← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

يرجعوا إلى اللَّه ؛ قولًا وعملًا؛ فنُغير المنكرات في بلاد المسلمين، ونطبق شريعة اللَّه، ونطرح القانون الوضعي، وإذا أردنا أن ينصرنا اللَّه على أعدائنا، وأن تعود لنا الكلمة والهيمنة والسلطة، وأن يخافنا أعدائنا فَلْنَعُد إليه ، ولننضوي تحت لواء كتابه وسُنة رسوله ﷺ الذين أمرنا بالاعتصام بهما، وعدم الخروج عليهما، وقد كان الصحابة يفتحون البلاد بقلوبهم قبل سيوفهم، وكانوا مميزين بين الناس بأخلاقهم الكريمة، وأفعالهم هي التي تصدق أقوالهم. وكانوا إذا تعلموا من الرسول ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوهن حتى يتعلموا ما فيهن من العلم والعمل؛ فجَمعوا بين العلم والعمل؛ فكانوا قدوة صالحة؛ لأنهم تَرَبَّوا في مدرسة النبوة، ونهلوا من مشكاتها؛ رَبَّاهم محمد بن عبد اللَّه ﷺ على التقوى؛ فكانوا خير قدوة يُقتدى بها بعد رسول اللَّه ﷺ . ولو أردنا أن نُقَلِّب صفحات التاريخ ونرى ما مرَّ بالمسلمين من قوة، ثم تَحَوَّل إلى ضعف، ثم إلى قوة - فإن ذلك يرجع إلى ارتباطهم باللَّه ، وخضوعهم له. وقد يحصل خللٌ في المسلمين، أو تقصير من أفرادهم، لكن المسلم عليه أن يرجع إلى اللَّه، ودائمًا أبواب التوبة مفتوحة أمامه؛ قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]، وقال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فاللَّه يقبل توبة المذنبين، ويشد من أزرهم (١). * قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الآثَارَ، لِكَثْرَتِهَا، وَمُوَافَقَتِهَا لِلْقِيَاسِ، أَعْنِي: مُوَافَقَتَهَا لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ: "صَلَاةُ الكُسُوفِ رَكْعَتَانِ". قَالَ

стр. 2697

القَاضِي: "خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ سَمُرَةَ" (١)). قوله: (قَالَ القَاضِي) يقصد نفسه. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَبِالجُمْلَةِ، فَإِنَّمَا صَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ (٢)، وَلذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ: الطَّبَرِيُّ (٣). قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى؛ فَإِنَّ الجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ). الطبريُّ: هو ابن جرير الطبري الإمام المشهور المُفَسِّر، وهو أول عالمٍ أكمل تفسير كتاب اللَّه ؛ "تفسير الطبري"، وهو كتابٌ عظيم، واسمه: "جامع البيان"، ولا يُوجد تفسير أعظم منه ولا أجمع منه، وهو الذي يُعرف بالتفسير بالمأثور؛ أي: بالآثار، وإن ورود الإسرائيليات (٤) فيه لا تؤثر؛ لكونه ينقلها. وتوفي سنة ثلاثمائة وعشر. فقيل: إن باب الاجتهاد أُغلق به. وهذه دعوى بلا دليل، والصحيح:

стр. 2698

أن باب الاجتهاد لم يُغلق ولن يغلق، وإن كانت همم العلماء وجهودهم قد قصرت، فقالوا: ينبغي أن يُعنى بالتركة التي تركها أئمتنا وتلاميذهم، ونترك البحث في المسائل الأخرى. والحقيقة: أن باب الاجتهاد مفتوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومَن عليها (١). ولكن يبقى أنَّ مَن يقوم بالاجتهاد في شريعة اللَّه يجب أن يكون أهلًا، للاجتهاد؛ بحيث تتوفر فيه شروطه، التي تكلم عنها الفقهاء والأصوليون؛

стр. 2699

كالشافعي وغيره (١).

стр. 2700

* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَبِالجُمْلَةِ: فَإِنَّمَا صَارَ كلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ، وَلِذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ القَاضِي: وَهُوَ الأَوْلَى). المؤلف يرى أنَّ كُلًّا مِن المذهبين جائز، ولكن الذي لا شك فيه أن الأَوْلَى هو ما اشتهر في هذه المسألة. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ: "عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ"، وَ"ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ") (١). ("عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")، يعني: أن كل ركعة فيها خمس ركوعات، بحيث يَركع خمس مرات في الأولى وخمسًا أُخرى في الثانية؛ فيكون المجموع في الركعتين: عشر ركوعات، هذا هو المراد. وكذلك ثماني ركوعات؛ أي: في كل ركعة أربع ركوعات؛ فيكون مجموع الركعتين ثماني ركوعات. * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ: "وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ"). * قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ): هو ابن عبد البر، وهو يتردد كثيرًا في هذا الكتاب؛ لأنه أحد المصادر التي يعتمد المؤلف على مؤلفاته، وبخاصة كتابه "الاستذكار"؛ فهو من أهم مراجع كتاب "بداية المجتهد".

стр. 2701

* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ "عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ") (١). ("عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ")، أخرج ذلك عبدُ اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند"، وأخرجه كذلك أبو داود في "سننه" والحاكمُ والبيهقيُّ، وسنعرض للكلام عن سندِه في آخر هذه المسألة؛ لأن المؤلف سيعود إليه مرةً أُخرى، وسيُشكل عليه كلام ابن عبد البر، وسنُوَجِّه ذلك إن شاء اللَّه. * قوله: (وَ"ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ") (٢). ثبت ذلك في "صحيح مسلم". * قوله: (وَ"سِتُّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ") (٣). وكذلك أيضًا هذا في "صحيح مسلم". * قوله: (وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ) (٤). هذا هو القول المشهور الذي مرَّ في أول المسألة، وهو قول جمهور العلماء، وقد جاءت به أحاديث في "الصحيحين" وفي غيرهما. * قوله: (لَكِنْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ).

