحكمة، وهي ظاهرة، هو كما قال الرسول ﷺ : "حَتَّى يَنجلي ما بكم" (١). وفي هذا يقول ابن قدامة: "وإذا اجتمع صلاتان؛ كالكسوف مع غيره من الجمعة، أو العيد، أو صلاة مكتوبة، أو الوتر، بدأ بأخوفهما فوتًا، فإن خيف فوتهما بدأ بالصلاة الواجبة، وإن لم يكن فيهما واجبة؛ كالكسوف والوتر أو التراويح، بدأ بآكدهما" (٢). ويقول الشافعية: "وإذا اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتًا، ثم يصلي الأخرى" (٣). وقد نَبَّه العلماء على أمور وبَيَّنوا أن صلاة الكسوف ليس فيها آذانٌ ولا إقامة (٤)، وأنه يُنادى لها: "الصلاة جامعة" (٥)، وهذا ثبت في

стр. 2685

"الصحيحين" من حديث عائشة وغيرها: "أنه نُودي في زمن رسول اللَّه ﷺ : "الصَّلَاةُ جامِعةٌ" (١). فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: "إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ" (٢). واختلف العلماء أيهما الأفضل، أن تُصلى في جماعة أو فرادى؟ والصحيح: أنَّ الأفضل فيها أن تُصلى جماعة، سواءٌ كان ذلك فيما يخص كسوف الشمس أو خسوف القمر. يقول الحنفية (٣): "وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحد بنفسه، وليس في الكسوف خطبة". المالكية (٤)؛ قال مالك: "ولم يَبلغنا أنه ﷺ صلى بالناس إلا في

стр. 2686

خسوف الشمس، ولم أسمع أنه يجمع لخسوف القمر، ولكن يصلون أفذاذًا ركعتين ركعتين، كسائر النوافل، ويَدعون، ولا يجمعون". الشافعية (١): "المستحب أن يُصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع". * قوله: (وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ أَمْ لَا؟). أيضًا هل مِن شرطها الخطبة؟ جماهير العلماء الأئمة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد يقولون: لا خُطبة فيها (٢). فعند المالكية: لا خُطبة فيها، يقصدون صلاة الكسوف، وحملوا الخطبة التي ألقاها النبي ﷺ على أنها مِن قَبيل الموعظة والتذكير، وليست خطبة. والشافعي يقول (٣): "فيها خطبة قياسًا على الجمعة، فإذا فرغ من

стр. 2687

الصلاة، فالسنة أن يَخطب خطبتين، يفصل بينهما بجلسةٍ؛ يحمد اللَّه فيهما، ويُصَلِّي على النبي ﷺ ، ويوصي بتقوى اللَّه، ويقرأ آية". ويستدلون بالحديث الذي جاء في آخره: أن الرسول ﷺ يقول: "فإذا رأيتُم ذلك؛ فادعوا اللَّه، وكبِّروا، وصَلُّوا وتَصَدَّقوا"، يُشير بذلك إلى الحديث المتفق عليه، وهو: ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتِ الشَّمْسُ؛ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (١). ولذلك ذكر العلماء أنه في هذه المناسبة يُكثر الإنسان من ذكر اللَّه ؛ لأن اللَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. إذًا يُكثر الإنسان من ذكر اللَّه وتسبيحه وتحميده وتكبيره؛ قال : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠، ١١١]، وجاء هذا بعد قول اللَّه : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ. . .﴾. لما كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "يا اللَّه، يا رحمن"، قالوا:

стр. 2688

يشركون أيضًا، كيف يُنكر علينا عبادتنا وهو يدعو إلهين؟ فأنزل اللَّه : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] (١). والشاهد هنا: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾؛ أي: عَظِّمه تعظيمًا، فهو أكبر من كل شيء، لا أكبر من اللَّه ! وإذا كان كذلك فينبغي أن تَحمده في كل الأحوال في حَالَتَي السَّراء والضراء؛ فـ "عجبًا لأمر المؤمن كله خير؛ إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سرَّاء شكر، فكان خيرًا له" (٢). وهكذا رأينا جهابذة (٣) العلماء الذين مَرُّوا بمواقف صعبة؛ وأُوذوا في سبيل اللَّه، وظُلموا وطُردوا، وأُلقيت السلاسل في أيديهم، وغُلت أعناقهم، وألقوا في غيابات (٤) السجن فصبروا، كما حصل للإمام أحمد؛ لقوله: "إن (القرآن الكريم) كلام اللَّه، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود". فقد كانوا يريدونه أن يقول بخلق القرآن، وحاشاه أن يقول ذلك، وصبر على ذلك، واحتسب في سبيل اللَّه، وتوالى عدد من الولاة وهو يُعَذَّب، ثم جاء الوالي الرابع فأخرجه وأكرمه وعرض عليه جميعَ زخارف (٥) الدنيا، فأعرض عنها؛ لأنه أدرك أنه قد ابتُلي بالضراء فصبر، وهذه السراء فامتنع عنها.