стр. 2702

الضعف ليس في كلها، وإنَّما في أولها: "عشر ركعاتٍ في ركعتين"، هذا هو الذي فيه ضعف، وهو الذي ربما أومأ إليه ابنُ عبد البر في كتابه "التمهيد"، وفي كتابه "الاستذكار". * قوله: (قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَمُؤْتَلِفٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ"). أبو بكر بن المنذر أحدُ الأئمة المشهورين؛ أصحاب المؤلفات المعروفة التي عُني فيها -أيضًا- بسُنة رسول اللَّه ﷺ وجمع أقوال العلماء بأدلتها؛ فله من الكتب المشهورة: "الأوسط"، و"الإجماع"، و"الإشراف"، وغير ذلك من الكتب القيمة المفيدة. وأما إسحاق بن راهويه فهو مِن الأئمة المشهورين؛ من قرناء الإمام أحمد، ومن أصحابه، وممن رافقه في رحلاتٍ عِدَّة، وكثيرًا ما يُذكر قوله مقارنًا لقول الإمام أحمد. * قوله: (كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَمُؤْتَلِفٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ). يريد المؤلف: أنَّ ما ورد في ركعتي صلاة الكسوف -على اختلاف أقوال العلماء في ذلك- فهو مُؤتلف، بمعنى أنه متفقٌ غير مختلف؛ لأن هناك خلافًا يَنتهي إلى وِفاق، وآخر ينتهى إلى تَفَرُّق، فهذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الأَوْلَى والأفضل، وإلا فكُلٌّ يَستند إلى دليل على اختلافٍ في قوة الأدلة التي يَستدل بها كلُّ فريق. * قوله: (لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ لِتَجَلِّي الكُسُوفِ). نعم، المقصود في ذلك -كما جاء في الحديث-: "حَتَّى يَنجليَ ما بِكُم" (١). فتُصلى صلاة الكسوف حتى تَزول الغُمَّة (٢) التي غَطَّت الشمس أو

стр. 2703

القمر، ولكن لو زالت الغُمَّة والناس في صلاتهم، فإنَّهم لا يَقطعونها، بل يتمونها، ولهم أن يُخَفِّفوا فيُوجزوا. * قوله: (فَالزِّيَادَةُ فِي الرُّكُوعِ إِنَّمَا تَقَعُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ التَّجَلِّي فِي الكُسُوفَاتِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا). يقصد أنَّ ما وجدنا مِن تعدد الركعات والزيادة فيها: إنما هو مُرتبطٌ بالتَّجَلِّي وعدمه، فيُقتصر على ركعتين إذا حصل التجلي، فإن لم يحصل فإنهم يُكررون الصلاة، والمسألة فيها خلافٌ بين العلماء. * قوله: (وَرُوِيَ عَنِ العَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ المُصَلِّيَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ"). وقد ورد -أيضًا- في ذلك أثرٌ (١). * قوله: (فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَجَلَّتْ، سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ فِي الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، ثُمِّ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ، فَإِنْ كَانَتْ تَجَلَّتْ، سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانتْ لَمْ تَنْجَلِ، رَكَعَ ثَالِثَةً فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَهَكَذَا حَتَّى تَتَجَلَّى. وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: "لَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" (٢)).

стр. 2704

قوله: ("لَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ")؛ لأن هذا هو أكثر ما صَحَّ عن رسول اللَّه ﷺ ، وجاء هذا في "صحيح مسلم"، وفي بعض السُّنن وعند أحمد. * قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ المُنْذِرِ: "وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ. . . "). سيذكر المؤلفُ كلامَ ابن المنذر، ثم يحاول أن يربط بينه وبين كلام ابن عبد البر الذي ضَعَّف الروايات السابقة فيما فَهِمَه المؤلف. * قوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ المُنْذِرِ: "وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ. . . ") (١) وكان بعض أصحابنا: يعني في مذهب الشافعية. * قوله: ("الِاخْتِيَارُ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ ثَابِتٌ. . . "). ما هو هذا الاختيار؟ * قوله: (وَالخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي). يعني: أيقتصر على رُكوعين في ركعة، أو ثلاثة، أو أربعة. * قوله: ("إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، وَإنْ شَاءَ ثَلَاثَةً، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ").

стр. 2705

هذا الكلام فيه غموض، فإمَّا أن العبارة فيها سقط، أو أن فيها تحريفًا: ("وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ"). إمَّا أن يقال: "ولم يَصِحَّ عدا ذلك"، فيكون الكلام مستقيمًا، على أساس أنه ذكر الروايات الصحيحة: "ثماني ركعات في ركعتين، أو ست، وكذلك أربع"، فأردف بالقول: "ولم يصح عدا ذلك"، أو أننا نقدر محذوفًا في العبارة، فيكون الكلام: (ولم يصح عنده عدا ذلك). أو أن نقول: (ولم يصح عنده ذلك)، إشارة إلى مذكورٍ سابق، وهو (عَشْر رَكَعات في ركعتين)، واللام والكاف مع اسم الإشارة يُشير إلى البعيد، ولما لم يذكر العشر عادت الإشارة إليها، فيبقى الكلام مستقيمًا. * قوله: (قَالَ: "وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى كُسُوفَاتٍ كثِيرَةً". قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ). قال القاضي يقصد نفسَه؛ أي: الذَّاكر: هو ابن المنذر، والمذكور هو: "ثماني ركعات في ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وأربع ركعات في ركعتين"، وهذا الذي خرَّجه مسلم (١)، وأربع ركعات في ركعتين، خرّجه -أيضًا- معه البخاري (٢). فهذا ما صَحَّ. * قوله: (قَالَ القَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ). هذا الذي ذكره ابنُ المُنذر هو الذي خرَّجه مسلم، وكونه في "صحيح مسلم" دليلًا على صحته؛ لأن ما في "الصحيحين" لا يحتاج إلى أن يُحكم عليه صحةً أو ضعفًا، بل هي أحاديث صحيحة.

стр. 2706

* قوله: (وَلَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهَا: "إِنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ"). أرى أنَّ كلام ابن عبد البر إنَّما هو راجع إلى (عشر ركعاتٍ في ركعتين)، لأن ذاك في الحقيقة هو الذي ورد عن عِدَّة طرق، وكلها ضعيفة. وأخرجه عبدُ اللَّه بن أحمد (١) وأبو داود (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤)، وكل طرقِه لا تَخلو من مقال. * قوله: (وَأَمَّا عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَطْ (٥)).

стр. 2707

وليس الأمر كما قال المؤلف، بل أخرجه -أيضًا- إلى جانب أبي داود أحمدُ في "زوائد المسند"، وكذلك الحاكم، والبيهقي (١). قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّانيَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي القِرَاءَةِ فِيهَا). وكما اختلفوا في عدد الركعات وما فيها من ركوع وسجود وقيام، فقد اختلفوا في القراءة فيها من حيث السِّرية والجهرية. وهذا الخلاف -أيضًا- ليس على إطلاقه؛ لأنه لا اختلاف بين العلماء في أن صلاة خسوف القمر يُجهر فيها (٢)، وإنما خلافهم في صلاة كسوف الشمس التي تُؤدى بالنهار. * قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ القِرَاءَةَ فِيهَا سِرٌّ (٣). وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ وأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: "يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ فِيهَا").

стр. 2708

أي: أن المالكية (١) والشافعية يَرون السِّرَّ فيها، بينما يرى أبو يوسف ومحمد بن الحَسَن (٢)، وأحمد (٣) وإسحاق بن راهويه: الجهر فيها (٤). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ بِمَفْهُومِهَا وَبِصِيَغِهَا). كما قال المؤلف، فإن السبب في هذا الاختلاف هو اختلاف الأحاديث الثابتة، وقد انقسم العلماء إلى فريقين بين قائل بالسِّرِّ، وقائل بالجهر، ولكلٍّ منهما أدلته. أولًا: أدلة القائلين بالسِّرِّ: ١ - حديث عائشة الذي جاء عن طريق ابن إسحاق الذي يتكلم فيه العلماء إذا عَنعن في رواياته، أنها قالت: "تَحَرَّيْتُ فحَزَرَتُ قراءةَ رسول اللَّه ﷺ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران"، يعني: قرأ قَدْرَ سورة البقرة في الأولى وقدرَ سورة آلى عمران في الثانية (٥)،

стр. 2709

وهي قالت: "حَزَرَتُ"، ففهم من كلمة "حَزَرَت": أن الرسول ﷺ لم يَجهر؛ لأن كلمة "حَزَرَت" قولٌ مبنيٌّ على الظن والتخمين، ولو كان الرسول ﷺ قد جهر بها لما احتاجت عائشة إلى أن تقول: "حَزَرَتُ"؛ لأن الحزر إنَّما هو الظن والتخمين والتقدير. ٢ - حديث عبد اللَّه بن عباسٍ المتفق عليه أنه قال: "قام رسولُ اللَّه ﷺ قيامًا طويلًا نحو قراءة البقرة"، يعني: في صلاة كسوف الشمس، فدلت كلمة "نحو" على أنه لم يَسمع، وإلا لو سمع لقال: قرأ البقرة. ٣ - حديث عبد اللَّه بن عباس الذي ينصُّ على أنه وقف إلى جنب رسول اللَّه ﷺ وهو في صلاة الكسوف فلم يَسمع منه قِرَاءة (١). ٤ - حديث سَمُرة: "أنَّه صَلَّى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الكسوف، فلم يَسمع منه صوتًا" (٢). ٥ - قياس صلاة الكسوف على صلاة الظهر؛ لأنَّ هذه صلاة نهار وتلك صلاة نهار، وصلاة الظهر لا يجُهر فيها، كذلك -أيضًا- صلاة الكسوف في النهار لا يُجهر فيها، بجامع أن كلًّا منهما صلاة، وأنها تُؤدى في النهار. ثانيًا: أدلة القائلين بالجهر: يستدلون -أيضًا- بأدلة من السنة، وبأقوالٍ جاءت عن الصحابة، وبأفعالٍ رُويت عنهم. ١ - ثبت القولُ بالجهر عن عليِّ بن أبي طالب ﵁، ونُقل -أيضًا-

стр. 2710

عن عبد اللَّه بن زيد: أنه فعل ذلك بحضرة البراء بن عازب وزيد بن أرقم، وقد أقَرَّاه على ذلك (١). ٢ - حديث عائشة من طريق عُروة الذي أخرجه الترمذي في "جامعه"، وقال عنه: "إنَّه حَسَن صحيح"، قالت: "صَلَّى رسول اللَّه ﷺ في صلاة كسوف الشمس، فجَهَر بالقراءة" (٢). ٣ - حديث عائشة المتفق عليه: أنَّ الرسول ﷺ جَهَرَ بالقراءة في كسوف الشمس (٣). ٤ - قياس صلاة الكسوف على صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين والجُمُعة، وقالوا بأنها أقرب شبهًا بتلك الصلوات، وبخاصة صلاة العيدين وصلاة الاستسقاء، فتلك الصلاتان لا خلاف في الجهر فيهما، وهما ركعتان. والعيدان -عند كثير من العلماء- سُنَّة (٤)، وعند بعض: فرض كفاية (٥)،

стр. 2711

فهما مِن حيث السُّنية يلتقيان -أيضًا- مع صلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء (١) سُنَّة باتفاف العلماء، وعليه، فإن تشبيه صلاة الكسوف بتلك الصلاتين أقرب مِن تشبيهها بصلاة الظهر؛ لأنَّ تلك صلاة مكتوبة مفروضة ورباعية، وتُؤدى في كل يوم، وصلاة الجمعة هي مَرَّة في الأسبوع، أما صلاة العيدين إنما تُقام مرتين في السنة، وصلاة الاستسقاء إنما تُقام في المناسبة عندما يَحصل قحطٌ وتجدب الأرض؛ فيهرع الناس ويتجهون للصلاة مُتضرعين إلى اللَّه . ثالثًا: مناقشة أدلة الفريقين: أجاب الفريق الثاني عن أدلة الفريق الأول، وقالوا -بالنسبة لحديث عائشة-: "إنَّها حَزَرت قراءة رسول اللَّه ﷺ . . . " - فليس نصًّا، فلا يدل دلالة قطعية على أن الرسول لم يَجهر، وإنما قالت: "حزرت قراءته"، فهناك احتمال: أن تكون عائشة بعيدة، وأنها لا تَسمع ما يقرأ رسول اللَّه ﷺ ، واحتمال آخر: أن الرسول ﷺ لم يَبدأ من أول البقرة، وإنما بدأ من أوسطها، أو من آخرها، ثم قرأ -أيضًا- في آل عمران، ولذلك حزرت مجموع ما قرأ بأنه بقدر سورة البقرة، كما أن في سند الحديث محمدَ بن إسحاق المتكلم فيه عند العلماء إذا عَنْعَنَ. وحديث عبد اللَّه بن عباس ليس نصًّا أيضًا، ففيه احتمال أنه ربما لم يَسمع رسول اللَّه ﷺ . وأما حديثه الآخر: "أنَّه صلى إلى جنب رسول اللَّه ﷺ فلم يسمعه يَقرأ"، فحديث ضعيف، وقد نصَّ (٢) على ذلك النوويُّ، ومذهبه -أيضًا- عدم الجهر بالقراءة.