стр. 2689

إذًا، من هذا نتبين أن هذه الصلاة آية من آيات اللَّه ، وفيها دروسٌ ومواعظ وتذكير لعباد اللَّه المؤمنين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. وقد يوجد من الناس مَن تَقرعه الآيات والأحداث، لكنه لا يَتَّعِظ، ولا يرجع إلى اللَّه ؛ فيُخشى على هذا أن يطمس على قلبه. * قوله: (وَهَلْ كُسُوفُ القَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟ فَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ أَصُولٌ فِي هَذَا البَابِ). المؤلف اقتصر على خمس مسائل رئيسية، وترك مسائل أُخرى يراها من الجزئيات، ونحن ننبه على بعضها في حينه إن شاء اللَّه. * قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَحْمَدُ: أَنَّ صَلَاةَ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ). فهذا مذهب الجمهور (١). * قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ العِيدِ وَالجُمُعَةِ). وأبو حنيفة ﵀ (٢) يُوافق الجمهور على أنهما ركعتان، لكنه يخالف في الكيفية، حيث يرى أنها تُؤدى كسائر الصلوات التي تُؤدى ركعتين؛ كالجمعة والعيدين. ومن حيث الجملة، فإنَّ كُلًّا مِن المذهبين؛ مذهب الجمهور ومذهب

стр. 2690

أبي حنيفة جائز؛ لأن لكلِّ من الرأيين أدلة من أقوال رسول اللَّه ﷺ وصحابته والتابعين والسلف الصالح، فالحديث هنا عن أيِّهما أفضل، لا عن أيهما جائز؛ لأن هذه الصلاة أصلها سُنَّة. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي هَذَا البَابِ). يقصد الأحاديث الواردة في هذه المسألة. * قوله: (وَمُخَالَفَةُ القِيَاسِ لِبَعْضهَا). وكذلك القياس (١). * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ. . .).

стр. 2691

النبي ﷺ قام فأطال القيام، وقد ورد في حديث عائشة أنها حَزَرَتْ (١) قراءته نحو سورة البقرة، وشبيه بهذا حديث ابن عباس أيضًا. * قوله: (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونُ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ") (٢). * قوله: (تَجَلَّتِ): يعني زال ما بها مِمَّا حَجَبَها. * قوله: (وَلمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ). حديث عائشة الذي ذكره المؤلف متفقٌ عليه، وكذلك حديث ابن عباس أيضًا. * قوله: (أَعْنِي: مِنْ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ) (٣). أي: الركعة الواحدة فيها قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان، على خلاف المعتاد. قول: (قَالَ أَبُو عُمَرَ (٤): هَذَانِ الحَدِيثَانِ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا البَابِ (٥)، فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، وَرَجَّحَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ قِبَلِ النَّقْلِ، قَالَ: صَلَاةُ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَةٍ. وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ

стр. 2692

حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ (١) وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ (٢) وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (٣) وَالنُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ (٤)). هذه الأحاديث وردت مُتفرقة بأسانيد مختلفة، فليست كلها حديثًا واحدًا، فكل صحابي له حديثه. * قوله: (أَنَّهُ صَلَّى فِي الكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ العِيدِ) (٥).

стр. 2693

وهذا دليلٌ للحنفية، بمعنى: صَلَّى ركعتين كالصلاة المعروفة؛ من حيث إنه كَبَّر قائمًا، وقرأ، ثم ركع، ورفع من الركوع، ثم سجد، ورفع من السجود، ثم سجد، ورفع، وفعل مثله في الثانية، ثم تَشَهَّد. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: "وَهِيَ كُلُّهَا آثَارٌ مَشْهُورَةٌ صِحَاحٌ") (١). ابن عبد البر، هو يوسف بن عبد البر الذي يُكثر المؤلف من النقل عنه؛ فهو عمدتُه في النقل بالنسبة للمذاهب، وهو صاحب الكتابين المشهورين "التَّمهيد" و"الاستذكار". * قوله: (وَمِنْ أَحْسَنِهَا: حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ). يقصد الأحاديث الصحاح الأخيرة التي عن أبي بكرة وغيره. * قوله: (قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الكُسُوفِ نَحْوَ صَلَاتِكُمْ؛ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ") (٢). * قوله: (وَيَسْأَلُ اللَّهَ)، ففي مثل هذا الموقف على الإنسان أن يُكثر من التحميد، ومن التضرع إلى المولى، ومِن الدعاء، ومن التقرب إليه بالأعمال الصالحة من الطاعات، وأن يُكثر من الصدقات، ومن العتق، وأن يتجه إلى اللَّه بقلبٍ سليم وبنية صادقة، فاللَّه