стр. 2712

أمَّا حديث سَمُرة فقد ورد فيه أنَّ الناس قد ازدحموا على المسجد (١)، وأن الناس دفعوه، ولهذا ربما كان بعيدًا عن رسول اللَّه ﷺ فلم يدرك ما قرأ. وأمَّا الفريق الأول -وهم الأكثر- فتأولوا أدلة الفريق الثاني، وقالوا: إنَّها محمولة على القراءة في خسوف القمر؛ لأنها جاءت في بعض الروايات محمولة على القراءة في كسوف الشمس. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ أَنَّهُ قَرَأَ سِرًّا؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ عَنْهُ ﵊: "فَقَامَ قِيَامًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ" (٢)). هذا الحديث الذي قال عنه: (الثَّابِتِ): حديث متفق عليه، والمؤلف له مصطلحاته، وهو القائل: "إذا قُلتُ: المشهور فهو مُتَّفقٌ عليه، والثابت: أخرجه أحد صاحِبَي "الصحيحين"، ولكنه -أحيانًا- يَخرق هذه القاعدة، فهو قال: حديث ثابت، مع أنه مُتفقٌ عليه. * قوله: (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا المَعْنَى نَصًّا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا سَمِعْتُ حَرْفًا") (٣). هذا نصٌّ في المسألة، وأنه قام إلى جنب رسول اللَّه ﷺ فلم

стр. 2713

يسمع منه حرفًا، ولكن الحديث ضعَّفه العلماء، ومنهم الإمام النووي في "المجموع" (١). وحديث سَمُرة المشار إليه سابقًا، جاء فيه: "أن الزحام كان شديدًا، وأن الناس كانوا يتدافعون، وأنه لم يستطع أن يصل إلى رسول اللَّه ﷺ "، فكان بعده سببًا في عدم السماع، ثم لا ننسى -أيضًا- أن اللَّه يقول: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ [الإسراء: ١١٠]. والمعروف: أن رسول اللَّه ﷺ تَخرج منه بعض الآيات إذا قرأ حتَّى في القراءة السرية (٢). * قوله: (وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ أَنَّهَا قَالَتْ: "تَحَرَّيْتُ قِرَاءَتَهُ، فَحَزَرْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ") (٣). قالوا: "حزرتُ" لا تدل دلالة قطعية على أن الرسول ما جَهَر بها. * قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الأَحَادِيثَ قَالَ: "القِرَاءَةُ فِيهَا سِرًّا"، وَلِمَكَانِ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الآثَارِ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الأُولَى: البَقَرَةَ). ومِمَّا يجب التنبه له أنَّ الخلافَ بين السر والجهر خلافُ استحباب. * قوله: (وَفِي الثَّانِيَةِ: آلَ عِمْرَانَ).

стр. 2714

هذا عند كثيرٍ من العلماء، ومعهم الحنابلة أيضًا (١). * قوله: (وَفِي الثَّالِثَةِ بِقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ). بعض العلماء يرون أنه يُطيل في الركعة الأولى، فيقرأ نحو سورة البقرة، الثانية: آل عمران، ثم يُخفف بعد ذلك؛ فيقرأ في الركعة الثانية: النساء ثم المائدة، وجاء عن الرسول ﷺ أنه قرأ بسورة النجم وبغيرها (٢). والعلماء متفقون على أنه لو قرأ بسورٍ قِصار لجاز ذلك (٣)، والغاية ذلك هو حصول التجلي؛ لأن هذه آياتٌ يُخَوِّف اللَّه بها عباده.

стр. 2715

* قوله: (وَفي الرَّابِعَةِ: بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمَّ القُرْآنِ. وَرَجَّحُوا أَيْضًا مَذْهَبَهُمْ هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ") (١). ("صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ"): أي: لا يُنطق بها، بمعنى: هي صلاةٌ سريةٌ، ولكن نسبة هذا القول إلى رسول اللَّه ﷺ غير صحيح، وقد نبه على ذلك الإمام الدارقطني في "سننه"، وبيّن أن هذا قولٌ من أقوال بعض الفقهاء، ونبه على ذلك غيره، وذكر -أيضًا- عبد الرزاق في "مصنفه" نسبة ذلك إلى مجاهد التابعي وإلى أبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود موقوفٌ عليهما، فهو قولٌ لمجاهد ولأبي عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود، وليس مرفوعًا إلى رسول اللَّه ﷺ ولا حتى إلى أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ فليُنتبه لذلك (٢). * قوله: (وَوَرَدَتْ هَاهُنَا أَيْضًا أَحَادِيثُ مُخَالِفَة لِهَذِهِ؛ فَمِنْهَا أَنَّهُ رُويَ: "أَنَّهُ ﵊ قَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الكُسُوفِ بِالنَّجْمِ"، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُ جَهَرَ).

стр. 2716

أخرجه ابنُ أبي شيبة مُرسلًا (١). * قوله: (وَكانَ أَحْمَدُ (٢) وَإِسْحَاقُ (٣) يَحْتَجَّانِ لِهَذَا المَذْهَبِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ الحَسَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ جَهَرَ بِالقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: "سُفْيَانُ بْنُ الحَسَنِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ") (٤). هذا الحديث أخرجه الترمذي (٥)، وقال: "إنه حسنٌ صحيح"، وصححه عيره (٦)، ويكفي في هذا الحديث المتفق عليه حديث عائشة الذي ليس عن طريق عروة، فإن فيه التنصيص على أن الرسول ﷺ جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس (٧).

стр. 2717

* قوله: (وَقَالَ: وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَبْد الرَّحْمَن بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ). يقولون: هذه انفرد بها الزهري مِن بين الرواة، أما بقية الرواة فما ذكروا في ذلك الجهر (١). * قوله: (وَكُلُّهُمْ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ الزُّهْرِيُّ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ المُتَقَدِّمَ عَنْ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ). حديث ابن إسحاق المتقدم عن عائشة التي حَزَرت فيه قراءة رسول اللَّه ﷺ . * قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِمْ بِالقِيَاسِ الشَّبَهِيِّ). القياس قسمان: • قياس عِلَّة (٢). • قياس شَبَه (٣).

стр. 2718

أحدهما قوي بإجماع، والآخر ضعيف (١)، فالقوي هو قياس العلة؛ لأنك عندما تُلحق مسألةً بمسألةٍ في حكم لا بد من وجود هذه العلة؛ أي: أن تتحقق هذه العلة القائمة في الأصل، فتراها متحققةً في الفرع. ونحن نجد أن الرسول ﷺ ذكر في حديث الأمور التي يحرم فيها الربا، ذكر أمورًا ستة، ونصَّ من بينها على البُرِّ بالبُر (٢)، ولم يذكر الأرز في ذلك الوقت، والأرز نجد أن العلة الموجودة في القمح موجودة فيه؛ سواءٌ قلنا: إنها الوزن، أو الكيل، أو الاقتيات، والطعم، فالعلة الموجودة في القمح موجودة في الأرز، وقياس العلة: هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ؛ لعلةٍ تجمع بينهما، فالقصد من قياس العلة: هو أن تُلحق حكمًا من الأحكام بحكمٍ آخر؛ لوجود علةٍ تجمع وتربط بينهما، ولا يتحقق ذلك في قياس الشبه. وهذا القياس الذي يذكره المؤلف: هو أن الفريق الثاني استدلوا من حيث القياس على أن صلاة كسوف النهار يُجهر بها، فاستدلوا بقياس

стр. 2719

صلاة كسوف الشمس على صلاة الاستسقاء والعيدين بجامع أنَّ كلًّا منهما صلاة، وأنها غير واجبة؛ مع الخلاف في صلاة العيدين في كونها فرض كفاية أو لا، إذًا القياس هنا قياس شَبَه، وليس قياس علة. ولو دققنا النظر لوجدنا أن قياس الفريق الثاني أقوى من قياس الفريق الأول؛ لأن كونك تَقيس سُنةً على سُنة، وكونها مِن ركعتين، وكونها غير مفروضة، وكونها لا تُصلى في كل يوم هو أقرب من أن تُلحق صلاة الكسوف بصلاة الظهر؛ لضعف وجه الشبه. * قوله: (فَقَالُوا: صَلَاةُ سُنَّةٍ تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ نَهَارًا، فَوَجَبَ أَنْ يُجْهَرَ فِيهَا، أَصْلُهُ: العِيدَانِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ). فرعٌ: (صلاة الكسوف) أُلحق بأصل: (صَلَاتَا الاستسقاء والعيدين)؛ لوجود شبَه يَربط بينهما، فالشَّبه في صلاتي الاستسقاء والعيدين هو هو في صلاة الكسوف. * قوله: (وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الجَمْعِ) (١). الإمام المعروف صاحب التَّفسير المعروف. * قوله: (وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّهَا الأوْلَى مِنْ طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ إِذَا أَمْكَنَتْ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَعْلَمُهُ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ). يريد المؤلف أن يقول: لو أننا جمعنا وقلنا: يجوز هذا، ويجوز هذا، فلا خلاف فيه بين العلماء، ولكن الخلاف في الأولوية والاستحباب. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى:

стр. 2720

(المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الوَقْتِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "تُصَلَّى فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَغَيْرِ المَنْهِيِّ"). صدر المؤلف الأقوال بقول الإمام الشافعي؛ لأن الشافعية يرون أن جميع السنن ذات الأسباب تُصَلَّى في أيِّ وقت من الأوقات، وهذه المسألة مرتبطة بأوقات النهي الخمسة التي ثَبتت عن الرسول ﷺ بأحاديث صحيحة بعضها في "الصحيحين"، وبعضها في "صحيح مسلم" أن رسول اللَّه ﷺ نهى أن يُصَلَّى فيها، فقد ثبت في "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ قال -في عدة أحاديث-: "لا صَلَاة بعد صلاةِ الصُّبْح حَتَّى تَطلع الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاة العَصر حَتَّى تَغرب الشمسُ" (١). وجاء في حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه مسلم وغيره أنه قال: "ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسول اللَّه ﷺ أن نُصَلِّي فيهن، أو أن نَقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع. . . " (٢)، وهي التي يتكلم عنها الفقهاء، فيقولون: حتى ترتفع قيد رمح (٣)، "وحين يقوم قائم الظهيرة"؛ أي: حين تتوسط الشمس في كبد السماء في وقت الزوال، "وحين تَضيف الشمس للغروب"؛ أي: تميل للغروب (٤). فهذه أوقات خمسة ثبت أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الصلاة فيها، فهل النهي على إطلاقه؟

стр. 2721

جاء في أحاديث أن رسول اللَّه ﷺ وَجَّه مَن نام أو نَسِي وتره: أن يُصلي بعد صلاة الصبح (١)، وهذا وقت نهي، وثبت عنه ﵊ في الحديث المتفق عليه أنه قال: "مَن نام عن صلاة أو نَسِيَها فَلْيُصَلِّها مَتى ذكرها، فإنَّه لا كفارة لها إلا ذلك" (٢)، وهذا عام في كل الأوقات. وثبت -أيضًا- "أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى بعد صلاة العصر" (٣). إذن هذه أوقات نُهي عن الصلاة فيها، وقد أذن رسول اللَّه ﷺ أن يُصَلَّى في بعضها، وصَلَّى هو في بعضها الآخر. وقال ﵊ لعليِّ بن أبي طالب: "يا عليُّ، ثلاث لا تُؤخرهن"، وذكر مِن بينها: "الجنازة إذا حضرت، والصلاة إذا أُقيمت، والأَيِّمُ إذا خُطبت" (٤). يعني: إذا أقيمت الصلاة فلا تُؤخرها، والجنازة إذا حضرت فأدِّ الصلاة عليها في وقتها، وكذلك الأيم إذا وَجدت لها كفؤًا يتقدم لخطبتها، فليس لك أن تؤخر ذلك؛ لأنك ربما تعدل عن هذا الإنسان الكفء، وقد لا يتيسر لك بعد ذلك. * قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُصَلَّى فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَغَيْرِ المَنْهِيِّ) (٥).