стр. 2694

- مع الذين اتقوا والذين هم مُحسنون، وما خَذَل اللَّه المؤمنين في موقف من المواقف إذا ما عادوا إليه، أو إذا ما نَصروا دينه، فهو دائمًا مع المؤمنين: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وقد نصر المؤمنين ببدرٍ وكانوا أذلة، عددهم قليل، وعدتهم لا تساوي شيئًا بالنسبة لأعدائهم، كذلك نصرهم -أيضًا- يوم أُحُدْ، ولمَّا خالف الرماة توجيهَ رسول اللَّه ﷺ ؛ ماذا حلَّ بهم؟ ولما أُعجب المؤمنون بكثرتهم يوم حنين؛ ماذا حلَّ بهم؟ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥]. فكلما عاد المسلمون إلى اللَّه فهو معهم ولا يَخذلهم؛ لأن هؤلاء هم عيال اللَّه، فلا يَتركهم لأعدائهم، ولكنهم إذا خرجوا سَلَّط اللَّه عليهم أعداء من أنفسهم، وقَلُّوا -أيضًا- في أعين أعدائهم. وخير مثال نتخذه على ذلك ما حصل للمسلمين يوم وقعة التتار لما كان المسلمون في خلافٍ يتطاحنون، وأعدائهم يُطَوِّقون عليهم عاصمتهم بغداد؛ دار السلام، ويأتونهم من كل حدبٍ (١) وصوب (٢)، والتتار مُشتهرون بالقوة والبأس الشديد، حتى إن ابن الأثير وهو يصفهم كان يقول: "لا يمرُّون على أمةٍ إلا حولوها رميمًا، ولا على شعبٍ إلا جعلوه ركامًا" (٣)؛ فأوقعوا بالمسلمين تلك الضربة التي سالت فيها الدماء. فلما قام رجلٌ صالح هو شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذلك، وأخذ يسعى في توحيد كلمة المسلمين، فيتردد بين مصر والشام؛ ليربط المسلمين

стр. 2695

كلهم في سياجٍ (١) واحد وتحت دولة واحدة وكلمة واحدة هي كلمة التوحيد، زالت الخلافات وكلهم انضووا (٢) تحت لواء لا إله إلا اللَّه، وراجعوا أنفسهم وأصلحوا عيوبهم وأزالوا ما كان ينتشر بينهم من مُنكرات، فماذا حصل؟ عاد التتار بقوتهم، ولكن الحال قد تَغَيَّر؛ لأن كلمة المسلمين قد اجتمعت، واللَّه حَذَّرنا من الفرقة والاختلاف: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. ونهانا عن التنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]. وظلَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية يتردد بين الجنود، ويَحُثهم على الجهاد، وكان ﵀ يجاهد بلسانه وبقلمه، ويحمل السيف أيضًا، وكان يقول للمؤمنين: "واللَّهِ لَتُنصَرُنَّ". فيقولون له: ألَا تقول: إن شاء اللَّه، فيقول: "أقولها تحقيقًا لا تعليقًا"؛ لأن إن شاء اللَّه تعليق، يَحصل أو لا يحصل، هو يقولها تحقيقًا؛ لأن كُلَّ أسباب الفشل والهزيمة قد زالت، وحلَّ محلها أسباب النصر والقوة، ولذلك كان قد أيقن -رحمه اللَّه تعالى- أن الأمر سيُحسم. فانقض المسلمون على أعدائهم، وأذاقوهم كأس الموت كما أذاقوه لهم من قبل، وكانوا يربطون أنفسهم بالسلاسل، ويسقطون في الأنهار؛ فامتلأت جثثهم الصحراء والبادية؛ لأن المسلمين عادوا إلى اللَّه . فهذا موقف عظيم، وينبغي للمسلمين في كل حالٍ من الأحوال أن