стр. 2722

الشافعي ﵀ انفرد مِن بين الأئمة الثلاثة، فقال: "إنَّ صلاة الكسوف تُؤدى في أيِّ وقت؛ سواء كان هذا الوقت وقتًا تُؤدى فيه الصلوات، أو لا تُؤدى فيه الصلوات بأن يكون منهيًّا عنه". والآخرون قالوا: إن صلاة الكسوف إنَّما تصلى في غير الأوقات المنهي عنها؛ أي: الأوقات التي أُذِن في الصلاة فيها. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَا تُصَلَّى فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا") (١). هذا قولُ أبي حنيفة، وكذلك مالك (٢) وأحمد (٣)، وإن كان أحمد له

стр. 2723

رواية ليست مشهورة (١) في المذهب تلتقي مع مذهب الشافعية. ومذهبُ الشافعية هو الأرجح، وهو الذي تُعضده الأدلة، وقد أَخَذ به المحققون من سائر علماء المذاهب. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ إِلَّا فِي الوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ النَّافَلَةُ") (٢). يعني: في غير الأوقات المَنهي عنها، ولا شَكَّ أن الأوقات التي تُصَلَّى فيها النافلة غير وقت النَّهي. * قوله: (وَرَوَى ابْنُ القَاسِمِ: "أَنَّ سُنَّتَهَا أَنْ تُصَلَّى ضُحًى إِلَى الزَّوَالِ") (٣). لأنَّ ذلك ليس وقتًا منهيًّا عنه. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ: اخْتِلَاقُهُمْ فِي جِنْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُصلَّى فِي الأَوْقَاتِ المَنْهِيِّ عَنْهَا). اختلافهم في جنس الصلاة التي لا تُصَلَّى في أوقات النهي (٤)، وقد مَرَّ بنا الحديث عن ركعتي الفجر فيما لو فاتت الإنسان؛ فمن العلماء مَن قال: يُصَلِّيها بعد الصلاة المفروضة، ومنهم مَن قال: لا يُصليها؛ لأن

стр. 2724

الوقت وقت نهي، فيُصليها بعد طلوع الشمس. وقد رأينا أنه يجوز هذا وذاك، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعد طلوع الشمس خروجًا من الخلاف وابتعادًا عنه. * قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الأَوْقَاتِ تَخْتَصُّ بِجَمِيعِ أَجْنَاسِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَجُزْ فِيهَا صَلَاةُ كُسُوفٍ، وَلَا غَيْرُهَا). يعني: مَن رأى أن تلك الأوقات تختص بجميع الصلوات، قال: إنَّ صلاة الكسوف من جنس الصلوات؛ فلا تُصَلَّى وإن كان وقتها محددًا، وربما لو أُجِّلَت تَتجَلَّى. ولسائل أن يسأل إذا كان هذا هو رأي الأئمة الثلاثة، وهو عدم جواز أداء صلاة الكسوف في الأوقات الخمسة المنهي عنها شرعًا، فما الحل إذا كسفت الشمس في هذه الأوقات؟ قالوا: يدعون اللَّه مُتصْرعين إليه مُظْهِرين ضَعفهم وحاجتهم إليه؛ لأن الدعاء لا يختص بوقت دودن آخر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الأَحَادِيثَ تَخْتَصُّ بِالنَّوَافِلِ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ فِي الكُسُوفِ سُنَّةً، أَجَازَ ذَلِكَ) (١). وهذا المذهب هو أرجح الأقوال؛ لقوة أدلته، وأشرنا إلى بعضها بالنسبة لقضاء ركعتي الفجر، وكون الرسول ﷺ أتاه وفدٌ مِن بني عبد القيس؛ ليسلموا، فانشغل ﵊ عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر. والكلام في هذا طويل، وقد جاء في "صحيح البخاري" في قصة عبد اللَّه بن عباس، والمِسْوَر بن مَخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر عندما

стр. 2725

أرسلوا كريبًا إلى عائشة فسألها، فأحالتهم إلى أم سَلَمة، وبينت أم سلمة أن رسول اللَّه ﷺ سُئِل عن ذلك، وهي السائلة كما جاء في بعض الأحاديث، وأنه أفاد ﵊ بأنهما الركعتان بعد الظهر، وشُغِل عنهما (١). وورد في هذا المعنى الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن السَّجْدتيْن اللَّتَيْن كان رسول اللَّه ﷺ يُصَلِّيهما بعد العصر، فقالت: "كان يُصَلِّيهما قبل العصر، ثم إنَّه شُغل عنهما، أو نَسِيَهما؛ فصَلَّاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صَلَّى صلاةً أثبتها" (٢). فكون الرسول ﷺ صلى في وقت نهي دليل على جواز ذلك، ودعوى أن هذه خاصة برسول اللَّه ﷺ لم يَرِد دليل صريح عليها. * قوله: (وَمَنْ رَأَى أَيْضًا أَنَّهَا مِنَ النَّفْلِ، لَمْ يجِزْهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، فَلَيْسَ لَهَا وَجْهٌ إِلَّا تَشْبِيهُهَا بِصَلَاةِ العِيدِ) (٣).

стр. 2726

لا شَكَّ أن هذا التعليل أو التوجيه الذي نقض فيه المؤلف مذهب المالكية في مَحله، علما أن المؤلف مالكي، عاش وترعرع ونشأ ودرس المذهب المالكي، ولم يَعرف غيره إلا عن طريق الاطلاع، ومع ذلك ما تأثر، والمؤلف له بعض الانزلاق والأخطاء التي وقع فيها في جانب العقيدة، وهذا أمر نسأل اللَّه لنا وله العافية منه، والعلماء قد تكلموا فيه كلامًا طويلًا، ولكننا نتكلم الآن عن الفقه وأنه غير متأثر في هذه المسألة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا: هَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ). اختلف العلماء في المسألة: هل مِن شروط صلاة الكسوف خطبة بعد الصلاة أو لا؟ فذهب الشافعيَّةُ (١): إلى القول بالخطبة بعد الصلاة وانجلاء الشمس أو القمر على غِرَار خُطبة الجمعة والعيدين. أمَّا جمهور العلماء (٢): فإنَّهم لا يرون الخطبة.

стр. 2727

وسبب الخلاف في ذلك: أنَّه جاء في الحديث الصحيح وبروايات متعددة أن رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا يخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللَّه، وكبِّروا، وصَلُّوا، وتَصَدَّقوا" (١). وجاء -أيضًا- في هذا الحديث: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "واللَّهِ ما أحدٌ أغيرَ مِن اللَّه أن يَزني عبدُه، أو أن تَزني أَمَتُه" (٢). وجاء -أيضًا- فيه أنه ﵊ قال: "يا أُمَّة مُحمد، واللَّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٣). والشافعيَّة أخذوا من هذا: أنه بعد أن فرغ رسول اللَّه ﷺ من صلاة الكسوف، وأنعم اللَّه على عباده بتجلي الشمس وزوال ما بهم من غَمٍّ وهَمٍّ ومن خوف بعد أن عادوا إلى اللَّه واطَّرحوا بين يديه خاشعين ذليلين متضرعين تائبين متصدقين؛ فإن اللَّه قد رفع ما بهم. فرأى الشافعية أنَّ هذه خُطبة خطبها رسول اللَّه ﷺ ؛ لتكون نِبراسًا يهتدي بها الناس بعده، يهتدي بها المسلمون، وأنه ينبغي أن يُعمل بهذه السُّنَّة، فتقرر بذلك الخطبة. وجمهور العلماء يقولون: إنَّ ما حصل من خطبة رسول اللَّه ﷺ إنَّما هي دعوة وتوجيه وإرشاد لأمته؛ لأنهم يحتاجون إلى بيان الحكم، فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يُبين لهم الحكم، فبين لهم ما يفعل في ذلك،

стр. 2728

وهو أنهم في مثل هذه الحالة ليس أمامهم ولا عليهم إلا أن يرجعوا إلى اللَّه ؛ مُستغفرين تائبين، فيدعون اللَّه سِرًّا وجهرًا، ويكبرون اللَّه ويحمدونه، ويثنون عليه، ويؤدون الصلوات، وكذلك يتصدقون ويُكثرون من الإعتاق، فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يُبين لهم هذه الأحكام؛ لأنَّه مأمور ببيان ذلك، واللَّه -تعالى- يقول له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فالرسول ﷺ جاء لِيُبلغ هذا الكتاب إلى هذه الأمة؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ولا ننسى -أيضًا- أن الكسوف تزامن مع موت إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ ؛ فتردد في أذهان بعض الناس أنَّ الشمس كسفت لموت إبراهيم؛ فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يُبَيِّن لهم أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان يُخَوِّف اللَّه بهما عباده؛ ليعودوا إليه، فيصلحوا ما فَسَد من أعمالهم، ويَجبروا ما نقص منها، فيكرمهم ويرفع عنهم ما حَلَّ بهم من ضعف وخوف وقحط. * قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الكُسُوفِ) (١). ومعهما الإمام أحمد. والجمهور يقولون: إنَّ خطبة رسول اللَّه ﷺ لم يكن القصد منها تقرير حكم خطبة، وأنها مشروعة في هذا المقام على النحو المعروف في خطبة الجمعة، وإنما القصد من ذلك بيان الأحكام للناس، بخلاف الشافعية الذين يَرون أن القصد من خطبة الرسول كان تقريرًا لحكمها (٢).

стр. 2729

ولكن لا مانع أن يتقدم الإمام بعد صلاة الكسوف بتذكير الناس بأيام اللَّه، وما أعد لهم من الثواب الكريم لأهل الطاعة والعذاب الأليم لأهل المعصية، وأن يَعظهم ويبين لهم ما يجب عليهم تجاه ربِّهم، ويُرَهِّبهم بعذاب القبر ويرغبهم في نعيمه. فلا شَكَّ أن للإمام أن يوجه الناس وأن ينصحهم في كل وقت من الأوقات، ولكن -أيضًا- لا ينبغي أن يُكثر ذلك؛ لأن رسول اللَّه ﷺ كان يتعاهد الناس بالموعظة، فما كان يكثر المواعظ؛ لأن الناس لو أكثرت عليهم ربما يَملُّون (١). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ العِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ. . .). فالشافعية ترى أن الخطبة مُقررة على غِرَار خطبة العيد. والجمهور يرون أنها كانت لبيان الأحكام فقط، كما سبق أن فَصَّلْتُ. * قوله: (لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الكُسُوفِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا رَوَتْ: "أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ"، الحَدِيثَ (٢)، فَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا خَطَبَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الخُطْبَةَ كَالحَالِ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أُولَئِكَ: أَنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﵊ إِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ زَعَمُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ ﵇).

стр. 2730

وما ذكرناه من أنهم قالوا: إن القصد من الخطبة هو بيان الأحكام ذات العلاقة بتلك الصلاة. قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي كُسُوفِ القَمَرِ). المؤلف فَصل بين ما يتعلَّق بكسوف الشمس؛ لأنه لا خلاف في الصلاة لها وبين كسوف القمر؛ لوجود خلاف في ذلك. ولكن الحقيقة أن الخلاف في أداء الصلاة جماعة. فهناك مِن العلماء مَن يرى أن صلاة خسوف القمر لا تُؤدى جماعة، وإنما تُصلى فرادى، وبعضهم يرى أنه يقتصر في ذلك على الدعاء فقط، أما صلاة كسوف الشمس فمتفق على أنها تُؤدى جماعة (١). * قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ (٢)، وَعَلَى نَحْوِ مَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٣) وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ (٤).