стр. 2696

يرجعوا إلى اللَّه ؛ قولًا وعملًا؛ فنُغير المنكرات في بلاد المسلمين، ونطبق شريعة اللَّه، ونطرح القانون الوضعي، وإذا أردنا أن ينصرنا اللَّه على أعدائنا، وأن تعود لنا الكلمة والهيمنة والسلطة، وأن يخافنا أعدائنا فَلْنَعُد إليه ، ولننضوي تحت لواء كتابه وسُنة رسوله ﷺ الذين أمرنا بالاعتصام بهما، وعدم الخروج عليهما، وقد كان الصحابة يفتحون البلاد بقلوبهم قبل سيوفهم، وكانوا مميزين بين الناس بأخلاقهم الكريمة، وأفعالهم هي التي تصدق أقوالهم. وكانوا إذا تعلموا من الرسول ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوهن حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل؛ فجَمعوا بين العلم والعمل؛ فكانوا قدوة صالحة؛ لأنهم تَرَبَّوا في مدرسة النبوة، ونهلوا من مشكاتها؛ رَبَّاهم محمد بن عبد اللَّه ﷺ على التقوى؛ فكانوا خير قدوة يُقتدى بها بعد رسول اللَّه ﷺ . ولو أردنا أن نُقَلِّب صفحات التاريخ ونرى ما مرَّ بالمسلمين من قوة، ثم تَحَوَّل إلى ضعف، ثم إلى قوة - فإن ذلك يرجع إلى ارتباطهم باللَّه ، وخضوعهم له. وقد يحصل خللٌ في المسلمين، أو تقصير من أفرادهم، لكن المسلم عليه أن يرجع إلى اللَّه، ودائمًا أبواب التوبة مفتوحة أمامه؛ قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وقال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فاللَّه يقبل توبة المذنبين، ويشد من أزرهم (١). * قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الآثَارَ، لِكَثْرَتِهَا، وَمُوَافَقَتِهَا لِلْقِيَاسِ، أَعْنِي: مُوَافَقَتَهَا لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ: "صَلَاةُ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ". قَالَ

стр. 2697

القَاضِي: "خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ سَمُرَةَ" (١)). قوله: (قَالَ القَاضِي) يقصد نفسه. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَبِالجُمْلَةِ، فَإِنَّمَا صَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ (٢)، وَلذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ: الطَّبَرِيُّ (٣). قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى؛ فَإِنَّ الجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ). الطبريُّ: هو ابن جرير الطبري الإمام المشهور المُفَسِّر، وهو أول عالمٍ أكمل تفسير كتاب اللَّه ؛ "تفسير الطبري"، وهو كتابٌ عظيم، واسمه: "جامع البيان"، ولا يُوجد تفسير أعظم منه ولا أجمع منه، وهو الذي يُعرف بالتفسير بالمأثور؛ أي: بالآثار، وإن ورود الإسرائيليات (٤) فيه لا تؤثر؛ لكونه ينقلها. وتوفي سنة ثلاثمائة وعشر. فقيل: إن باب الاجتهاد أُغلق به. وهذه دعوى بلا دليل، والصحيح:

стр. 2698

أن باب الاجتهاد لم يُغلق ولن يغلق، وإن كانت همم العلماء وجهودهم قد قصرت، فقالوا: ينبغي أن يُعنى بالتركة التي تركها أئمتنا وتلاميذهم، ونترك البحث في المسائل الأخرى. والحقيقة: أن باب الاجتهاد مفتوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها (١). ولكن يبقى أنَّ مَن يقوم بالاجتهاد في شريعة اللَّه يجب أن يكون أهلًا، للاجتهاد؛ بحيث تتوفر فيه شروطه، التي تكلم عنها الفقهاء والأصوليون؛

стр. 2699

كالشافعي وغيره (١).

стр. 2700

* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَبِالجُمْلَةِ: فَإِنَّمَا صَارَ كلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ، وَلِذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى). المؤلف يرى أنَّ كُلًّا مِن المذهبين جائز، ولكن الذي لا شك فيه أن الأَوْلَى هو ما اشتهر في هذه المسألة. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: "عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ"، وَ"ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ") (١). ("عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")، يعني: أن كل ركعة فيها خمس ركوعات، بحيث يَركع خمس مرات في الأولى وخمسًا أُخرى في الثانية؛ فيكون المجموع في الركعتين: عشر ركوعات، هذا هو المراد. وكذلك ثماني ركوعات؛ أي: في كل ركعة أربع ركوعات؛ فيكون مجموع الركعتين ثماني ركوعات. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ"). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ): هو ابن عبد البر، وهو يتردد كثيرًا في هذا الكتاب؛ لأنه أحد المصادر التي يعتمد المؤلف على مؤلفاته، وبخاصة كتابه "الاستذكار"؛ فهو من أهم مراجع كتاب "بداية المجتهد".
следующие страницы →