стр. 2731

وَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ). مذهب مالك فيه تفصيل (٣). * قوله: (وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ لَهُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ). أفذاذًا يعني: أفرادًا، فردًا فردًا (٤) * قوله: (كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ النَّافِلَةِ). يعني: كسائر الصلوات النافلة التي يُصَلِّيها الإنسان وحده، كالسنن الرَّواتب لا السُّنن التي تُؤدى جماعة، كصلاة كسوف الشمس، أو العيدين، والاستسقاء، والتراويح. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَان مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ). والحديث جمع بين مسألتي كسوف الشمس وكسوف القمر، والرسول ﷺ قال: "إنَّ الشَّمْسَ"، و (إن) مِن المُؤكدات، "إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه"، فجمع بينهما؛ فهل لهذا الجمع بينهما معنى؟ بحيث يكون حكماهما واحدًا؛ لكون النبي ﵇ قال في آخر الحديث:

стр. 2732

"فَإِذا رأيتم ذلك"، والإشارة تعود إلى الكل، "فَصَلُّوا"، وفي بعضها: "فَصَلُّوا وادْعُوا"، والروايات كثيرة جدًّا. فمِن العلماء مَن قال: إلى الأمر مقصور على صلاة كسوف الشمس، أما القمر فلا؛ قالوا: لأن فِعْل رسول اللَّه ﷺ جاء بيانًا لقوله؛ لأن ما جاء عن قوله إنَّما كان مقصورًا على صلاة كسوف الشمس. وهذا ما نهجه المؤلف وذهب إليه، ولكننا لا نوافقه وسنرد قوله الذي يقول فيه بأنه لم يَرِد في ذلك أحاديث. * قوله: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) (١). هذا تكلمنا عنه وبينا أنه عندما تنزل بالمسلمين نازلة كما ترون؛ ككسوف الشمس أو القمر، فإن الناس يحمدون اللَّه كثيرًا، ويُكَبِّرون، ويثنون عليه، ويَدعونه ويتضرعون إليه . * قوله: (فَمَنْ فَهِمَ هَاهُنَا مِنَ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِيهِمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، رَأَى الصَّلَاةَ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ القَمَرِ مَعَ كثْرَةِ دَوَرَانِهِ. . .). هذا الكلام الذي قاله المؤلف بعدم ورود أحاديث في كسوف القمر غير مُسَلَّم له، بل ومردود؛ فقد جاء فيه أربعة أحاديث: حديث أبي بَكْرَة (٢)، وحديث عبد اللَّه بن عباس (٣)، وحديث عائشة (٤)، وحديث

стр. 2733

جابر بن عبد اللَّه (١): "أن الرسول ﷺ صَلَّى في كسوف الشمس والقمر". أمَّا حديث أبي بكرة، فقد أخرجه الحاكم والبيهقيُّ (٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تحسينه، وهو بلا شك حُجة. وأما حديث عبد اللَّه بن عباس (٣)، فهو ما رواه الحسن البصري عنه قال: "عندما كسف القمر أو خسف القمر -وابن عباس أميرٌ على البصرة- خرج بالناس؛ فصَلَّى بهم ركعتين، يصلي في كل ركعة ركعتين"، يعني: يأتي بركوعين، "ثم ركب وقال: صَلَّيت لأني رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يصلي". وهذا الحديث فيه مقال، ومثله -أيضًا- حديث عائشة، وكذلك -أيضًا- حديث جابر، لكن حديث أبي بكرة هو حُجَّة في هذه المسألة، فيُرد به على مَن يقول بأنه لم يَثبت في ذلك حديث، وحديث أبي بكرة جاء فيه أن رسول اللَّه ﷺ صَلَّى في خسوف أو في كسوف الشمس والقمر، فيَبقى هذا حجة، وليس كما ذكر المؤلف.

стр. 2734

هذا، وقد وردت أحاديث أُخرى في هذا المعنى ومنها: عن ابن عمر أنه كان يُخبر عن رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الشمسَ والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتموهما فَصَلُّوا" (١). ومنها كذلك: سَمِعْتُ المغيرةَ بن شعبة يقول: "انْكسفت الشَّمْس على عهد رسول اللَّه ﷺ يَوْم ماتَ إبراهيم- فقال الناس: إنَّما انكَسفت لموت إبراهيم، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الشَّمْسَ والقَمر آيتان مِنْ آياتِ اللَّه لا يَنْكسفان لِمَوْت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رَأَيْتموها فادْعُوا وصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي" (٢). * قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا). ويُؤيد ما ذهبنا إليه هذا الحديث الذي معنا: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَر آيتان"، فرسولُ اللَّه ﷺ جَمَع بينهما، ولكن حصل أن كسفت الشمس، وربما تكررت كما يذكر ذلك بعض العلماء، فاشتهر ذلك. * قوله: (قَالَ: المَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلَاةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ النَّافِلَةُ فَذًّا، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا القَوْلِ يَرَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ اسْمُ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْعِ إِذَا وَرَدَ الأَمْرُ بِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ). (أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ): هو ما يتعلَّق بكسوف الشمس؛ لأنَّ الفعل جاء مبينًا له. هذا هو الذي يريد أن يقوله المؤلف. * قوله: (إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَلَّ فِعْلُهُ -عَلَيْهِ

стр. 2735

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَقِيَ المَفْهُومُ فِي كُسُوفِ القَمَرِ عَلَى أَصْلِهِ، وَالشَّافِعِيُّ يَحْمِلُ فِعْلَهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ. وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْد البَرِّ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ: "أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي القَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ (١) "، مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ). وهذا هو الذي ذكرناه فيما مضى عن الجمهور. * قوله: (وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ الصَّلَاةَ لِلزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ). ما يتعلَّق بالزَّلزلة والظُّلمة والرَّجفة والريح الشديدة، وكذلك الصَّواعق والأمطار إذا اشتدت، هل يُصلَّى لها أو لا؟ أكثر العلماء أنَّه لا يُصَلَّى لها، وإنما يُقتصر على مورد النص، فالذي وردت الصلاة فيه إنما هو ما يتعلَّق بخسوف الشمس والقمر، ونقل عن الإمام أحمد (٢): "أنه يرى أنه يُصلى للزَّلزلة". وكذلك في المذهب الحنفي أيضًا (٣).
следующие страницы →